كان القطاع يجلس بين جميع أعضاء الوكر، من صغيرها حتى كبيرها، بهيبة جبارة أهابته. الذي يقف أمامه بها دون أي مجهود يذكر. نظراته كانت لوحدها كفيلة أن تدب الرعب بمن حوله، فهي حادة كالسيف وقاسية كالفولاذ. صمته خطير، يخفي خلفه كارثة لا محالة. كل هذه العوامل جعلت من هجان يبتلع لعابه بصعوبة، ليسأله بثقة مصطنعة لا يملك ربعها حتى: –هااا ياهجان، قولت إيه؟ مط شاهين شفتيه بعدم رضا وهو يميل برأسه يمينا، ثم قال باستنكار لطلب الآخر:
–يعني أنت جايلي هنا عايز تاخد مني بضاعة؟ هجان بثبات يحسد عليه: –أيوه، وهديك الضعف تنين، ولو عايز الطاق تلاتة ماعندش مانع، المهم إني أسلم البضاعة للناس بالوقت المحدد، وإلا هيتخرب بيتي. أخذ شاهين يسند نفسه بأريحية أكثر على ظهر الكرسي ما إن سمع رده، ليقول بعدما وضع ساقه على الأخرى ببرود أعصاب:
–لا ماتخافش من الناحية دي، هو بيتك كده ولا كده هيتخرب، بس المشكلة مش هنا. أنا دلوقتي مش ببيع لحد، بطلت الشغلانة دي. توبة إلى الله، أنا عايز بضاعتي تفضل منوراني بالمخازن ماليا عليا المكان، مش عايز أصرفها. وبعدين تعالى هنا، أنت مش رحت للتجار وقلت اشتروا مني بأقل سعر؟ روح بيعلهم يالا مستني إيه؟ ولكن… قطع كلامه وهو ينهض بجسده الضخم ليقترب منه ويضع يده على كتفه بقوة جبارة، ثم أخذ ينظر له بابتسامة خبيثة، وأخذ يكمل
بمكر لا يقل عن أخيه ياسين: –…وإلا يكونش بضاعتك كلها بقدرة قادر، يا سبحان الله، تتصادر ع الحدود وخسرت دم قلبك فيها، وكنت هتروح فيها لولا ستر ربنا اللي خلاك تشغل عقلك في آخر لحظة وتشيل الليلة لواحد من رجالتك. نظر له هجان كالكتكوت المبلول، لأنه كان مكشوفا للآخر منذ البداية. وعند هذه النقطة أخذ يبتلع ريقه بصعوبة، ثم قال بتوتر واضح: –غلطة ومش هتتكرر تاني، يابوس منك السماح.
عض شاهين شفته السفلية بقوة وهو يسحبه من خلف عنقه نحوه بحركة مباغتة، ليقول بعدها بهدوء ينذر بالشر: –هو أنت مفكر إننا بالمدرسة لا سمح الله عشان أقولك حصل خير يا حبيبي وماتعملش كده تاني؟ تؤ تؤ تؤ، ده أنت شيطانك ضحك عليك ورمى طوبتك ليا لما وسوسلك وخلاك تقف قصادي وتتحداني… سحبه من طرف ثيابه بإهانة وكأنه صبي لديه، وهو يكمل بانفعال سوقي لا يظهر إلا نادرا: –ولااااا عارف ده معناه إيه؟
يعني حضرتك جتلي برجليك، اديتني بدل السبب ألف إني أأذيك، وأنا اللي يجيلي برجله مايطلعش وهو ماشي عليها أبدا، ده حتى هتبقى عيبة في حقي ولا إيه يا دكر؟ لااااا دكر إيه بس ده أنت طلعت آخرك دكر بط بالكتير. نطق هجان بتلعثم وهو ينظر هنا وهناك بنظرات زائغة: –ساعة شيطان. رفع شاهين حاجبه وقال وهو يربت على وجنته بإهانة واستصغار: –ابقى خليه ينفعك. نظر له هجان بخوف حقيقي: –اللي هو إيه؟
