مر اليوم ودخل يوسف البيت ليجده هادئًا، لا توجد به حركة. ذهب إلى غرفتها، لكنها لم تكن موجودة. قطب جبينه، وجال في الشقة والشقة المجاورة وهو ينادي عليها. رفع هاتفه ليتصل بها، لكن هاتفها كان مغلقًا. أحس ببعض الرهبة، فدخل مرة أخرى إلى الغرفة ملهوفًا. وجد على السرير ورقة موضوعة، فأحس بقبضة في قلبه. اقترب بهدوء، وأخذ الورقة ليفتحها. ظهرت حبيبته، وصدح صوتها في قلبه: "يوسف... مش عارفة ومش لاقية كلام أعبر بيه عن اللي جوايا.
هقولك: البداية كانت حلم... بحلم بوحش يمزق قلبي، وجنبه صوت بيطمني. حلمت باتنين طول عمري ما فارقونيش. واحد بيوجعني، والتاني بيحاول يطبب قلبي، بس مش عارف. بيقولي اصبري وأنا بتوجع، ومش عارفة أصبر إزاي.
لما قابلتك، كنت واحدة خايفة، مهزوزة. لقيت فيك أمان الدنيا، لقيت فيك الصوت اللي بيظهر لي في حلمي ويطمني. حبيتك، وعشقتك، وما عرفتش غير إني أحبك. بس لما غرزت سكينتك في قلبي، شفتك الوحش في حلمي. أيوه، أنت اللي مزقت قلبي في الحلم، أنت اللي قتلتني، وموت جوايا كل حاجة. بدل ما كنت بخاف، بقيت بترعب. بدل ما كنت مش حاسة بالأمان، بقيت بموت في دنيا كل يوم بتغدر وتطعن.
مش عارفة أنت إزاي ما حسيتش بحبي يا يوسف. هو كان حبي رخيص أوي كده؟ ولا ده مش حب؟ ما وصلكش العشق اللي جوايا إزاي؟ ده أنا كان هاين عليا أعيش لك العمر كله تحت رجليك، ترضى وتأمر وتتحكم. بس ربنا ليه حكم، إن يقلب الوحش اللي عشت سنين يعذب فيا، ليتحول لحقيقة. أنا موجوعة أوي. عشت حقيقة موجوعة وخيال موجوع، زي ما يكون اتكتب عليّ الوجع، وأنا اللي عشقت وحبيت. وراجع تقولي بحبك،
عارف الصوت بيقولي: أنا أمانك ودنيتك. وبيقولي اصبري، ومش عارفة أعمل إيه وأصبر إزاي. صوتك، أيوه صوتك معايا في حلمي، بس وجودك بيحط ألف وجع على وجعي. أنا جوايا اتنين بيمزقوني. واحد بيعشقك. أيوه يا يوسف، بعشقك عشق، وما أقدرش غير إني أعشقك، وماليش حيل غير في كده. وواحد تاني بيحاول يشيل الغرزة اللي غرزتها جوايا.
أنت ما ادتنيش فرصة، أنت قررت وخططت لحياتك على كيفك، وأنا أراضي نفسي بنفسي. لا يا يوسف، أنا ليا مشاعر بتطحن بعض. حتى لو بعشقك، عايزة أبعد عشان أحس إني ليا قيمة. أنت محسسني إني ماليش حد، وأنا فعلاً مليش حد يقف لك وياخد باله مني. أنت بتقرر وتنفذ، وأنا ما أنطقش. أنا بخاف منك يا يوسف، بترعب منك. ماحدش بيعيش مرعوب وخايف طول عمره. أنا عشت أحلم بالخوف، وأقوم أعيشه. بس مش هقدر أكمل كده. جاي تقولي بحبك، واديني فرصة؟
كنت اديني أنت فرصة، وما تقتلنيش كده. لو جابوا لي عمر فوق عمري، وانعاد الزمن، هرجع أحبك. ولو حصل إيه، هرجع أحبك، لأني ما عرفتش غير إني أحبك. بس مش قادرة. حاسة إني رخيصة وماليش حد. حاسة إني لوحدي. أنت يا يوسف بتحب بطريقة أنا ما عرفتهاش. كنت سيبني أنقهر على حالي، سيب لي نفسي أراضيها وأعملها قيمة. سيب لي حاجة أعملها. يا أخي، سيبني أوجعك حتى. أنت مش عارف تسيبني أعمل حاجة.
