الفصل 24 | من 35 فصل

رواية وختامهم مسك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
20
كلمة
2,896
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

علمت مسك بمرضها من الطبيب، وبلحظة علمها فقدت كل طاقتها. يتعايش الإنسان مع المرض دون أن يعلم بما يحدث داخله، لكن فور علمه يتملكه الخوف ويبدأ الضعف يحتله ويهزم كل قواه. سألت بقلق: -تيام فين؟ -أنتِ بتفكري في إيه؟ دا وقته يعني يا مسك؟ المفروض تستعدي للعملية. قالها غريب بحزم والخوف يتملكه من هذا المرض والورم الذي يضغط على أنسجة وخلايا عقلها. تحدثت مسك بجدية صارمة: -فين تيام! برا صح؟

أنا متأكدة أنه ما سابنيش هنا ومشي. أمرت رجالتك يمنعوه يدخل ليا صح؟ ولا منعته يدخل المستشفى كلها؟ لم يجب عليها فتأففت بغضب ونزعت الكانولا الطبية من يدها بحزم رغم ضعفها، على وشك مغادرة المستشفى ليوقفها غريب بصدمة ألجمته من محاولة ابنته لمغادرة المستشفى فصرخت مسك بألم يمزقها من الداخل قائلة: -أنا مش هعمل العملية. خليني أموت وارتاح. أساسًا أنت حكمت عليا بالموت.

اندهش والدها من كلماتها وهل ستعاقبه على رفضه لزواجها من هذا المحب بمرضها. تحدث غريب بقسوة نابعة من خوفه على ابنته: -عشان رفضت تتجوزي واحد صايع زيه. فتح باب الغرفة ودلف تيام إلى الغرفة بعد أن سمع صوت صراخها من الخارج. رآها ترجلت من الفراش وتقف أمام والدها وتتحداه بقوة رغم ضعفها وجسدها الهزيل. تحدثت مسك بعناد وتحد: -تيام مش صايع. وأنا مش هتجوزه زي ما أنت طلبت عشان مش هتجوزه من غير موافقتك.

اتسعت عينا تيام على مصراعيها من كلماتها ليندهش من جرأتها وقوتها الهزيلة عندما تابعت الحديث: -لكن ما تحلمش أني أدخل أوضة العمليات نهائيًا وروح حضر ليا كفني يلا. مسكها غريب من ذراعها قبل أن ترحل من أمامه وقال بدهشة قاتلة: -كل دا عشان تيام؟ هتختاري الموت عشانه؟ بتمسكيني من الأيد اللي بتوجعني.

دمعت عيناها بحزن شديد من ألم قلبها وما زالت عينيه الباكية محفورة في ذاكرتها. ما زال خوفه عندما ترجاها بألا تتركه ورجفته تغتصب عقلها وتمزقه لإشلاء وتحدثت بنبرة واهنة ودموعها تتساقط وسط بكائها: -أساسًا أنا ميتة من غيره. ولو على الأيد اللي ممسوكة فأنت اللي مسكتني من أيدي وكتفتني وقت ما خيرتني بين الحياة والموت. لما خيرتني بين قربي منه وبعدي عنه. والله بعده هو موتي. -مش هتجوزيه يا مسك.

قالها غريب بغضب سافر لتضرب مسك قدمها بالأرض غيظًا وقالت صارخة: -وأنا مش هدخل أوضة العمليات غير وأنا مراته إيه رأيك بقي؟ اختار زي ما خيرتني. التفتت لكي تغادر فرأت تيام واقفًا أمام باب الغرفة وسارت نحوه لتأخذه من يده وغادرت المكان، تاركة القرار بين يدي والدها هو من سيختار الحياة أو الموت لابنته؟ تشبث تيام بيدي مسك التي اصطنعت القوة أمام والدها لأجله وقال بقلق: -مسك!! تبسمت بلطف رغم مرضها وقالت بغمغمة خافتة:

-ما تخافش يا تيام. ساعة وهيجي موافق وأنا ورمي حميد والدكتور طمني أن العملية كبيرة بس نسبة نجاحها كبيرة... التفتت إليه بعد أن توقفت عن السير ورفعت يدها إلى وجنته تلمس لحيته بلطف وعيناها المنطفئة من الألم تسكنهما لمعة خافتة بالعشق وهمست بحب: -أنا قلتلك إني مش هسيبك. أومأ إليها بنعم وأخذها من المستشفى للخارج ورحل. دق جرس الباب لتفتح بثينة ووجدت مسك تقف أمامها. دلفت للداخل بتعب شديد ثم قالت:

