الفصل 23 | من 35 فصل

رواية وختامهم مسك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
21
كلمة
2,855
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

بعنوان "قدر مكتوب"

أوقفت "مسك" السيارة على الطريق وترجلت منها بخوف، في الأمام توجد "غزل" وما زالت تصارع الموت وتحتاج إلى رعايتها، وفي الخلف "تيام" ويهدد "بكر" بقتله. تعلم جيدًا أن هذه الرسالة مجهولة الهوية جاءت من "بكر" وحده من أخبرها سابقًا بأنه يريدها وسيأخذها حتى لو قتل زوجها، والآن يقرر جملته. وقفت حائرة بين أختها وحبيبها ولا تعلم إلى من تذهب، تذهب لرعاية أختها أم تذهب لحماية "تيام" لتغمض عينيها بعجز في التفكير إيهما الصواب، وفي نهاية المطاف اتصلت على "جابر" الوحيد

الذي سيساعدها وقالت بجدية: -أنا مسك ولو جنب تيام متوضحش دا. تنحنح بحرج ثم قال: -اديني نص ساعة وأكلمك. هزت رأسها بالنفي والخوف يتملكها وقالت: -لا الموضوع ضروري. نظر "جابر" إلى وجه "تيام" الذي ينظر إلى الأوراق وقال: -طب ثواني... خمسة وراجعلك يا تيام بيه. أومأ "تيام" إليه بنعم دون أن يرفع نظره إليه. خرج "جابر" من المكتب ووقف في الرواق الطويل الهادي وقال: -اتفضلي.

أرسلت له صورة من هاتفها تحمل الرسالة التي وصلت إليها من "بكر" ليُصدم "جابر" من هذا التهديد الصريح ووضع الهاتف على أذنيه من جديد وقال بفزع: -مين دا؟ -بص الموضوع طويل جدًا ومش هعرف أحكيهولك دلوقتي، هوصل القاهرة وأكلمك بس بالله عليك تخلي تيام تحت عينيك دايمًا متخليش حد يأذيه وأنا هخلص كام حاجة وأجيلك. قالتها بذعر وهي تجلس في سيارتها ليومأ إليها بنعم ثم قال:

-متقلقيش على تيام، هو تحت عيني طول الوقت بس أنا عايز أعرف مين دا عشان أحطه هو كمان تحت عيني. -بكر! اللي جالي الأوضة وأنت شوفته. قالتها بقلق شديد ثم تابعت بقلب منقبض يرتجف خوفًا: -الراجل دا سيء جدًا يا جابر وقتل أختي وقبلها أخويا، لو وصل لتيام هيأذيه بجد. أومأ إليها بنعم ثم قال بجدية وطمأنينة: -متقلقيش عليه، تيام رئيسي دلوقتي وحمايته من أولوياتي.

أغلق الهاتف معها ثم أمر رجاله بأن يجمعوا كل المعلومات عن "بكر" وأعطاهم صورته من كاميرات المراقبة. كاد أن يدخل إلى المكتب لكن أوقفه صوت "زينة" تقول: -جابر! استدار "جابر" إليها بجدية وقالت بحزم: -أنا موافقة على عرضك. تبسم "جابر" لها بحماس ثم قال بلطف: -يبقى اتفقنا بس هتستني لحد ما ييجي زين من شهر العسل. أومأت "زينة" إليه بنعم وأدخلها إلى مكتب "تيام" الذي علم بما فعلته وما كانت تنوي أخذه منه ليقول بجدية ساخرًا منها:

-شوف مين اللي جه الرئيسة زينة. تنحنحت "زينة" بضيق شديد فنظر "جابر" إليه بحزم وقال: -اللي فات خلاص، آنسة زينة جاية تمد إيدها لينا وأنت محتاج خبرتها في إدارة المكان هنا وتتعلم حل الأزمات منها. عاد "تيام" بظهره للخلف باشمئزاز وتطلع بها من الأعلى لأخمص القدم وقال: -وأنا أضمن منين بقى إنها متغدرش بيا إذا كان غدرت بأخوها اللي من لحمها ودمها. -أنا ماشية. قالتها "زينة" بتذمر من حديثه ليوقفها "جابر" بحدة وقال:

-وبعدين بقى معاكم، أنت كل ما تقعد مع حد تطفشه منه، إيه هتدير المكان لوحدك... دا جدك نفسه معملهاش ومفيش أحسن من اللي من لحمك واللي دا كمان مالهم زيك تثق فيهم. تأفف "تيام" بضيق شديد لكنه تحلى بالصبر ليس لأجل حديث "جابر" بل لأنه تذكر حديث "مسك" عن العائلة وأنها لن تقبل به وحيدًا وعليه أن يصلح ما أفسده من الروابط القوية بينه وبين عائلته. هز رأسه بنعم ثم قال: -ماشي.

