بعد خروج نور من مكتب عدلي، شعر بالحزن على ما أصاب تلك الفتاة. يرجع بذاكرته عشرين عامًا للوراء. عدلي بغضب: أنت اتجننت يا جلال؟ بتساوم طفلة بطفلة رضيعة. جلال: أنت مش فاهم حاجة. البنت اللي أنت شايفها طفلة دي مش طفلة عادية. ده معدل ذكائها 185، يعني عبقرية، فاهم يعني إيه؟ عدلي: مش فاهم ومش عايز أفهم. البنت دي تبقى بنت أعز صديقي ليا، الله يرحمه. ومش هاسمحل بالهبل ده.
جلال: الأمر خلاص خرج من إيدي. الموضوع وصل لأعلى قيادة في الداخلية، وكمان المخابرات في الجيش عرفت بيها. يعني صعب تخرج. عدلي بصدمة: إيه!!! إيه الجنان ده؟ دي عيلة صغيرة عندها 7 سنين. أهلها ماتوا، كلهم بهدلوها كده. جلال: العيلة أم 7 سنين دي بتدرس في جامعة في بريطانيا، فاهم يعني إيه؟ عدلي: إيه!! جلال: معدل الذكاء عندها عالي، ونقدر نستغله لصالحنا ونصنع منها أكفأ ظباط الشرطة والجيش. عدلي: تقوم مدخلها عسكرية حربية يا مفترى؟
دي أقل واحد لازم يكون 10 أو 11 سنة. ودي بنت وكمان 7 سنين! أنتم اتجننتوا أكيد.
جلال: البنت هي الشخص الوحيد الشاهد على شهاب المنياوي، بجانب أنها حفظت المعلومات اللي كانت على الديسك. عارف شهاب مطلوب دوليًا. أول ما الإنتربول الدولي ياخد خبر بيها هيحاولوا ياخدوا بحجة قانون حماية الشهود. وأكيد هيتمسكوا بيها وينفذوا طلباتها كلها مقابل إنها تكون معاهم. البنت دي كنز، واللي يستغله صح هيبني منها شخص خرافي. عشان كده لازم تكون تحت جناح الشرطة أو الجيش المصري عشان محدش يقدر يطالب بيها. غير إن شهاب المنياوي عرف إن الديسك فيه منه نسخة وفيه شاهد كمان وهرب بره مصر بسرعة. بس رجّالته بيدوروا على الشاهد، فاهم يعني إيه؟
عدلي: أنا دلوقتي فهمت ليه شمس الله يرحمه كان مخفي بنته ومش معرف حد عنها. أكيد كان عايز يبعدها عن أي خطر. بس دلوقتي بعد ما مات، البنت بقت جو الخطر نفسه. بس اللي بتعملوه ده يا جلال غلط. هتضيع طفولتها وتهدم براءتها وتحولها لوحش. عاد عدلي إلى الواقع. عدلي: الله يسامحك يا جلال. أهي نور بقت الوحش اللي خايف منه. ***
عند خروج نور من مكتب عدلي، خرجت مسرعة كالبرق متوجهة إلى سيارتها. بمجرد دخولها سيارتها وجلست خلف عجلة القيادة، نزعت قبعتها البيضاء وأخذت تملس بهدوء شعرها المربوط (كعكة) تحاول أن تهدئ النيران التي بداخلها. وما بها مرت ثلاث سنوات ولم تغفل لحظة على حرقة ما حدث. كان آخر ما خسرته هو طفلها قبل أن تعلم بوجوده في داخلها من الأساس. ليجعلها أشد صلابة وقسوة. فقد خسرت كثيرًا (لا أب -لا أم -لا أخ -لا عائلة -لا زوج) . رحل الجميع.
أدارت سيارتها متجهة إلى المستشفى العسكرية. *** في غرفة المستشفى. "استلقى وعدك يا خفيف. ده الرائد نور الوحش زمانه مستحلف لك." هتف بها "فهد". محمد مجهد متعب: اسكت أنت خالص. شكلك شمتان فيها. أحد الزملاء: والله الواحد يديك علقة وتستاهل اللي هيحصلك وزيادة كمان. كنت هتموت لولا السيادة الرائد نجدتك. ليسمعوا طرقًا على باب الغرفة، فينتبهوا لمن يدخل ويقوموا تعظيم سلام له. نور ببرود: عامل إيه دلوقتي يا محمد؟ محمد: الحمد لله.