-تعالي يا مسك. كنتِ فين من الصبح؟ -بثينة. قالتها بنبرة هادئة. استدارت بثينة بصدمة ألجمتها وعيناها تحدقان بوجه ابنتها وتمتمت بتلعثم شديد: -غزل!! تبسمت غزل بعفوية ورفعت القبعة عن رأسها وأسرعت نحو والدتها تعانقها بقوة. ضمتها بثينة بصدمة ولا تصدق وما زالت لا تستوعب رؤية ابنتها المتوفية حية أمامها الآن. جلست غزل مع والدتها تحدثها بالكثير والكثير فتساءلت غزل عن أختها بقلق بعد أن علمت بمرضها من غريب: -فين مسك؟

-خرجت من الصبح. قالتها بثينة بقلق على ابنتها المريضة. رنت غزل على هاتف مسك ولم تجب عليها. أخذها تيام إلى بناية على النيل وصعد إلى الطابق العاشر. تمتمت مسك بهدوء قائلة: -لو تفهمني بس أنت جايبني على فين. سار بها في الرواق حتى وصل إلى باب الشقة وفتحها بالمفتاح لتندهش من جمال الشقة وأثاثها بينما يتبسم تيام بعفوية وقال: -عجبتك؟ -دي جميلة أوي. قالتها مسك بنبرة واهنة من مرضها الذي أنهكها من التعب ثم نظرت

إليه بإعجاب ليقول بحب: -أنا جبتها عشانك. كنت خايف والدك يرفضني عشان عايش في الغردقة. خليت جابر يجهزها كلها عشان لما أجي له. تبسمت مسك إليه بسعادة وقالت: -هتشوف يا تيام. أنا وعدتك مش هسيبك.

هز رأسه إليها ورحل الاثنان معًا. عاد إلى منزل والدها وبعد أن أوصلها رحل رغم قلبه المرتجف خوفًا من مرضها هذه القنبلة التي تحملها بداخلها. خصيصًا أنها الآن ترفض علاجها والخضوع للجراحة بسببه ولأجله. ظلت جالسة على الفراش بتعب لا تصدق كيف تحول حالها. كان الجميع يتحدث عن قوتها والآن أصبحت ضعيفة هزيلة لا تقوى على رفع قبضتها. فتح باب الغرفة ودلف غريب غاضبًا من تصرف ابنته قائلًا: -يستاهل تيام اللي بتعمليه دا؟ -آه يستاهل.

قالتها بتحد وغيظ من هذا الحديث وعناد والدها وتمسكه برفضه القاطع ولا يقبل الجدال. وقف أمامها مندهشًا من حب ابنته لهذا الرجل وتمسكها بيه. قال بإعجاب: -حبيتيه إمتى يا مسك الحب دا كله؟ في التسع شهور دول؟ أخذت نفس عميق من داخلها ثم تحدثت بجدية:

-آه يا بابا. حبيته.. التسع شهور دول فضلت أحميه فيهم. عالجته واهتمت به زي ابني. طبطب عليا وقت ما قلتلي غزل ماتت. اعتذرلي عن العالم كله يا بابا عشان دموعي بس نزلت. بيخاف عليا ومستعد يعمل أي حاجة عشاني. بيحبني وبيخاف من غيري. أنا قوته وسنده يا بابا.. مش هو راجل بشنبات بس بيستقوى بيا واتغلب على شيطانه عشاني. مستعد يعمل أي حاجة عشان بس أكون له...

أنا قلتله مش هتجوز من غير موافقتك عشان ما هانش عليا زعلك مني مرة تانية بس أنت ما خوفتش على زعلي ولا هان عليك قلبي. أنت أكتر واحد يا بابا شوفتني في بعده. أنا كنت ميتة من غيره.. اترميت في حضنك من ضعفي وغلبي. وقفت قصاد قلبي عاجزة عن علاجه. تنهد غريب بهدوء عاجزًا عن الحديث أمامها ثم قال: -ماشي يا مسك اتجوزيه بس نعمل العملية. -لا! أنا مش هدخل أوضة العمليات غير وأنا مراته. قالتها بتذمر شديد ليتأفف غريب من ذكاء ابنته وقال:

-مش واثقة في كلامي؟ خايفة بعد ما تخرجي أغير رأي. لم تجب عليه فظلت صامتة تمامًا أمامه لا تجرأ على الموافقة على حديثه ليتنهد بجدية ووافق على الزواج وتحدث قائلًا: -ماشي اتجوزيه بس بسرعة عشان العملية يا مسك.... غادر الغرفة لتبتسم بعفوية وسعادة غير متزنة من الألم. لا تعلم إذا كان الزواج منه بمرضها هو الأفضل أم هجره لكونها مريضة.