يوسف، يقرر خلاص. أنت شخصيتك غير. أنا ضعيفة وغلبانة، وما أعرفش أقول لا. بس هموت وأقول لا. كان تفسيرك تخليني أقول لا في وشك، وأنت تقول حاضر يا ليان. ازعلي، وهستناني. أغضبي، وهستناكي. أوجعيني، وهستناكي. إنما جبر في جبر، وماليش إنطق. ونازل حب؟ هو كده عندك الحب؟ إنك تستغل ضعفي وتتحكم فيا؟ أنت بتحب بطريقة توجع، وأنا ما عرفتش.
أنا بموت إني بعدت، وروحي بتطلع. حضنتك وكلبت فيك عشان بموت، وهموت من غيرك. بس أنت السبب. أنا حاسة بوحدة رهيبة ودنيا غريبة. كنت اديني الأمان، وحسسني إني مهما زعلت، هتدادي وتطبطب. مهما غضبت، تتحملني. أنت بتطالبني أتحملك، وجاي تقولي أراضي، وحاضر، وطيب. ليه ما أستحقش أبين لك وجعي، وأنت اللي تقول حاضر وطيب؟
إحنا اتنين مالهمش يتقابلوا. حد عبيط وغلبان وما بيعرفش حاجة، وحد تاني صعب ومتحكم، وما بيعرفش غير الجبر. يا ريتك فهمتني، واديتني وقت أتنفس. كنت هراضي والله، كنت هراضي. لما أطعنك في قلبي، وأسيب جرحك مفتوح بينزف، وأخبيه بغطا، وهو بينزف، وأقول خلاص الجرح اتقفل وبقى كويس. أنت عملت كده. بس الجرح بينزف وما اتقفلش. بكتب لك وقلبي بينزف، وعيني بتنزف. بكتب لك، وحبي ليك بيموتني عشان هبعد.
أيوه، هبعد. جايز أكبر وأتغير. جايز أبقى مش ليان الطفلة اللي بتصدق وتأمن. جايز أبقى طبيعية، ويوم من الأيام ألاقي الأمان. صوتك في الحلم بيقولي اصبري. هصبر يا يوسف، بس هبعد. هبعد عشان أتغير، وأقدر أعيش في دنيتك. أنا مش عارفة أعيش. ما تدورش عليا عشان مش هتلاقيني. عيش وانساني. واحد زيك ماينفعش يحب حد ضعيف زيك. عيش، بس أوعد ترجع وحش تنهش حد تاني. كفاية كده، كفاية أوي. ما أتمناش لحد يشوف اللي شفته من حد كنت فاكرة حبيب. حب يا يوسف، بس حب بجد، وحس بحبيبك. ساعتها هتعرف أنا اتوجعت أد إيه عشان حبيت. ويا ريتني، ويا ريتني ما حبيت. لأني روحي طلعت بعد ما حبيت، وحبيبي خد روحي. أنت خدت روحي يا يوسف. فسيبني في حالي، أدور إزاي هعرف أعيش."