-خلي بالك إن أنت اللي هتُصر على وجودها في المكان قصاد زين. قالها "جابر" بعد أن جلس على المقعد المقابل للمكتب وأشار إلى "زينة" بأن تجلس هي الأخرى. اندهش "تيام" من جملته وقال بحزم: -أنا! وأنا مالي بقى بالعلاقات الأخوية دي، طب الشغل وهحتاج خبرتها لكن الأخوية دي أنا مالي بيها. رفع "جابر" حاجبه بحدة إلى "تيام" لتأفف بقوة غيظًا من تحكم هذا الرجل به فقط لأنه يملك السلطة الآن عليه. دلف أحد الرجال إلى "جابر" وقال:

-نزل عندنا من فترة ودي بياناته الموجودة في الفندق. أعطاه ورقًا تحمل معلومات عن "بكر". أومأ "جابر" إليه بنعم ثم وضع الورقة على الطاولة بلا مبالاة حتى ينهي حديثه مع هذا الرجل الغليظ أولًا وقال: -مالك إنهم عائلتك يا تيام بيه، وأنا بقى... قاطعته كلمة "زينة" الهادئة: -بكر. نظر الاثنان إليها ليراها "جابر" تمسك الورقة وتنظر بها فسألها بحيرة واندهاش من معرفتها بهذا الرجل: -أنتِ تعرفيه يا آنسة زينة؟

أومأت إليه بلا مبالاة ولا تعرف لما يبحثون عنه. تركت الورقة على المكتب ببرود وقالت: -آه من أهم النزلاء هنا وكمان هو اللي عرفني على متولي... أصلًا متولي ابن أخته. صُدم الاثنان من معرفتها القوية بهذا الرجل وزادت صدمة "جابر" عندما علم بأن "متولي" قريب هذا الرجل ليدرك شيئًا واحدًا أن كل ما حدث حتى الآن بسبب "بكر". تمتم بصدمة: -يبقى متولي هو اللي هرب الرجالة من المخزن، الرجالة اللي هجموا عليك في السقيفة!

-آه فاكرهم، بس وقتها أنا قولتلك إنهم طرف من اللي عمل في ورد كده.. يعني بكر هو اللي عمل في ورد كده؟ قالها "تيام" بصدمة لا يستوعب الأمر وخصيصًا أنه يعرف أن "بكر" قاتل "غزل" ويسعى خلف "مسك". تنحنح "جابر" بحيرة أكبر ولا يعرف أيخبره بأن هذا الرجل يسعى خلف "مسك" ويريدها إليه ويهددها بقتله أم يلتزم الصمت الآن فقالت "زينة" بحرج من هذين الاثنين: -متولي هو اللي بعت رجالة ورا ورد ومسك وهو اللي خلاني أفكر في حكاية المنصب دي.

اتسعت عيني "تيام" و"جابر" على مصراعيها بصدمة ألجمتهما الاثنين مما يسمعوه الآن. تمتم "جابر" بضيق: -ومكتفاش بكل دا، له عين يهدد. نظر "تيام" إليه بعدم فهم ليخرج "جابر" هاتفه من جيبه وأعطاه لـ "تيام" كي يرى الرسالة التي وصلت إلى "مسك". صُدم "تيام" أكثر وقلبه توقف عن النبض في هذه اللحظة ثم وقف من مكانه لكي يذهب إليها كالمجنون لكن أوقفه "جابر" بحزم وقال صارخًا به: -اهدى أنت رايح فين؟ -رايح لمسك ولا استنى لما يأذيها.

