تحميل رواية «وخنع القلب المتكبر لعمياء» PDF
بقلم سارة اسامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أيه البجاحة وقلة الأدب دي، مافيش لا حياء ولا كرامة. حقيقي إللي استحوا ماتوا. مبحلقة فيا بدون أي خجل، حتى مفيش أي احترام للحجاب إللي هي لبساه. واللي يشوفها يقول عليها ملاك. واخدين الحجاب ستر لقذارتهم، حقيقي بقرف من الصنف القذر ده. قالها وهو يجلس خلف مكتبه المُحاط بزجاج شفاف يطل على بهو المطعم بالكامل، ويكشفه له. ليلفت أنظاره هناك في أقصى المطعم حيث سلّات الأزهار القابعة عند السور المطل على بحيرة تتدفق بالماء الجاري. كانت فتاة تجلس على تلك الطاولة المجاورة للأزهار والمجاورة للبحيرة التي يعلو خرير...
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الأول 1 - بقلم سارة اسامه
أيه البجاحة وقلة الأدب دي، مافيش لا حياء ولا كرامة. حقيقي إللي استحوا ماتوا.
مبحلقة فيا بدون أي خجل، حتى مفيش أي احترام للحجاب إللي هي لبساه. واللي يشوفها يقول عليها ملاك. واخدين الحجاب ستر لقذارتهم، حقيقي بقرف من الصنف القذر ده.
قالها وهو يجلس خلف مكتبه المُحاط بزجاج شفاف يطل على بهو المطعم بالكامل، ويكشفه له. ليلفت أنظاره هناك في أقصى المطعم حيث سلّات الأزهار القابعة عند السور المطل على بحيرة تتدفق بالماء الجاري.
كانت فتاة تجلس على تلك الطاولة المجاورة للأزهار والمجاورة للبحيرة التي يعلو خرير الماء منها. كانت الفتاة تحدق به بشكل مباشر، وأعين متسعة غير آبهة بشيء، وابتسامة بلهاء تعلو ثغرها. نجحت في إستفزازه وجعلته يستشيط غضبًا، ناعتها بعدم الحياء وانعدام الأخلاق.
بقى يطرق بأصابعه على سطح المكتب وانصرف بأنظاره المشمئزة عنها لتراقب أعينه العاملين بانتباه. زفر بضيق وهو يقول:
-- لو استمرت في البجاحة بتاعتها دي هخلي العمال يطردوها برا. هي ناقصاها.
بينما على الطرف الآخر كانت تجلس بإبتسامة واسعة، سعيدة بالهواء العليل الذي يضرب وجنتيها، ورائحة الأزهار العبقة، وخرير الماء.
ماذا تريد بعد هذا؟
تشعر وكأنها تمتلك العالم بحذافيره الآن.
تعشق هي الطبيعة وكل ما خلقه الله.
ظلت تتنفس بعمق وهي تتحسس بأنفها الحسّاس رائحة الهواء، ورائحة الزهور والماء. حقًا هذا المكان جنة.
أتت العاملة تجاهها وقالت بود ولطف:
-- تحبي تاكلي إيه يا جميلة، طلبك المعتاد!
ابتسمت لها "رفقة" وقالت:
-- أكيد يا آلاء، كريب بالنوتيلا.
-- من عيوني يا أجمل رفقة.
-- تسلملي عيونك وربنا يديم نورهم عليكِ يا لولا.
رحلت الفتاة بعدما رمقتها بحزن لتظل رفقة تستمتع بالهواء العليل وأصوات الطبيعة حولها. لأجل ذلك هذا المطعم هو المفضل إليها، وبالأخص هذا المكان تحديدًا. تأتي إليه كل يوم فهو يخفف عنها الكثير.
بينما هو، فالتفت إلى جهتها مرة أخرى لتتوسع أعينه بدهشة وهو يراها مازالت تحدق به مبتسمة بينما تسند ذقنها على كفها.
استشاط غضبًا ليستدعي أحد المسؤولين على المطعم أثناء غيابه.
ردد بغضب وهو يشير تجاهها:
-- عبد الرحمن طلع البنت دي برا، اطردها حالًا.
التفت الشاب نحو ما يشير إليه فتتوسع أعينه بدهشة وجاء يستفهم بتعجب:
-- بس يا يعقوب دي....
قاطعه الآخر بحدة وكبرياء:
-- مليش علاقة، دي مين تتحرق بجاز. اطردها ونفذ إللي بقول عليه من غير نقاش، بدل ما أطلع أنا أطردها وأخلي إللي يسوي وميسواش يتفرجوا عليها.
انصدم عبد الرحمن من هجوم يعقوب الشديد على الفتاة التي تدعى "رفقة" والتي من رواد المطعم المهذبين. لكن لم يجد إلا أن ينفذ أمر مالك المطعم "يعقوب بدران".
خرج وهو يفكر كيف يخرجها دون إحراجها. قام بمناداة أحد الفتيات العاملين.
-- آنسة آلاء، لو سمحتي.
اقتربت آلاء بهدوء وقالت باحترام:
-- نعم يا أستاذ عبد الرحمن، اتفضل.
توتر عبد الرحمن ثم حسم أمره وهو يرى يعقوب الذي ينظر له بترقب. قال بجدية:
-- حاولي تخرجي آنسة رفقة من المطعم، أستاذ يعقوب قال اطردوها.
شهقت آلاء بصدمة لتتسائل بعجب:
-- إزاي، طب وليه، إنت عارف ظروفها وهي أبدًا ما بتعمل مشاكل.
زفر عبد الرحمن بضيق وهو لا يعلم ماذا يجيب، فقال باستسلام:
-- مش عارف والله، هو قالي كدا ومعطنيش فرصة أفهمه ولا أعرف منه حصل إيه.
قالت آلاء بتوتر:
-- طب أنا أقولها إيه دلوقتي، مش عايزة أجرحها.
فكر عبد الرحمن قليلًا ثم قال:
-- بصي، قولي لها حصل ظرف وإحنا بنفضي المطعم. اتصرفي يا آلاء.
حركت رأسها وهي تتجه نحو طاولة رفقة المبتسمة حتى وقفت أمامها. شعرت بها لترفع رأسها تقول بحماس:
-- إيه يا لولا الكريب اتأخر ليه كدا مش عوايدكم.
تنحنحت آلاء ثم قالت بصوت حزين:
-- للأسف يا رفقة حصلت مشكلة وإحنا مضطرين نفضي المطعم ودي أوامر صاحب المطعم أستاذ يعقوب.
كان يعقوب يراقب ردة فعلها عندما اقتربت منها العاملة، لتنصرف أنظارها عنه حيث الفتاة. همس باحتقار وغرور:
-- أشكال واقعة.
أما عند رفقة، تربد وجهها بالحزن وتسائلت بقلق:
-- خير، في حاجة حصلت. أنا ملحقتش أقعد، إنتِ عارفة إن متعلقة بالمكان قد إيه وبحسه بيجدد نشاطي.
نظرت لها آلاء بشفقة ثم قالت:
-- خير يا رفقة متقلقيش. بصراحة هي دي أوامر أستاذ يعقوب ولازم ننفذها.
حركت رفقة رأسها بإيجاب وهي تبتسم بينما تستقيم بخيبة أمل وهي تقول:
-- يلا تتعوض إن شاء الله يا لولا، أهم حاجة مفيش أي حاجة وحشة تصيب المكان الجميل ده.
في هذا الأثناء، رمق يعقوب خيبة الأمل التي ارتسمت على ملامحها باحتقار ليهمس بازدراء:
-- حقيقي وساخة وقلة أدب، إنسانة مهزأة ومصطنعة. قال ولابسة حجاب وفضفاض.
التفت للجهة الأول وهو يراها تستقيم. بينما أخذت آلاء بيد رفقة التي سحبت العصا الخاصة بالمكفوفين تفردها لتساعدها في السير.
تركتها آلاء خارج المطعم لتتسائل:
-- هتروحي إزاي يا رفقة.
ابتسمت لها رفقة ببراءة وقالت:
-- إنتِ عارفة تاكسي عم أشرف بيجيلي في ميعاد كل يوم، بس طالما خرجت بدري عن الميعاد هقعد هنا أستناه لغاية ما يجي. أنا لا عارفة رقمه ولا معايا الموبايل وأنا مش هأمن أروح مع أي حد ومش هعرف أروح لوحدي. بس ساعديني أقعد في أي مكان على جنب لغاية ما هو يجي.
سحبتها آلاء برفق نحو أحد الدكك المتواجدة بالقرب من المطعم ثم أجلستها بلطف وقالت وهي ترمقها بشفقة:
-- خليكِ مكانك أوعي تتحركي. كان بودي أقعد معاكِ بس لازم أرجع المطعم علشان الشغل.
هتفت رفقة بطيبة وهي تربت على يدها بلطف:
-- على شغلك يلا يا جميلة، ولا يهمك خالص ومتقلقيش عليا. ربنا يعينك يارب ويفرح قلبك الطيب يا لولا.
ابتسمت لها آلاء بحزن ثم قالت وهي تبتعد:
-- خدي بالك من نفسك يا روفا.
رحلت لتترك رفقة جالسة بمفردها فوق دكة خشبية على رصيف الشارع. تنفست بعمق، سرعان ما عقدت حاجبيها وهي تشعر بالسحب تنقشع عن أشعة الشمس لتتسلط عليها بحرارة حارقة.
-- ليه بعدتي يا سحابة، الشمس حراقة أوي.
مرت عشرون دقيقة وهي مازالت في موضعها. رفعت طرف حجابها القطني تجفف جبينها المتعرق وهي تحرك يديها ذهابًا وإيابًا أمام وجهها لتجلب بعض الهواء.
-- وبعدين بقا هفضل كدا كتير، عمو أشرف باقي عليه شوية لسه.
تحسست ساعتها الخاصة بالمكفوفين لتستعلم الوقت لتقول بحيرة:
-- لسه نص ساعة، أنا ممكن أتحرك في أي مكان ضل لغاية ما يجي.
رددت بنفي خائف بداخلها:
-- لا لا افرض بعدت عن المكان ولا عم أشرف جه ومش لقاني، ساعتها مش هعرف أرجع البيت وأنا مش معايا موبايل. أسلم حل إن استحمل وأنتظر في مكاني.
أخرجت من حقيبتها المعلقة بكتفها كتاب بلغة المكفوفين ذا النقاط البارزة. وضعت اصبعها فوق الصفحات وأخذت تقرأ وهي تبتسم بنقاء حتى مر الوقت وجاء العم أشرف ليقلها حيث منزلها.
ولج عبد الرحمن الغاضب حيث غرفة مكتب يعقوب وهي يصيح:
-- بقالك سنين بتباشر الفرع ده من الموبايل ورافض تنزل... ويوم ما تنزل وتش تعمل مشكلة. أيه التصرف ده يا يعقوب وليه عملت كدا.
أجاب الآخر بكبر ولامبالاة وهو يفرد ظهره على المقعد:
-- أنا حر يا عبدو أعمل إللي يريحني في مطعمي وأقعد إللي أنا عايزه. وبعدين دي بنت مش مظبوطة وممكن تسيء للمكان ببجاحتها دي.
توسعت أعين عبد الرحمن بصدمة وهتف بغضب:
-- إنت إزاي تقول عليها كدا، الآنسة رفقة من زباين المكان من أكتر من سنة وإنسانة خلوقة ومحترمة.
اشتعلت نيران الغضب بأوردته وصرخ بإشمئزاز:
-- خلوقة ومحترمة!! ومالك محموق عليها ليه كدا. أيوا من حقك هي شكلها معلقة الشباب هنا كلهم. دي بت مش تمام من ساعة ما دخلت وهي ما شالت عينها عني وبتضحكلي وعينها في عيني بنظرات مصطنعة فيهم البراءة. تفهم إيه من ده، إنها خلوقة ومحترمة!
صُدم عبد الرحمن من حديث يعقوب ليصرخ بما جعل يعقوب يتجمد:
-- إنت فهمت غلط يا باشا... البنت كفيفة يا مجنون.
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثاني 2 - بقلم سارة اسامه
خلاص كدا يا عمّ أشرف أنا قدام السلم..؟
ابتسم الرجل بطيبة ثم قال بلطف:
-- أيوا يا ست البنات حطي رجلك واطلعي عالطول.
قالت رِفقة بإبتسامة واسعة لا تفارق فمها:
-- ربنا يجازيك خير يا عمّ أشرف كلك ذوق..
قال الرجل وهو يستدير للركوب:
-- ربنا يسترها معاكِ يا بنتي ويبعد عنك ولاد الحرام..
صعدت رِفقة الدرج ببطء وهي تستند على الجدار وتتحسس طريقها بعصاها، توقفت أمام تلك الشقة المنشودة، تنهدت تنهيدة مطولة قبل أن تطرق فوق الباب بهدوء..
مرّ عشرون دقيقة وهي مازالت تترقب أن يفتح لها أحد الباب..
بينما في الداخل..
كانتا يقفان خلف الباب يضحكان بشماتة وحقد وهم يشاهدونها تقف أمام باب المنزل من العين السرية..
تراهم للوهلة الأولى توقن أنهم مرضى، نعم مرضى بالحقد..!!
قالت إحداهم بتشفي:
-- كفاية عليها كدا وقفناها بما فيه الكفاية..
قالت الأخرى مُجيبة:
-- يلا مش مهم هنحنّ عليها وندخلها البيت، بس المقلب إللي إحنا محضرينه لها أيه .. ملهوش حلّ.
- يلا حلال فيها العاميه..
كانت رِفقة مازالت تطرق الباب إلى أن توقفت وهي تهمس:
-- يمكن مرات خالي مش في البيت، وأمل وشيرين يمكن برا البيت ولا مش سامعين الباب، وأكيد خالي في الشغل..
هنتظر شوية مفيش مشكلة..
تفاجأت بالباب يُفتح فعاد وجهها يُشرق وهي تتسائل بينما تلج للداخل:
-- مين.
وبمجرد أن وطئت أقدامها المنزل لا تعلم كيف تعثرت وسقطت لتصتدم رأسها بمزهرية مملؤة بالماء فيسقط فوق وجهها..
في هذه الأثناء اصطنعت شيرين أنها قادمة من المطبخ حاملة طبق طحين أبيض، تعثرت عمدًا فسقط الطحين على وجه رِفقة المبتلّ لينفجر الاثنان ضحكًا..
انكمشت رِفقة بينما تحاول الوقوف لتُسارع أمل بلطف كاذب:
-- رِفقة على مهلك داخله مستعجلة كدا ليه ملحقتش أسندك..
نظرت شيرين إلى أمل بخبث وهي بالكاد تتماسك من ألا تنفجر ضحكًا على مظهر رِفقة التي التصق الطحين بوجهها المبتل..
قالت بخبث:
-- أنا آسفة يا رفقة، كنت خارجة مستعجلة من المطبخ علشان أسأل أمل كمية الدقيق ومأخدتش بالي إنك واقعة على الأرض..
أضمرت الحزن بداخلها وهي تُرجِع العثرات التي تحدث معها بسبب الإعاقة البصرية التي تمتلكها وكل ما يحدث لها مجرد حوادث عابرة غير مقصودة..
ابتسمت بصفاء وقالت بطيبة:
-- ولا يهمكم يا حلوين حصل خير، أنا هدخل أغير هدومي وأغسل وشي..
قالتا بحقد يملأ قلبيهما عديميّ الرحمة:
-- اتفضلي يا حبيبتي..
وأخذت رِفقة تتحسس طريقها حتى الغرفة المشتركة بينها وبين أمل وشرين..
سارت حتى الأريكة المخصصة لنومها؛ فالغرفة تحتوي على فراشان أحدهما لأمل والأخر لشرين، ولم تُرد أن تزعج أيًّا منهما بنومته فاختارت النوم فوق الأريكة التي بأقصى الغرفة..
جاءت تجلس لكنها توقفت صارخة بألم وهي تستشعر وجود دبابيس حادة فوق الأريكة..
دلكت مكان الألم وهي تقول:
-- تلاقيهم تبع شغل شيرين وهي نست تشيلهم..
جلست على ركبتيها أمام الأريكة وأخذت تجمعهم بهدوء ثم وضعتهم على سطح المكتب..
توقفت قائلة بطاقة:
-- هغير هدومي وأخد دش وأتوضى وأصلي..
تذكرت المطعم لتعجّ التساؤلات داخلها عن ماذا أحلّ به..!
- يا ترى أيه إللي حصل، ليكون في مشكلة ويقفلوه، لا لا يارب ما يحصله مشكلة، دا أنا بحب المكان هناك أووي ومتعلقة بيه لأنه بيخفف عني كتير..
إهدي يا رِفقة أكيد مش هيحصل حاجة إن شاء الله خير..
ظلت تبحث عن ملابسها ومنشفة حتى وجدتهم بعد مشقة، خرجت تتحسس الطريق المعروف بالنسبة لها لكنها أخذت تصتدم بأشياء عديدة متعجبة من وجودها بغير أماكنها المعروفة لها..
تألمت من إصتدام قدمها بأحد المقاعد للتعثر وتسقط..
كانت كُلًا من أمل وشيرين التي أعمى الحقد أعينهم يقفون على مقربة من رِفقة يشاهدونها باستمتاع..
توقفت رِفقة باضطراب وهي تنادي:
-- أمل ... شيرين .. إنتوا هنا..
ظلت تناديهم بينما يقفون وكأنهم لم يسمعوا شيء ينظرون إلى بعضهم البعض مبتسمين بغلّ..
- أمل .. شيرين .. إنتوا فين، ممكن بس حد يوصلني الحمام .. شكلكم غيرتوا الديكور..!
اصطنتعت شيرين أنها تأتي من بعيد وهي تقول:
-- رِفقة في حاجة..!!
ابتسمت بهدوء قائلة:
-- هو إنتوا غيرتوا الديكور وبدلتوا نظام الشقة ولا أيه..!
أجابتها بأسف مزيف وهي تصطنع التذكر:
-- آآه صحيح حقك علينا يا رِفقة، أصل قولنا أنا وأمل نغير في الجزء ده من الشقة، ملينا من شوفنا لنفس الحاجات كل يوم..بس نسينا نعرفك يا رِفقة بما إنك حفظتي الأماكن القديمة، معلش بقاا..
سارعت أمل نحوها تقول برفق كاذب وهي تسندها:
-- معلش يا رِفقة، تعالي معايا أوصلك الحمام، إنتِ كويسة..
هتفت رِفقة بطيبة:
-- عادي .. حصل خير يا أمل، وشكرًا جدًا لكِ..
تركتها أمل أمام باب المرحاض وذهبت لتدخل رِفقة بحذر وما يحاوطها الظلام فقط..
ظلت تتمسك بكل ما يقابلها وهي تستشعر وجود بعض الأشياء وتغيّر أيضًا في المرحاض..
دبّ الخوف داخلها من أن تسقط شاعرة بالعجز يملأ قلبها ونفسها أصبحت تهُون عليها كثيرًا، أصبحت تشفق على حالها وهذا شيءٍ لا تُريده..
ألقت الخوف بعيدًا قائلة بتشجيع:
-- وفيها أيه لما أقع وأقوم، وما بيقع ألا الشاطر يا ست رِفقة، متخافيش من الوقوع..
خطت عِدة خطوات إلى الأمام بينما أصابع أقدامها تتشبث بالأرض، ثم استدارت لتدخل حوض الإستحمام لكن كان هناك إناءٌ معدني على الحافة تعثرت به لتسقط وتصطدم رأسها بحافة الإناء البارز..
توجعت رفقة بألم:
-- آآآه أيه ده .. وأيه جابه هنا ده دلوقتي..
راسي وجعتني أووي دي المرة التانية إللي اتخبط فيها .. مش مهم هحط تلج عليها لما أطلع أهم حاجة أخلص..
كانت تعتقد أنه مجرد اصطدام فقط فهي لم ترى ولم تشعر بقطرات الدماء التي تسير على وجهها ممتزجة بالماء..!
وبعد مرور نصف ساعة خرجت رفقة ثم أخذت ترتدي ملابس الصلاة وأدت فرضها بسكينة..
همست تدعو برجاء بينما الدموع تتساقط من أعينها التي سرقت لون الكستناء:
-- يارب بابا وماما هما إللي كانوا ليا في الدنيا، وهما راحوا يحجّوا يعني راحوا عندك من سبع سنين وتاهوا ومحدش يعرف عنهم حاجة..
يارب رجعهملي بالسلامة..
كل يوم هدعي مش هيأس أبدًا..
هما وحشوني أووي وكمان أنا متقلة على خالي ومرات خالي.