انتهت الرسالة، ويوسف متصنم مكانه، ودموعه تنزل على حب حياته. "ليهمس: يعني إيه؟ يعني ليان سبتني؟ ليان مشيت وسابتني أنا؟ لا، ليان ما تعملش كده. هي ما تعرفش تعمل كده. ليان... حبيبتي، أنا تبعد عني؟ روحي اللي بعشقها تبعد وتموتني؟ لا، وبتقولك حب بجد، أصلك ما حسيتش بيها. آآآه... قلبي بينخلع. لا، ليان لا. ليه يا قلبي؟
والله كنت هطبب وجعك، والله كنت هحطك في عيوني. غبي، آه، غبي، بس بحبك. كنت موتيني، بس ما تبعديش يا عمري، ما تبعديش وتسيبيني. سيباني أرجع وحش تاني؟ سيباني لمين؟ أنا ماليش غيرك. أنت مش رخيصة يا قلبي، دانت نن عيني من جوه. يا ريتني مت قبل ما تخلعي روحي وتمشي. أنا بحبك كلك على بعضك، بضعفك، بطيبتك. أنت تنحبي وتدخلي القلب. هعيش إزاي طيب دلوقتي؟ أنت إزاي تعملي فيا كده؟ آآآه يا قلبي اللي اتمزق يا يوسف. مشيتي؟ رحتي فين بعيد عني؟
أنت مالكش غير إنك تبقي في حضني. وجعتك، آه، وجبرتك، آه، بس بحبك. وما كنتش أقدر أسيبك. والله ما أقدر. ده نفسي بيطلع، حاسس بصدري طابق عليا. لا، لا يا قلبي، ماينفعش تسيبيني. هنام من غيرك إزاي يا قلبي؟ وماخدكيش في حضني؟ طب أنا غبي، تسيبيني كده؟ والله بحبك. أروح فين بوجعي ده؟ ظل يخبط على قلبه بوجع: "أروح فين بوجعي ده؟ أجيبك منين بس؟ لا، والله ما هرتاح إلا أما أرجعك حضني تاني. ولا هشوف يوم فرح. بتقوليلي أحب...
أحب إزاي وأنا اللي جوايا طافح وزايد؟ لا يا قلبي، أنت حبيبي وهترجعيلي. مش يوسف اللي يسيب حبيبه. هترجعي، قصر الزمن، وطال، هترجعي." ليقوم ليبدأ رحلته في البحث عنها، رحلة البحث عن روحه التي فقدها من جراء يديه. ليجري اتصالاته. ليمر أيام وأيام، ليعلم أنها غادرت البلد، ولكن لا يعرف لها وجهة. علم البلد التي نزلت بها، وكلف شخصًا يبحث عنها، ولكن لا سبيل إليها.
لتمر الأيام، الأيام، والشهور، ويوسف قد تحول إلى جماد، لا يعيش، لا يفرح، لا يتكلم. يعمل وفقط، ولا يكل في البحث عن حبيبه. كان لا يفارق شقتها، وأصبحت مسكنه، يتلمس فيها رائحتها. وكان ينام ويأخذ وشاحها في حضنه، ليغمض عينيه بعد صعوبة، ويتذكر حبيبته وهي في أحضانه. ولكنه لم ييأس، وعنده يقين أنه سيجدها يومًا ويعيدها إلى حضنه. كان يعيش فقط لهذا... لحبها فقط.
أما ليان، فقد استقرت في إنجلترا، بعد أن انتقلت من فرنسا كأول خط، لتقفل أي طريق للبحث عنها، فهي تعلم أن يوسف ليس سهلاً. وكانت قد تواصلت مع علي في الخفاء، حتى لا يعلم يوسف، الذي كان يضغط على علي بشدة. ولكن ليان لم تقل لعلي مكانها من الأساس، حتى لا تشكل عبئًا عليه.
لتبدأ في البحث عن عمل، لتتعرف على بعض الجنسيات العربية المجاورة لها في السكن. لتتوطد العلاقة بينهم، فكانت فتاة من لبنان، ليصبحا رفيقين. لتتوسط لها لتعمل في الشركة التي يعملان بها. لتبدأ ليان أول خطوة في حياتها. ليمر عليها شهر بعد أن رحلت عن يوسف.