صُدم زين مما سمعه عن حالتها من جابر. لم يستوعب شيء وعقله لا يفهم هذا القدر الذي يلعب معهما. وذهب إلى القاهرة مع ورد لأجلها. أوصلهم جابر إلى شقة تيام وكان ينتظر وصول زين ليقول: -كل دا؟ -هو بإيدي يعني؟ قالها زين بتذمر شديد. رن هاتف تيام باسمها ليقول بهدوء: -ألو. صرخت مسك في أذنه بالهاتف رغم مرضها تقول: -أنت فين يا تيام؟ اتأخرت. سألها بهدوء ويديه تعقد رابطة عنقه بتعجل شديد قائلًا: -اتأخرت على إيه بس؟

-هتستعبط أنت مش جاي تطلبني من بابا؟ والله يا تيام لو اتأخرت على نص ساعة لأغير رأي. قالتها مسك بنبرة قوية غاضبة من تأخره على موعده مع والدها. وقفت خلف باب غرفتها تنظر على والدها الجالس في الصالون غاضبًا من تأخر تيام عن موعد وصوله لكنه لا يملك شيء أمام مرض ابنته فقالت بهمس شديد: -يا تيام الله يخليك بابا مش محتاج تضغط على أعصابه أكثر من كدة. والله لأقتلك لو اتأخرت أكتر من كدة على طلبي.

خرج ركضًا من الشقة مع زين الذي يسحبه من يده بخوف من غضب محبوبته وقال: -استعجل يا زين.

ضحكت ورد وهي تنزل وراءهم بهدوء. انطلق بسيارته إلى حيث منزل غريب. وجده مستشاطًا غضبًا من تأخيره بسبب زين ورغم هذه اللحظة السعيدة لكن الجميع كان يسكنهم الخوف والقلق عليها. كان تيام يحدث والدها وعيناه عليها تراقبها أثناء جلوسها مع غزل وورد وبثينة. يقتله الخوف وهكذا القلق ربما يسعد القلب بموافقة والدها لكن كيف يخمد نيران قلقه وهو يعلم بأن داخل رأسها الصغير مرضًا يكاد يقتلها بأي لحظة. تمنى أن يحقق لها ما لم يفعله سابقًا في زواجهما. أن ترتدي لأجله فستانًا أبيض وحفل زفاف ويحقق لها كل طقوس الزواج لكن للقدر رأي آخر ومن جديد عقد قرانه عليها دون أي ترتيبات أو تخطيطات لإسعادها. تحدث غريب بجدية وخوفه

يزداد كلما مر الوقت عليها: -أديني عملت اللي عايزاه. بكرة الصبح تكوني في المستشفى. نظرت مسك إليه وهي تقف جوار تيام وقالت: -ماشي. أنا عايزة أقعد مع تيام شوية ممكن؟ نظر تيام إليها بقلق من طلبها. أومأ غريب إليها بنعم ليأخذها تيام إلى شقته بعد أن اتفق مع والدها أن يحضرها غدًا للمستشفى بنفسه. جلس معها على الأريكة بهدوء ويحدق في وجهها لتقول بهمس وعيناها ترمقه بحب شديد ولا تعلم أن كانت ستتكرر هذه اللحظة أم لا:

-تيام. متيمي العاشق. لمست وجنته بأناملها الصغيرة وعيناها تبتسم إليه أكثر من شفتيها لتتابع بحب: -أنا بحبك وندمانة والله على كل الوقت اللي ضيعته في عنادي وكبريائي بعيد عنك. أخذ يدها بلطف في يده ويكبح ألمه بداخله فقال بدفء: -هنعوض يا مسك. هنعوض كل حاجة يا روحي.. أنت هتعملي العملية وهترجعي لي ونعوض كل حاجة.