قالها بذعر وخوف شديد عليها ليُجيب عليه "جابر" بهدوء قائلًا: -مش هيأذيها يا سيدي، اللي بيعوز واحدة مبيأذيهاش هو بيهدد بقتلك أنت. نظر "تيام" إليه بقلق شديد ليس لأجله بل لأجل "مسك". لن يهدأ قلبه الآن وهي بمحافظة أخرى بعيدًا عنه.... _تقدمت "غزل" في الشفاء أكثر خلال هذين الأسبوعين التي بقيت فيهما "مسك" جوارها واستطاعت أن تقف على قدميها من جديد لتبتسم "مسك" بسعادة وقالت:

-أنا كنت عارفة أنك قوية، إذا كنتِ أنتِ اللي علمتيني القوة. تبسمت "غزل" إليها بلطف وقالت: -أنا علمتك القوة لكنك تفوقتي على معلمك يا مسك. ضحكت "مسك" بعفوية على جملتها وفتح باب الغرفة ليدخل والدهما "غريب". تبسم فور رؤية "غزل" تقف أمامه وحدها دون أي مساعدة من أحد لتبسمت إليه بهدوء وقالت: -بابا. فتح ذراعيه إليها لتُهرع إليه كطفلة صغيرة وعانقها بسعادة. رن هاتف "مسك" باسمه لتتسلل خارج الغرفة وذهبت إلى المطبخ

بخجل من والدها وقالت: -قولتلك لما أروح هكلمك. تأفف "تيام" بزمجرة شديدة على هذا الحديث وقال: -بقالك ثلاثة ساعات عند غزل وأنا فين من دا كله ها، فتحتي الموضوع مع والدك؟ -مش قولت مش هتعرف تسيب القرية غير لما زين يرجع. قالتها بضيق شديد فهي اشتاقت إليه طيلة هذين الأسبوعين ولم تره واكتفت بمحادثته على الهاتف. تبسم "تيام" بحماس وقال: -جاي النهاردة وأخيرًا. تذمرت على كلمته وقالت بتعجب: -وأخيرًا! لتكون هتبطل شغل يا أستاذ.

أجابها بنبرة دافئة ودقات قلبه تصل إليها مع نبرته: -لا يا حبيبتي بس على الأقل هعرف أجي أطلبك وتبقي مراتي بقي بدل المعاناة اللي أنا فيها دي، أسبوعين بحالهم مشوفتكيش يا مسك. وحشتيني والله، ولا أنا موحشتكيش بقى؟ تنحنحت بحرج من هذه الكلمات والتزمت الصمت ليتحدث هو من جديد قائلًا: -حرام عليكي يا مسك اللي بتعمليه ده، حتى كلمة وحشتني مقولتهاش مرة وحبيبي نفسي أسمعها منك. أنتِ عارفة آخر مرة سمعت كلمة بحبك منك إمتى؟

وأنتِ ماشية من عندي وبتودعيني. أنتِ بتشفّي دمي معاكي ليه يا بنتي؟ هو أنتِ واخداني غصب ولا تخليص حق؟ قهقهت ضاحكة على كلمته الأخيرة وقالت: -أيوه، كان باقي لي مبلغ من الفندق عندكم، ومكانش في باقي فخدتك أنتِ تخليص حق. -مسك!! قالها بتهديد ونبرة قوية، غمغمت "مسك" بنبرة خافتة بخجل شديد من هذا الحديث قائلة: -تيام خلاص بقى..

-أمري لله، أقسم بالله أنا بس أكتب عليكي يا مسك وأبقى قوليلي تيام من هنا للصبح ووريني مين اللي هسمع لك بقى.. وربنا لأطلعه عليكي. قالها بتهديد خبيث ويتوعد لها بالانتقام مما تفعله به وخجلها الشديد من لفظ كلمة واحدة له، دلف "غريب" للمطبخ يناديها قائلًا: -مسك. أغلقت الهاتف سريعًا دون أن تودعه، ونظرت إلى والدها بارتباك لينظر "غريب" باندهاش على تصرفها وقال بفضول: -كنتِ بتكلمي مين؟

تنحنحت "مسك" بحرج من والدها وتحاشت النظر إلى عينيه بعد أن قبض عليها كمراهقة تُحدث ابن الجيران خلسةً. (المدينة الزرقاء blue city)

جلس "زين" في السقيفة حيث النجاح الملكي ومعه "جابر" و"تيام" و"زينة"، وأخبره "جابر" بكل شيء وأن العدو الحقيقي لهم جميعًا هو "بكر". تحدث "تيام" بجدية يخبرهما بأنه تسبب في قتل أخوات "مسك" وقص لهما حكايتها دون أن يخبر أحد بنجاة "غزل". ظل "زين" يستمع إلى هذا الحديث في هدوء دون أن يصدر أي رد فعل فقال "جابر":