ليأتي يوم يصدمها، كأن الزمن لم يرد أن تتخلص من حبيبها، لتجد نفسها تحمل جزءًا منه بداخلها. لتشعر في البداية بالقهر، ثم يتحول الأمر لحب شديد. فهي لم يعد في حياتها أحد يهتم لها، لتحس أن ذلك الطفل سيكون لها بمثابة الأمان الذي تسعى إليه، لتمتلك أخيرًا شيئًا ذا قيمة، لن يتركها ويرحل.
لتمر الأيام والشهور، وهي تعمل بجد، وتثبت جدارتها في الشركة. وكانت قد اكتسبت خبرة جيدة في التعامل مع الناس، وخصوصًا أن رفقاءها لا يفارقونها، لتشعر بشيء من الود يدخل حياتها، لتثقل شخصيتها رويدًا رويدًا. ليأتي يوم ولادة الطفل. لتلد ليان طفلة رائعة الجمال، تشع نورًا وبريقًا. كانت جميلة وناعمة، وتحمل غمازات والدها. ليخفق قلب ليان لهذه الطفلة، وتحس أن دنيتها تمحورت حولها. أحست ليان بالذنب الشديد لحظة ولادة ابنتها،
لتتردد ألف مرة: هل تخبر يوسف؟ أم أنها ستدخل في جحيم ليست في حيل له؟ لتقرر أن تنتظر حتى تستعيد نفسها. ليمر شهر، وأصبحت ليان بخير. لتجلس مع صديقتها سيلين، وكانت قد أخبرتها عن كل شيء. لتهتف: "مش عارفة يا ليان، لو خبرتيه بيجوز، ما يسكت، ورح يعمل مشاكل. ولو ما خبرتيه برضه حرام هيك. دي بنته وحقه يعرف." لتهتف ليان: "مش عارفة، متمزقة، ومرعوبة، وخايفة. أسكت، ويجي يوم ينتقم مني يوسف؟ مش سهل."
لتهتف سيلين: "طب خلاص، كلميه وخبريه، وابعتي له صورها، وبيكفي هيك. واللي يعمله يعمله. أنت بهيك عملة عملتي جزء، على الأقل عرف، وما تحرمش من بنته. ووعديه إن هيجي يوم ويشوفها، بس يوعدك إنه يسيبك في حالك." لتهتف ليان: "أنا خايفة، ومرعوبة. يا رب، إيه بس؟ أستغفر الله. ده حقه وحق بنتي. بس خايفة يضغط عليّ، أو ياذيني. أنا ما أعرفش هو شكله إيه بعد ما سبته. أكيد مش سهل عليه."
لتتنهد: "بصي، أنا جبت خط أكلمه، وهقفله عشان ما يعرفش يوصلي. وأنا نيتي خير، يبقى أكيد ربنا مش هيسيبني. يا رب." لتقوم وتلتقط لابنتها صورًا كثيرة، وتسجل لها فيديو، وتداعبها، لتتجلد وتتشجع، وتتصل على يوسف. كان يوسف جالسًا في شقتها، مرتكنًا على السرير، ينظر في الفراغ، سارحًا في ملكوته مع حبيبته. "يا ترى أنت فين يا قلبي؟ عايشة لوحدك، ولسه بتخافي وبتحلمي؟ يا ترى نسيتيني؟ كرهتيني؟ خوفتك أوي كده؟