أومأت إليه بنعم لتضع رأسها على كتفه بتعب من يومها الطويل، حملها على ذراعيه برفق وأدخلها إلى غرفة النوم ثم أنزلها على الفراش. أعطاها العلاج ليسكن ألمها قليلًا ووضع الغطاء على جسدها النحيل ثم قال بلطف: هشوف لك حاجة تأكليها يا حبيبتي. خرج من الغرفة ودلف للمطبخ، جهش باكيًا وأطلق العنان لأوجاعه والدمع ينهمر من عينيه دون توقف، لم يتحمل قلبه هذا الألم أكثر من هذا لكنه يجب أن يكون قويًا وصامدًا لأجلها.

ترجلت من الفراش وسارت في أرجاء الغرفة تتفحصها بإعجاب ثم بدلت ملابسها إلى بيجامة قطنية مريحة أكثر وخرجت تبحث عنه بعد أن تأخر لتسمع صوت شهقاته المكتومة من داخل المطبخ، وقفت بالخارج تستمع لألمه الذي يكبحها بداخله لأجلها ودمعت عينيها مع بكائه ثم عادت للغرفة بحزن وجلست على الفراش تفكر في مستقبلها وقدمها على الحافة. فتح باب الغرفة ودلف "تيام" بطبق من الفاكهة وقال مبتسمًا يخفي ألمه: ما لقيتش حاجة غير دي. تيام.

قالتها بصوت خافت ليستدير بعد أن وضع طبق الفاكهة على الطاولة فرأها تشير له على الفراش بأن يجلس جوارها، اقترب بقلق ثم جلس جوارها وعيناه لا تفارقها، ظلت تنظر إلى وجهه الباكي وتساءلت كيف أخفى أوجاعه عنها بهذه المهارة، صوت شهقاته ما زال يخترق أذنيها لكنه الآن أمامها يبتسم بإشراق مصطنع، تمتمت بنبرة دافئة: نفسك في إيه يا تيام؟ معايا يعني حاجة أعرف أعملها لك.

أخذ يدها في يده بدفء وقلبه الحائر يمزقه من الداخل، حائرًا بين السعادة والخوف، القلق والحب. تبسم "تيام" إليه وقال: أنتِ يا حبيبة قلبي وعمري كله، أنتِ نفسك في إيه يا مسك؟ والله لأحقق لك كل اللي بتتمنيه. تبسمت "مسك" بوجهها الشاحب رغم مساحيق التجميل التي تضعها وتزين به وجهها الذي يحتله المرض، يخيم على عينيها كالمحتل، منذ أن اكتشفت مرضها وظهر المرض على جسدها... باتت أضعف وشاحبة فرمقته ببسمتها المنطفئة وقالت:

أنا مش عايزة حاجة يا تيام، أنت نفسك في إيه أعملهولك. لمس وجنتها بيده الباردة وعيناه تحدقان بكل إنش في وجهها وتأملها كأنه يحفر ملامحها في قلبه المرتجف من الخوف، يخاف من فقدها بأي لحظة بسبب هذا المرض الذي يأكل رأسها من الداخل. تحدث بحب قائلًا: أنا عمري ما اتمنيت حاجة قدك يا مسك. زادت بسمتها الواهنة مدركة أنه يتألم وخائفًا من داخله رغم صموده القوي أمامها لتقول بحنان: وأنا ملكك يا تيام.

تبسم إليها بخفة فرفعت يدها إلى وجنته تلمس شعيرات لحيته الناعمة وقلبها ينبض من الداخل كالمجنون، لا تصدق بأنها الآن بين ذراعيه وعلى وشك مفارقته بسبب هذا الورم اللعين الذي سيفرقهما عن بعضهما، وضعت جبينها على جبينه تستند عليه فتمنى لو يستطيع أن يمتص هذا الورم من رأسها وأخذه هو ليخفف من وجعها قليلًا، شعرت بأنفاسه تختلط مع أنفاسها ويديها تحيط بوجنتيه بدفئها فتمتمت بنبرة هامسة: بحبك، أنا بحبك يا متيمي العاشق.

تساقطت دموعه رغماً عنه بخوف بعد هذا القدر، غمغم بضعف شديد: ما تسيبنيش يا مسك، أنتِ وعدتيني يا قلب متيمك.