اعتدلت وهي تمسح على وجهها لتتفاجئ بسائل لزج يسير على جانب وجهها..
أخذت تتحسس وجهها بخوف وأصابعها تعلو حيث جبهتها فتجد جُرح غائر ينزف بينما بوادر دوار تجتاحها وشحوب أخذ يغزو ملامحها..
ثقلت رأسها وشعرت أنها على وشك فقدان وعيها فأخذت تنادي باستنجاد:
-- أمل ... شيرين ... يا أمل تعالِ شكلي اتعورت..
شيرين ... خالو .. يا طنط عفاف..
لكن لا حياة لمن تنادي وأغمضت أعينها وسقطت في لُجةٍ فوق لُجةٍ..
وقف يعقوب قائلًا بصدمة:
-- نعم .. كفيفة!!
وإنت إزاي مقولتليش.؟!
قال عبد الرحمن بنفاذ صبر:
-- وهو إنت إديتني فرصة أقولك يا يعقوب..
الآنسة رِفقة حد محترم جدًا ومن رواد المكان الدائمين، في تاكسي بيجي ياخدها كل يوم في ميعاد محدد، وإنت لما أمرت نطردها البنت طلعت انتظرت في الشارع، وأظن بنت بظروفها مش أمان أبدًا ولا كويس التصرف معاها كدا، الناس نفوسها مريضة..
نهج صدر يعقوب وهو يُعيد المشاهد بعقله ثم قال قبل أن يركض للخارج:
-- مكونتش أعرف إنها كفيفة .. أنا فكرت حاجة تانية..
تسائل عبد الرحمن وهو يخرج خلفه:
-- في أيه يا يعقوب إنت خارج فين..
مسح بأنظاره الأرجاء وهو يتسائل بلهفة:
-- هي فين .. قاعدة فين..!!
ردد عبد الرحمن بسخرية:
-- أيه يا باشا دا فات أكتر من ساعة أكيد هي روحت..
زفر بحدة ومشاعر غريبة تموج داخله..
هي ليست بتلك الصفات التي نعتها بها!
للمرة الأولى يُسيئ فهم أحد، وأول مَن تكون فتاة عمياء..
لماذا يشعر بهذا الإحباط والألم الداخلي الآن؟!
هو لم يكن يعلم، ومن أين له أن يعلم!!
كان داخله وقلب المغرور يبث إليه تلك المبررات..
ولج لمكتبه شاعرًا بضيق شديد، ألقى بجسده فوق المقعد وهو يُعيد تلك المشاهد بذاكرته مرةً أخرى..
وفجأةً..
نمت بعقله فكرةً ما!!
فتح حاسوبه المحمول وأخذ يبحث في سجلات كاميرا المراقبة التي تقبع أمام المطعم ولم يكن الأمر بالعسير..
وجد المقطع أمامه لتتجمد أطرافه وهو يشاهدها تجلس تحت أشعة الشمس الحارقة ويبدو على ملامحها التعب والإرهاق والتردد والحيرة..
ظلت أعينه المتسعة بصدمة معلقة بالشاشة ورُقعة الندم التي بداخله تتسع..
شعر بألم لا يُضاهي بقلبه بينما يتأمل ملامحها الرقيقة البريئة التي هي أبعد بكثير جدًا مما وصفها به..
مشهد أذاب كل ذرة غرور داخله..
همس دون أن يدري:
-- أنا مكونتش أعرف ظروفها .. مكونتش أعرف..
لو كنت أعرف مستحيل كنت سبتها تخرج..
ماذ يفعل الآن؟!
أخذ يدور في حجرة مكتبه كالأسد الحبيس ذهابًا وإيابًا..
وفي الأخير خرج نحو عبد الرحمن..
- عبد الرحمن.
استدار الأخر ينظر له بحاجب مرفوع:
-- يعقوب باشا .. خطوة سعيدة أفندم يا باشا..
ماذا سيتحدث الآن..؟!
توتر وهو لا يدري كيف يُخبر عبد الرحمن الذي لن يُمرر تساؤلاته مرور الكرام..
تنحنح وهو يمسح على عنقه في حركة يفعلها عند توتره، وقال بجبين معقود وهو يرسم الجدية على وجهه:
-- احمم .. كنت يعني عايز أقولك إن مكونتش أعرف..
ردد عبد الرحمن بجمود:
-- ودا بسبب أيه يا يعقوب، بسبب غرورك وإنك عايز تصدق بس صوتك، بسبب سوء ظنك..
ما أنا كنت هكملك بس إنت مش عايز تسمع علشان مانفيش شكوك المُبجلة..
صاح يعقوب بنفاذ صبر:
-- ما خلاص بقى يا عبد الرحمن هو أنا كنت بشم على ضهر إيدي .. أنا مكونتش أعرف قولتلك ألف مرة..
- والمطلوب..
زاد توتره محاولًا تجميل الكلمات بصيغة جادة وتسائل بحروف اسمها:
-- رِففة..
عقد عبد الرحمن حاجبيه بتعجب مستفهمًا:
-- مالها..!!
أكمل يعقوب باضطراب:
-- يعني هي هتيجي بكرا صح، إنت قولت هي من رواد المطعم وبتيجي كل يوم..
رمقه عبد الرحمن بنظرات غامضة تكاد أن تخترق يعقوب، وقال بخبث لحاجةٍ في نفسه:
-- لا .. ما هي معدتش هتيجي؛ لأن وصلتلها إن صاحب المطعم قال معدتش تدخل هنا..
جأر يعقوب بغضب ناري مصدوم بينما قلبه ينتفض إنتفاضات غريبة:
-- نــــــــــعــــــــــــم!!!!!
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثالث 3 - بقلم سارة اسامه
اقترب يعقوب من عبد الرحمن حتى وقف بوجهه وهتف بوجه متغضن بالغضب:
-- وهو أنا قولتلك حاجة زي دي علشان تقولها.
كانت ملامح عبد الرحمن ثابتة ليقول ببرود:
-- مش إنت إللي قولتلنا يا ابني وكنت مضايق على أخرك وقولت لو مخرجتهاش هتطلع تطردها قدام كل إللي في المطعم وتهينها. سبحان الله طبعك غريب يا أخي. بس قولي يا يعقوب إنت أيه مضايقك كدا، لو عايزنا نكلمها نقولها صاحب المطعم رجع في كلمته وحسّ بغلطه و....
ابتلع الباقي من حديثه عندما اقترب يعقوب مُمسكًا إياه من تلابيبه وقال من بين أسنانه بغضب:
-- اسكت. اسكت خلاص يا عبد الرحمن.
وخرج يدور الأرض وتكاد شرارات الغيظ أن تنبثق من عيناه. بينما عبد الرحمن التقط حبة من التفاح يقضمها وهو يردد بمكر:
-- مغرور. بس أكيد غرورك ليه نهاية، وشكل الأيام إللي جايه أنا هستمتع بيها أووي، أيوا بقى خلينا نتسلى.
عند يعقوب فقد دخل غرفة مكتبه والسُخط يقطر من وجهه، أخذ يدور في الغرفة والكثير من الأفكار العجيبة، ويتقدمها تساؤلًا لحوح لا يعلم لماذا يزعجه!!
هل هكذا انتهت؟!
هل لم يعد لديه فرصة لُقياها؟!
زفر بحدة وهو يقول بمكابرة وتبرير:
-- دا بس علشان ظلمتها في تفكيري، وبسببي قعدت تحت الشمس مدة طويلة. بس أنا أصلًا مكونتش أعرف. أنا مليش ذنب، يعني أنا أيه إللي عرفني.
رمى بجسده فوق المقعد ووضع رأسه بين يديه يُفكر في تلك الأشياء التي خرجت له من العدم لتُضيف الحِراك لحياته الراكدة. رفع رأسه ينظر لشاشة الحاسوب الذي أمامه يُعيد هذا المشهد الذي ألآمه. ظلّ يعبث في الحاسوب في سجلات الكاميرات الداخلية للمطعم لينغمس دون أن يدري يُقلّب بتلك السجلات التي تم إلتقاطها منذ أسابيع.
بقى يُشاهد كل الأوقات التي قضتها في المطعم، يُنقّب عنهم من بينهم ولم يكن الأمر بالعسير؛ وذلك لوجود وقت مُحدد تأتي به كل يوم. ظلّ يُسجل بقلبه قبل عقله، ابتسامتها، نقائها، وبساطتها المُطلقة، هدوءها واستمتاعها بالطبيعة من حولها. لم يشعر بالوقت الذي مرّ وانفرط، التفت من حوله ليجد أن الظلام نشر أثوابه حوله.
-- يااااه أنا محستش بالوقت.
أخرج شريحة الكترونية وبدأ ينقل إليها تلك المقاطع ثم التقطها بجيبه وخرج راكبًا سيارته نحو منزله منتظرًا صباحٌ جديد على أحرّ من الجمر. علّها تأتي.
استفاقت رِفقة بثقل برأسها، تأوهت بخفوت وهي تضع يدها فوق رأسها. تحسست مُحيطيها لتجد نفسها فوق الفراش، عقدت جبينها وهي تتسائل ما الذي حدث:
-- أنا فين. أيه إللي حصل.
-- أخيرًا فوقتي. الحمد لله على سلامتك يا رِفقة، أيه إللي حصلك.
كان صوت خالها فابتسمت قائلة:
-- الله يسلمك يا خالو، مفيش حاجة شكل الخبطة دي من الوقعة إللي وقعتها في الحمام، بس شكله جرح بسيط.
قال خالها بهدوء:
-- الجرح البسيط ده اتخيط أربع غرز. أمل دخلت لقيتك مغمى عليكِ في أرضية الأوضة والدم مغرق وشك. اتصلنا على الدكتور فتحي وخيطلك، وابقي خدي بالك يا رِفقة.
أجابته بذات الإبتسامة التي لا تختفي من فوق فمها:
-- حاضر يا خالو. ومعلش تعبتكم معايا. أنا محستش بالجرح خالص يمكن من الخبطة.
قالتها وهي تتحسس الضماد الذي فوق جبينها وبالتحديد فوق عينها ببعض الإنشات القليلة. حرك عاطف رأسه وقال بهدوء:
-- طب يلا الجماعة بيتغدوا، تعالِ يلا اطلعي كُلي.
بالفعل كانت معدتها تتلوى جوعًا، حركت رأسها بإيجاب وتحركت من فوق الفراش بخجل ليقوم خالها بإسنادها للخارج.
كانوا ثلاثتهم يجلسون حول المائدة بملامح مكفهرة فور رؤيتهم لرِفقة بصحبة عاطف، سحب أحد المقاعد لها وأجلسها ثم تحرك نحو غرفته وهو يهتف:
-- بالهنا والشفا.
أردفت شيرين تتسائل:
-- هو إنت مش هتاكل يا بابا.
-- لأ أنا تعبان وعايز أنام.
وتوارى خلف باب الغرفة لينظر كلًا من شيرين وأمل لبعضهم البعض بخبث وتقول والدتهم باستياء:
-- الله يكون في عونه، يعني جه من الشغل مرهق ومش شايف قدامه ولقى رِفقة واقعة وحالتها حالة.
شعرت رِفقة بالخجل وهي تبتلع غصة مريرة بحلقها لتُلقي باللوم على نفسها لتلك المشاكل التي تقع على أعتاقهم بسببها، فركت يديها بتوتر وهي جالسة تتمنى أن لو تنشق الأرض وتبتلعها.
بينما عفاف والدة أمل وشيرين كانت ترمق رِفقة بكرهٍ وضيق شديدين ثم سحبت الطبق الذي كان يحتوي على قطع الدجاج والذي كان بالقرب من رِفقة وهي تتشدق قائلة بكذب:
-- وكله كوم وبناتي كوم تاني، إللي ربنا قدرهم عليه يطبخوا شوية مكرونة وبطاطس.
ضحكت أمل بخبث وهي تقضم قطعة الدجاج بشهية ثم قالت بحزن مصطنع:
-- طب نعمل أيه يعني يا ماما، أنا وشيرين طلع عنينا في الشقة النهاردة وطول النهار نشيل ونحط ويدوب ده إللي لحقنا نعمله، كل حاجة علينا ومحدش بيساعد، والله طلع عنينا.
كانوا يتهامسون بينما يقصدونها بحديثهم السام، شحب وجه رِفقة شاعرة بالخجل والخزي يحتلها. نظرت شيرين لأمل نظرة ذات مغزى وهي تسحب أحد الأطباق المملؤة بالمعكرنة تضعه أمام رِفقة ثم أخذت تقول بوِدْ كاذب تستعطف رِفقة بخداع:
-- دوقي بقاا إنتِ يا رِفقة، أنا متأكدة إنك إنتِ إللي هتنصفيني يا بنتي، أمل بتقعد تتريق على الأكل إللي بعمله هي وماما، دا يرضيكِ أتعب وأعمل الحاجة بكل حب وملقيش أي تقدير، مش كفاية إن وقفت وعملتها يا رِفقة ولا أيه، من الحق أنا منفعش لأي حاجة.
أمسكت رِفقة بكف شيرين وهي تقول بطيبة وحب صادق:
-- أوعي تقولي كدا يا شيري، دا إنتِ زي القمر وأي حاجة من إيدك جميلة وحلوة شبهك. مش من حقك تقولي كدا يا أمل ولا حضرتك يا طنط. شيرين ست البنات وكفاية إنها وقفت وعملتها بكل حب.
عانقتها شيرين بتمثيل قائلة بسعادة كاذبة:
-- حبيبتي والله يا رِفقة ربنا يفرح قلبك زي ما فرحتيني، يلا دوقي إنتِ بقاا وقوليلي رأيك إللي متحمسة ليه جدًا ويارب ما تكسري فرحتي وتاكلي الطبق لأخر معلقة.
ابتسمت رِفقة وهتفت بحماس ولُطف:
-- أنا واثقة من قبل ما أدوق.
ثم رفعت رِفقة الملعقة الممتلئة نحو فمها تحت أنظار ثلاثتهم الشامتة فهم مثل الأفاعى المليئة بالسم بينما قد خدعوا تلك الرقيقة بنعومتهم الخارجية. وضعت رِفقة الملعقة بفمها وأخذت تلوك الطعام لتتوقف بجزع وهي تشعر بملوحة شديدة بالطعام، أوشكت أن تلفظ الطعام المغمور بالملح لتشعر بشيرين تُمسك ذراعها متسائلة بترقب:
-- هاا قوليلي طعمها حلو ولا أيه يا رِفقة. من الحق وحشة زي ما بيقولوا.
قالت جملتها الأخيرة بحزن كاذب لتبتلع رِفقة الطعام بينما تربت على يدها ثم رددت بابتسامة واسعة ولُطف وهي لا تُريد إحزانها ولا خزلها:
-- تحفة جدًا يا شيري. حقيقي تسلم إيدك، ما أنا قلتلك إنك متعمليش حاجة وحشة خالص.
-- بالهنا على قلبك يا رِفقة، يلا بقاا عايزاكِ تاكليها كلها وخدي البطاطس كمان.
وأخذوا ثلاثتهم يتناولون الطعام بإستمتاع ويلتهمون قطع الدجاج بشهية بينما ينظرون لرِفقة التي كانت تبتلع الطعام المالح بصعوبة شديد. ظلّوا يرمقونها بتشفي وحقد قد ملئ قلوبهم مطمئنين بأن لا أحد يراهم، مطمئنين أنها لن تشعر بهم لفقدانها نور عينيها مستغلين كونها كفيفة. لكنهم غفلوا عن العزيز المنتقم الواحد الجبار الذي يُمهل ولا يُهمل. اطمئنوا أنه لا حِيلة لها وتناسوا أن الله قد أقسم بجلاله بأنه سيُدبر الحيلة لمن لا حيلة له حتى يتعجب أصحاب الحيّل.
بمنتصف الليل كانت رِفقة تجلس فوق الأريكة التي تنام فوقها تتمسك بمصحف خاص بالمكفوفين تتحسس صفحاته حيث النقاط البارزة وتقرأ تستمد منه طاقتها وتربت على قلبها بكلام المولى عزّ وجلّ. توسعت إبتسامتها وترقرق الدمع بأعينها بينما تردد تلك الآية من سورة يوسف.
{فَلَمَّآ أَن جَآءَالْبَشِيرُ أَلْقَـٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا}
توقفت هامسة بيقين:
-- وأنا مش هفقد الأمل واليقين أبدًا يارب. أنا راضية يارب مش زعلانة، بس مش هنكر إن طمعانة في كرمك. مش عايزة بصري يرجعلي علشان حاجة قد ما إن أشيل الحِمل من على خالو ومراته وعيال خالو، مش عايزه أحسّ إن تقيلة على حدّ ويتضرروا مني. وبابا وماما يارب أنا عشمانة فيك يارب، عشمانة إنهم يرجعوا ويكونوا بخير.
ورددت بأمل ويقين:
-{عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}
وقبل أن تُكمل حديثها سمعت صوت زوجة خالها تتشاجر مع خالها بصوت ملأ سكون الليل. استقامت وسارت نحو الباب النصف مفتوح تقف خلفه لتستمع إلى أقسى كلمات توقعت سماعها يومًا ما. كلمات كانت كالخناجر تمزق بقلبها. كانت تصرخ بغضب واستياء:
-- خلاص إحنا مش قادرين نستحمل أكتر من كدا، مش ذنب علينا إنها تبقى عِبء العمر كله، وعيالي وأنا نبقى خدامين لها، ومصاريف وأكل وشرب. دا رزق عيالك إللي هي عايشة فيه يا عاطف. قولتل بلاش تروح عند أعمامها وعمتها علشان عندهم شباب، طب ما ابني خلاص هانت وهيرجع. ناوي تحرمني منه وتقوله يروح يشوف أي مكان يقعد فيه علشان الغندورة. قولتك كام مرة وديها أي دار رعاية. وقبل ما تعارض وتقولي زي كل مرة ما هي مسيرها تتجوز وأكيد مش هتفضل قاعدة معانا العمر كله. أحب أقولك فوق يا أخويا. جواز أيه لبنت أختك، دي عامية لو إنت ناسي. مين هيرضى بيها. مين يرضى بالبلوة دي، مستحيل واحد يقبل بيها بأي شكل، ولو حصل شوف هيكون معيوب ولا معاق. دي هتفضل لازقة العمر كله فينا يا عاطف وأنا معدتش قادرة أستحملها خلاص فاض بيا، الدنيا غالية وإحنا أولى بأي قرش.
شخصية عاطفة لم تكن سوى شخصية ضعيفة لا يستيطع أن يجابه زوجته في الحديث والمناقشات ينقاد خلفها بطبعِه الضعيف. قال لها بهدوءه المعتاد ونبرته اللينة:
-- وطي صوتك يا عفاف عيب كدا البنت تسمعك.
قالت بمنتهى القسوة:
-- ياريت يا شيخ تسمع وتخلي عندها دم وتمشي من هنا.
عند رِفقة التي تقف خلف الباب، وضعت كفها فوق فمها تكتم شهقات كادت أن تنفلت من بقاع الحناجر، تدحرج الدمع من أعينها وهي تتخبط تعود للخلف لتسقط على ظهرها بضعف وقلبها يتألم مما سمعت. ظلت تعود زاحفة للخلف حتى وصلت الأريكة لتجلس فوقها باكية بشهقات مكتومة تتمزق لها القلوب. تكومت على نفسها بينما تمسح دمعها بظهر يدها وهمست من بين بكاءها:
-- مكونتش أعرف إن مرات خالي شايلة في قلبها كدا من ناحيتي، مكونتش أعرف إنهم متضررين مني للدرجة دي. طب أروح فين يارب. دلني أعمل أيه. أنا مش عايزة أكون عالة على حد.
وتمددت فوق تلك الأريكة الضيقة وغرقت في نومٍ عميق ودموعها تُغرق وجهها بينما تلك الشهقات الخافتة لم تهدأ. غرفت في النوم تهرب من واقعها الأليم ومن الصدمة التي تلقتها لعَلّ ما هي به يكون مجرد كابوسٍ مزعج.
سار يعقوب داخلًا للمنزل الغارق في الظلام نظرًا لتأخر الوقت. كاد أن يصعد للأعلى لكنه توقف على هذا الصوت القاسٍ.
-- استنى عندك.
لم يكن منه إلا أنه استدار بملامح وجه باردة، وقال باقتضاب:
-- نعم.
استقامت بشموخ تدق عكازها الفضي بالأرض واتبعته بصوتها الذي يشبه الرعد قائلة بقسوة حُفرت على معالم وجهها قبل صوتها:
-- البيت ده ليه قوانين، وبما إنك رجعت وجيت تقعد معانا يبقى تحترم قوانينه. دخولك ورجوعك نصّ الليل ده حاجة مش مقبولة وبلاش تكتر من حسابتك عندي علشان سجلك مليان أووي يا يعقوب باشا.