أنا حيوان جاحد، بس بعشقك. قلبي هيقف. سنة قلبي انهارت من الوجع. لا عارف أعيش، ولا عارف أنام. مش عارف أتنفس من غيرك. قلبي بيموتني. انذليت في بعدك، والله انذليت. وحشتيني أوي، والله وحشتيني. طب ارجعي، وأنا هعمل لك اللي تعوزيه. ارجعي، وابعدي، بس اعرف لك مكان. أنا بموت يا قلب يوسف. سنة عدت، وقلبي موجوع. بموت من غيرك. ما كانش عارف إني عشقت أوي كده. عشقتك والله، وغلطت، بس أنت طيبة، ليه تبعدي كده؟
خفتي، عارف، بس أنت قلبي، وبتاعتي، دنيتي يا عمري. يا رب ردها لي يا رب. أنا موجوع." ليصدح تليفونه، لينظر إليه، ليجد نمرة خارجية. ليقطب جبينه، لياخذ تليفونه بلا مبالاة، ليفتحه ويهتف: "الو... كانت هي قد انشلت، لم تعرف أن تنطق. صوته دخل في قلبها، لتحس دنيتها تعود من جديد. لتنزل دمعة من عينها، لتتنهد وتحاول السيطرة على نفسها. ليلتقط يوسف تلك التنهيدة، ليقفز ويجلس ويهتف بلهفة: "ليان... لتنصعق من رده: "كيف عرفها؟
لتسمعه: "ليان... حبيبتي، صح؟ ردي عليّ بالله عليكِ، انطقي، قولي أي حاجة." "ليان، اتكلمي." ليسمعها تهتف بجدية: "إزيك يا يوسف." ليهتف بحب واشتياق جارف: "ميت." "يوسف ميت." لتتنهد وتقول: "من فضلك يا يوسف، سيبني أقول الكلمتين. أظن سنة عدت، والدنيا ما بقتش زي الأول، وكل واحد شاف حياته." ليصرخ: "هو مين اللي شاف حياته؟ لتهتف: "أنا. كده مش هعرف أتكلم، وهقفل الخط. مع السلامة."
ليقاطعها برعب: "طب خلاص، خلاص. عايزة تقولي إيه يا قلب يوسف؟ بس وحشتيني، والله وحشتيني." لتتنهد: "يوسف، من فضلك." ليهمس: "مش قادر، هموت عليكي. خلعتي قلبي ورحتي يا عمري. ارجعي يا قلبي، وهعمل لك كل اللي تعوزيه." لتهتف بوجع: "من فضلك، بطل بقى واسمعني." ليهتف: "ارجعي لحبيبك اللي مش عايش، وهيسمعك. والله هيسمعك. ارجعي يا عيون يوسف، وهحاول أكسر روحي عشانك، بس ترجعلي." لتهتف: "أبوس إيدك بقى، ارحمني." لتتجلد: "عايزة أقول لك...
إني مابقيتش لوحدي، وإن... إن بص يا يوسف، أنا هبعت لك صور تخصك، وكل أسبوع هبعت لك الصور دي، وما أقدرش أعمل غير كده. من فضلك، ما تضغطش عليّ، لأن ضميري بيوجعني كفاية." ليصرخ: "أنت بتقولي إيه؟ أنا مش فاهم حاجة." لتهتف: "أنا خلفت يا يوسف... جبت بنت، وهبعت لك صورها تشوفها. أنا آسفة، ده اللي أقدر أعمله. أنت السبب، مش هقدر أقرب، وخايفة منك، والله خايفة منك. سامحني."