اقتربت "مسك" أكثر منه لتقبل دموعه التي شقت طريقها على وجنتيه حتى ينتهي طريقها بين شعيرات لحيته البنية، شعر بأنفاسها ونعومة شفتيها لتزداد دموعه أكثر بألم من قلبه كان يحلم بهذه اللحظة كثيرًا أن يضمها ويقبلها بحب لكنه لم يتخيل لبرهة من العمر أن يفعل ذلك في ألم وقسوة الفراق الوشيك وبلحظة الخوف التي تمزقه من داخله، لا يعرف أيسعد لوجود حبيبته بين ذراعيه أم يبكي خوفًا من الفقد الذي يقترب منهما. تمتمت "مسك" بنبرة هامسة:

ما تخافش يا تيام. أومأ إليها بنعم وسرق أنفاسها الضعيفة بقبلته الناعمة لتتشبث "مسك" بقميصه بأناملها الضعيفة ولأول مرة تظهر خوفها من المرض في رعشة يديها وتشعر بيديه تحيط بظهرها ويجذبها إليه أكثر وأكثر لم تكن القبلات والحب وحدهما الذين يلمسون قلوبهم بهذه اللحظة بل الدموع كانت سيدة الوقت ولحظتهما معًا. خرج "غريب" فجرًا من غرفته بوجه شاحب لم يغفُ له جفن وابنته المريضة بعيدة لا يعرف ماذا يحدث لها؟

هل تتألم أم سكن مرضها وتوقف لبرهة من الوقت عن تمزيقها من الألم؟ رأى "بثينة" راكعة على سجادة الصلاة وتبكي خوفًا وتترجى خالقها ورب الكون بأن يشفي طفلتها ولا يصيبها شيء، دمعت عيناه من حالة الخوف المخيمة على قلوب الجميع. جاءت "غزل" من خلفه وقالت: أنت كمان ما نمتش يا بابا، أنا لسه قافلة مع تيام وقالي إن مسك كويسة. يارب يا غزل وأنا هعوز إيه أكتر من إنها تكون كويسة.

قالها بحزن شديد ودلف من جديد إلى غرفته لتنظر "غزل" على والدتها بهدوء ثم عادت لغرفتها دون أن تقاطعها.

دلف "تيام" إلى الغرفة بعد أن أنهى الاتصال مع "غزل" ورمقها وهي نائمة وسط الفراش، جلس جوارها يتأملها ويده تمسح على رأسها بلطف ووجهها الشاحب وجسدها باردًا، رفع "تيام" الغطاء ليخفي ذراعيها العاريين بسبب برودتها وقبل جبينها. فتحت "مسك" عينيها صباحًا وشعرت بثقل على رأسها فحركت رأسها قليلًا، رأته جالسًا جوارها ورأسه متكئة على رأسها بعد أن غلبه النوم في ليله الطويل، تبسمت عليه وظلت محلها حتى لا توقظه تتأمل ملامحه البريئة في نومه،

تمتمت بلطف إليه: مش هسيبك يا متيمي، أوعدك إني هفضل قوية عشانك. لمست وجنته بأناملها الدافئة ووضعت قبلة على جبينه ثم تسللت من الفراش وهي تسرق روبها من أسفل قدمه وتهرب للخارج برفق حتى لا توقظه، ارتدت الروب ودلفت للمطبخ تعد له الإفطار بسعادة وقلب يضع حبه في كل شيء تفعله، خرجت تجهز السفرة وترتب الأطباق عليها لتشعر بيديه تحيط بخصرها ورأسه تتكأ على كتفها بلطف وهمس إليها: صباحية مباركة يا حبيبة قلبي.

تبسمت إليه بلطف وخجل شديد جعل وجنتيها تتورد ويزداد احمرارها كحبة طماطم ثم قالت بخجل وتلعثم: يلا عشان تفطر. جلس على السفرة وهي جواره ليتناول طعامه ووجده مالحًا كأنها وضعت كل الملح الموجود في المنزل في طبقه، رفع نظره إليها ليراها تبتسم إليه بسعادة فابتلع لقمته سريعًا رغماً عنه لأجل بسمتها فقط، نظرت إلى الطعام وقبل أن تأكل من هذا الطبق وضع لها القليل من الجبن الرومي وقال:

كلي بسرعة عشان نلحقهم في المستشفى مش عايزين نتأخر. منعها من تناول طعامها السيء أو تذوقه بطريقة غير مباشرة واستعدا معًا لأجل الذهاب إلى المستشفى وكان والدها و"بثينة" في انتظارها، ذهبت "مسك" مع الأطباء لفحصها والخضوع إلى الأشعات والتحاليل من أجل التحضير إلى الجراحة وعادت من جديد إلى منزل "تيام". دلف "غريب" إلى طبيبها المتخصص في الأورام وسأله: طمني يا دكتور.