–شيطانك. قالها ثم ابتعد عنه، ليستدير هجان باستماتة نحو سلطان الذي كان يجلس بعيدا وهو يراقب ما يحدث باستمتاع، ليقول الآخر باستنجاد: –ماتقوله يعفي عني ياحاج، و أوعدك اني هبقى تحت أمركم دايما. أشار سلطان لنفسه بذهول وقال: –أنا، أنا أقوله يعفي عنك؟ ده أنا الود ودي أعلقك من رجليك زي دبيحة العيد وأقطع من لحمك وأوزعها ع كلاب السكك. التفت هجان بخوف نحو ياسين الذي كان يقف خلف شاهين بمسافة يتابع ما يحدث بصمت وتركيز شديد،
ليقول له بترجي: –ياسين كلمه وقوله يعفي عني… هو بيسمع منك. رفع ياسين كتفيه وقال بنفي: –غلطان، أنا مش بيدي حاجة. الهجين مابيسمعش من حد غير دماغه، وبعدين اللي يغلط يتحمل اللي يحصله، وأنت غلطت كتير يا هجان. بعد ما كنت صبي عندنا رحت وغدرت فينا، وحطيت ايدك مع اللي علينا وعملت شغل لوحدك، ولا كأن لينا فضل عليك.
وكل ده واحنا ساكتين وقولنا معلش، فار وهرب من المصيدة، نسيبه يعيش يومين من نفسه، بس كنا عارفين إنك هترجع، وأهو رجعت. أوعى تكون فاكر إن سكوتنا عن عمايلك دي كلها خوف، أو إننا هنعجز عن الوصول ليك. لاااا، ده إحنا ولاد اللداغة. اللي يلعب معانا يبقى باع عمره بالرخيص واشترى كفنه بالغالي. انتفض جسد هجان برعب وأخذ ينظر بقلق للوجوه التي حوله وهو يقول: –كل ده ليه؟
عشان قولت لتجار من سكان الواحات إنهم يشتروا مني بضاعتي بسعر أقل من اللي موجود بالسوق؟ أنا مستعد إني أروحلهم وأسحب كلامي… وقطع كلامه وشحب وجهه أكثر حتى أصبح كالأموات ما إن رأى يحيى يدخل عليهم القطاع وهو يمسك أحد الرجال الملثمين، وخلفه حودة يمسك برجل آخر. ليرميهم يحيى بعنف على الأرض هو والآخر وسط هذا التجمع، وهو يقول بغضب بركاني بعدما أشار لـ شاهين إن كل شيء على ما يرام وتحت السيطرة:
–حلو الذكاء مافيش كلام، بس المشكلة تبقى لما تكون غبي وبتتذاكى علينا. لازم تعرف قدرات اللي قصادك قبل أي خطوة تعملها ضده… اقترب شاهين من الرجلين الذين يفترشون الأرض وأخذ يحركهم بقدمه بسخرية وهو يقول بصوت لا حياة فيه: –بقى كنت عايز تعلم علينا في ملعبنا؟ –دول مش تبعي! ما إن قالها هجان بنفي كاذب، حتى وقف ياسين خلفه وسحبه بعنف من كتفه ليجعله يلتفت له وهو يقول بحدة ونظرات سامة:
–أوعى يالااااا تكون مفكر إننا نايمين على ودانا ومش فاهمين إيه اللي بيحصل حوالينا، وإن دخلتك دي علينا هتاكل معانا. سحبه يحيى هو الآخر نحوه من طرف ياقة قميصه وأكمل بشر عن الآخر: –وقال إيه، جاي هنا يمثل المسكنة ويقدم الطاعة العمياء وطالب العفو مننا، ومفكر إنه بعقله الصغير ده هيقدر يضحك علينا.
