فى ملجأ للاطفال يجلس على سرير حديدى مكون من طابقين. كان جالس على السرير العلو ممسك كتابه يذاكر حتى افاق على صوت احد زملائه فى الميتم. محمود يا محمود انت يا يالا. محمود منزل رأسه من السرير بصوت منزعج: عايز ايه يا خالد ايه الدوشة اللي انت عاملها دي. خالد: بص يا غبي شوف في بنت جديدة جت. محمود: وفيها إيه يعني. خالد: بص الأول وأنا أقولك فيها إيه.
ليرفع محمود بصره ليرى طفلة وعلى يديها عروسة لعبة كبيرة، وعلى ملامح وجهها التلبد لا فرح لا حزن لا أي شيء. فتعجب محمود من هيئتها، فغالب الأطفال الذين يأتون إما يبكون أو حزينين أو لديهم أي رد فعل، أما هذه فلا شيء. لينزل محمود البالغ من العمر 12 عاماً وبجانبه خالد ذو 10 أعوام متوجهين نحوها. محمود يرفع يدها ليسلم: أهلاً أنا محمود وده خالد وإنتي... أخذت الطفلة تنظر لهم بلا مبالاة ولا يصدر منها أي رد فعل.
خالد يصيح: يا نهار أبيض دي مش عروسة لعبة دي نونو طفلة رضيعة. اندهش محمود وأخذ يدقق ليصدم أن ما على يدها طفلة رضيعة. خالد: مين دي وإزاي دخلتيها هنا. لترمقه الطفلة بنظرة نارية: دي بنتي ومحدش يقدر ياخدها مني. صدموا من ردها. لتقاطعهم المشرفة وتأخذ الطفلة وتحدد لها مكان نومها، وهو سرير حديدي في زاوية بعيدة من عنبر الأطفال وكأنه مكان مخصص لها. في المساء: كانت الطفلة تطعم الرضيعة الحليب بواسطة الببرونة وتهدئها.
ليتقدم محمود ومعه خالد نحوهم، وذلك بعد نوم باقي أطفال العنبر وذهاب المشرفين. محمود بصوت هادئ: هاتيها شوية أشيلها عشان تنام. الطفلة تنظر له نظرة استغراب. خالد: متخفيش هو هيسكتها عشان متعملش صوت وتصحى بقى الأطفال والمشرفة تيجي تاخدها منك. الطفلة: أنا نور ودي سلمى بنت عمي. تعجب خالد ومحمود من إجابتها. خالد: أمّا فين أهلك. ليرمقه محمود بنظرة كأنه يقول "يا غبي لا يأتي هنا سوى من توفى أهلهم ولا يوجد أحد لرعايتهم".
نور بهدوء قاتل: ماتوا! محمود: إنتي في سنة كام وعندك كام سنة؟ نور: سنة تانية وعندي سبع سنين ونص. خالد: تانية ابتدائي!! نور تبتسم بسخرية وبداخلها ماذا؟ ابتدائي!!! محمود: أنا أول إعدادي وخالد خمسة ابتدائي، اعتبرينا أخواتك من هنا ورايح. (ويبتسم) نور تنظر إلى خالد فهو بعمر شقيقها وتجري لها مشهد ذبح أخيها فقد ذبحه المجرم بدم بارد كما تذبح الشاة بلا رحمة. خالد: أيوه يا ستي إحنا هنبقى أخواتك وهنحميكي هنا.
نور: ماشي، كل ما آجي هنا ببقى عارفة إن فيه حد مستنني!! محمود وخالد: تيجي هنا؟!! نور تعطيه سلمى ليحملها. محمود وخالد ملتصق به كأنه أول مرة يرى طفلة رضيعة ويبتسم لها.
منذ اليوم الأول ومحمود كان يستغرب تصرفاتها وأسلوبها، فكانت أسلوب شخص بالغ كبير وطريقة اهتمامها بالرضيعة أدهشته الجميع بما فيهم المشرفين، وكذلك مساعدة باقي الأطفال في دراستهم حتى من كانوا في عنابر أخرى أكبر منهم بالعمر ذو 14 و15 و16 من العمر تساعدهم بمذاكراتهم ولا يبدو عليها أي آثار حزن أو شيء، وكان كل يوم يأتي لها شخص يتحدث معها قليلاً ويذهب. كانت أغرب طفلة دخلت الملجأ بالنسبة له، وقد مر أسبوعان كاملان حتى جاء يوم.
نور: محمود هو خالد ماله من الصبح حزين وساكت على غير عادته. محمود بحزن: أصل النهارده الذكرى الرابعة لوفاة والده. نور: الله يرحمه، أمّا فين مامتهم.
محمود بأسى: بصي يا ستي أنا أبويا وأمي ماتوا في حادثة عربية سطو مسلح، وأعمامي وخلاني رفضوا ياخدوني ده من سنتين، ووالدي كان ملازم أول في الشرطة. أما خالد فحكايته مختلفة. أبوه استشهد في مهمة كان ملازم برضه وكان خالد عنده 6 سنين، وأمه اتجوزت بعد 6 شهور بس وجوزها رفض إنه يكون معاها، فجده تولى رعايته، وخلال سنة من موت أبوه جده اتوفى وجه هنا. ودي بقى حكايتنا. حكايتك إنتِ إيه وبنت عم النونة دي، واعرفي إني ملاحظ إنك غريبة عن كل الأطفال الموجودين هنا.