-اسمحولي أقولكم إن واحد منكم ميقدرش عليه وأديك جربت يا تيام بيه وخرج منها رغم كل حاجة، لكن لو اتحدتوا أنتوا التلاتة يبقى مفيش قوة في الكون ممكن تغلبكم. صمت الجميع وكلًا منهم كبرياءه يمنعه على مد يده إلى الآخر فقال "جابر" متابعًا بجدية: -يا أستاذ زين، أنت عرفت اللي عمل كده في مراتك، هتسيبه وتسيب حقها؟ ولا حضرتك يا تيام بيه هتسيبه لحد ما ياخد مسك مراتك سابقًا واللي إن شاء الله هترجعلك؟

بلاش عشانكم لكن أنتوا كرجالة لازم تحموا حريمكم وشرفكم، ولا حضرتك يا آنسة زينة هتسيبي متولي اللي خسرك كل حاجة حتى أخوكي. مدت "زينة" يدها أولًا إلى الأمام وقالت بجدية وغضب سافر: -أنا أول واحدة بمد إيدي. نظر "زين" إلى "تيام" والآخر مثله ومدوا يديهما معًا لأجل الانتقام فتبسم "جابر" بعفوية ثم قال:

-يبقى استعنا بالله، بس عشان نكون صفي يا لبن بقى وميبقاش فيها رجعة، أنا عرضت على آنسة زينة تكون المدير العام وتترقى من وظيفة السكرتيرة العامة. اتسعت عيني "زين" على مصراعيها وقال: -بس أنا فصلتها من شغلها هتترقى إزاي؟ -وأنا رجعتها. قالها "تيام" بغرور شديد، التف "زين" إليه باندهاش من حديثه وقال بسخرية: -ودا بصفتك إيه إن شاء الله؟ -الرئيس. قالها بحزم وقبل أن يبدأ شجارهما المعتاد تحدث "جابر" بجدية يمنع

هذا النزاع قبل أن يبدأ: -ده الموضوع التاني، رسميًا باقي شهرين لتنصيب تيام في منصب الرئيس. -ليه مر سنة على جوازه وأنا مش واخد بالي؟ قالها "زين" بسخرية شديدة من حاله ليتحدث "جابر" بحزم لهجة قوية: -في الواقع موضوع الذكرى السنوية دي كانت من اختراعي أنا، الوصية بتقول زي ما قولت قدام عبدالعال بيه، إنه يتجوز بنت وينصلح حاله بس. انتفض "تيام" من مكانه غاضبًا على تلاعب الجميع به وقال بصراخ: -أنت اتجننت؟

إزاي تدي لنفسك الحق ده وبصفتك إيه؟ بتلعب بيا؟ -عشان مصلحتك وشوف دلوقتي بقيت إيه وفين؟ والشهرين دول لحد ما التطويرات اللي هتعملها تخلص. قالها بهدوء شديد وكاد أن ينفجر "تيام" من الغضب لكن "جابر" كان هادئًا يقابل عاصفته بالهدوء وكاد أن يغادر لكن أوقفه صوت "جابر" يقول: -أقعد خلينا نخلص كلامنا ده.. جز "تيام" على أسنانه بغضب سافر ولم يجلس مكانه وظل واقفًا بعيدًا ليقول "جابر" بهدوء:

-أنا عرضت على آنسة زينة تكون المدير العام والرئيس ونائب الرئيس ليكم، وبعلاقاتكم دي مش هتفلحوا ولا رئيس ولا نائب رئيس. نظر الاثنان في صمت بهدوء، لأحدهما سيتنازل عن منصبه والآخر سيأخذ منصب كبير كهذا بعد أن تلاعب الجميع به. -هو عايز يجي يقابلك ويطلبني منك. قالتها "مسك" بتوتر شديد وهي جالسة أمام والدها الذي استمع لحكايتها في صمت دون أن يتفوه بكلمة واحدة، سألها بحزم شديد: -أنتِ عايزة تتجوزيه يا مسك؟

نظرت إلى والدها بارتباك ولم تجرأ على الحديث أمامه فأومأ برأسه بتفهم وقد علم بجوابها دون أن تتحدث نهائيًا، وقف من مكانه وذهب ليتركها حائرة في رد والدها لم يخبرها بموافقته أو رفضه على "تيام" استمع لكل شيء منها ثم ذهب دون أن يجيب مما زاد من قلقها وتوترها. غادرت "مسك" المنزل وذهبت إلى منزل والدتها بقلق يحتلها من أن يرفض والدها إذا كان ما زال يحمل في طياته غضبًا من "تيام" فرغم مسامحته لها لكنه حازمًا وصارمًا جدًا معها، دلفت إلى غرفتها وألقت بجسدها على الفراش بحزن، ولجت "بثينة" خلفها