تأمل جبروتها الذي عاناه منذ طفولته واستقى منه الويلات، نمت إبتسامة ساخرة على جانب فمه ثم حك بأطراف أصابعه لحيته الشائكة وهتف ببرود وهو يصعد للأعلى:
-- أنا طالع أنام.
وعندما أكمل صعوده قابلهما ينظران له بحزن وندم فهما المسؤولان لكل ما حدث له. أهداهم إبتسامة ساخرة وأكمل سيره نحو غرفته القاصية. نظرت من الأعلى لتجدها جالسة بالأسفل والجمود مرتسم على محياها، همست بحزن لتقول لزوجها:
-- مش هسامح نفسي أبدًا يا حسين على سفرنا وإحنا سايبين يعقوب معاها، دماغنا كانت فين ساعتها.
طبطب على ظهر زوجته وقال بندم:
-- أمي ربت يعقوب غلط يا أم يعقوب وإحنا غلطنا غلطة لا تغتفر لما سيبنا يعقوب معاها وهو طفل على أساس إن إحنا بنبني مستقبله ومرجعناش ألا وهو شاب بعد ما فات الأوآن. هي طول عمرها كدا حتى لما ربتني بس الله يرحمه أبويا وعمتي هما كانوا بيصلحوا وراها علشان كدا أنا محستش بيها. وأمي كانت عايزه كدا، عايزانا نطور من شغل العيلة ونكبره ومن ناحية تانية تستغل يعقوب وتخليه نسخة مصغرة منها وتتحكم فيه. أنا موافقتش أسيب يعقوب ألا لما لقيتها فعلًا متعلقة بيه وبتحبه.
قالت بحزن:
-- يعقوب مستحيل يسامحنا على الغلطة دي. ابني عاش عمره محروم من أبوه وأمه ويادوب مكاملة التلفون إللي كانت حماتي بتسمح بيها. وإحنا عشنا محرومين من إبننا يا حسين.
ردد بحنان:
-- بس صدقيني يا أم يعقوب هو مكتسبش منها قسوتها ولا جمودها هو لسه يعقوب الحنين المرح، بس يمكن بس المشكلة شوية غرور ولامبالاة ودول ساهلين. مسيرهم يدوبوا في يوم من الأيام.
-- يارب. يارب يا حسين.
داخل غرفة يعقوب. تمدد فوق الفراش وهو يسحب حاسوبه المحمول أمامه. وضع تلك الفلاشة في إحدى الفرجات الجانبية ليتضح أمامه تلك المقاطع الذي عمل على تجميعها لها على مدار زيارتها للمطعم خلال أسابيع بل شهور. ظلّ يشاهدها باهتمام عجيب حتى غلبه النعاس وذهب بثباتٍ عميق أملًا في اللقاء غد.
في صباح يومٍ جديد. هبط من سيارته أمام المطعم وهو بقمة نشاطه. جاء يدخل المطعم لكن تسمرت أقدامه وهو يراها تأتي على مقربة منه. ابتسم باتساع وهو يحبو نحوها بينما هي تقترب بإبتسامتها الدائمة التي تسحرهُ، وعندما أوشك للوصل إليها تخشب بصدمة وهو يجأر بصوت تردد صداه بالأرجاء واهتزت له الأبدان:
-- رِفـــــــقـــــــة...
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الرابع 4 - بقلم سارة اسامه
فزع من نومته ليستقيم بوجه متعرق من هذا الكابوس اللعين.
زفر وهو يمسح على وجهه قائلًا:
-- أيه الكابوس الغريب ده.!!
أخذ يسير نحو المرحاض وهو يقول بشرود:
-- دا أكيد علشان أنا بس فكرت فيها كتير قبل ما أنام وزعلان على سوء الفهم.
وبعد مرور مدة قصيرة كان قد ارتدى ملابسه وهبط الدرج ينتوي الخروج حيث المطعم بلهفة.
لكن قبل خروجه قاطعه هذا الصوت الذي افتقده لسنوات:
-- يعقوب .. ممكن تفطر قبل ما تخرج الأول.
كانت والدته التي ترمقه بندم وأعين تحمل الكثير من الإعتذارات التي لا تُكفر عمّا حدث.
أجابها بملامح وجه جامدة:
-- شكرًا .. تعبتي نفسك.
وخرج دون أن يلتفت خلفه تحت نظرات تلك الناقمة على تصرفاته.
لتطرق بيدها على طاولة الطعام صائحة بنفاذ صبر:
-- أنا مش فاهمه تصرفات الولد ده، العِناد إللي هو فيه ده عواقبه وخيمة.
يعقوب لو مفاقش لنفسه مش هيطول من أملاك العيلة ولو ورقة واحدة .. أنا صبري بدأ ينفذ.
لم يتحمل كم هذا الظلم الموجه لولده البِكر يعقوب.
كان دائمًا يحترم قرارات والدته، يخشى عقوقها.
حتى وصل به الأمر إلى الإفتراق عن يعقوب ظنًّا منه أنه في مأمن معها.
حاول كظم غضبه وإلجام كلماته الغاضبة لكن رغمًا عنه لم يعد يتحمل هذا الكبت.
-- لو سمحتي يا أمي كفاية بقى الأسلوب ده، يعقوب مبقاش ولد صغير علشان تتحكمي فيه، مش شرط يطلع زي ما إنتِ عايزه، سيبيه يعيش حياته وكفاية إللي عملتيه فيه وطفولته إللي شوهتيها.
تربيتك ليعقوب كانت غلط.
بس الغلط مش غلطك لواحدك.
دا غلطي أنا.
غلطي إن سيبت ابني وسافرت وأنا مفكر إن هو هيكون معاكِ أحسن من معايا.
تحكماتك يا أمي والمثالية إللي مارستيها على تربية يعقوب دمرته.
لم تُحرك ساكن وكأنه لم ينفجر لتوه.
بل اكتفت برفع عينيها وقالت بهدوء ساخر:
-- بقى بعد ده كله جاي تعاتب أمك على أخر الزمن وتقولها إن هي إللي دمرت ابنك.
دي التربية الصحّ، الولد ملوش ألا التربية دي أمال عايزه يدلع زي البنات.
مش كفاية خيبتي فيك بسبب تربية عمتك وأبوك، وتربيتك في ابنك التاني إللي لين زي البنات وحنين أووي ننوس عين أمه.
أنا ربيت يعقوب زي ما أنا عايزه بس للأسف بدأ يتفلت من إيدي وعارفة هرجعه تاني إزاي.
أنا ربيته إن لا يتأثر بالعواطف ولا المشاعر يبقى زي الآلة كل إنتاجه إنجازات ويكبّر ويعلي في شغلنا.
علشان يبقى خليفة جده الكبير مُحي بدران.
عَلا صوت بكاء والدة يعقوب على ما آل إليه حال ولدها.
ركضت نحو الجدة "لبيبة بدران" ثم انحنت تُقبل يدها وأردفت متوسلة ودموعها تُغرق وجهها:
-- بالله عليكِ يا أمي سيبي يعقوب.
كفاية عليه كدا.
سيبيه يعيش حياته، سبيني أعوضه عن الأيام دي كلها.
يعقوب مبقاش صغير ومستحيل تعرفي تاخديه تحت جناحك تاني.
سيبيه يبني أحلامه زي ما هو عايز، مش لازم يشتغل ويمسك شغل الشركات، موجود أنا وحسين ويامن وإنتِ بتراجعي الشغل شهريًا.
شركات العيلة إحنا موجودين وكفاية عليها.
يعقوب مش هاوي الشغل ده، اجتهد وبقى ليه سلاسل مطاعم، وهو حابب كدا.
دا شغفه.
سيبيه يا أمي أرجوكِ.
رددت بكل قسوة ولم تبالي بقلب هذه الأم المكلوم:
-- أنا سيباه بمزاجي مع اللعبة إللي بيلعباها بتاعة المطاعم دي ولو حابه أنهيها هنهيها.
والكلام في الموضوع ده إنتهى.
واستقامت منصرفة برأس شامخ وتكبر يطفو على ملامحها.
عملت على بثه وزرعه بقلب يعقوب خلال سنوات عمره الثلاثون، وهي التي لم تفشل في أمرٍ قط.
فكيف لها أن تقبل بخسارة عدم جعل يعقوب نسخةً عنها وعن أجدادها.
انتصف النهار ومازالت هي حبيسة غرفتها وتلك الكلمات التي هزّت بدنها أمس تدور بعقلها دون براح.
تفكر في حلّ يُخلص زوجة خالها من عبئها كما قالت.
تشعر بالغربة والخجل من كونها مجرد ثقل على قلوبهم، تؤلمها فكرة أنها غير مرغوبة.
بين الحين والآخر تخرج لتُغرق وجهها بالماء في محاولة لتغطية الدموع التي تُغرق عينيها ووجهها.
كانت تتضور جوعًا لكن لم يتأتّى لها أن تتناول الطعام لحَرجِها.
فكرت بالخروج لإستنشاق الهواء وذهابها لمطعم 《بوب》لكن الدوار الذي كان يُحيطها نتيجة تلك الصدمة والجرح الذي برأسها، وأيضًا إنطفاءها وكثرة الأفكار التي تأتي لعقلها فلم تشعر بالرغبة في الخروج.
همست بحزن:
-- يارب دلني وارشدني للطريق الصحّ، مش عارفة أعمل أيه حقيقي.
بينما عند يعقوب الذي أمضى النهار يبحث بين سجلات الكاميرا يُشاهد المقاطع التي تظهر بها رِفقة دون كلل أو ملل.
كان كمن يجلس على جمر وأمضى النهار أعينه مُعلقة بالباب عَلها تأتي.
كبرياءه اللعين يحجبه لأن يذهب إلى عبد الرحمن يُبرحه ضربًا ويُجبره على الإتصال بها والأعتذار منها وجعلها تحضر.
وقف يسير في الحجرة حتى وقف أمام الشرفة الواسعة ينظر للبحر الثائر من بعيد.
شردت أعينه بتلك الذكريات التي حُفرت بعقله مهما مرّت عليها السنون.
طفل صغير في عمر السابعة يبقف أمام جدته قائلًا برجاء طفولي وهو يبكي:
-- علشان خاطري يا تيتا خليني أكلم بابا وماما بقالي كتير مش كلمتهم.
أتى صوتها الجامد كقلبها تقول بتحذير:
-- وبعدين يا يعقوب مش قولنا هي مرة في الشهر لأنهم مش قاعدين فاضيين هناك.
هما مسافرين بيشتغلوا.
-- طب ليه مش خدوني معاهم.
ما هما معاهم يامن أخويا.
ليه سابوني.
قالت ببعض القسوة:
-- هو إنت مش بتحبني يا يعقوب، إنت هنا معايا، وبعدين بلاش عياط.
مش اتفقنا إن إللي بيبكي هو الضعيف بس.
قال بحزن طفولي:
-- بس إنتِ مش بتخليني ألعب بالكورة مع أصحابي، ومش راضية تخليني أشوف أصحابي كمان، ولا راضية تخليني أكل الأكلات إللي بحبها ولا البسبوسة.
ولا أتفرج على الكرتون، وبتخليني أنام وأنا مش عايز أنام.
بفضل على السرير ساعتين لغاية ما عيني توجعني من الضلمة.
ومش بتخليني أسمع حكاية زي ما ماما كانت بتعمل.
أردفت بهدوء ولم يرقّ قلبها:
-- لأن دا الصح يا يعقوب، إنت مش بقيت طفل علشان تلعب، في حاجات مهمة لازم تتعلمها بدل اللعب.
كمان الأكل إللي بتحبه كله مش صحي، لازم تاكل أكل صحي بمواعيد، والحلويات مش كويسة علشان سنانك.
والكرتون ده كلام فاضي ولازم تنام بدري في ميعادك علشان ده النوم الصحي لجسمك.
وواصلت بتحذير:
-- لازم تسمع الكلام من غير إعتراض يا يعقوب وبلاش المقاوحة دي.
دي قواعد لازم تلتزم بيها علشان تبقى إنسان ناجح.
صمت بوجه متذمر فلقد حرمته جدته من كل الأشياء التي يحبها.
ألعابه.
وكرة القدم.
وأصدقائه.
والحلوى والبرجر.
حتى الحكايات والكرتون.
قال بإلحاح فربما توافق على هذا الرجاء الأخير:
-- طب مش هتفسحيني وتوديني الملاهي يوم الجمعة.
أردفت بحدة وهي تشير نحو أحد الغُرف:
-- مفيش خروجات ولا ملاهي.
ويلا على النوم من غير إعتراض.
اغسل سنانك ونام يا يعقوب عندك تدريب الساعة سابعة الصبح.
ذهب لغرفته ثم جلس على فراشه الذي تمت إزالة كل ألعابه من فوقه.
ترقرق الدمع بأعينه بحزن وهمس وهو يبكي:
-- ليه يا بابا إنت وماما سبتوني معاها، إشمعنا أخدتوا يامن وأنا لأ.
أنا زعلان منكم أووي.
يعقوب زعلان منكم، أنا هنا لواحدي.
سحبه من شروده صوت عبد الرحمن الذي أخذ يناديه:
-- يعقوب .. يعقوب.
أعاد فتح وغلق أعينه مراتٍ عدة ليمنع تلك الدموع التي ترقرقت بأعينه واستدار يقول بهدوء:
-- خير يا عبد الرحمن.
تعجب عبد الرحمن من حالته ليتسائل:
-- الوقت اتأخر.
إنت مش راجع البيت.
قال باقتضاب:
-- لأ.
اقفل المطعم في الميعاد أنا هفضل هنا.
شعر عبد الرحمن بالحزن لأجله، فهو يعلم ما مرّ به يعقوب جيدًا.
للحظة شعر بالندم أنه كذب عليه بشأن رِفقة فالحُسن الحظ رِفقة لسببٍ ما لغير العادة لم تأتي اليوم ويبدو أن هذا سبب حزنه وانزعاجه.
وأوشك أن يُخبره بحقيقة الأمر لكنه تراجع، فهو يرى إهتمام يعقوب بأمر رِفقة على غير عادته فليتركه يُخرج ما بجعبته.
وخرج عبد الرحمن بعد أن قال بإبتسامة ماكرة:
-- تمام.
تصبح على خير يا بوب وأشوفك بكرا.
تمدد يعقوب فوق الأريكة وهو يسحب اللاب توب أمامه يُشاهد تلك السجلات بلا ملل لا يعلم سببه.
يتسائل كيف له أن يلتقيها.
لكن لماذا.
لماذا يريد لُقياها.
ظلت العديد من الأسئلة تدور بعقله حتى غفى وذهب بثباتٍ عميق لتكون هي سيدة أحلامه للمرة الأولى.
بصباح يومٍ جديد حملت شمسه الكثير من المفاجأت.
جلست أمل بجانب شيرين تهمس:
-- متأكدة إن خطتنا هتنجح، إنتِ واثقة إن هي هتخرج.
-- أيوا يا بنتي متقلقيش هي أصلًا محضره هدومها من بليل.
وبعدين إحنا خلصنا كل حاجة من غير ما هي تحسّ أصلًا.
ضحكت أمل بخبث قائلة:
-- دي هتبقى مسخرة يا بنتي.
يلا خلي إللي يسوى وميسواش يتفرج عليها.
هتبقى فضيحة.
قالت شيرين بحقد دفين:
-- تستاهل خليها تشرب.
فاكره زمان وإحنا صغيرين كانت بتتنطط علينا إزاي وكانت الدلوعة بتاعة الكل ورِفقة راحة ورِفقة جات.
دلوقتي كل حاجة اتقلبت، هي إللي بقت محتاجلنا.
بقت عاجزة وعالة على غيرها.
لا أهل ولا جمال بعد ما اتعمت ولا أي حاجة وابقى قابليني مين هيقبل ببنت عامية زيها.
أما عند رِفقة التي استيقظت وغسلت وجهها وأخذت ترتدي ملابسها بهدوء ثم خرجت بعدما سمعت بوق سيارة الأجرة الخاصة بالعم أشرف يُخبرها بوصوله.
ابتسمت وهي تهبط الدرجات بهدوء تساعدها عصاها حتى وصلت ليفتح لها العمّ أشرف الباب وهو ينظر لها بتعجب شديد متسائلًا لماذا تفعل رِفقة مثل هذا الشيء.
-- إزيك يا عمو أشرف، عامل أيه يا طيب.
تنحنح الرجل مستفيقًا محركًا رأسه وهو يُقنع عقله أن هذا ربما لحاجةٍ في نفسها ولم يُرد إحراجها.
ردد بطيبة وحنان:
-- الحمد لله في فضل ونعمة يا بنتي.
-- ربنا يزيدك يارب.
بعد قليل كانت سيارة الأجرة تقف أمام مطعم 《بوب》 لتهبط رِفقة مُبتسمة وهي تسير نحو المدخل الذي يبعد عنها ثلاث خطواتٍ فقط.
في هذا الأثناء عندما يأس يعقوب من الإنتظار أقنع نفسه أن يخرج ليُبدل ملابسه ويُخرج هذا الهوس من عقله.
كان على وشك الخروج لكنه تسمرّ وهو يراها تدلف بإبتسامة واسعة جعلت السعادة تشق قلبه.
لكن كان لمن في المطعم رأيٌ أخر، فَفور أن وقعت أنظارهم على رِفقة توسعت بصدمة ومنهم من انفجر ضاحكًا.
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الخامس 5 - بقلم سارة اسامه
خرج صوت أحد الشباب الساخر والذي جعل يعقوب وطاقم العمل يستفيقون من صدمتهم، ليقول وهو يرشق رِفقة بنظرات محتقرة:
-- ودي طريقة جديدة لجذب الأنظار ولا أيه!!
-- لتكوني مفكرة نفسك ظريفة ولا حاجة..
رنّ صوت ضحكات أحد الشباب المختلطة بالفتيات المُجلجلة لتقول إحداهنّ:
-- شكلها شبه المهرجين..
-- قصدك الشحاتين!
-- أنا مش عارف إزاي سمحوا لواحدة زي دي تدخل مكان محترم زي ده..!
-- تلاقيها داخله تسترزق يا ابني، يا عمّ الأشكال دي كترت أووي، والمشكلة إنها عاملة نفسها عامية، الناس دي مش خايفة ربنا يبليها بجد..!
اختلط لغط الجميع بينما رِفقة فكانت تقف بالمتصف تشعر أنّ العالم يدور حولها، لا تفهم ما الذي يحدث!!
وهل هي المقصودة بهذا الحديث..؟!
إذًا لماذا!! لماذا يقولون مثل هذه الأشياء الجارحة..؟!
ارتجفّ قلبها وتجمدت دموعها وهي تقبض على عصاها لا تعلم كيف تتصرف! تشعر نفسها غارقة..
بينما على الناحية الأخرى، كان هناك يعقوب..
شكّلت تلك الكلمات حلقة كانت تدور حول أذنيّه وبعقله، شعر وكأن خنجرٌ بارد يخمش بقلبه وهو يراها بمثل هذه الحالة..
حتمًا هو تصرف غير أخلاقي من أُناس نُزع من قلبهم الإنسانية والرحمة..
قبض على كفيّه حتى ابيضت مفاصله، ونفرت عروق عُنقه ووجهه وأعينه أصبحت تنضح نارًا أُضرِمت في قلبه قبل أعينه..
حينها ركضت آلاء وبعض الفتيات التي تعمل بالمطعم نحو رِفقة المرتجفة، سحبتها آلاء للداخل برفق وهي تقول:
-- تعالي جوا معانا يا رِفقة..
لكن قبل دخولهم زلزل كيانهم صوته الراعد صائحًا بهؤلاء المستهزئين:
-- برااا ...كلكم برا ومعدتش أشوف وش كلب فيكم هنا .... يلا إنتَ وهي...دي أطهر من أي حدّ فيكم يا أعمى البصر والبصيرة..
-- فِكركم إنتوا كدا حاجة كويسة وظريف إنتَ وهو لما تقعدوا تنكتوا على واحدة إنتوا مش عارفين ظروفها .. أكيد حدّ عديم الإنسانية والرحمة زيكم هو إللي استغل حالتها...يلا براااا وممنوع دخول المكان ده تاني؛ لأن دا مكان محترم زي ما قولتوا ومش بيدخله ألا ناس محترمة وراقية..
وأخذ ينادي بعصبية شديدة:
-- عبد الرحمن ... طلع شوية المهرجين دول براااا..