تنظر لفهد بنظرة استفسار عما قاله الطبيب. فهد متوترًا: الدكتور قال الإصابة سطحية وبسيطة وهو هيكون كويس. نور: تمام. يعني يخرج النهاردة. الجميع بصدمة: ها!! نور ببرود أشد: حد عرف أهل بيته؟ أحد الظباط: محمد قال قبل ما يفوق، وإحنا أول ما فاق عرفنا. مراته زمانها جايه. لتدخل في تلك اللحظة امرأة مسرعة، على وجهها علامات التوتر. حامل في شهرها الأخير يبدو ذلك من مظهرها. محمد: أنت كويس، عامل إيه؟ "صوت المرأة متوتره."
محمد: أنا كويس يا ريم، اهدى. ريم: يعني إيه كويس؟ أمال اتصلوا قالوا إنك مصاب. محمد: دي إصابة بسيطة، متخافيش. أنا كويس. نور: إزيك يا ريم؟ عاش من شافك. تلتفت ريم وتجد إنها نور. محمد متعجبًا: أنتِ تعرفي مراتي يا أفندم؟ نور: طبعًا. كانت من أميز طلاب كلية الشرطة في الفرقة الأولى، بس سابت الكلية ومكملتش. معرفش ليه.
ريم متلثمة في الكلام: أهلاً يا فندم. معلش بقى مقدرتش على الشدة. بس إن حضرتك رئيسه كده، اطمنت على محمد. في فريقك هيكون أمان. نور ناظرة إلى محمد بنظرة ثاقبة: أظاهر إن جوزك كسر القاعدة دي وعرض نفسه للخطر. وشكله كان حابب يتم ابنه الجاي على الدنيا بسبب غباءه. (كانت كلماتها لاذعة، جارحة) ريم بصدمة: إيه!! عرض نفسه للخطر؟ نور: ملبسش درع واقي. أولًا خالف التعليمات وغير موقعه وكشف نفسه. لولا ستر ربنا كان زمانه في خبر كان.
ريم ملتفتة لمحمد: الكلام ده صح يا محمد؟ محمد بقلق: والله موضوع الدرع راح عن بالي. أما تغيير الموقع كان فكرة حبيت أقولها في استراتيجية الخطة بس. نور بشدة: بس!! بس إيه؟ أنا دايما في غرفة العمليات بقول مين عنده اقتراح أو فكرة. متكلمتش ليه. محمد: آسف يا فندم. آخر مرة. نور باستخفاف: طبعًا آخر مرة. أنت تفكر أصلًا تشغل مخ بغباء. (وتلتفت إلى ريم وابتسامة خبيثة على وجهها) . ريم، أنتِ فاكرة أنا كنت بعاقب إزاي وإنتي في الكلية؟
ريم تهز رأسها بالموافقة: تمام. نور: عايزك بقى تنفذيه قوي عشان يحرم يخالف الكلام. وأنا هاكمل بعدين. مفهوم؟ ريم تنظر إلى محمد بغيظ: مفهوم أوي يا فندم. *** خرجت نور من الغرفة لتقابل أحد الأطباء. نور: أخباره إيه يا محمود؟ والإصابة خطر؟ محمود: هو كويس والرصاصة سطحية. مدخلتش في عظمة الكتف الحمد لله. نور: الحمد لله. محمود: وإنتي؟ أثر الرصاصة اللي جت في الدرع عامل لك ألم أو أي حاجة؟ نور تتضحك باستهزاء: ألم!!! ألم إيه؟
ما أنت عارف أنا مفيهوش حاجة بتوجعني. اللي بيوجعني راح. محمود ويدرك الحزن على ملامحه: المهم إنك كويسة. مايا كانت عايزة تشوفك. نور: هي عاملة إيه والعلاج نظامه إيه؟ متنساش إنها أمانة. محمود: الحمد لله. خطة العلاج تمامًا وبدأنا نهيئ للعملية وإن شاء الله تتم على خير. نور: يارب. في تلك الأثناء تأتي الممرضة تدفع كرسي متحرك، جالس عليه ملاك. هذا أقل ما يقال عنها. طفلة في الثانية عشرة من عمرها، ذات وجه بشوش مبتسم، موجه نحوهم.