وجلست جوارها بقلق وسألت: -مالك يا مسك؟ -مفيش يا ماما. قالتها "مسك" بضيق قوي وخنق يكتم أنفاسها بداخلها، مسحت "بثينة" على رأسها بلطف وقالت: -هو أنا مش عارفاكي يا مسك، إيه اللي مزعلك؟ -مفيش يا ماما صدقيني. قالتها "مسك" بزمجرة أكثر من إصرار والدتها على الحديث وأغمضت عينيها بحزن يحتلها. _وصل "تيام" إلى القاهرة في اليوم التالي وذهب إلى حيث منزل "غريب" وجلس في الصالون ينتظره، راسلها في الهاتف بقلق وتوتر شديد قائلًا:

-والدك مش عايز يخرج لي يا مسك!! خرجت "مسك" من غرفتها بعد رسالته لترى والدها يخرج من الغرفة وحدق بها بنظرة قوية أوقفتها مكانها وجعلتها تزدرد لعابها بقلق، وقفت "غزل" خلفها تربت على أكتافها وقالت: -متقلقيش يا مسك. خرج "غريب" إلى الصالون وكان "تيام" جالسًا مع "جابر" ووقف بسرعة مع خروجه احترامًا له، مد يده إلى "غريب" وقال: -أنا تيام الضبع.

لم يصافحه "غريب" وجلس على المقعد، نظر "تيام" إلى "جابر" بحيرة وهذه البداية لم تكن تسر القلب أبدًا، وقفت "مسك" تراقب كل شيء من بعيد وبعد أن رأت مقابلة والدها تجمعت الدموع في عينيها بخوف من تجمده، تبسم "تيام" رغم كل شيء وبدأ يتحدث عن نفسه وعن عمله في القرية كونه رئيسًا لها ومالكها، وبعد أن أنهى هذا الحديث قال بعفوية وسعادة تغمره: -أنا جاي لحضرتك النهار ده عشان أطلب إيد دكتورة مسك على سنة الله ورسوله.

هز "غريب" رأسه يمينًا ويسارًا بالرفض القاطع وقال: -آسف أنا معنديش بنات للجواز. -أمال اللي جوا دي إيه؟ أدخل أجبهالك بنفسي لو مش واخد بالك منها؟ قالها "تيام" بسخرية من كلمته ليربت "جابر" على قدمه بلطف حتى يهدأ ولا يتحدى هذا الرجل وقال بعفوية: -ممكن بس تاخد وقت وتفكر إحنا مش مستعجلين واسأل العروسة.. أنا آسف في الكلمة بس هم اللي هيعيشوا مع بعض. -أنا كلمتي واضحة، أنا مش هجوز بنتي لواحد زي ده.

قالها "غريب" بحدة صارمة، نظرت "مسك" إلى أختها بحزن شديد رغم علم والدها بحبها إليه وهو وحده من شهد على معاناتها في بُعده، هو من دفع بنفسه تكاليف المرضى وسمح بفتح غرفة العمليات لها فقط حتى تتعافى من الفراق وتنشغل عن الألم الذي بداخلها والآن يحكم عليها أن تعيش في هذا الألم مدى الحياة، ربتت "غزل" على كتفها بلطف ولا تعلم ماذا تفعل أو تقول لها؟ وقف "تيام" من مكانه غاضبًا من هذا الرجل وصرخ به وقد فاض به الأمر ولن

يتحمل فكرة فراقها أو رفضه: -أنت فاكر إني معرفش أتجوزها؟ أنا عملتها قبل كده وأقدر أعملها تاني وتالت ومحدش هيقدر يمنعني. -متقدرش تتجوزها، أدخل أنا أجبهالك وتشوف هتتجوزها ولا لأ. قالها "غريب" بحدة صارمة ليصرخ "تيام" بغضب قاتل: -هتجوزها غصب عنك وعن اللي يتشدد لك.. قاطعته صوتها الحاد تقول بقسوة غاضبة من طريقة حديثه مع والدها وصوته العالي في وجه "غريب": -تيــــــــــــــــــام.