حرك عبد الرحمن المصدوم من ردة فعل يعقوب رأسه وأخذ ينفذ تعليمات يعقوب بسعادة من موقفه..
بالداخل كانت رِفقة تنكمش على نفسها وتبكي بإرتجاف وأخذت تقول بكلماتٍ مرتعشة:
-- آلاء بالله عليكِ فهمني في أيه .. يعني هما ليه كانوا بيضحكوا عليا وبيقولوا عليا الكلام الوحش ده .. قوليلي لو سمحتي في أيه..
تمزق قلب آلاء وجميع الفتيات التي كانت بالغرفة، سحبتها آلاء بين أحضانها وظلت تربت على ظهرها بحنان قائلة:
-- ناس مريضة .. متشغليش بالك يا رِفقة .. والأستاذ يعقوب أخدلك حقك..
تشبثت رِفقة بيدها وقالت برجاء:
-- لو سمحتي يا آلاء عرفني ..قوليلي علشان أرتاح..
اقتربت منهم أحد الفتيات وهمست بأذن آلاء:
-- لازم تقوليلها يا آلاء؛ لأن الواضح إللي عمل كدا حد هي بتستأمنه ومستغفلها وهي لازم تفوق وتعرف حبيبها من عدوها..
تنهدت آلاء ثم سحبت رِفقة للجلوس وقالت وهي مُمسكة كفيها برِفق:
-- مش عارفة مين عمل فيكِ كدا بس واضح إن حدّ معاكِ في البيت، واستغل نومك مثلًا..في ميكب أب على وشك بطريقة فجة..يعني روچ على بوقك لونه فاقع ومحطوط بطريقة عشوائية..وحوالين عينك بألوان كتير فاقعة، غير الفاونديشن الفاتح إللي محطوط بطريقة مبالغ فيها والحُمرة إللي على خدودك..أما فستانك الأبيض فهو مليان بُقع كتير، زيّ ما تقولي بُقع فحم على طماطم جافة وألوان معرفش أيه مصدرها..
هبطت تلك الكلمات على قلب رِفقة كالصاعقة، شهقت بصدمة واضعة كفها على شفتيها وأخذت تقول بتقطع من غير إستيعاب:
-- أمل وشيرين ... طب ليه ...ليه يعملوا كدا..الناس دلوقتي إللي شافوني قالوا أيه عليا..علشان كدا وأنا بغسل وشي الصبح كنت حاسة بحاجة غريبة كأن وشي جافّ ... بس أنا مجاش في بالي والله ... أنا متوقعتش يعملوا كدا..دا أنا مستأمناهم .. ليه يضحكوا الناس عليا..استضعفوني واستقوا عليا علشان أنا عامية...
احتضنتها آلاء بقوة وأخذت دموعها تهطل من هذه القسوة والشرّ الذي يملأ هذا العالم..ما ذنبها ليفعلوا بها ما فعلوا..!
تأثر جميع من في الغرفة لكن هذا الماثل أمام باب الغرفة والذي سمع هذه الكلمات التي سقطت على قلبه كأنياب ليث مزقته..
زادت وتيرة أنفاسه وأخذ صدره يعلو ويهبط وهو غير متوقع إنعدام الضمير الذي وصل إليه البشر..
لكن مَن هم الفتاتين؟! وكيف هي حياة رِفقة، وأين تسكن؟!
كل هذه التساؤلات وأكثر كانت تدور بفلك يعقوب، وهو في طريقه لمعرفة كل شيءٍ عنها ولن يتراجع أبدًا ولن يتركها مادامت الحياة تدق بجسده، فهي قد أصبحت تتشعب في حناياه شيءً فشيء..
في داخل الغرفة عملت الفتيات التي أحاطت رِفقة على إزالة ما على وجهها برِفق، لكن أردفت آلاء من بين أسنانها بغضب:
-- وكمان مُثبت، ومش أي مُثبت .. مثبت قوي كمان..
قالت أحد الفتيات:
-- علشان لو غسلت وشها ميتمسحش، كمية سواد في قلوبهم مش معقولة..
كانت رِفقة جامدة، تهبط دموعها فقط، تتوجع على نفسها وقلة حيلتها..
هل كل الحوادث التي مرت بها داخل منزلهم كانت عن قصد..!!
نعم كانت تتجاهل بعض الأشياء، مثل تلك الأيام التي يُخبروها أنهم لم يطهو الدجاج واللحوم وكانت تشتم الرائحة لكنها كانت تتجاهل الأمر..
لماذا!!! لماذا هذا الحقد الدفين؟!
ماذا فعلت لهم لكل هذا!!
-- جيبي مزيل المكياج يا إيمان من عندك..
حاوطها الجميع بحب وحنان وأخذوا يصلحون ما قاموا به هؤلاء الحاقدين ويحاولون إخراجها من تلك البؤرة..
هتفت آلاء بمرح:
-- إنتِ متعرفيش إللي كان مستنيكِ النهاردة..يا سلام لو تعرفي يا بت يا ريفو..!
قلبها الصافٍ رغم الصدمة التي تلقتها لا يخذل أحد حتى في المزاح وإن كانت في أسوء حالتها..
رفعت وجهها النقي وأعينها التي أحمرت جفونها تتسائل بلطف:
-- يا ترى أيه يا آلاء قوليلي..
-- يا ستي الأستاذ يعقوب حب يقدملك إعتذار علشان اليوم إللي خرجتي فيه من قبل ميعادك..ويا ترى أيه هو الاعتذار..يعني مثلًا وجبات رِفقة المفضلة..زي كريب النوتيلا .. كوردون بلو .. بيج ماك مثلًا..
ابتسمت رِفقة قائلة:
-- تصدقي أنا كنت جايه متحمسة أووي وجعانة وناوية أكل كل الأكلات إللي بحبها لأن جعانة وبقالي يومين مأكلتش..
قالت آلاء بحماس وهي تمسح وجه رِفقة بالمنشفة:
-- وأيه يقلل حماسك يا ست الحلوين إنتِ...إحنا هنطلع ناكل لغاية ما نشبع وبصي براحتنا بقااا ...أستاذ يعقوب مشّى الكل..
سَبَح الحزن على وجهها وقالت بإنتباه:
-- صحيح هو بسببي طرد الكل ودا أكيد مش كويس للمكان ... أنا حقيقي آسفة..يعني لازم أعتذرله..
-- متشغليش بالك يا رِفقة هو أكيد مش يشرفه وجود أشخاص زي دول في المكان..
-- معلش يا آلاء بس أنا لازم أعتذرله وأشكره، ممكن تخرجيني ليه..
-- إللي يريحك يا ست الحلوين، تعالِ يلا..
أسندتها حتى خرجت من الغرفة.
كان يعقوب يجلس عند أحد الطاولات يضع رأسه بين يديه والعديد من الأفكار تعصف به..
همست آلاء عند رؤيته في أذن رِفقة:
-- رِفقة .. هو قاعد هناك .. تعالِ هوديكِ لغاية الترابيزة..
-- تمام..
شعر بأحد يقف فوقه، رفع رأسه ليرى آخر شيء توقعه، أخذ قلبه يطرق بقوة عند رؤيتها تقف أمامه بتلك الطلة الساحرة..
جرى صوتها الذي كان كترنيمة ساحرة بالنسبة له، تقول بلطف غير مصطنع:
-- أستاذ يعقوب ... لو مش عندك مانع ممكن أقولك حاجة..؟
كان ينظر لها كالمسحور رغم محاولته في أن يبقى جامدًا أمام عبد الرحمن الذي يرميه بنظرات ماكرة ونظرات العاملين المُترقبة..
تنحنح وقال دون أن يشعر:
-- قولي حـــــاجـــــات..
أردفت رِفقة بعدم فهم:
-- نعم.!.
أجلّى صوته وقال بتدارك:
-- أقصد اتفضلي..
ساعدتها آلاء في الجلوس لتجلس أمامه ثم شرعت تقول بأسف وحزن:
-- أنا بعتذر جدًا لحضرتك ... أنا اتسببت في أذية كبيرة للمكان وحقيقي أنا مكسوفة جدًا .. يعني..
وقبل أن تُكمل حديثها قاطعها بحزم:
-- أنا عملت إللي المفروض يتعمل يا...
وصمت عن عمد، لتبتسم هي قائلة بخجل:
-- اسمي رِفقة...
ابتسم بإشراق وهو يتذوق اسمها سرًا بتلذذ، وهتف بمزاح مستجد على شخصيته ليجعل عبد الرحمن يفغر فاهه بصدمة:
-- وأنا يعقوب..
تنحنحت بحرج وهي تُبعد عيناها عن مرمى صوته وقالت:
-- شكرًا جدًا لحضرتك يا أستاذ يعقوب، إللي عملته مش هنساه أبدًا..جزاك الله خيرًا..
ردد باندهاش:
-- جزاك الله خيرًا .. دي دعوة صحّ..
-- أيوا ... مستغربها ليه..!
-- أصل أول مرة حدّ يقولهالي، بس حلوة .. عجبتني يا رِفقة..
لم يُرد أن يبني قبل اسمها ألقاب، وأكمل يقول باعتذار وندم صادق:
-- أنا إللي آسف على الموقف إللي حصل .. وأتمنى تقبلي الإعتذار المقدم من المطعم..
قالت بحُسن نية:
-- مفيش ولا إعتذار ولا حاجة، أنا مش زعلانة أنا كنت قلقانة على المطعم يمسّه ضرر .. وبعدين أنا خرجت زيّ زي أي زائر خرج..
ابتلع غصة مريرة بحلقه، فكيف إذا علمت أنه كان مثل هؤلاء الأُناس الحقيرة وقد ظنّ فيها السوء مثلهم!!
ماذا لو كانت تفلتت نفسه من عِقالها وخرج وأسمعها تلك الكلمات الحقيرة التي كانت تدور بخلده..
كانت ستكون القاضية له...
ولو ظلّ جالسًا هكذا للصباح لم يكن ليرتوي أبدًا، لكن ذلك الأهوج عبد الرحمن الذي تدخل بخبث قائلًا:
-- آنسة رِفقة اتفضلي على الترابيزة بتاعتك وأتمنى تقبلي إعتذارنا..
وواصل بمكر وهو بالكاد يُمسك ضحكاته:
-- وجزاكِ الله خيرًا..
عقدت رِفقة جبينها بتعجب بينما رمقه يعقوب بنظرات يتساقط منها الشرر، ويتواعده بالكثير...
تدارك عبد الرحمن نفسه وهو يدرك أن كذبته قد كُشفت والويلات له من يعقوب..
جاءت آلاء تساعد رِفقة تحت نظرات يعقوب الناقمة، ليسرع عبد الرحمن في الفرار من أمامه..
جلست رِفقة في مكانها المفضل ومن حولها الفتيات الذين أخذوا في المرح معها والمزاح حتى يُنسوها هذا الموقف الذي مرت به..
كانت تضحك من قلبها وهي تشعر بالألفة بجانبهم بينما يعقوب كان بعالمٍ موازي غافلة هي عنه تمام الغفلة..
عندما أقبل المساء وأفاض الشفق على زاوية السماء كانت رِفقة تدلف للمنزل بهدوء خارجي..
سارت حتى الداخل، ورفعت صوتها بهدوء:
-- أمل ... شيرين..
أتوا مسرعين حتى يشاهدوا ماذا حدث لها بعد هذا اليوم المليء بالسخرية، لكنهم تخشبوا حين شاهدوا وجهها الخالي من حقارتهم وملابسها النظيفة..
وقفت رِفقة أمامهم برِفعة ثم هتفت بجمود:
-- أنا عملت أيه فيكم علشان تعملوا كدا معايا..يعني كان هدفكم تضحكوا الناس عليا وتخلوني مسخرة في الشارع..
أسرعت شيرين تقول ببكاء مصطنع:
-- ليه كدا يا رِفقة .. ليه سوء الظن ده إنتِ عمرك ما عملتيها..دا أنا كنت عاملة مقلب فيكِ إنتِ وأمل..عملت في أمل بردوه كدا وهي مأخدتش بالها..أنا مكونتش أعرف إنك هتنزل النهاردة..وكمان كنت هقولك يعني بس اتصدمت لما عرفت إنك خرجتي ومن ساعتها وأنا بعيط..
وانغمست في بكاءٍ كاذب، لتسرع أمل تقول:
-- أنا مش عارفة مالها رِفقة جاية حامية علينا من برا ...أنا بردوه حصل معايا نفس الموقف بس ما أساءتش الظن في شيرين وعرفت إن الموضوع هزار....يعني نهزر معاكِ مش عاجبك ومنهزرش مش عاجبك، علشان تعرفي إحنا بنتجنبك ليه.. علشان بتقفشي عالطول كدا..عمومًا يا ستي محدش فين هيهزر معاكِ تاني..
وسحبت شقيقتها قبل أن تنبث رِفقة بأي كلمة..
لتقف شاعرة بالحيرة والندم من تسرعها..
لقد جعلت شيرين تبكي وأساءت الظن بها..
تنهدت بثقل وكانت على وشك الذهاب إليهم لكن أوقفتها زوجة خالها..
-- رِفقة .. لو سمحتي عيزاكِ في كلمتين يا بنتي..
ابتسمت لها رِفقة لتجلس قائلة بطيبة:
-- أكيد طبعًا يا طنط عفاف..
-- كنت عايزه منك طلب ويارب ما ترديني يا بنتي..
-- اتفضلي أكيد يا طنط .. عيوني لكِ..
همست سرًا بسخرية:
-- أعمل بيهم أيه يا حسرة، هما لهم لازمة..
أردفت عفاف بصوت مرتفع بحسم مُباشر، كان أمر أكثر مما هو طلب ورجاء:
-- عيزاكِ .... تسيبي البيت..
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل السادس 6 - بقلم سارة اسامه
بصي علشان متفهمنيش غلط يا رِفقة..
خلاص ابني جاي وطبعًا وجودك في البيت هيبقى غلط يا بنتي وهيسبب كلام الناس..
بس أكيد أنا مش هسيبك كدا.
استمعت إليها رِفقة بهدوء لتُواصل عفاف حديثها:
-- إنتِ ما شاء الله أبوكِ سايبلك مبلغ كويس، وبصراحة في حاجة اتعرضت قدامي افتكرتك عالطول..
في شقة صغيرة كدا على قدك في مكان قريب مننا، يعني كام شارع كدا على الطريق..
وشقة لُقطة يا رِفقة هتفرحي بيها جدًا، صاحبها عايز يبيعها بالعفش وشقة راقية جدًا، هي أه صغيرة شوية بس شغالة..
أيه رأيك تشتريها..
خيم الصمت على رِفقة قليلًا، لكن رفعت رأسها وقالت بقوة:
-- أنا موافقة يا طنط عفاف، دا فعلًا القرار الصح..
انفرجت أسارير عفاف وشعرت بأن قلبها يرفرف بسماء السعادة، وهتفت بلهفة:
-- طب يلا بينا .. أنا عارفة محامي كويس هيكتبلنا العقد..
تعجبت من تسرعها متسائلة:
-- دلوقتي عالطول كدا..
قالت عفاف وهي تتحرك لترتدي ملابسها:
-- امال أيه، خايفة تروح علينا أصلهم مستعجلين عليها أووي ولها مشتريين كتير، مش بقولك لُقطة، إنتِ لابسه هدومك أهو، وأنا هلبس عالطول وننزل..
قالت رِفقة ببعض القلق من فكرة العيّش وحيدة، فكيف لها أن تتأقلم، الكثير من التساؤلات يعجّ بها عقلها..
-- طب مش نستنى خالي..
أردفت عفاف مسرعة:
-- لا خالك أيه يا بنتي، خالك قدامه أسبوع على ما يجي من سَفرُه .. تكون الشقة طارت من إيدينا..
ومتقلقيش خالص يا رِفقة إنتِ زي بنتي وخايفة عليكِ، وأنا مش هتقطع من عندك..
هفضل رايحة وجاية عليكِ، إنتِ كدا كدا قريبة مني، هو يدوب شارعين بينا..
هأهتم بكل حاجة تخصك دا إنتِ بردوه أمانة الغاليين...
بس في مشكلة دلوقتي..
أردفت رِفقة بغفلة عمّا تنويه تلك الأفعى لها، وقد انطلت تلك الحيلة عليها وانخدعت في نعومة جلد تلك الحيّة..
-- في أيه يا طنط .. مشكلة أيه..
قالت بمكر بنبرة حنون:
-- والله يا بنتي كان بوِدّي لو حيلتي حاجة كنت قدمتهالك بس إنتِ عارفة إللي فيها..
بما إننا هنكتب العقد فلازم ندفع الفلوس، يعني لازم تسحبي الفلوس من الفيزا..
ابتسمت لها رِفقة وهتفت بينما عقلها بدأ يرسم لها أنها ستحيا بمنزل دافئ هادئ وستجاهد لتتعلم طُرق التكيّف مع حياتها الجديدة..
-- مفيش مشكلة الفيزا معايا وإحنا هنكون سوا، هقولك على الرقم السري وإنتِ اسحبيهم قبل ما نروح...
اتسعت إبتسامة تلك الشيطانة وقالت بطيبة مصطنعة:
-- على بركة الله يا بنتي...
وولجت للداخل ليسحبها كلًا من شيرين وأمل داخل غرفتهم وتبادر شيرين تتسائل بحقد:
-- هو إنتِ هتروحي تشتري الشقة فعلًا..!
وقالت أمل بعدم فهم:
-- فهمينا إنتِ ناوية على أيه.!
انبلجت إبتسامة شيطانية على فم عفاف وقالت بغموض:
-- اصبري عليا ... مفاجأة من العيار التقيل..
بس أهم حاجة على ما أنا أرجع تجهزوا شنطة هدومها علشان هتغور بكرا..
وخرجت بصحبة رِفقة التي تجهل مصيرها الذي يقبع بين ثلاث شياطين...
ولج للمنزل في وقت مُبكرًا بوجه يشعّ سعادة وراحة، أكمل سيره حيث غرفته لينطلق في فلك جديد بسماء هذا الحب الذي بدأ ينمو ويترعرع بقلبه..
-- يعقوب تعالَ عيزاك..
أردفت لبيبة بوجه معقود وهي تجلس على أحد المقاعد العتيقة وبجانبها والد ووالدة يعقوب اللذان يرتسم على وجههم القلق من هذا الأمر الهام الذي تريد الجدّة لبيبة التحدث عنه..
زفر يعقوب وجلس بإهمال على أحد المقاعد ثم ردد ببرود:
-- نعم .. خير.
دقّت بعصاها الخشبية ثم قالت بهدوء ظاهري:
-- لغاية دلوقتي أنا صابره عليك يا يعقوب، بس إنت عارف ومتأكد إن إللي أنا عيزاه هو إللي هيمشي...
أظن كفاية لعب كدا وتسيبك من المطعم إللي شاغل نفسك بيه ده وترجع لعقلك وتشتغل بالمؤهل بتاعك، مكانك في الشركة مستنيك..
حرك رأسه بمعنى لا فائدة وأردف بسخط:
-- في حاجة تانية تقوليها قبل ما أطلع أنام..
تزايد الغضب على ملامح وجهها لكنها انحنت تلتقط كوب القهوة خاصتها وترتشف بضع رشفات ثم أردفت بقسوة:
-- في فعلًا موضوع مهم تاني..
موضوع رجعوك مفيش أدني شك بحصوله، يعني أقل حاجة فروع مطعمك إللي فرحان بيها دي، يوم مشرق منعش يوصلك أخبار بحريق المطاعم بتاعتك أو بلاغات للمسؤولين بوجود مواد غذائية فاسدة بتستعملها وساعتها مش هيبقى لمطعمك وجود وهيكون إنتهى أمره..
المهم الموضوع التاني..مش أظن جه الوقت إنك تتجوز بقاا .. كفاية كدا..
شهقت والدة يعقوب وصُدم والدهُ، لكن لم تتبدل ملامح يعقوب وظلّ محتفظًا بهدوءه، ثم تسائل بابتسامة ساخرة:
-- ويا ترى مين بنت الحلال إللي عليها العين والنية يا لبيبة هانم، إللي حضرتك شيفاها مناسبة.
رمتهُ بنظرة ثاقبة ثم أجابت بهدوء:
-- مع إنك بتتريق بس هجاوبك..
بنت فاضل زكريا .. بنوته مناسبة ليك ومن مستوانا وتناسب اسم عائلة بدران، والجوازة هتوطّد علاقة العيلتين والشغل إللي بينا..
استقام يعقوب بطوله الفارع واضعًا كفيّه في جيبه ثم أردف بنفس هدوءه:
-- تصبحي على خير يا لبيبة هانم..