وأغلقت الخط، وأجهشت بالبكاء، لتحس بوجع رهيب، وأحست أنها جلبت لنفسها مصيبة لن تتحملها. لتقوم بإرسال الصور والفيديو، وتقفل الخط. أما يوسف، فقد انشل مما سمعه، لم يلحق أن يرد، ليجدها تقفل الخط، لتصله عدة رسائل. ليفتحها، لتنزل دموعه بشدة، ليرى طفلة كالملاك، تشع جمالاً، وما أوجعه الفيديو، الذي يسمع صوت حبيبته. أحس أنه سيجن. ليقف: "يعني إيه؟ هربّي بنتي بالمراسلة؟ هي اتجننت؟ للدرجة دي اتغيرت؟ طب بتخلع قلبي ليه؟
هي كده بتنتقم مني، مش بتعمل لي جميلة؟ عندي بنت، ولا هشوفهاش؟ كل أسبوع صورة؟ أنت اتجننتي يا ليان؟ بتحرقي قلبي، دي بنتي، للدرجة دي مش فارق معاكي وجعي؟ كان كالمجنون، ليتصل على الفور بذلك الرجل الذي جعله يبحث عنها، ليرسل له الرقم، ويخبره أن يجلبها له من تحت الأرض. ليقف وينظر لصورة ابنته: "ماشي يا ليان... قدرتي تكسبي قسوتي عليكي. عايزة ترجعي الوحش اللي جوايا؟
آه، بحبك وبعشقك، بس عملتك دي مش هتعدي على خير. بنتي ما تترباش بعيد عني. أنت اخترتي تبعدي عشان وجعك، وقلت هدور وأراضي وأحب، تقومي ترميلي عملتك دي، وتخلعي قلبي. بس اخترتي تقتليني بوجعي لفراق بنتي. بس لا، مش يوسف. يا ليان، إذا كنت فاكرة إنك انفصلتي عني، بكره هرجعك، وأعرفك إزاي تعملي فيا كده. مش يوسف اللي ينحني عشان حد."
"قلت الوحش اللي جوايا هيروح، وهفضل أداويكي. إنما لا، أنت اخترتي الوحش يفضل موجود، وعملتك مش هتتعدي كده. مش يوسف اللي يتعمل فيه كده ويسكت. أنت السبب في اللي هعمله فيكي، وهطلع قلبك زي ما وجعتي قلبي. قابليني بقى لما يوسف يرجع ينهش قلبك تاني. يوسف خلاص، رغم عشقه ليكي، مستني أرد لك عملتك ألف مرة، بس غرزة يوسف غير يا ليان. نتشتي قلبي وارتاحتي؟ نتشتي قلبي وانتقمتي مني؟
أنا بقى هرد لك القلم عشرة. هبكيكي بدل الدموع دم. هخليكي تزحفي، أنت اللي تترجي مني كلمة، ومش هسامحك برضه. خدتي قلبي، وقعدتيني من غير... أنت فاكراني هفضل شايل حبك وعشقك؟ استنيتك ترجعي، بس أنت اخترتي تاخدي قلبي، وسيبتيني من غير. خلاص، استحملي بقى اللي من غير قلب، لما يلاقي كي هيعمل إيه."
بدأ يوسف يبعث لها في رسائل على تليفونها، لعلها تفتحه، وكان كالمجنون. تارة يتحدث بروية، وتارة يهددها، فكانت تخاف أكثر، ولا تصدق حنينه لها، فتهديده يأتي قاسي، وهي ترتعب. كان كلما تأخرت، يجن أكثر.
ليمرا الأسبوع، وتفتح التليفون، لتنصعق من كم الرسائل، لتشعر بالرهبة، وأنها أصبحت في مصيبة لا محال. لتبعث له صور ابنته، لتغلق الخط مرة أخرى. لتقرر أن ترمي الخط من رعبها، وتجلس تنتحب لما فعلته بنفسها. فرسائله توحي بأنه أصبح شخصًا آخر لا تعرفه. كانت رسائله قوية، وتنم على أنه لن يتوانى عن إرجاع ابنته. ليبعث لها ما خلع قلبها، ليبدأ: "ليان، ارجعي، ودي آخر مرة هقولك. ارجعي. أنت مش عارفة اللي جاي إيه."
لتبعث له رسالة: "أنا خايفة منك يا يوسف. هحاول أرجع، والله هرجع، بس مرعوبة. أنت بتغلي. شوف رسايلك. أرجع إزاي؟ آه، بنتك، وعارفة، بس أنا مرعوبة. منك." ليصرخ بها: "مرعوبة؟ تبقي تيجي ترجعي مكانك. مرعوبة تبقي تعرفي هتقابلي إيه. ما تخلينيش أجيبك، وأخلع قلبك، لأني هجيبك، ولو عدى العمر، هجيبك. بس ساعتها قلبك في حتة، وأنت في حتة."