نور: أنا عيلتي كلها من جدي وجدتي وعمي ومراته وعمتي وأبويا وأمي وأخويا ماتوا كلهم في لحظة، ومبقاش غير سلمى الصغيرة دي هي الباقي من عيلتي كلها. محمود بصدمة: كلهم مرة واحدة!! نور: والدي يبقى ضابط وكان انتقام! محمود: وإنتي؟ نور: أنا بدرس في جامعة للقدرات الخاصة بسبب معدل ذكائي، ده السر إني مش عارفة أتقلم مع الباقي أو تصرف زي الأطفال. محمود: كنت متأكد إنك غريبة.
نور: محمود أنا بكرة آخر يوم ليا هنا، هامشي أنا وسلمى، خلي بالك من نفسك ومن خالد. محمود: تمشي فين؟! نور: أبدأ المشوار "العدالة"، بس هاجي كل 6 شهور أسبوع، هبقى أطلب آجي هنا. *** مر 6 شهور منذ مغادرة نور وصغيرتها سلمى كما تناديها، وعادت نور أخرى تماماً!!
فقد دخلت الملجأ للمرة الأولى طفلة طويلة بعض الشيء مرتدية فستان يصل إلى الركبة ذو شعر أسود طويل حرير يتطاير على ظهرها، أما الآن مختلفة ملامحه عليها القسوة وازداد برودها، مرتدية بنطال وتي شيرت ومقصوظ شعرها كله وكأنها ولد لا فتاة!! لا أدري ما حدث لها، ومن يومها ونور أصبحت نور أخرى واختفت تلك الطفلة البريئة. ما هذه العدالة التي تحول الأشخاص لأناس آخرون؟!! "لا أدري". *** في الحاضر:
محمود: يا ريت ترجعي نور اللي شفتها أول مرة، معرفش الدنيا دايمًا ماشية معاكي عكس ليه، حتى لما حبيتي واتجوزتي راح زي اللي راحوا، يارب يحميكي وتحققي العدالة اللي ضحيتي بعمرك عشانها. ************************************************ في مكان آخر بوزارة الداخلية في مكتب "اللواء عدلي فرحات" يجلس أمامه شاب في الثلاثين من عمره. عدلي: اسمع يا أدهم، المهمة دي ملهاش علاقة بالرتب، وأظن سمعت نور الوحش تغني عن أي شيء.
أدهم: يا أفندم أنا معترضتش، أنا بسأل بس. عدلي: لو عايز تسأل فاسأل والدك اللواء جلال، فهو خير من يدلك، واستعد أنت وفريقك للتعارف بكرة. أدهم: تمام يا أفندم، عن إذنك. عدلي: اتفضل انصراف. ********************************* في أحد المنازل الراقية: -يا بنتي هو انتي لحقتي جيتي عشان تمشي. نور: معلش يا دادة فاطمة، انتي عارفة طبيعة شغلي. دادة فاطمة: يا بنتي نفسي تباتي يوم هنا.
تنظر نور في الأرجاء: صعب يا دادة، أنا اتعودت خلاص على عنبر الظباط، وقبله كان عنبر الطلاب، صعب أستقر في بيت وأوضة. دادة فاطمة: يا بنتي أنا عارفة إن البيت صغير عن الفيلا بس أهو. لتقاطعها نور: أنا لو عايزة أجدد الفيلا من بكرة هاجدد، بس أنا مستنية الوقت وهو قرب.
دادة انقبض قلبها: بلاش الفيلا يا نور، الشقة حلوة والله، وأهو قاعدة لوحدي والشغالة مش محتاجين حد، وسلمى لما بتيجي من المدينة الجامعية لها أوضة، أوضتك إنتِ الفاضية ومدخلهاش حد من يوم ما جينا هنا. نور: مش مهم، اله صحيح سلمى بتكلمك. دادة بفرح: آه يا بنتي كل يوم. نور: مش نفسك تعرف الحقيقة وتناديها تيته بدل دادة دي. دادة بحزن: بلاش يا نور كده أحسن، خليها فخورة إنها بنت قمر شمس الدين، وإلا هتبقى...
نور: سهى الله يرحمها كانت ضحية يا دادة، وإنتي عارفة لو يرجع الزمن كنت أتمنيت إني أنا اللي انخطفت مش هي مكاني.
دادة: عيب عليكي يا نور، أوعي تقولي كده. إذ كان سهى الله يرحمها بنتي الوحيدة، فإنتي لا تقلّي من غلوتها عندي، وإنتي أهلك ناس طيبين عمرهم ما فرقوا بين المعاملة، وقالوا دي بنت الخادمة والبواب، كانوا بيعاملوها كأنها بنتهم، وده نصيبها يا بنتي، الحمد لله بنتها بتعوض عنها، وكفاية من راحتها على وش الدنيا، وإنتي بتعتبريها زي بنتك مش أختك، حتى وربيتيها 7 سنين لوحدك، كتر خيركم يا بنتي.
نور تحضنها: أوعي تقولي كده يا دادة، إنتي وسلمى الفضل لي على وش الدنيا، وإن شاء الله حق الراحوا قرب يرجع. دادة: خلي بالك من نفسك يا نور. نور: ادعيلي يا دادة، ادعيلي ربنا ينصرني. دادة: ربنا ينصرك على كل ظالم ويحميكي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!