وصعد لغرفته وهو يُصفر باستمتاع وكأن شيئًا لم يحدث ليجنّ جنون لبيبة وهي تصرخ بغضب:
-- يعقوب .... يعقوب.. استنى هنا.
لكن لا حياة لمن تنادي، صعد لغرفته يستلقى فوق الفراش بعد أن بدل ملابسه ثم وضع على حاسوبه المحمول تلك المقاطع التي تضحك بهم رِفقة بإشراق وسعادة وبقى يشاهدها قبل أن يذهب بنومٍ عميق..
بينما في الأسفل..
قال حسين والد يعقوب باعتراض:
-- لو سمحتي يا أمي إللي بتعمليه ده غلط وأنا مش هسمح بيه أبدًا...
رشقته بنظرة حادة واستقامت ذاهبة نحو غرفتها بغضب..
ولم تلبس إلا قليلًا حتى رفعت هاتفها وفور أن أجاب الطرف الأخر قالت آمرة بصرامة شديدة وحسم:
-- من بكرا كل خطوات يعقوب توصلني..
كل حاجة تخصه، بيعمل أيه، وأيه علاقاته..
الصغيرة قبل الكبير عايزه أعرفها عنه..
تراقبه بكل دقة وتوصلني المعلومات أول بأول..
-- أمرك يا لبيبة هانم...
صباح يوم جديد استيقظت رِفقة بنشاط، أدّت صلاة الضحى وبقت تقرأ الأذكار ثم تلته بوِردها في القرآن..
وقفت بجانب النافذة وهمست برجاء ويقين:
-- يارب كُن معايا وكُن ليا الصاحب يارب..
حياة جديدة أنا مش عارفة هيكون فيها أيه بس واثقة وعندي يقين بيك، وعارفة طالما أنا معاك مش هتوه أبدًا وواثقة إنك هتفضل معايا ومش هتسبني أبدًا..
أنا مليش أي حيلة يارب غير إنِّ معتمدة عليك وتوكلي كله عليك، قلبي مليان بالرضا وعندي أمل كبير، خلي الخير والسعادة كلها في طريقي..
ثم خرجت بهدوء من غرفتها لتُلاقي الثلاث أفاعي اللواتي يكِدنّ أن يُقِيموا الأفراح لخروجها من منزلهم اليوم غير تلك اللعبة القذرة التي قامت بها عفاف بالأمس..
-- أنا هخرج شوية وهرجع عالطول يا طنط..
قالت عفاف مسرعة:
-- هبقى أكلمك وأقابلك بالشنطة بتاعتك ونروح من برا برا شقتك الجديدة، أرتبلك فيها أمورك وحالك، إحنا ميعادنا أخر النهار..
ابتسمت لها رِفقة وقالت بطيبة:
-- خلاص يا طنط، وشكرًا جدًا على كل حاجة عملتيها علشاني وقدمتوها ليا، وعيزاكِ تعرفي إن كل إللي عملتيه علشاني ربنا هيجازيكِ مثله..
أنا مش بإيدي مقابل أديهولك بس هدعي ربنا يجازيكِ بأعمالك معايا، وربنا كريم أووي..
لم تبالي عفاف بما قالته رِفقة، جُلّ ما يشغلها ما اكتسبته وغفلت أن الله رقيب .. عزيزٌ منتقم..
بعد قليل كانت رِفقة تجلس خلف طاولتها في مطعم "البوب" الخاص بيعقوب، كانت ترتشف مشروبها البارد بشرود وهي تفكر بأشياء عديدة حتى قاطعتها آلاء بقولها:
-- الجميل ماله النهاردة .. سرحانة في أيه.!
أردفت رِفقة بحماس وابتسامة واسعة:
-- تعرفي يا لولا النهاردة هنقل لشقتي، اشتريت شقة خاصة بيا وهستقر فيها..
طفق الحزن على وجه آلاء وتسائلت بقلق:
-- طب وهتبقي لواحدك يا رِفقة؟!
واصلت بنفس الحماس:
-- ربنا معايا أحسن من أي حد..
بس متقلقيش مرات خالو هتجيلي عالطول، وأنا عندي أمل إن ربنا هييسرها وهيتكفل بيا وهيوقفلي ولاد الحلال إن شاء الله..
وأنا أبدأ بقى أعتمد على نفسي، وبصراحة أنا مش زعلانة من مرات خالو، هي عندها حق بردوه، ابنها هيجي وهي أم وحقها تشبع بابنها، لو كنت فضلت قاعدة كان ممكن يروح يعقد في فندق ودا ميصحش..
أردفت آلاء ببعض القلق:
-- ربنا ييسرك كل عسير يارب يا رِفقة ويحفظك من كل سوء، حقيقي إنتِ جميلة وتستاهلي كل خير...
وواصلت بمرح:
-- وأنا لو فضلت أرغي معاكِ كدا مش هبطل ولا هشبع من كلامك وبعدين أنطرد من الشغل..
يلا أروح أشوف شغلي وأبقى أرجعلك..
-- ماشي يا لولا ربنا يعينك يارب..
ورحلت آلاء وتركتها تحت أعين هذا الصقر الذي لم تبرح أعينه من فوقها يشاهدها من خلف زجاج مكتبه بشرود وشيء واحد فقط يدور بعقله...
لقد قرر وانتهى الأمر..
هذا هو القرار الصحيح .. وما يشعر به حقًا..
سيتبع شعوره واللعنة على غروره..
خرج بخطوات رزينة ثابتة حتى وقف أمامها..
تنحنح وقال بهدوء:
-- رِفقة...
رفعت رأسها بإبتسامة نقيّة وهتفت:
-- أستاذ يعقوب!
-- عرفتيني عالطول كدا إزاي؟
-- أنا بحفظ الأصوات من أول مرة أتكلم مع الشخص ومش بنساها أبدًا.
حرك رأسه وقال:
-- ممكن تسمحيلي .. عايزك في موضوع..
عقدت حاجبيها بتعجب ونبض قلبها بغرابة لتتشدق بتقطع لتوترها:
-- أكيد ...اتفضل..
جلس يعقوب بشموخ ومباشرةً ودون أدنى تردد أردف وهو يُعلن رفع راية المُحاربة لأجلها ولأجل قلبه، فدائمًا هو شخص صريح وتلك مرتُه الأولى التي يشعر وكأن قوة ما خفيّة تقوده إليها:
-- اتـــــجــــوزيــــنـي..
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل السابع 7 - بقلم سارة اسامه
سعلت بشدة والكلمة تتردد بعقلها بإلحاح، توسعت عيناها بصدمة وظلت تفتح عينيها وتغلقها بعدم تصديق.
ابتلعت ريقها بصعوبة لتسحب كوب الماء ترتشف منه بتوتر، وابتسمت بشحوب وقالت بنبرة خرجت متقطعة متحشرجة:
-- أستاذ يعقوب ... هزارك مختلف أوي يعني.. أقصد يعني...
قاطعها يعقوب بجدية وهو يستند على الطاولة:
-- أنا مش بهزر أبدًا يا رِفقة، زي ما أنا قولتلك أنا بحب أكون واضح ومش بعمل أي حاجة أنا مش مقتنع بيها.. خدي وقتك في التفكير، وعلشان تعرفي يعني أكيد طلبي فاجئك بس مكانتش أول مرة أشوف يوم الموقف إللي حصل.. هعرفك على نفسي .. أنا يعقوب بدران عندي ٣٠ سنة .. عندي سلسلة مطاعم دا واحد منهم ودا كان حلم حياتي وخريج هندسة إلكترونية بس مش شغال بالمؤهل بتاعي..
كانت رِفقة تشعر بأن العالم يدور حولها، ما هذا الذي تسمعه ليُكمل يعقوب يقول:
-- أكيد بتسألي دلوقتي عايز تتجوزني ليه.. هقولك علشان أنا جوايا عايز كدا، وإحنا مناسبين جدًا لبعض .. وفي سبب تاني أكيد هتعرفيه بس بعد ما نتجوز..
توسعت عينا رِفقة من هذه الجُرأة وشعرت بالخجل لكنها تجرأت تقول باعتراض:
-- يعني إنت ما شاء الله عندك كل حاجة ومحوطاك كل النِعم، وحسيت نفسك من جوا عايز تتجوز وأنا طلعت قدامك يبقى خلاص هي دي..
تنهد يعقوب ثم أردف ببعض السخط:
-- مين قالك إن عندي كل حاجة .. عادي أنا عندي إللي عند الكل بل أقل من ناس كتير واتاخد مني كتير.. حياة عادية..
ابتسمت رِفقة وأردفت بيقين ورضا:
-- العادية إللي بتقول عليها دي نعمة كبيرة، حياتك كلها مليانة نِعم، قعدتك دي وإنك قادر تتكلم وتاكل .. الصحة والعافية والنفس إللي بتتنفسه دا نعمة كبيرة، أهلك وأصحابك، بص على الناس إللي حواليك وإنت تعرف ... لازم تملى قلبك بالرضا وتحمد ربنا على كل نِعمُه عليك.
قال بتلقائية دون أن يقصد:
-- إنتِ بتقولي كدا بس علشان إنتِ عامية، يعني علشان ناقصك حاجة...
تخشبت رِفقة للحظات ومعها يعقوب الذي لم يُصدق ما تلفظ به ليُسرع يقول مُتداركًا:
-- أنا مقصدش كدا .. أنا آسف .. أنا أقصد يعني إنك حاسه بقيمة النِعم..
انقشعت غيمة الحزن التي حلّت على وجه رِفقة سريعًا وطفقت تهتف بإبتسامة رضا:
-- أنا عارفة إن عامية ومش بشوف إنت مقولتش حاجة جديدة ... سمعتها كتير من غيرك، إنت لا أول ولا أخر واحد تقولها.. بس الحمد لله أنا راضية جدًا يا أستاذ يعقوب لأن أخذ الله عطاء بشكل أخر، أنا اتحرمت البصر بس لم أُحرم من نور البصيرة، ودي في حد ذاتها نعمة لا تُقدر بتمن.. أنا أبدًا مش ناقصة حاجة .. أيه البصر مقابل نِعم كتير ربنا عطهالي، أنا مديونة بكتير أووي لرب العالمين ... لو فضلت عمري كله أعبده مقابل نعمة واحد مستحيل أوافي منها شيء.. واقفة بصحتي وعافيتي ومستورة، كل يوم بتنفس وبحسّ بالجمال إللي حوليا، مش علشان حاجة واحدة بس اتحرمت منها تسود جمال الدنيا في عيني، بشوف الجمال بقلبي وبحس بيه ودا يكفيني.. أنا راضية أووي يا أستاذ يعقوب ومش بعتبر أي حاجة ربنا عطهالي عادية، كل نعمة مُميزة، حتى العَمَى تمييز... ربنا ليه حكمة في كل شيء ومش بيحرمنا من حاجة ألا رحمة بينا لأن أنا عندي يقين إن ربنا رحمن ورحيم بيا أكتر من نفسي وواثقة إن دا أختبار ولازم أنجح فيه علشان المكافأة إللي منتظراني..
كان يعقوب ينظر لها مأخوذًا بها مبهورًا بهذا الرضا الذي يملأها واليقين الذي يشع من عينيها وكم استحقر ذاته أمامها، شعر بالخجل وجاء يتحدث ليجدها تقف وتقول بهدوء:
-- عن إذنك لازم أمشي..
وخرجت تحت صدمته لكنه استيقظ وهو يتبعها بلهفة للخارج وهتف يقول بأسف:
-- رِفقة استني .. أنا مقصدش حاجة وحشة..
حركت رأسها وجاءت تُكمل المسير لكن أوقفها صراخ يعقوب المرتعب:
-- رِفقة ... أقفي عندك أوعي تتحركي..
وأسرع يعقوب حتى أصبح أمامها ثم انحنى أمام أقدامها يُلملم قطع الزجاج المتهشمة وهو يقول:
-- كان في قزاز قدامك .. كنتِ هتنجرحي..
بداخل المطعم كان كلًا من عبد الرحمن وآلاء وغيرهم من الفتيات ينظرون من خلف الزجاج المُطلّ على الشارع بأفواه متسعة لا يصدقون ما يرون.
همس عبد الرحمن بدهشة متسائلًا:
-- هو في أيه .. مكونتش أعرف إن الموضوع هيوصل معاك لكدا يا يعقوب باشا، دا إنت شكلك متبهدل!!
ابتسمت آلاء وضحكت الفتيات ليُسرع عبد الرحمن بتدارك نفسه متنحنحًا يقول بحزم:
-- في أيه يا بنات .. يلا كل واحد على شغله..
بينما رِفقة فقالت بإمتنان:
-- جزاك الله خيرًا.
يا الله .. كم يعشق تلك الجُملة وكأنها تُربِت عليه وتُدثره..!
اعتدل يعقوب وهتف بنبرة صادقة وأعين أضحى ينصب منها العشقُ والحنان صبًا صبا:
-- صدقيني يا رِفقة أنا معنديش أيه مشكلة فيكِ ولا شايفك إنك ناقصة حاجة، بالعكس اليومين إللي عرفتك فيهم كانوا يكفوا ويوفوا إنهم يعرفوني إنك أنقى وأطهر حد قابلته في حياتي.. إنتِ إنسانة قوية وشجاعة وأنا لا شفقان عليكِ ولا شايفك ناقصك حاجة..
وأكمل بداخله سرًا:
-- أنا إللي ناقص وكلنا إللي ناقصين.. وافقي بس وأنا هرجّع كل اندفن في يعقوب وهاخدك وأبعد بيكِ لأخر مكان في الدنيا وخلي السعادة تاج على راسك وهعيش معاكِ كل إللي اتحرمت منه .. بس فرصة واحدة .. أنا استحق فرصة واحدة كتعويض لكل إللي شوفته، أنا تعبت من القيود إللي محوطاني وعايز أتخلص منها..
ضيق عينيه وهو يتأمل خجلها والشفق الذي طفق على خديها ليلحظ هذا الضماد الذي يغطي جانب جبينها، كيف لم يلحظه مسبقًا!!
لقد كانت لهفته لرؤية رِفقة فقط تُعمي عينيه عن رؤية ما سواها...
استفهم بخوف:
-- أيه الجرح إللي فوق جبينك ده .. أيه إللي حصل..
رفعت أصابعها تتحسيه لتُجيبه برقة غير مصطنعة:
-- دي حاجة بسيطة ... ولاد خالي كانوا غيروا ديكور البيت وأنا اتخبط غصب عني..
عَلا رنين هاتف رِفقة فأخرجته من جيبها وأجابت بهدوء:
-- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لم تكن سوى عفاف زوجة خالها التي قالت:
-- أنا راكبة التاكسي وقربت منك انتظريني برا..
أردفت لها رِفقة بوِد:
-- متقلقيش يا طنط عفاف أنا منتظراكِ برا..
تحركت رِفقة بعيدًا عن يعقوب بعد أن قالت بلطف:
-- بعد إذنك هنتظر مرات خالو..
سمعت صوت إنذار يُعلمها بإقتراب نفاذ بطارية الهاتف لتقول براحة:
-- الحمد لله إن لحقت أرد عليها قبل ما تخلص شحن..
ولم تلبس إلا يسيرًا وقبل أن يُجيبها يعقوب كانت سيارة أجرة تقترب من رِفقة حتى توقفت أمامها تحت نظرات يعقوب الدقيقة جدًا...
قالت عفاف بلُطف مصطنع بينما ملامح وجهها تنضح شرًا وكُرهًا تجاه رِفقة:
-- يلا يا رِفقة .. يلا يا حبيبتي..
لا يعلم يعقوب لماذا انقبض قلبه عندما وقعت أنظاره على تلك السيدة والذي أيقن من النظرة الأولى لوجهها أنها تضمر شرًا لرِفقة وقد كان واضحًا جدًا من طريقتها في النظر إليها...
بقى يعقوب ينظر لأثر السيارة بشرود ولا يعلم ما الذي انتابه، رفع كفه يقبض على قلبه ليهمس بقلق:
-- هو أنا ليه قلبي مقبوض كدا!!!
ولجت رِفقة بصحبة زوجة خالها إلى تلك الشقة، لتُسرع عفاف بوضع الحقيبة الخاص برفقة في أحد الزوايا وتقول:
-- شقة جميلة تشبهك يا رِفقة، يارب تكون وشّ السعد عليكِ...
وأكملت تقول بأسف مصطنع:
-- معلش يا بنتي شيرين عن دكتور الأسنان ولازم أكون معاها هضطر أسيبك بعد ما أطمنت عليكِ وإن شاء الله هرجعلك تاني..
تساءلت رِفقة ببعض القلق:
-- مش بيتكم قريب من هنا..
أجابت الأخرى بكذب:
-- بينا وبين بعض شارعين بس يا حبيبتي متقلقيش..
أهدتها رِفقة إبتسامة جميلة وقالت:
-- شكرًا جدًا يا طنط عفاف وألف سلامة على شيرين أبقي سلميلي عليها..
ضحكت عفاف بشماته وقالت وهي تخرج مسرعة وكأنها تتخلص من حملٍ ثقيل يقبع فوق أكتافها:
-- الله يسلمك يا رِفقة..
وقفت رِفقة وحيدة بحيرة لتهمس لنفسها بشجاعة:
-- طب أنا دلوقتي هتعرف على الشقة إزاي..!!
تقدري تعمليها لواحدك يا رِفقة يا قمر إنتِ، بس أهم حاجة ألاقي العصاية بتاعتي..
وتحركت وهي تقول:
-- يا ترى طنط عفاف حطتها فين..
اصتدمت ساقها بقوة في شيء صلب لتسقط بألم شديد، إتكأت تجلس وهي تُدلك موضع الألم، استقامت مرة ثانية تقف بتيهة والظلام فقط يحاوطها، تحركت بضع خطوات لتتعثر بأحد المقاعد وتسقط مرةً أخرى بألم ويسقط المقعد الثقيل فوق ساعدها..
- اااه ... أيه الوجع ده، أنا لازم ألاقي عاصيتي علشان أعرف أمشي..
ظلت تُدلك ساعدها بألم فقد تركت تلك الصدمة كدمة زرقاء فوق ذراعها بالتأكيد لم تراها رِفقة..
استقامت من جديد وأخذت تتحسس الأشياء حولها وتسير بحذر لكن تلك المرة كانت الصدمة القوية من نصيب خصرها..
لكن لم تيأس رِفقة وبقت تحاول وتسقط لتستقيم وتحاول ليُصبح جسدها وذراعيها خرائط كدمات زرقاء..
سقطت فوق ركبتيها بعجز لا تعلم بأي ركن هي من المنزل، لا تعلم كيف تعود للباب الرئيسي لتطلب المساعدة..
لكن مِن مَن ستطلب، وكيف تأمن؟!!!
عجز تام تشعر به..
مضت ساعات وحلّ الليل وهي تجلس بنفس البقعة بمكان غريب لا تعلم كيف تصل حتى للمرحاض..!!
همست بفضول وهي تضم جسدها إليها:
-- يا ترى الشقة دي شكلها أيه..
تحسست الأرضية لتجدها مليئة بالغبار تنهدت بحزن لتهمس:
-- أعمل أيه يارب ... ساعدني إنت الحنان وأنا العاجزة وإنت القادر..
استقامت وواصلت تحسسها حتى وقع كفها على مقبض باب، أدارته بسعادة وولجت للداخل لتكتشف بأنها غرفة نوم عندما وصلت للفراش...
قالت رِفقة بإختناق:
-- ياااه الدنيا كاتمة أووي هنا، أما أشوف أي بلكونة ولا شباك هنا..
وظلت تبحث بترقب حتى وجدت باب الشرفة، ابتسمت وهي تقول بسعادة:
-- دي أحلى حاجة بقاا .. بحب البلكونات أووي وهتلاقي الجو دلوقتي أيه ... جميل.. افتحها أشم شوية هواا، ومرات خالو قالت إن الشقة في الدور الخامس يعني الجو هيكون لطيف في البلكونة..
ظلت تحاول فتحها لتجدها مغلقة بشدة والكثير من المسامير معكوفة ومثنية على فتحة الباب...
حماسها لم يجعلها تتراجع وظلت تُبعد كل مسمار على حِدة وحركت المزلاق لتنجح أخيرًا بفتحها ليُقابلها موجة هواء شديدة جعلتها تضحك بسعادة وخطت خطوة للخارج جاهلة أن الشُرفة دون جدار ولا يحفها سور وإن مدّت قديمها خطوتين ستهوي أرضًا من الطابق الخامس........