لتهتف برعب: "طب أهدي، أهدي، وأنا هرجع. ما تكلمنيش كده يا يوسف. أنت عارف إني بخاف. هرجع، بس اديني فرصة أجمد. والنبي يا يوسف، بطل ترجع وحش. أنا خايفة." ليهتف بقوة: "لا، أنت لازم تخافي، وتخافي أوي. أنا ما يتعملش فيا كده. مش عشان بحبك، تذليني. مش هركع لك. والله يا ليان، لو شفتك، هقتلك. لو ما رجعتي، عارفة الشر كله، هتشوفيه. تحوشي عني بنتي، ومفكراني هقعد لك أهبل؟ استني الهانم؟ أنت عندك إعاقة؟
مش متخيلة أنا ممكن أخلع قلبك إزاي؟ بنتي أربيها بالمراسلة؟ عارفة يا ليان، أنا مش متخيل لو شفتك، هعذب فيكي إزاي؟ ارجعي أحسن لك. ارجعي، واعرفي حجمك. يوسف اتغير. أنا بترجاكي. حسي بالمصيبة اللي أنت فيها. كفاية ذل، أنت فاكراني مين؟ لتصرخ: "أذل إيه؟ ده رعب وخوف! افهم بقى! حرام! أنا مرعوبة منك يا أخي! لتغلق الخط: "يا سوادك يا ليان. يوسف هيموتك. أنا خايفة. طب أعمل إيه؟ أرجع له؟
أه. أرجع له وأترجاه. أه، أرجع له. مانا لازم أرجع له. هيموتني. أروح فين؟ أعمل إيه يا رب؟ انجني." "أهدي، أهدي. أنت تهدي كده وتجمعي، وتشوفي هترجعيله بنته إزاي. أه، أنت ما تقدريش تعيشي في الرعب ده." وقف يوسف ينظر إلى رسائلها: "طيب يا ليان، أنت اللي اخترتي. يوسف شال قلبه، وهيحط مكانه حجر. ينزل على قلبك يطحنه. خافي، خافي أوي. يوسف خلاص، اللي بيدادي ويدلع اندفن. مش هبقى أبويا، تذلي فيا، وأنا أترجاكي؟
لا، مش يوسف اللي ينذل لست."
ليتبدل يوسف إلى النقيض، يتبدل المحب العاشق إلى ذلك الحاد الذي قد قلبه، أو هكذا ظن. أحس يوسف بغضب على نفسه، لأنه ما زال يوسف ذو الجبروت. لم يدرك قيمة تلك الجميلة في حياته. لم يأتِ بعد ما جعله يفهم أن الحب ليس جبرًا، وأن الأنثى حين تأتيك محبة، تأتيك طائعة. لم يفهم يوسف طبيعة تلك الحالمة، التي في أمس الحاجة للأمان. لم يفهم أن أمان يوسف هو ما يريح قلب ليان، ويعيدها إلى أحضانه. ليقسو، ويقسو، ويجحد، ويفقد سمت الحب والحنان، ليقرر أن يسقيها من تسلطه وجبروته، حتى تعود طائعة كباقي النساء.
ولكن هل ستتحمل جميلتنا ذلك؟ أم أنها ستفقد حبها عند تلك الصخرة، ويموت داخلها، ولا يعود ليوسف مكان؟ ساعتها، هل سيدرك فداحة ما فعله، وما وضع نفسه فيه؟ القرار ليوسف. يوسف صفوان.
ليستمر الحال على ما هو عليه، لتمر سنة، ويوسف لا يكل. كان قد أصبح كالحجر، يتجلد، ويتجلد، ويتعذب لفقدانه ابنته التي تكبر أمامه، ولا يراها، ويلمسها. وأقسم أنه حين يلمسها، لن يفلتها. وليان، الرعب لا يتركها. وتمنت أكثر من مرة أن تخبره على مكان ابنتها، ولكن تهديده وكلامه أخافها بشدة. كانت تتمزق، تريد أن تعود، ولكنها تخاف منه. لتتجلد، وتمضي حياتها، تفكر أن تقوى، لتقرر أن تعود إليه، لتريحه، ولكن بعد أن يكف رعبها منه.