ترفع نور نظرها وهي تنظر لتلك الطفلة ويدور بخاطرها تلك الطفلة المسكينة. هذا أقل ما يقال عنها. فوالدة الطفلة ظلت تحلم بإنجاب لمدة 10 سنوات. وعندما جاء أن تنجب أخيرًا، استيقظ زوجها في منتصف الليل لألم الولادة. إنه حان تأتي ثمرة حبهم إلى الحياة. ليذهب مسرعًا بسيارتهم، ولكن تلاعب أحد المجرمين انتقامًا من زوجها في فرامل السيارة لتنقلب بهم. وينجو الزوج، ولكن الزوجة ماتت على أثر نزيف بالمخ. وكان أمر خروج طفلته الباقية له في
الحياة مصابة على أثر الحادث بخلل بالعمود الفقري ولا علاج له إلا عندما تتم الطفلة عمر 12 من عمرها. ليتحمل جسدها العملية. وكان مصير الطفلة أن تعيش بالمستشفى على كرسي متحرك، يتيمة الأم والأب الحنون يخاف عليها ويحميها. ولكن منذ عامين ذهب في مهمة كجاسوس سري لأحد العصابات وما زال هناك يبث المعلومات لحين القبض عليهم. وأودع ابنته مايا أن ترعاها نور وتزورها. وإن حدث له شيء ولم يعد، تكون تحت جناحها وتتبناها.
نور مبتسمة: عاملة إيه يا مايا؟ أخبارك إيه؟ مايا بصوت هادئ بشوش: كويسة يا نور. أنتِ عاملة إيه؟ نور: الحمد لله تمام. مايا بتسأل: نور، هوبابا كويس؟ بقالي كتير مسمعتش صوته ولا كلمني. هو هيجي امتى؟ لتنظر نور إلى محمود وترجع بنظرها إلى مايا: كويس. أنتِ عارفة إن بابا بطل وهو في مهمة. وإن شاء الله هيرجع ويشوفك وإنتِ بتجري وتمشي. مايا: كان نفسي يبقى معايا وأنا داخلة العمليات.
نور تمسك يديها بحنان: مش الأحسن نعمله مفاجأة ويشوفك بعد ما تعمليها وتجري وتتنطي؟ مايا: ماشي. نور: إيه رأيك بعد بكرة آجي آخدك ونجيب إسلام ونوديكم الحديقة؟ مايا بفرح: بجد؟ إسلام وحشني أوي. حلو نخرج مع بعض. نور: تمام كده. لتأتي الممرضة لتحمل الكرسي المتحرك وتأخذها وتمشي. قليلاً. تلتفت مايا لنور. مايا بصوت حزين: نور، أنا مش عايزة نزار البطل. أنا عايزة نزار بابا. متخليهوش يسيبني هو كمان. وتسير في طريقها بمساعدة الممرضة.
لتلتفت نور إلى محمود. محمود: هو في إيه يا نور؟ نور: محمود، هو امتى آخر مرة العقيد نزار كلم مايا؟ محمود: تقريبًا كده من شهر. نور، هو في إيه؟ نور: العقيد نزار أخباره مقطوعة من أسبوعين. إحنا خايفين يكون اتكشف. وكمان المهمة اتقدم معادها عن المعاد المحدد. فيه لخبطة بتحصل. محمود متقدمًا ممسكًا يد نور: نور، بلاش. ابعدي. مش مستاهل تعرضي نفسك للخطر. نور مبعدة يد محمود: خطر!! خطر إيه يا محمود؟ ده العدالة ولازم تتحقق.
محمود بعصبية: تتنفذ العدالة بس مش لازم تكوني إنتي. كفاية عيشي حياتك. نور بدموع أبيه النزول: آخر روح راحت مني كانت ابني اللي راح قبل ما أوعى إنه موجود أصلًا. يبقى أعيش لمين؟ لا عيلة ولا زوج ولا حتى ابن! محمود: بس.. نور بجدية: بس إيه؟ بص لمايا ولا إسلام. الخالد مات ومشافش ابنه ومراته من الصدمة لغاية دلوقتي في عالم تاني عايشة مع المجانين ولا غيره ولا غيره. فاكر الميتم اللي كنا فيه؟
فاكر الأطفال اللي أهلهم ماتوا واتيتموا بسبب شوية ناس جشعة مجرمين؟ يبقى العدالة لازم تتم. محمود بحزن: العدالة يا نور مش انتقام. نور بحزم: عمره ما هيكون انتقام. وإنت عارف كده. لو انتقام كنت انتقمت من زمان. على الأقل من 3 سنين. لكن اللي أنا بسعى له هو العدالة. لتذهب نور من أمام محمود الذي ينظر لها. ليتنهد محمود وينظر ويرجع بذاكرته 20 سنة ويتذكر أول مرة رأى نور.
فكانت صغيرة تبلغ 7 سنوات ونصف، وعلى يديها طفلة رضيعة تبلغ 6 أشهر، محتضنها يديها إلى صدرها كأنها تحميها من العالم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!