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثامن 8 - بقلم سارة اسامه
-- تعرفوا أيه عن رِفقة..؟
سؤال ألقاهُ يعقوب بنفاذ صبر لكلًا مِن عبد الرحمن وآلاء الماثلان أمامه واللذان تفاجئا من صراحته.
-- ليه.!!
-- ما تخلص يا عبد الرحمن وبلاش الأسلوب ده معايا والبرود ده، أنا على أخري..
-- سلامة أخرك يا يعقوب باشا، بس أنا معرفش حاجة عن آنسة رِفقة ألا إنها من رواد المطعم من فترة طويلة جدًا..
وجه يعقوب أنظاره لِألاء وقال بصوت صَلب والظنون تفتك به:
-- قولي إللي تعرفيه يا آنسة آلاء وياريت تكوني عارفة عنوان بيتها..
احتفظت آلاء بهدوئها وأردفت بقوة وشجاعة:
-- لما أعرف حضرتك عايز أيه من رِفقة، يعني أعرف النية خير ولا لأ..
رمقه عبد الرحمن بشماتة ورمق آلاء بتقدير على ما فعلت ليجعلوا يعقوب على شفا حافة الجنون والغضب. ألقى أحد المزهريات التي أمامه على طول ذراعه واستقام صارخًا بسخط من بين أسنانه:
-- مش محتاج أبرر لحد تصرفاتي ومش عايز أعرف منكم حاجة .. أنا هعرف كل حاجة بطريقتي..
وخرج وهالة من الغضب تحاوطه والأرض ترتج من أسفل أقدامه.
ركب سيارته بملامح وجه متشنجة وانطلق نحو منزله وبداخله عزم للوصول إليها والتخلص من تلك القبضة التي تُحيط قلبه.
وقبل أن يصل لقصر آل بدران ارتفع صوت رنين هاتفه، أخرجه وهو يزفر ليجد المتصل "كريم" اليد اليُمنى لِلبيبة بدران.
لوى ثغره وهو يُجيب بضجر:
-- خير يا كريم!!
أتى صوت كريم من الجهة الأخرى متوتر بعض الشيء:
-- بصراحة كنت عايز أقولك على حاجة يا يعقوب، بس أنا عارف إن دي خيانة لِلبيبة هانم بس مقدرتش أعمل كدا..
ضيق يعقوب عينيه وقال بتساؤل مهتم:
-- اتكلم عالطول يا كريم .. أيه إللي حصل..!!
-- بصراحة يا يعقوب لبيبة هانم طلبت مني أوصل كل تحركات لها، كل حاجة إنت بتعملها، علاقاتك وشغلك .. بتقابل مين وبتعمل أيه..وأي حاجة جديدة في حياتك وأي تفصيلة تكون عندها .. بصراحة أنا مش قادر أعمل كدا...مقدرش أخون ثقتك إنت كمان بعد المعروف إللي عملته معايا ... وبالذات لو وصلت الأخبار إللي عرفتها لِلهانم ... الأخبار إللي تخصّ رِفقة، البنت مش حِمل لبيبة بدران ولا حِمل عمايلها...
اشتعل صدر يعقوب بالغضب وعاصفة عنيفة ضربت جدران قلبه وقد تحفزت كل خلية من خلايا جسده وقدح الغضب من عينيه وهو يقبض بشدة على المقود حتى ابيضت مفاصله. أردف ببطء كلماتٍ مُحذرة كانت تنفث سعيرًا بوجه مُقطب:
-- إياك يا كريم ...إياك حروف اسم رِفقة تذكرها قدام لبيبة، اقسم برب العباد يا كريم لأكون مخلص عليك ... لا لبيبة ولا إنت لسه تعرفوا يعقوب يقدر يعمل أيه..أنا لسه محتفظ بهدوئي بس لو الموضوع وصل لها هحرق الكُل ومش هيهمني لا غالي ولا عزيز، ساعتها أقسم برب العزة هتشوفوا وش متعرفهوش أبدًا... مــــــفـــــــهــــــوم..
جأر بالكلمة الأخيرة بوجه محتقن نافر العروق ليسمع صوت كريم يقول بعتاب:
-- عيب يا يعقوب أمال أنا اتصلت بيكِ ليه، أنا بنبهك تاخد حذرك ... واتأكد إن لبيبة هانم مش هتعرف أي حاجة تخص الموضوع ده أبدًا...
أردف يعقوب بنبرة متأججة بنار مُستعرة:
-- وأنا مش هسمح بغير كدا أصلًا...أتجوزها الأول بس وتبقى في حمايتي وتحت عيني وأنا ساعتها لا يهمني لبيبة ولا غيرها، هواجه بيها العالم كله..
وأغلق الهاتف وأكمل طريقه ليكون بعد دقائق أمام أبواب القصر الذي لا ينتمي إليه البتة. أخذ يضربه بنظرات ناقمة وولج للداخل بخطوات مشتعلة.
-- يعقوب فينك دا كله، بقالنا كتير بنتصل بيك موبايلك مقفول..!
استدار يعقوب برأسه يرميه بنظرات باردة مُقطب ما بين حاجبيه ثم أردف بلامبالاة صريحة:
-- أيوا ما أنا حاظر أسماءكم كلكم..
شحب وجه يامن شقيق يعقوب الأصغر وسرعان ما قال بإستياء:
-- أنا مش عارف ليه كل تصرفاتك دي يا يعقوب باشا، دا كله علشان إللي عملته تيتا وإن بابا وماما مكانوش معاك، ما دا كله لمصلحتك وليك بلاش أنانية وانسى بقا وخلينا نعيش أسرة واحدة..
اكتفى يعقوب بأن يرميه بنظرة نارية مشمئزة ثم أزاحه من طريقه ببرود وحِدة وأكمل سيره نحو الأعلى لكنه توقف على قول يامن:
-- مش تسلم على الضيوف الأول قبل ما تحبس نفسك، دي لبيبة هانم عزماهم مخصوص علشان خاطرك ومش بطلت إتصال بيك، أحرجتها أووي قدام ضيوفها وهي على أخرها..
لم يُلقي بالًا لحديثه وأوشك أن يُكمل طريقه لكنه توقف حين رأى جدته بصحبة فتاة ما ... ورجل الأعمال "فاضل زكريا". علم على الفور من تكون الفتاة.
أغمض أعينه بمعنى لا فائدة وألم فمازالت جدته تُصدق بأنه مازال سجينها، ألا تعلم أن السجّان يتمرد ويتجبر.
قالت لبيبة بهدوء وهي تنتصب في وقفتها بشموخ تتكأ على عصاها:
-- أهو يعقوب وصل ... سلّم على فاضل بيه وبنته الآنسة غادة يا يعقوب..
قلب يعقوب عينيه والتفت يصافح الرجل بوقار وقال باقتضاب:
-- أهلًا وسهلًا .. نورت يا فاضل بيه..
بادله فاضل بوِدّ وأردف:
-- أهلًا بيك يا يعقوب يا ابني .. دا البيت منور بأهله..
تدخلت لبيبة تقول بوقارها المُعتاد:
-- زي ما قولتلك يا فاضل .. يعقوب أكيد كان عنده شغله علشان كدا اتأخر في الرجوع..
تسائل فاضل وهو يقول:
-- شكلك حريف شغل يا يعقوب، إنت استلمت الشركات بتاعة آل بدران..؟
وقبل أن تُجيب لبيبة بالإيجاب أسرع يعقوب يردف بحسم وتحدي:
-- لأ ومش هستلمها علشان عندي شغلي الخاص..
ناطحته لبيبة بنظرات قاتلة يتدحرج منها غضبٌ أعمى من تصرفاته التي أصبحت تضيق بها ذرعًا. ليُفجر يعقوب قنبلته بوجهها وهو يقول ببرود وبشبه إبتسامة باردة لم تصل لعينيه:
-- طب أنا بستأذنكم علشان هطلع أنام، وبأكد تاني البيت بيتكم يا فاضل بيه...
وصعد تحت نظرات فاضل المصدوم وابنته ولبيبة التي قبضت على عصاها بغضب ناري لتدارك الموقف بقولها الجامد الذي لا يلين حتى وإن كانت هي الطرف الخاطئ، فمَن يتمنى أن يُصاهر آل بدران ويُزوج ابنته بالوريث الأول لآل بدران، هو بالتأكيد الطرف الرابح وعليه أن يتحمل عواقب هذا الربح:
-- أكيد الفُرص جايه كتير وهنتقابل وهيكون في فرصة تجتمعوا مع يعقوب وغادة تقعد معاه ويتعرفوا.....إن كنت تنتظر من لبيبة بدران أن تقدم إعتذار، فدعني أُخبرك بأنه سُحقًا لأحلام البُسطاء عزيزي؛ فحروف الإعتذار لم تمرّ يومًا على لسان تلك المُتعجرفة "لبيبة بدران"!!
شعر فاضل بالإهانة وكظم غيظه فبالمقابل هذا الزواج وتلك المصاهرة ستعود عليه بالكثير بل بالكثير جدًا والذي لا يحلم به، فيكفي أن يرتبط اسمه بآل بدران.
في الأعلى بداخل غرفة يعقوب، وقف خلف الشُرفة يتأمل السماء بنظرات شاردة ويتنهد تنهيدات ثقيلة. لا يعلم لماذا تلك القبضة تقبع على قلبه...!!
التفت ينظر لشاشة حاسوبه المحمول المُنير بصورة رِفقة المُبتسمة، أغمض عينيه وهو يشعر بالضعف وهمس بداخله وهو ينظر للسماء:
-- أنا أول مرة أطلب منك طلب، بترجاك تحفظها وتفتحلي الطريق لها وتقولي أعمل أيه..!!
وليه أنا قلبي مقبوض كدا!!!
لم يشعر حينها يعقوب بتلك الأعين المتلصصة والتي وقعت على شاشة الحاسوب بتعجب شديد وصدمة وتسائل اخترق أذنه وأخرجه من شروده..
-- يعقوب مين البنت دي..؟!
وقفت رِفقة وكادت أن تتحرك لكنها شعرت بشيء أثار رِيبتها، ثمة تيار هواء بارد يصطدم بأقدامها من الأسفل..كيف هذا؟!
جلست ببطء ومدت قدمها بهدوء وحذر للأمام للتفاجئ بقدمها معلقة في الهواء. شهقت بخوف وهي تعود للخلف مسرعة برعب. إذًا الشرفة ليس لها جدار!!!
عادت رِفقة تزحف للخلف وأخذت تُغلق باب الشُرفة بإحكام. كانت تتنفس بسرعة وصدرها يعلو ويهبط لتجثم على ركبتيها باكية وتهمس بإمتنان:
-- شكرًا يارب ... اللهم لك الحمد يارب العالمين، إنت أنقذتني يارب لولا الهوا إللي حسيت بيه شديد على رجلي كان زماني دلوقتي......
صمتت وهي تتخيل الموقف لتُغطي وجهها بكفيها باكية وتقول من بين شهقاتها:
-- كان زماني وقعت دلوقتي من البلكونة...لُطفك يارب... اللهم لك الحمد حمدًا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك...
لكنها تذكرت شيء لتقول باستنكار:
-- إزاي طنط عفاف مقاليتش حاجة زي دي ليا، إزاي مش تحذرني وأكيد هي شايفة الشقة..!!
تنهدت بثقل لتقول وهي تتحسس ساعة اليد الخاصة بها:
-- دلوقتي أنا فاتتني صلوات .. أصلي إزاي دلوقتي، لا أعرف اتجاه القِبلة ولا مكان الحمام..ربنا يسامحني بقاا، وإن شاء الله لما طنط عفاف تيجي بكرا هخليها تعرفني على الشقة وقِبلة الصلاة وهصلي إللي فاتني..دلوقتي أسلم حلّ إن أنام علشان أنا تعبت جدًا..
وسارت تتحسس الأرجاء حتى وجدت الفراش. تمددت فوقه بعد أن أزالت حجابها وتركته جانب رأسها، لكنها وجدت الفراش بدون شرشف ولا دِثار.
استقامت تبحث عن أي غطاء لكن دون فائدة، لا شيء. زفرت بإحباط قائلة:
-- دا حتى شنطة هدومي مش عارفة طنط عفاف حطيتها فين علشان أغير لبسي.!!
تحسست ملابسها لتُخرج هاتفها وظلت تضغط على الأزرار لكن لم يصدر عنه أي صوت لتكتشف نفاذ البطارية..
-- كمان خلص شحن ...دلوقتي مستحيل أوصل لمكان الشاحن ومش عارفة إذا كان في شنطة الهدوم ولا طنط عفاف نسيته...
بعد أن يأست من الوصول لشيء تمددت فوق الفراش متكومة على نفسها وتحتضن جسدها بذراعيها. أغلقت عينيها لتأتي تلك الذكرى على إستحياء تُداعب عقلها وتلك الصدمة التي تلقتها اليوم من يعقوب.
ظلت تتذكر صوته وتُكرر سماع تلك الكلمات داخل عقلها، وبتلقائية وبدون شعور منها تولدت إبتسامة دافئة فوق شفتيها. خرجت من تلك الذكرى لتتذكر كيف دافع عنها بذلك الموقف المشؤوم. شعور دافئ مجهول أجنبيٌ عنها تتذوقه للمرة الأولى بعد إختفاء والديها .... ألا وهو الشعور بالأمان.
همست بحيرة قبل أن تغفو وتسحبها دوامة النوم داخلها:
-- يا ترى يقصد أيه، وأيه السبب التاني إللي عايز يتجوزني علشانه وإللي قالي هتعرفيه بعدين!!!
وقف كلًا من عفاف وبناتها الاثنين ينظرون لهذا المجهول بدهشة شديدة ويتأملانه بدقة يتعجبون من وجود مثل هذا الشخص بمنزلهم، شاب وسيم خشن الملامح تتجلى عليه سيمات الرجولة والشدة، راقي المظهر ويبدو عليه الثراء.
تسائلت عفاف بحيرة:
-- اتفضل يا أستاذ .. حضرتك طالب مين وعايز أيه!!
تنحنح يعقوب وقال بجدية وملامح وجه ثابتة:
-- أنا جاي أقابل الأستاذ عاطف .. في موضوع كله خير إن شاء الله..
ابتهج قلب عفاف وكذلك كلًا من شيرين وأمل معتقدين بأنه شاب جاء ليتقدم لخطبة أحدهم.
قالت عفاف بلهفة وسعادة:
-- اتفضل يا ابني ...تقدر تقولي أيه بس الموضوع أصل الحاج عاطف مش هنا بس أنا أكيد هبلغه..
كانت أعينه تبحث عنها بلهفة لكن لا أثر لها، رمق تلك المرأة بشك وقال:
-- أنا جاي طالب القرب منه...
كادوا ثلاثتهم أن يُحلقوا من فرط السعادة وأصبحت كلًا من شيرين وأمل يدعون الله بداخلهم أن تكون هي المقصودة. أسرعت عفاف تقول بتساؤل:
-- أكيد يا ابني بيتنا مفتوح في أي وقت، بس معلش بس إستفسار ... إنت طالب القرب في مين من البنات..
أردف يعقوب بعشق صافٍ:
-- رِفقة ... أنا أطلب رِفقة للجواز على سنة الله ورسوله...
صاعقة بل موجة رعدية ضربت ثلاثتهم ليتخشبوا متوسعين الأعين غير مصدقين ما سمعوا والحقد يغلي بقلوبهم ليصرخوا ثلاثتهم بذات اللحظة بنبرة متبرمة بها شرّ وحقد واضح جعلت يعقوب يتيقن أن هُناك شيء خطأ في هذا المنزل...
-- نــــــــــعـــــــــــم .... رِفــــــــقــــــــــة!!!!
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل التاسع 9 - بقلم سارة اسامه
التفت يعقوب مُسرعًا وهو يُغلق الشاشة بحِدة وقال بملامح جامدة وهو يرمق والدته المُبتسمة:
-- ميخصش حدّ ... ومفيش مخلوق يتدخل في حياتي..
رددت بابتسامة واسعة وهي تقترب منه:
-- بس شكلها بنوتة رقيقة ولطيفة أووي، غير إنها جميلة جدًا يا بوب..
أشاح بوجهه وقال يُنهي هذا الحوار وهو يتجه نحو الفراش:
-- أنا هنام...
هرعت نحوه ومدت يدها بكوب دافئ قائلة:
-- دي كوباية سحلب سخن، إنت جاي من برا والجو برد اشربها علشان تدفى..
لم يُحرك ساكن وهو يرمق الكوب بيدها بملامح مُبهمة، وعندما طال صمته وضعته على وحدة الأدراج بابتسامة حانية، وجاءت تقترب تتلمس شعره لكن عاد للخلف برفض بينما داخله يحترق وقلبه مكلوم، يقف بقلب وادٍ مُفعم بالأحزان والذكريات السيئة الموجعة لا يستيطع تجاوزها بتلك السهولة..
طفق الحزن والحسرة على وجه والدة يعقوب لتغمغم بنبرة مرتعشة حزينة:
-- يعقوب ... سامحني.. صدقني يا يعقوب مكونتش أعرف بإللي بيحصل هنا، أنا كنت مفكرة إنك مرتاح وإن ده إختيارك لما مكونتش بتتكلم وتشتكي ... أنا....
صمتت بحزن ليبتسم يعقوب بسخرية ويقول بعذابٍ واصب:
-- مش عارفة تتكلمي تقولي أيه ولا تبرري بأيه...ولا يهمك يا هانم محصلش أي حاجة، مجرد يعقوب بس هو كان ضحية طموحك إنتِ وحسين باشا .. طول عمرك وإنتِ النجاح والطموح بيجروا في دمك...وحققتي كل أمنياتك ومكانش ناقصك حاجة، جوزك معاكِ وابنك.... وأنا...
صمت برهة ليواصل بحرقة واختلج قلبه بالألم:
-- أنا مكونتش في حساباتكم، ماله يعقوب يعني...عايش في قصر طويل عريض مع واحدة عارفة كويس هتربي يعقوب إزاي وتطلعه وريث يستحق لقلب بدران..عادي يعني أيه إللي حصل .. ولا حاجة..ولا حاجة ... أنا كنت ولا حاجة يا أم يامن...
انتصب يستدير وهو يكبح دموع تتلألئ خلف سجن جفونه، يطمر حشرجة مريرة بصدره، فيكفيه مستعمرات الحزن التي تتشعب بداخله..
هتف بصلابة:
-- لو سمحتي متفتحيش السيرة دي معايا تاني، أظن ملهاش لازمه بعد العمر ده كله...وبعد إذنك هنام...
أخذ دمعها يفور من مقلتيها ويلطمها الندم وليتها لم تتركه والإكثار من "ليت" لا يكون إلا بعد فوات الأوان...خرجت تجرّ ساقيها لكنها كانت تجرّ ما هو أثقل من ذلك ...همّ .. حزن .. حسرة ...وندم..
وفور خروجها تهادى يعقوب فوق الفراش بخوار وقد سقط قناع البرود عنه لتسقط دمعة حارة تحمل كُل معاني الألم لتتشربها لحيته سريعًا...لكن لا ضير .. فالحزن .. الوجع .. الوحدة، كل هذا ألِفه حدّ الإدمان..وكل هذا لم يعد بالأمر الهام ... فقد أصبحت له رِفقة حطمت كل معاني الوِحدة بحياته...يكفيه رِفقة .. وهذا جزاءه وجائزته بل هي خير جزاء على كل ما مرّ به...
ظلّ يفكر كيف ستكون إجابة رِفقة غدًا على طلب الزواج، ويُفكر ما ينتوي فعله حتى سقط بنومٍ عميق وداخله أمل كبير في الغد جاهلًا عمّا يواريه القدر له...
---
-- يعقوب ... يعقوب..
صوت شجيّ مُستغيث يتردد في الأرجاء في تلك الحديقة الخضراء، أخذ يركض بلهفة باحثًا هُنا وهُناك بقلبٍ مرتعش واجف حتى تراءت له تأتي تتهادى بمشيتها من بين الأشجار الخضراء في هالة من النقاء، نقاء لم يرى بمثله في حياته المظلمة المنسوجة بالتكبر والتعالِي والقواعد، ثوبها الأبيض يُرفرف من حولها يسير خلفها على العُشبة الخضراء النديه .. كان هذا وقت الشروق وأشعة الشمس التي أخذت تنمو على زاوية السماء تُطارد أخر خيوط الظلام..
ابتسم يعقوب بسعادة وأخذت أقدامه تلتهم الخطوات التي تفصلهم يذهب نحوها بلهفة وأعينه مثبتة على وجهها الوضّاء الذي ينبع منه النور بحجابها الأبيض الذي يُماثل قلبها وأعلاه إكليلٌ أخضر ممتزج بورود بيضاء..