ما تقلقش دكتورة مسك صحتها كويسة والورم حميد وبعيد عن منطقة الخطر، إحنا هنستأصله بس عشان ما تضغطش أكثر على الأنسجة ونسبة نجاح العملية فوق الـ 70% وعمومًا إحنا حددنا ميعاد العملية آخر الأسبوع. نظر "غريب" إليه بقلق وقال متمتمًا: يعني في 30% خطر. صمت الطبيب ولم يجب على كلمته ليغادر "غريب" بقلق شديد. تحدثت "غزل" مع "زين" بجدية وقالت: طلع مسك من الموضوع، ما حدش يعرف بكر قدي وأنا هساعدك في دا.

نظر "زين" إليها بحيرة لكنه لا يملك خيار سوى الثقة بها، أومأ إليها بنعم وقال بجدية: نطمن بس على عملية مسك وبعدين نشوف هنعمل إيه؟ أومأت "غزل" إليه بنعم موافقة على هذا الرأي. دلفت إلى غرفة العمليات وقد مر الأسبوع سريعًا، كان على وشك الموت دونها ولا يعلم ماذا سيحدث بالداخل؟

وقف "تيام" في مسجد المستشفى وبدأ في الصلاة وعيناه تبكي بخوف بل رعب يحتله من الساعات القادمة التي تمر وهي بين أيدي الأطباء، دعا كثيرًا ولم يجد له نجاة سوى الدعاء لها والرجاء من الله بأن يشفي طفلتها ولا يصيبه في قلبه ويعاقبه على كل ما فعله في حياته بها، تمتم بدموع غارقة لم يعد يرى شيئًا من كثرة: يارب أنا ماليش غيرك، ما تعاقبنيش فيها، عاقبني لو ما قبلتش توبتي أنا راضي بأي عقاب بس مش في مسك، ارحم ضعفي وقلة حيلتي.

أنهى صلاته وذهب رغم مرور الساعات لكن لم يخرج لهما أحد ولم يطمئنهما الطبيب، كان الوقت يمر على الجميع ببطء يقتلهم من الانتظار الممزوج بالخوف من الفقد أو حدوث شيء آخر غير متوقع، ربتت "ورد" على يدي "بثينة" بقلق يحتلها هي الأخرى وقالت: إن شاء الله خير.

أومأت "بثينة" لها بنعم وجلست تقرأ في المصحف لأجل ابنتها حتى مر الوقت المتبقي وفتح باب الغرفة وخرج الممرضون بها على الترولي فهرع "تيام" إليها ورأى رأسها محاطة بشاش طبي وهي مغمضة العينين، لمس يدها بلطف وقال: مسك. نظرت "بثينة" إلى ابنتها وعيناها تبكي بألم على رؤيتها هكذا لكنها لم تتوقف عن قول (الحمد لله)

لخروج ابنتها حية، أخذوها إلى غرفة كبار الشخصيات ووضعوها على الأجهزة، صدم "تيام" والجميع عندما علموا بأنها لا تستجيب للإفاقة وقد غابت عن الوعي لأجل غير مسمى.

مر الوقت وقد فقد "تيام" كل قوته وطاقته بسبب خوفه من حديث العرافة رغم أنه لم يصدق بهذا التنجيم والخرافات من قبل، لكنه فارقها وأيامه تزداد صعوبة معها، منذ صغره وهو وحيد كأن الوحدة كتبت عليه حتى مماته، كان يراقبها يومًا بعد يوم والأطباء يفحصونها دومًا ويأخذونها للأشعة ليطمئنوا عليها ويعيدوها للغرفة من جديد، وقف الطبيب أمام "تيام" و"غريب" بقلق واضح، سأله "غريب" بخوف من أن يكون هناك شيء أصاب ابنته أسوأ: في إيه؟

مسك فيها حاجة؟ أعطاه الطبيب تحليل الدم الخاص بابنته التي أجرته أمس ثم قال بجدية: دكتورة مسك حامل. اتسعت أعين "تيام" بصدمة ألجمته من وجود قلب آخر بداخلها منه، قطعة من روحه نشأت بداخل أحشائها، لم يكن الرباط القوي هذا العشق الكامن بداخلهما كما قالت هذه العرافة بل أراد الخالق أن يكون هذا الرباط طفله منه وقلبًا صغيرًا ينبض بداخلها يمدها بالقوة لكي تصمد من أجله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...