توقف عن الحديث في حضرتها ونظر إليها ليراها تقترب منه وترتدي فستان وردي اللون وتضع مساحيق التجميل وتزينت كعروس لأجله في هذا اليوم وعينيها تلوثت بدموعها بعد أن سمعت رفض والدها القاطع لهذا الأمر، لم يقو على رؤية دموعها في هذه اللحظة وقال بهدوء ونبرة مرتجفة خائفًا من فقده: -بيقولي مش هتجوزك يا مسك. حاولت اصطناع القوة أمام الجميع وقالت: -وأنا قولتلك إيه؟ ابتلع لعابه بارتباك وقال بضيق شديد من رفض والدها:

-مش هتتجوزيني غير بموافقة باباكي. بس هو -لما تزعقله مش هيوافق يا تيام، أنت عايزاه ميوافقش؟ قالتها بهدوء شديد حتى يهدأ من روعته وتخمد نيران غضبه الذي احتله للتو، فهز رأسه بالرفض إليها. تطلع "غريب" بهما وهكذا "جابر" الذي يشفق على هذا الثنائي. وقف "غريب" من مقعده بحزم رغم رؤيته لدموع ابنته التي هزمتها وتساقطت من جفنيها أمام الجميع وترمق "تيام" بنبرة دافئة مطمئنة رغم بكائها وقال:

-أنا قراري مفهوش رجوع، عايزة تتجوزيه من ورايا تاني يبقى براحتك، لكن بعدها تنسي إنك بنتي عمري كله وحتى جنازتك متمشيش فيها. نظرت "مسك" إلى والدها بعجز شديد يتملكها ثم تمتمت بلهجة واهنة وصوت يكاد يخرج من بين ضلوعها: -امشي يا تيام. ركضت إلى غرفتها باكية بانهيار تام. دلفت "غزل" وراها لتراها تقف باكية أمام المرآة وقالت بحزن: -ليه؟ ها، ليه؟ أنا بحبه يا غزل، قسيت عليه كتير ووجعته، ليه بابا كمان يقسى عليه ها...

ليه أنا بحب تيام يا غزل... توقفت عن الحديث ثم سقطت على الأرض فاقدة للوعي تمامًا من هول الصدمة التي احتلت قلبها وعجزها عن الذهاب إليه بسبب حديث والدها. في الخارج رآها "تيام" تركض للداخل باكية وضعيفة، عاجزة عن الذهاب إليه فقال بضيق: -ليه؟ إيه اللي مش عاجبك فيا وأنا هغيره؟ اشرط عليا أي شرط حتى لو طلبت حتة من السما أقسم بالله لأجيبها لك عشان مسك، اطلب وأمر باللي عايزه مهما كان صعب ومستحيل وهحققه لك عشان مسك.

قاطعه صراخ "غزل" التي خرجت مهرولة من الغرفة وقالت بذعر شديد: -بابا مسك واقعة جوا ومش بترد عليا...

هرع الجميع للداخل بصدمة ألجمتهم جميعًا. حملها "تيام" على ذراعيه ونزل إلى السيارة مع والدها و"جابر" وأخذوها للمستشفى، وترك "غزل" مختبئة في المنزل. ظل الطبيب بالداخل كثيرًا يفحصها و"تيام" يكاد يتوقف قلبه من الخوف مرتعبًا من أن يحدث لها شيء ويفقدها. خرج الطبيب بوجه حزين إلى "غريب". رمقه "غريب" بقلق من وجهه وملامحه الحزينة بينما هرع "تيام" إليه وقال: -مسك بقيت كويسة؟

نظر الطبيب إليه بأسف ثم نظر إلى "غريب" لا يعلم كيف يخبره بحالة ابنته التي لطالما عالجت المئات والآن هي من تحتاج للعلاج. تمتم الطبيب بنبرة هادئة حزينة: -دكتورة مسك عندها ورم في الدماغ.

اتسعت عيني "غريب" على مصراعيها بصدمة ألجمته وقد فهم الآن سبب الإغماءات الكثيرة وحالة الضعف التي أصابت ابنته مؤخرًا. ربما كانت تحمل هذا الورم من فترة طويلة لكن لم تسوء حالتها ولم يظهر ضعفها إلا عندما فارقت "تيام". الفراق وألمه تملك من مرضها وأخبرها جسدها بكل مرة تسقط فاقدة للوعي عن حالته المتدهورة لكنها لم تعر اهتمامًا إلا لقلبها العاشق الذي يبكي من الفراق، بينما نظر "تيام" إلى الطبيب وتساقطت دموعه كالفيضان من جفنيه لا يستوعب ما يسمعه وما أصاب محبوبته وكأن كل شيء بالحياة اليوم أجمع على تدمير هذه اللحظة التي انتظرتها معه. جاء اليوم من الغردقة فقط ليتزوجها ويلبسها خاتم زواجهما لكن بدأ الأمر بقسوة والدها والآن قسوة القدر عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...