وعندما أقترب منها تسمرت أقدامه أرضًا وهو يتفاجئ بهذا الأخدود الذي يفصله عنها...نظر لها بخوف وهو يرى الرعب الذي بعينيها ليهدر لها وهي تقف على الحافة المقابلة:
-- خليكِ مكانك .. متتحركيش أنا هنقذك مش هسيبك.. رِفقة أوعي تتحركي...
هبطت دموعها وهي تمد يدها له باستجداء تقول باستغاثة:
-- يعقوب ... يعقوب متسبنيش .. هما ورايا .. متسبنيش... يعقوب ... يعقوب...
فزع يعقوب من نومه يشهق بأنفاس ضائعة مسحوبة ووجهه شاحب مذعور...أخذ يمسح على وجهه المتعرق وهو يتنفس بهدوء في محاولة لاسترداد أنفاسه المسروقة..
ارتفع صوت أذان الفجر ليملأ الأركان ليهمس يعقوب بتوجس وقلبه يُرفرف بجنبه كالذبيح:
-- في حاجة مش مظبوطة، أنا قلبي مقبوض والكوابيس دي ملهاش ألا معنى واحد..ولا أنا فاهم غلط ودا من كتر ما بفكر في الموضوع، يمكن أنا ببالغ...
وفي هذه اللحظة اقترب صوت رِفقة من أذنه وهي تقول:
"أنا لما بحتاج حاجة وببقى خايفة أول واحد بجري على بابه هو رب العالمين، مستحيل يرد إيدي فاضيه أبدًا .. مستحيل يخذلني...."
استقام يعقوب وذهب باتجاه المرحاض وهو على موعد مع أشياء جديدة لم يفعلها من قبل أو قلّما حدثت، لقد بدأ يُقدّر أشياء كان يحتسبها حق مكتسب مفروض له..توضئ بهدوء وخرج وأعضاءه تقطر ماءًا ثم أخذ يستقبل القِبلة ويؤدي صلاة الفجر للمرة الأولى بحياته...كان جسده يرتعش وهو يشعر بهالة عجيبة من السكون تُحيطه، مذاق مختلف، مذاق عذب جدًا يتذوقه لمرته الأولى...
انتهى ليظلّ صامتًا بُرهة يشعر بحلاوة تلك المشاعر ثم رفع رأسه لتُهاجمه مشاعر عجيبة من اليقين ... تُخبره بأنه لو ارتفع صوته الآن مترجيًا بأي مطلب .. حتمًا لن يُخذل...يقين عجيب أن حتمًا الاستجابة قادمة لا محالة...
همس برجاء تائه:
-- ارشدني للطريق الصحيح، أنا مش عارف أعمل أيه، خرجني من الدوامة دي .. ووجهني للإتجاه الصحيح ... رتبلي كل أموري...
---
مضى الليل وانسلخ منه النهار، استيقظت رِفقة بتيهة لا تعلم كيف هي، ومتى يكون التوقيت..!
تحمد الله أن ساعة اليد خاصتها مازالت معها..تحسستها لتجد الساعة تعدت العاشرة صباحًا..
همست بحزن:
-- ياااه أنا نمت كل ده، حتى محستش بالفحر..بس حتى لو كنت حسيت كنت هصلي إزاي..
صمتت قليلًا وهي تجلس بضياع لا تعلم كيف ستواجه ما هي به، تشعر بأنها بدوامة مظلمة ولا ثمة ثُقب مُنير يُضيء لها عتمتها..
لكنها قالت بإصرارٍ وعزم:
-- لازم أحاول .. مينفعش أقعد كدا...
أضاءت في عقلها فكرة لتصرخ قائلة:
-- أنا ممكن أقعد أخبط وأنادي لغاية ما يجي حتى يرن جرس الباب وأنا اتتبع الصوت وأفتح...
لكنها تراجعت تُحدث نفسها بإحباط:
-- لا لا .. وأنا أيه يضمنلي، أنا مش عارفه أنا في مكان شكله أيه ولا مين ممكن يجي ويستغل الوضع..
انتصبت تسير للخارج وهي تتحسس جميع ما يُقابلها بحذر حتى خرجت من الغرفة..
وقفت تقول بحيرة:
-- يا ترى الحمام بأي جهة ... ولا المطبخ بس أكيد مفيش أي حاجة للأكل هنا .. أنا جعانة أووي..
واصلت الإستكشاف لتسقط ويصطدم جبينها بالحائط، تأوهت تقول بخفوت:
-- اااه يا الله .. دي شكلها طُرقة باين..يبقى أكيد الحمام هنا...
استقامت تُدلك جبينها بألم وأخذت تسير بشكل أكثر حذرًا لتجد نفسها أمام باب صغير..ابتهجت وفتحته بفضول وجاءت تدخل لكن لم تشعر بوجود حاجز صغير عند المدخل "عتبة الباب" لتتعثر بها وتسقط فوق ركبتيها بشدة جعلتها تتأوه ببكاء وهي تشعر بعجز كبير يُصيبها..أخذت تتحسس الأرضية لتعلم من الوهلة الأولى بأنها بالمرحاض لتشعر بسعادة لهذا الإنجاز الكبير بالنسبة لها..ابتسمت بسعادة وهي تهمس:
-- شطورة يا رِفقة..
استقامت وهرعت تكتشف المكان بحذر لتقترب من الصنبور تفتحه لتنفجر منه الماء بقوة جعلتها تفزع وجاءت تغلقه لكن بلا فائدة يبدو أن الصنبور تالف .. وليس هذا وحسب بل يبدو بأنه قديم مهجور...تناثر الماء بجميع الأرجاء وهي تحاول غلقه بشتى الطرق لينخلع بيدها..ارتعب قلبها وهرعت تبحث عن المفتاح الرئيسي لغلق الماء بحذر كي لا تسقط لكن بلا فائدة كان الأمر يزدادُ سواءًا وتيقنت أن هذا المرحاض قديم جدًا مهجور .. إذًا هذا حال الشقة بالكامل...
غرقت ملابسها جميعًا بالماء الذي ينفجر من جميع الأرجاء فلم يكن منها إلا أن فرت مسرعة من المرحاض بخوف وعجز وقد بدأ الماء يتسرب من فوق تلك العتبة المائلة وينتشر بالخارج...زحفت رِفقة أمام أحد الجدران تستند أمامه وهي تضم جسدها ببكاء وشعور مرير بالعجز يُقيدها، تكومت على نفسها تبكي بحرقة وتهتف من بين شهقاتها الذي تُمزق القلوب:
-- أنا خايفه ...خايفه أووي ومش عارفه أعمل أيه... أروح فين وأنا مش عارفه أنا فين ولا مكان أي حاجة وشكل مفيش حد هيسأل عليا...مرات خالي ليه عملت كدا .. قالتلي هتيجي وسابتني لواحدي وشكلها معدتش جايه، أعمل أيه ياربي ... أنا مش عارفه أتصرف إزاي...أنا غلطانه .. كان المفروض القرار الصح إن أروح أي دار رعاية ... على الأقل كنت عرفت أنا فين ولقيت أشخاص معايا..أنا كدا ممكن اتنسى هنا وأنا مليش حد يفتكرني ويسأل عليا ...يارب يارب بسألك يا ذا الجلال والإكرام انقذني ...متسبنيش يارب خليك معايا أنا مليش غيرك في الدنيا دي ومعرفش ألا إنت...
وظلت على هذا الحال تبكي خائفة لتمر الساعات ويحلّ الليل ومازالت هي لم يتغير شيء..تحتضن جسدها المرتعش المليء بالكدمات ويُحيطه ملابسها المبتله، لم يتغير شيء سوى تلك المياه التي أصبحت تُحيطها وأصبحت هي تجلس بداخلها...فتك الجوع بها والعطش لكن لا وسيلة لها لأي شيء...
---
كان يعقوب يدور حول نفسه عندما انتظر النهار كاملًا على أحرّ من الجمر لكن لصدمته لم تأتي رِفقة، ليعتقد أنها امتنعت عن المجيء لأجله، بسبب طلب الزواج المُباغت..لم يعد يطيقُ صبرًا ولا يعلم كيف يتصرف...!!
في هذا الاثناء كان فتيات المطعم مجتمعون يتسامرون فيما بينهم ولم يكن محور الحديث إلا يعقوب...
قالت إحداهم بسخط:
-- إنسان متكبر أووي ومش بيراعي..ونظرت لألاء وقالت:
-- تلاقي رِفقة مجاتش النهاردة بسببه، تلاقيه مش عجبه وجودها بعد الموقف إللي حصل وبكدا سُمعة المطعم هتتأثر...
أيدتها فتاة أخرى:
-- عندك حق .. هو بصراحة إنسان متكبر ومغرور لأبعد الحدود دايمًا عاقد وشه وقاعد لواحده واخد جمب وكأنه مش مستنضف يكلم خلق الله.
قالت فتاةٌ أخرى:
-- حقه بقى يا بنتي ما هو من عيلة بدران...
هتفت آلاء باعتراض:
-- مش حقكم تقولوا الكلام ده يا بنات، دا سوء ظن، وإحنا بنشتغل مع الأستاذ يعقوب من زمان وأبدًا ما شوفنا منه أي حاجة مش كويسة ولا ظلم حد فينا، بالعكس إحنا أكتر ناس شاهدة على نزاهة المطعم ده والأمانة إللي عنده...وبخصوص رِفقة إحنا كلنا شوفنا موقفه ساعتها وعمل أيه في الشباب مع إن كدا يأثر على سُمعة المطعم بس هو مهمهوش...وبعدين مش كل إنسان في حاله مش بيندمج مع إللي حوليه وبيقعد لواحده يبقى هو كدا مغرور ومتكبر وفي كل الصفات إللي مش كويسة...
عارضتها أحد الفتيات بقولها:
-- هو إنتِ ناسيه لما أمر نخرّج رِفقة برا ونطردها وفضلت المسكينة قاعدة في الشمس يجي ساعة ومش هامه ظروفها...
وقبل أن تُجيبها آلاء كان عبد الرحمن مُقبل عليهم وأردف بهدوء:
-- آلاء ... أستاذ يعقوب عايزك..
حركت آلاء رأسها بهدوء وخرجت باتجاه غرفته ليتسائل يعقوب بعدم صبر فور أن رأها:
-- فين رِفقة...!!
تعجبت آلاء من حالته التي لا تُبشر بالخير وقبل أن تُجيب صاح وهو يطرق على المكتب بغضب:
-- الأحسن تقولي إللي إنتِ عرفاه..
أردفت آلاء وهي تشعر للحظة بالخوف من هيئته التي يرتسم عليها وسم الجحيم:
-- أنا حقيقي معرفش يا أستاذ يعقوب، نهال صاحبتها رنت عليا بردوه تسأل عليها إذا كانت جات النهاردة المطعم ولا لأ لأنها بترن عليها وموبايلها مُغلق وراحتلها بيتها أكتر من أربع مرات وقالولها إنها مش موجوده، وأنا رنيت عليها كذا مرة موبايلها مُغلق..
تشعب القلق بقلب يعقوب وهو يتذكر كابوسه ليستفهم بتعجب:
-- قالولها .. قصدك والدها ووالدتها.!!
نفت آلاء وقد بدأ القلق يستتب بها وقالت:
-- لا يا أستاذ يعقوب .. رِفقة عايشه عند خالها مع مراته وبناته لأن أهلها تقريبًا متوفيين..
قال يعقوب بصرامة:
-- قولي عنوان بيت خالها..
-- أنا معرفوش بس أقدر أكلم نهال أجيبه منها...
أردف بحسم:
-- يلا حالًا....
---
وقف كلًا من عفاف وبناتها الاثنين ينظرون لهذا المجهول بدهشة شديدة ويتأملانه بدقة يتعجبون من وجود مثل هذا الشخص بمنزلهم، شاب وسيم خشن الملامح تتجلى عليه سيمات الرجولة والشدة، راقي المظهر ويبدو عليه الثراء..
تسائلت عفاف بحيرة:
-- اتفضل يا أستاذ .. حضرتك طالب مين وعايز أيه!!
تنحنح يعقوب وقال بجدية وملامح وجه ثابتة:
-- أنا جاي أقابل الأستاذ عاطف .. في موضوع كله خير إن شاء الله..
ابتهج قلب عفاف وكذلك كلًا من شيرين وأمل معتقدين بأنه شاب جاء ليتقدم لخطبة أحدهم..
قالت عفاف بلهفة وسعادة:
-- اتفضل يا ابني ...تقدر تقولي أيه بس الموضوع أصل الحاج عاطف مش هنا بس أنا أكيد هبلغه..
كانت أعينه تبحث عنها بلهفة لكن لا أثر لها، رمق تلك المرأة بشك وقال:
-- أنا جاي طالب القرب منه...
كادوا ثلاثتهم أن يُحلقوا من فرط السعادة وأصبحت كلًا من شيرين وأمل يدعون الله بداخلهم أن تكون هي المقصودة، أسرعت عفاف تقول بتساؤل:
-- أكيد يا ابني بيتنا مفتوح في أي وقت، بس معلش بس إستفسار ... إنت طالب القرب في مين من البنات..
أردف يعقوب بعشق صافٍ:
-- رِفقة ... أنا أطلب رِفقة للجواز على سنة الله ورسوله...
صاعقة بل موجة رعدية ضربت ثلاثتهم ليتخشبوا متوسعين الأعين غير مصدقين ما سمعوا والحقد يغلي بقلوبهم ليصرخوا ثلاثتهم بذات اللحظة بنبرة متبرمة بها شرّ وحقد واضح جعلت يعقوب يتيقن أن هُناك شيء خطأ في هذا المنزل...
-- نــــــــــعـــــــــــم .... رِفــــــــقــــــــــة!!!!
خرجت شيرين من صدمتها لتقول سريعًا بكره:
-- على فكرا دي عامية مش بتشوف...!!
كور يعقوب كفيه ورمقها ببرود قائلًا وقد فهم ما يدور بين هؤلاء الحاقدين:
-- بس قلبها كله نور وفي عيني أجمل البنات...
أسرعت أمل تقول بخبث بينما وجهها شاحب:
-- يا عيني .. شكلها خدعتك إنت كمان بمظهرها البريء ااه لو تعرف إللي فيها .. بس مسيرك تعرف أكيد...
تجاهل يعقوب حقدها الواضح وتسائل بثبات:
-- فين رِفقة..
هُنا خرج صوت عفاف التي أجابته ببرود:
-- العنوان غلط يا باشا ... معندناش حد بالاسم ده، أو كانت موجوده بس راحت لحال سبيلها واتخلصنا من حِملها...
اتقدت أعين يعقوب بالجحيم ليتسائل بهدوء يسبق العاصفة:
-- يعني هي نقلت بيت تاني .. تمام .. قولي العنوان..
رددت عفاف بذات الثبات والبرود:
-- معرفوش .. ويلا لو سمحت ميصحش وقفتك دي زي ما إنت شايف أنا وبناتي لوحدنا...
وأغلقت الباب بشدة ممزوجة بالحقد والغلّ...اشتغلت كل خلية من جسد يعقوب بسعير متقد وأخذ يضغط فوق أسنانه يطحنها حتى اشتد عظام فكيه وهو يُقسم بداخلها بأغلظ الأيمان أنه سيجعلهم يرتشفون الويلات...وضع هاتفه فوق أذنه ثم هدر من بين أسنانه:
-- كريم ... عشر دقايق تكون قدامي إنت وتلاته من رجالتك...
وانحنى نحو سيارته وأخرج شيئًا ما وهو يتوعدهم بالجحيم فقد أخرجوا شياطين غضبه الخامدة...
---
عند رِفقة التي مازالت على حالتها إلا أنها وضعت حجابها فوق رأسها تحسُبًا بأنها من الممكن أن تُفارق روحها ذاهبة إلى باريها ... فمَن يأتي لإخراجها يجدها مستترة..وأخذت العديد من السيناريوهات تتلاعب بعقلها عن طريقة موتها...هل من الممكن أن تفارق الحياة هنا ولا أحد يعلم عنها شيء ولا عن وجودها سوى الرائحة التي ستنفذ تُخبر الجميع أنه يوجد هنا من فارق الحياة...!!
وبغمرة شرودها سمعت صوت رنين الباب المصحوب بطرقات هادئة، ابتهج قلبها وأسرعت تتابع مصدر الصوت وتتحسس الأرجاء بلهفة حتى شعرت بِباب المنزل لتفتحه بلهفة شديدة...
جاءها صوت غليظ بعض الشيء:
-- أيه يا آنسة ساعة على ما تفتحي الباب..
ابتلعت رِفقة ريقها وجاءت تتحدث لكن قاطعها هذا الصوت يقول:
-- عمومًا أنا انتظرت لما استقريتي وقولت أجي أقولك على الإيجار...
توسعت أعينها بصدمة ورددت بعدم فهم:
-- إيجار ... إيجار أيه لو سمحت...
زفر هذا الشاب بملل وقال:
-- سلامة عقلك يا آنسة إيجار الشقة إللي حضرتك قاعده فيها ... أنا ورب الكعبه لازم أخد الإيجار قبل ما رجل الزبون تخطي باب الشقة بس لما خالتك دي ولا قربتك قعدت تترجاني قولت مش مهم اصبر يوم يا واد علشان حالتها...
لم يستوعب عقل رِفقة ما يحدث لتهتف بعدم تصديق:
-- بس طنط عفاف قالتلي إنها اشترت ليا الشقة يعني الشقة مِلك..
صرخ الرجل باستنكار:
-- شوفوا بقاا الواحد يعمل خير يتقلب عليه عكننة على المسا ... لا مؤاخذة مِلك أيه يا آنسة العمارة كلها إيجار أنا مش بملِك...
شعرت رِفقة وكأن دلو ماء مُثلج سقط فوقها، صدمة عاتية لم تتخيلها بأحلامها...أردفت تقول بتيهة ورجاء قد فسره الشاب بطريقة خاطئة:
-- طب لو سمحت .. أنا الدنيا عندي متبهدلة ممكن بس تساعدني .. يعني هتصل بحد وكدا أصل موبايلي فصل شحن...
التمعت أعينه بالمكر وهو يتأملها، ثيابها الملتصقة على جسدها بفعل الماء وغمغم بنبرة خبيثة وهو ينظر لداخل الشقة بينما رِفقة تترك جزءًا صغيرًا مفتوح وتُحدثه بنصف جسد من خلف الباب تحسبًا لأي شيء، ليحاول المرور وتخطيها:
-- أووي أووي غالي والطلب رخيص دا إنتِ شكلك بتمسحي وهتخلي الخرابه إللي جوا دي جنة...دخليني وأنا أظبطلك الدنيا...
على الفور اشتشعرت نبرة الخُبث بحديثه وعدم صفاء نيته، نبض قلبها بشدة لتُسرع بإغلاق الباب مُسرعة بخوف وتسحب المزلاق...لتسمع صوته يقول من خلف الباب:
-- ناس ملهاش في الطيب نصيب .. عمومًا في طلعة النهار هكون هنا علشان أخد الإيجار وإلا تلمي هدومك وتتكلي على الله...
سقطت رِفقة بصدمة تبكي وهي لا تُصدق ما هي به .. كيف تفعل زوجة خالها هذا الشيء بها..!!كيف يتحجر قلبها بهذه الطريقة؟!لماذا هذا الحقد الدفين، والكره الشديد لها..!!والأموال!!أين الأموال التي تركها لها والدها!!لا تحتاج إلى إجابة ... لقد خدعوها..لقد كانت تحيا داخل كذبة افتعلها ثلاث أفاعي، كانت تحيا وسط نعومة جلدهم بينما هم ينثرون السُم بحياتها...أخذت تشهق ببكاء عنيف يُذيب القلوب بينما تحتضن جسدها:
-- ليه ...ليه يعملوا كدا ... ليه استغلوني وضحكوا عليا ... يعني هي جابتني هنا علشان تتخلص مني ... طب ليه ...ليه كدا..طب أعمل أيه دلوقتي.. يارب رحمتك يارب، كل الأبواب اتقفلت في وشي بس بابك إنت مفتوح ليا..
---
وقف كريم أمام يعقوب الذي يراه للمرة الأولى بتلك الحالة لا يفهم ما يحدث..
-- في أيه يا يعقوب.. أيه إللي بيحصل..!!
جذب يعقوب السلاح الناري ثم شد أجزاءه وقد فقد تعقله على الأخير، ارتقى الدرج ليقول بغضب جحيمي:
-- هتعرف دلوقتي..