مرت السنة، لتصبح ليان شخصية أخرى تمامًا... أنثى جميلة، رائعة، وقوية إلى حد ما، أو هكذا ظنت. لا تنظر لأحد، ولا يدخل قلبها أحد. فكيف ذلك، وقلبها تركته مع حبيبها. كانت كل أسبوع على العهد، ترسل له صورًا وفيديوهات لابنته. وكلما عد الوقت، كلما جحد يوسف أكثر، وقد قلبه من حديد، وكل ما يسعى إليه، الوصول إلى ابنته وفقط. أما يوسف، فلم يعلم ماذا سيفعل بها إذا وجدها. فكر أن يقتلها أكثر من مرة على فعلتها، ولكن لقلبه كلام آخر.
ليأتي يوم أخير، قد توصل لخيط لمكان ابنته وزوجته. ليتجلد ويصبر أكثر، ليصل أخيرًا إلى مكانهما، بعد أن أضناه البحث. أيام من الذل والقهر، البعاد. أيام غرز الحبيب خنجره فيه، ليستدير الآخر ويغرز مئة خنجر بداخل الآخر. أيام تخيل أبشع أنواع الانتقام، والذي سيفعله بها حين يجدها. ولكن كل ما يهمه أنه وجدها، وعليه بعد ذلك أن يفكر كيف سيتصرف. فكر أكثر من مرة أن يذهب إليها، ويبرحها ضربًا، ويدمي قلبها، ولكنه تجلد بالصبر، حتى لا يتهور.
لتأتي له فكرة، لا تأتي إلا ليوسف صفوان. فكرة ستقطم ظهر ليان، وتجعلها خاضعة له. فأحلامها توقفت عند نقطة واحدة، صوت يوسف وفقط. وذهب الوحش بلا رجعة، ولكنه ذهب في الحلم، لتستدعيه هي في الحقيقة، ليعود يوسف صفوان بعنفوانه. يقف لتلك المسكينة، التي ربما مرض الخوف جعلها تتصرف بغباء. ولكن يوسف لم يعالج، ولم يغير تلك الشخصية، وهيا لم تفهم ذلك الحبيب، ولم تقدر عواقب عملتها. ليتوه كل بعيد عن الآخر، ويدخل الوحش مرة أخرى، ولكن بقوة، ليخلع قلبها، ولن يكتفي، إلى أن يحدث ما يخلع قلبه، ليقتل هو الوحش بداخله بيده، حتى يفوز بتلك التي لم تفعل شيئًا في دنياه سوى أنها أحبت، وخافت.
إنه الخوف وعدم الأمان، الذي هو مدمر لأي علاقة في الحب، يا سادة. إن الحب راحة واطمئنان. مهما علا الحبيب وتجبر، يأتي عند قدم حبيبه، ويخلع عنفوانه، ويرمي قسوته، لتطمئن إليه، وتعود راضخة برغبتها. هنيئًا لرجل ترضخ له أنثاه عن طيب خاطر. ولكن حياة ليان ستتحول، لتبدأ حياة أخرى، لمواجهة الوحش في الحقيقة، بعد أن تخلصت منه في أحلامها. فهل ستستمر حياتهم هكذا؟
هل مقدر لليان أن تعيش حكاية خوف، ويترك الوحش أحلامها ليزورها في يقظتها؟ هل سيظل الوحش وحشًا، ينهش ويقسي؟ هل الوحش سيتغذى على خوف تلك الجميلة، ويكتفي منها بالخوف؟ ويرضي أن يعيش وحشًا، وينهي على قلب محب؟ هل سيذول الحب في الحكاية، أم أن للحكاية رأي آخر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!