صعد كريم خلفه وبصحبته ثلاث رجال حتى وقف أمام أحد المنازل..توسعت أفواههم بصدمة عندما ضرب يعقوب الباب بقدمه يدفعه بعنف..ركضت عفاف المذعورة تفتح الباب بصدمة عندما رأت يعقوب أمامها في هيئة جعلت أوصلها تتجمد وهو يُشهر السلاح على رأسها، وصاح بتحذير:
-- كنت ذوق معاكِ وسألتك بكل هدوء لكن أظن الأسلوب الراقي مينفعش مع أمثالك، بس أظن الطريقة دي هتجيب نتيجة..انطقي يا ست أنتِ قولي العنوان ولا أفرغ السلاح ده في راسك...
صرخ بأخر جملة لترتعش عفاف وبناتها رُعبًا، وفور أن اقتربت فوهة السلاح من رأسها مع نظرة يعقوب النارية المُحذرة أسرعت تقول بارتعاش وهي تبتلع ريقها بخوف:
-- خلاص .. هقول هقول..
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل العاشر 10 - بقلم سارة اسامه
"متسبنيش يا يعقوب"
جملة تتكرر بعقله دون رحمة، تُخبره أن هناك شيء سيء أصابها فكانت تزداد حِدته على تلك الشيطانة عفاف وتزداد قتامة نظرته.
نطقت عفاف برعب:
"هقولك... هقولك العنوان."
وأخذت تُدلي به وفور إنتهاءها انحنى يعقوب نحوها وردد من بين أسنانه بنبرة نارية محذرة:
"شكلك ولية مش سالكة، تعرفي لو عرفت إنك لكِ دخل بأي ضرر مسّها هيحصلك أيه!! قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم ومبقاش يعقوب بدران لو مدفعتكيش التمن غالي وغالي أووي كمان."
وركض يقفز لأسفل مسرعًا ليُقابله عبد الرحمن الذي أتى بعد أن حدّث يعقوب عندما أخذ العنوان وأخبره أن بالفعل رِفقة غير متواجدة بمنزل خالها وأنها انتقلت لمنزل آخر. كان بصحبته كُلًا من آلاء ونهال صديقة رِفقة والتي أخذت تتواصل مع آلاء لمعرفة أخبار رِفقة.
تسائل عبد الرحمن بقلق:
"هاا عرفت العنوان..؟!"
قال يعقوب وهو يركض باتجاه سيارته:
"أيوا."
سار خلفه عبد الرحمن وشرع يجلس بجانب يعقوب وهو يقول للفتيات:
"يلا يا بنات أكيد رِفقة هتحتاجهم."
جلس الفتيات بالخلف لتُسرع نهال تقول ببكاء وقلق:
"هي هتكون كويسة صح.. إزاي يسبوها كدا لوحدها في مكان غريب، أنا كنت عارفه إنهم بيكرهوا رِفقة ومش سالكين بس رِفقة عمرها ما اشتكت وكانت بتحبهم وتقول دول عيلتي.. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا ينتقم منهم، بقالها يومين أهو لوحدها يا عالم حصلها أيه وحالها إزاي.. ويا حبيبتي موبايلها مقفول وأكيد لا تعرف مكان الشحن ولا مكان حاجة.. أنا غلطانة أنا قصرت معاها اليومين دول بس والله غصب عني."
أردفت آلاء بحزن وبكاء صامت:
"الغلط عندي أنا.. هي قالتلي إنها هتنقل لشقة جديدة بس راح عن بالي غير إن مصدقتش إنها ممكن تنقل الشقة عالطول بالسرعة دي.. يعني بعد ما قالتلي عالطول، لو كنت أعرف كنت روحت معاها على الأقل."
كان حديثهم يهبط على قلب يعقوب كأسواطٍ من نار، تفاقم غضبه ليشعر بقبضة قوية تعصر قلبه وتزداد سرعة السيارة وهو يقبض على المقود بشدة حتى ابيضت مفاصله.
بعد قليل وصل يعقوب ومن معه عند تلك المنطقة التي وصفتها عفاف لهم وبالأخصّ أمام تلك البناية المتهالكة، كانت منطقة عشوائية قديمة. ولم يطيق يعقوب إنتظارًا وأخذ يركض مسرعًا فوق الدرج قاصدًا الطابق الخامس وخلفه كلًا من عبد الرحمن وآلاء ونهال صديقة رِفقة.
وبالفعل وجد نفسه أمام الشقة، بل ليست شقة إنما زائد ضيق بسطح البناية. تدفق الرعب بقلب يعقوب وأخذ يطرق على الباب يقول بلهاث:
"رِفقة... رِفقة إنتِ سمعاني... افتحي الباب."
في هذا الحين كانت رِفقة منكمشة فوق نفسها بوسط تلك المياه بين الوعي واللاوعي وقد أصبحت على وشك فقدان الوعي، وأخذت تهلوث:
"لا... لا... أكيد هما جايين يإذوني.. أنا مش هفتح.. يارب احميني منهم.. هما جايين يإذوني."
كان صراخ يعقوب المرتعب يزداد وهو يقول برجاء:
"يعقوب... أنا يعقوب يا رِفقة... إنتِ سمعاني."
حركت رأسها نافية بمعني لا ورددت وهي تضع كفيها فوق أذنها بينما تزداد إنكماشتها حول نفسها بدون وعي:
"لا أكيد لأ.... هو هيعرف مكاني إزاي أصلًا ولا هيوصلي إزاي... هو أكيد مش هيلاحظ غيابي زي الناس كلها."
في الخارج كان يزداد بكاء كلًا من نهال وآلاء وقلبهم يغمره القلق لأجل رِفقة.
قال يعقوب بحسم وهو يُشير لهم:
"اررجعوا ورا.. أنا هكسر الباب."
أيده عبد الرحمن قائلًا:
"والباب قديم أصلًا وهيتفتح عالطول."
وبقوة مُحملة بالقلق والخوف ضرب يعقوب الباب بقدمه مرات متتالية غافلًا عن تلك المنهارة التي أخذت تبكي بشهقات تمزق القلوب معتقدة بأنه هجوم عليها.
وأخيرًا انكسر مزلاق الباب وفُتح على مصرحيه ليسقط قلبه حين وقعت أعينه فوق رِفقة، مشهد كان له أقسى شيء رأه. لقد أدمى قلبه، لقد حُفرت حالتها تلك بأعمق نقطة بقلبه وعقله، هو لم يتوجع بهذا القدر من قبل.
تخشب بأرضه وأعينه تجري فوق ملامحها الشاحبة المليئة بالكدمات. تتكوم منكمشة... خائفة... تائهة... حزينة. ظلّ يضغط على أسنانه حتى برزت عظام فكيه وهو يُقسم بأغلط الأيمان أن المتسببين بحالتها تلك سيجعلهم يتجرعون الويلات.
بينما آلاء ونهال بمجرد أن فُتح الباب حتى هرعوا نحو رِفقة يحتضونها لتهمس لها نهال بحنان ولهفة:
"رِفقة.. حبيبتي إهدى.. أنا نهال.. إحنا جمبك ومفيش أي حاجة وحشه هتحصلك أنا هنا أنا وآلاء كمان."
كان جسد رِفقة يرتعش وهي تهزي ببكاء ودون تصديق:
"لا... لا محدش يعرف مكاني... أنا أكيد بحلم من كتر محاولاتي إن حد يساعدني."
مسحت آلاء على وجهها برفق وقالت بإبتسامة بينما تسحبها برفق للوقوف والخروج من الماء وتساندها نهال من الجهة الأخرى:
"لا يا ست البنات إنتِ مش بتحلمي وعلشان أاكدلك هتغيري هدومك وهنطلع على مطعم البوب تاكلي كريب بالنوتيلا."
ارتعش شفتي رِفقة وأخذت تردد بعدم تصديق بينما تقف بين نهال وآلاء:
"بجد يعني إنتوا جيتوا أنا فكرت إن هموت هنا أنا كنت خايفة أووي وجعانة جدًا."
ترقرق الدمع بأعين نهال وأحتضنتها قائلة:
"بعيد الشر عنك يا رِفقة.. حقك عليا أنا إللي قصرت معاكِ أخر يومين.. حقك عليا."
تمسكت رِفقة بهم وقالت بطمأنينة:
"المهم إنكم جيتوا."
تسائلت آلاء وهي تسمح الأرجاء بأعينها:
"فين شنطة هدوك يا رِفقة."
أجابتها رِفقة بحزن:
"مش عارفه.. أنا دورت عليها كتير ومش عرفت أوصلها... تلاقيها في أي مكان.. طنط عفاف هي إللي حطيتها."
وبالفعل وجدتها آلاء في أحد الزوايا الخفية التي يصعب على رِفقة وجودها لتقول نهال بسخط وغضب:
"يوعدها عفاف المجرمة بقطيع نحل يعفّ على وشها يورمها، لها يوم حسبي الله ونعم الوكيل فيها هي وبناتها الأفاعي.. كتير حذرتك منهم يا رِفقة كتير."
كان يعقوب واقفًا مكانه لم يتحرك بينما عبد الرحمن فكان ينتظر بالخارج. ليستمع يعقوب إلى كلمات رِفقة التي صدمت الجميع، نبرتها كانت حزينة منكسرة مغدورة:
"مش عارفه هما ليه عملوا فيا كدا، ليه بيكرهوني كدا مع إني كنت بحبهم واعتبرتهم أهلي... كنت مفكراهم بيحبوني علشان هما إللي قبلوا بيا بعد ما الكل اتخلى عني بعد بابا وماما بس اتضح إن الناس إللي رفضتني في وشي كانوا أرحم مليون مرة من ناس استغلوني وخدعوني.. طنط عفاف جابتني هنا علشان أموت، أنا كنت مأمناهم.. هما ليه خدعوني كدا.. تخيلي ضحكت عليا وقالتلي إنها اشترت الشقة دي والراجل صاحبها لسه قايلي من شوية عايز الإيجار.. أنا كنت هموت وهقع من البلكونة علشان ملهاش سور يا نهال ولولا ستر ربنا... مش قولتلك يا نهال أحسن حاجة أروح دار رعاية دا القرار الصح."
هنا أتى صوت يعقوب الراعد وهو يقول بجزم:
"مفيش دار رعاية.. إحنا هنتجوز يا رِفقة."
ولم تنتبه ولم تشعر بوجوده سوى الآن شهقت قائلة دون إدراك:
"يعقوب... إنت هنا.. أنا كنت مفكره إن بهلوس بصوتك."
ابتسم يعقوب بخفة وأردف:
"بداية مُبشرة طالما اعتقدتي إنك هلوستي بيا، يعني يعقوب في بالك."
احمرّ وجه رِفقة خجلًا وانكمشت بآلاء قائلة بتدارك متقطع:
"لا.. لا أنا مقصدش كدا... أنا يعني أصل.. كنت مفكره إن حد عايز يإذيني."
نظر كلًا من آلاء ونهال لبعضهم البعض بعدم فهم وهم يسمعون صوت يعقوب الراعد:
"لا عاش ولا كان إللي يمسّ شعره منك، أنا بعت لخالك شغله وعلى الصبح هيكون هنا وهنكتب الكتاب.. ومن هنا ورايح أنا موجود إللي عايز يوصلك لازم يتخطاني الأول."
مازال شعور رِفقة بالغدر والخيانة طازجًا، فكيف تأمن لأحد بعد الآن. أشخاص كانوا لها مأمن وعائلة كانوا يمكرون لها رغم حديثم الناعم معها.
نفت رفقة سرعًا وهي تقول بقوة:
"أستاذ يعقوب أنا مقدره معروفك وشعورك بالشفقة عليا، بس موضوع الجواز ده أنا مش قبلاه.. أنا مش هتجوز بالطريقة دي وأنا قولتلك قبل كدا."
قال يعقوب بهدوء وهو يتجه للخارج:
"يلا يا رِفقة غيري هدومك أنا منتظرك برا، لنا قاعده طويلة مع بعض، وأوعدك إن أول ما نكتب الكتاب هقولك على كل أسبابي وكل إللي فيها."
وخرج لتسحبها كلًا من آلاء ونهال للغرفة الوحيدة لتُبادر نهال تتسائل بعدم فهم:
"دا أنا في حاجات كتيرة أووي فيتاني يا ست رِفقة... جواز أيه ويعقوب أيه."
رددت رِفقة بحزن:
"ولا حكاية ولا غيره... زي ما شوفتي كدا بعد ما شفني أول مرة وطلب مني زي ما سمعتي كدا، أكيد علشان صعبت عليه... أنا بصراحة معدتش هأمن لحد ولا أثق في حد تاني يا نهال بعد إللي شوفته من مرات خالي، أنا لغاية دلوقتي مش مصدقة، أنا أيه يعرفني إذا كان هو بيمثل عليا ولا بيخطط لحاجة زي ما مرات خالي وعيالها عملوا.. كانوا بيكلموني كويس ومعايا حلوين وهما من ورا ضهري بيكرهوني وخدعوني... زي ما قولتلك أنا المكان المناسب ليا دار الرعاية أما مش ضامنه مين يستغل حالتي تاني أنا بقيت خايفه أووي، هطلب منكم بس توصلوني لدار رعاية كويسة محترمة وتسبوني فيها ومش تنسوني وتبقوا تيجوا تزروني."
قالت آلاء باعتراض مسرعة:
"لا يا رِفقة كدا غلط... عندك حق في صدمتك منهم بس مش علشان نموذج سيء تحكمي على الناس كلها بيه وتقسيه على الجميع... إنتِ مشوفتيش يعقوب كان عامل إزاي طول النهار وبالذات لما فات ميعادك ومش جيتي، لولا هو مكوناش وصلنالك، متعرفيش هو عمل أيه علشان عفاف تنطق بالعنوان... كان بيدور عليكِ زي المجنون."
وأخذت نهال تسرد لها ما حدث تحت صدمة رِفقة وعدم تصديقها لتختم وهي تردف بحنان:
"مش كنتِ دايمًا بتقوليلي إنت عيني يا نهال وبتقولي إنك بتثقي فيا.. ولو سألتيني يا نهال إنتِ شايفه أيه... هقولك شايفه الصدق في عيونه الحكاية فعلًا أكبر بكتير من إللي إنتِ مفكراه ومن إللي هو بيقوله، أقدر أقولك إن شوفته عوض رِفقة وأمانها... أقدر أقولك إن واضح من عيونه إن هو شخص بيحب رِفقة أووي ورِفقة عنده الجنة... إديله فرصة يا رِفقة... إنتِ تستحقي الحرية وهو حُريتك، إنتِ مفيش أي حاجة تمنعك إنك تبقى أسعد واحدة في الكون، متحرميش نفسك من السعادة لأسباب ملهاش وجود."
ترقرق الدمع بأعين رِفقة وهي لا تصدق أن مثل هذه الأشياء من الممكن أن تحظى بها في يومٍ ما، تثق في نهال وتعلم إن قالت شيء فهو كذلك. إنها رفيقتها والشخص الذي هوّن عليها الكثير وعينيها في هذه الحياة.
شرع كلًا من نهال وآلاء يساعدونها في ارتداء ملابسها لتتوسع أعينهم بصدمة وهم يرون كم الكدمات المنتشر على ذراعي رِفقة بل المنتشرة بكافة أنحاء جسدها. كتمت آلاء البكاء بينما انبثق الغضب بأعين نهال وقلبها يتمنى أن ترى بتلك المجرمة عفاف وبناتها ما يشفي غليل قلبها.
انتهت رِفقة من إرتداء ملابسها وقد ابتسم وجهها بعد كلمات آلاء ونهال.
قالت بقلق وهو يخرجون من الشقة ويهبطون لأسفل:
"طب أنا هروح فين دلوقتي.. والشقة دي صاحبها عايز الإيجار."
رددت نهال بغضب:
"تولع بجاز يا رِفقة إنتِ متعرفيش شكل المخروبة دي عامل إزاي... حسبي الله ونعم الوكيل في إللي كانت السبب ربنا ينتقم منها وأشوف فيها يوم، الشقة غير آدمية ومينقعدش فيها يا رِفقة حتى صاحبها إللي أجرها راجل معندوش من الضمير ذرة."
قالت رِفقة باعتراض:
"بس أنا قعدت يوم في شقته ولا يوم ونص ودا حقه بغض النظر الشقة عامله إزاي.. خلينا نعدي على أي ماكينة لسحب الفلوس ونسحب فلوس ونبعتهاله... وكمان علشان أشوف أي فندق وأقضي فيه يومين على ما ألاقي شقة."
تسائلت آلاء:
"مش مرات خالك سحبت فلوس للشقة على أساس إنها هتشتريها."
رمقتها نهال بنظرة ذات مغزى وهي تهمس بينما تتوقع ما سيحدث:
"ربنا يستر."
وصلوا لأسفل فلكزت آلاء رِفقة وهمست بمكر:
"يعقوب باشا واقف قدام العمارة زي الحرس."
ارتجف قلب رفقة وتلونت وجنتيها بلون الشفق لتبتسم بصفاء وهي تقف أمام يعقوب الذي ابتسم بحنان وهمس برِقة ورفق:
"رِفقة."
رددت دون أن تشعر بشرود بما زلزل قلب يعقوب وجعله يطرق بجنون شاعرًا بنبض قلبه في عنقه:
"أُوب."
اتسعت أعينها بصدمة لتُسرع تقول بتوتر متداركة هذا الخطأ:
"آسفة جدًا... أنا كنت بس بفكر في حاجة، يعني علشان كدا قولت إللي بفكر فيه.. مشهد في كرتون كنت بتفرج عليه وأنا صغيرة... علشان كدا."
تنهد يعقوب تنهيدة مطولة وقال وهو يفتح الباب بهدوء:
"ماشي يا رِفقة أما نشوف أخرتها معاكِ... يلا اركبي على مهلك."
قالت بلطف:
"شكرًا جدًا على كل إللي عملته، ممكن بس توصلني لأي فندق كويس."
أردف يعقوب بحسم:
"مفيش فنادق ويلا اركبي."
تسائلت باعتراض:
"أمال هروح فين... لو سمحت سيبني براحتي."
"قولت اركبي وهنتكلم يا رِفقة."
وبالفعل ركب الثلاث فتيات في الخلف وقاد يعقوب يخرج من هذا الحي المشبوه.
وبعد مدة قصيرة لكزت رِفقة نهال التي قالت:
"لو سمحت وقف عند ال Atm الجايه دي هنشوف حاجة في دقيقة."
أوقف يعقوب السيارة ليهبطوا ثلاثتهم قبل أن يلقي يعقوب الأسئلة. وقفت نهال أمام الماكينة ووضعت البطاقة الائتمانية الخاصة برِفقة والتي أملتها الرقم السري.
وبعد لحظات اتسعت أعين نهال بصدمة كانت تتوقعها ورمقت آلاء التي أغمضت أعينها بحزن لأجل رِفقة.
تسائلت آلاء بحزن:
"إنتِ كان معاكِ كام فيها يا رِفقة."
ابتسمت رِفقة وقالت بحنين:
"تحويشة بابا وماما.. كانوا نصّ مليون، كان بابا باع نصيبه في الأرض بتاعته وحطّ الفلوس دي باسمي تحسبًا لأي حاجة وكأنهم كانوا حاسين إنهم مش هيرجعوا... وفعلًا علشان لسه مش لاقيه مكان شغل يقبلني فبصرف منهم."
توقفت نهال بحيرة لا تعلم كيف تخبر رِفقة، في الأساس هي كامن متوقعة هذا الشيء لكن رِفقة جُل ما عرفته عن زوجة خالها أنها أردات فقط أن تتخلص من عبئها. لكن حسمت أمرها ففي النهاية يجب أن تعلم رِفقة الحقيقة وإن كانت مريرة، قالت نهال بثبات:
"بصراحة يا رِفقة... الحساب فاضي.. الفيزا مفيهاش فلوس... النصابة سرقتهم."
في تلك الأثناء بينما يقف يعقوب أمام السيارة ينظر إلى ما يفعله الفتيات بتعجب وما الذي تُخبأه رِفقة، ارتفع صوت رنين هاتفه ليُخرجه من جيبه وأجاب على الفور:
"أيوا يا كريم."
قال كريم مسرعًا وهو يلهث:
"يعقوب إنت لازم تيجي قسم الشرطة بسرعة علشان تنهي المهزلة دي قبل ما توصل لِلبيبة هانم."
اعتدل يعقوب ليتسائل بقلق:
"في أيه يا كريم أيه إللي حصل."
"الست إللي اسمها عفاف مقدمة بلاغ فيك إنك اتهجمت عليها في بيتها واعتديت على بناتها تحت تهديد السلاح."