–مسكين، كان راجل طيب. قالها ياسين بشماتة وهو يؤشر لـ يحيى برأسه نحو شاهين الذي كان ينزع القميص عنه بهدوء مميت ليبقى بالبنطال الجينز فقط. فعلته هذه لها معنى، وهي إن الهجين قد تخلى عن سجيته الباردة. أما هجان ارتعب من ما يرى ليقول بتوسل: –شاهين سامحني، واللي هتقول عليه هعمله بالحرف من غير مناقشة، حتى لو عايزني أرجع صبي عندكم، وطوع أمركم أنا موافق. رمى شاهين قميصه بإهمال وكأنه لم يسمع اعتذرات الآخر، ثم سحب جنزير (سلسلة)
فضي غليظ يصل طوله إلى مئة سم وأخذ يلفه حول معصمه الأيسر وهو يقترب منه ويقول بتوعد: –بقا جاي هنا تشغلنا بكلامك التافه زيك وكلابك برا باعتهم عايزين يحرقوا الوكر باللي فيه، هو ده انتقامك مني لأني خليتهم يصادرو بضاعتك؟ طب كنت تعالى واجهني راجل لراجل، ولا أنت مش راجل. –كدب، ماحصلش.
ما إن قالها حتى عالجه الهجين بضربة من الجنزير جعلت الآخر يقسم بإنه يشعر أن جسده انقسم إلى نصفين. وقبل أن يفهم ما جرى، حتى أخذ الآخر يدور حوله عن بعد ويجلده بالحديد. بكل غل وكأن الوحش المحبوس بداخله تم إطلاق سراحه.
ارتفع صوت تأوهات هجان بالمكان، فهو وقع بين من لا يعرف طريق الرحمة أين يكون. وكلما أراد جسده أن يسقط أرضا حتى باغته شاهين بضربة أخرى أسرع من ذي قبلها، جعلته حتى يعجز عن السقوط، فهو مع كل جلده ينتفض ويتحرك هنا وهناك يريد الهروب، ولكن هيهات، فهو وقع في وكر الهجين الذي لا يعرف للرحمة عنوان. اقترب يحيى من ياسين وهمس له بتساؤل: –مش كفاية تأديب كده، ولا البوس ناوي يعطيه تذكرة ذهاب بلا عودة؟ قطب ياسين جبينه بجهل:
–معرفش، هو ناوي على إيه. لو حابب تعرف الإجابة عن السؤال ده، روح أسأله بنفسك. رد عليه يحيى وهو يفتح عينيه بذعر: –لا ياعم أسأل مين؟ أنا معنديش سؤال أصلا، هو أنا بايع عمري. وبعدين ربنا قال إيه؟ نظر ياسين من طرف عينيه وقال: –إيه؟ (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) –تصدق، تأثرت! طلعت بتخر إيمان يالا. قالها وهو ينظر إلى أخيه الروحي باستخفاف، ثم التفتوا نحو شاهين بسرعة ما إن سمعوا حودة يقول بترقب:
–ده الهجين ناوي على موت هجان، مافيش كلام. و جدو شاهين يقترب من الآخر بخفة ليلف حول عنقه ذلك الجنزير، ثم أخذ يخنقه به وهو يكز على أسنانه، ليعافر الآخر بحلاوة روح معذبة تقاوم لبقائها على الحياة، حتى ازرق وجهه وبرقت عينيه للخارج بشكل بشع. وفي ثانية واحدة سحب الجنزير عن الآخر بقوة ليسقط جسده على الأرض وهو يشهق بعنف، وأخذ يصدر صوت من حنجرته كأخوار البهائم وهو يمسك عنقه بألم فتاك يكاد أن يفقد وعيه بسبب عدم تحمله له.
أما شاهين كان ينهج بتعب من المجهود الكبير الذي بذله، وعضلات جسده المشدودة، عروقه قد برزت وقطرات العرق تغزوها بغزارة، ليقول بصوت كالرعد مليء بالغضب والتحذير: –اعتبر ده درس صغير مني ليك، درس من الهجين… رمى الجنزير على الأرض، ثم سحب قميصه وأخذ يرتديه بكل برود وهو يتوجة نحو الخارج، تارك خلفه كارثة بشرية.
بعد ساعتين من الزمن من كل هذه الأحداث، كانوا الثلاثة يجلسون في أرقى شقة بالوكر كله، شقة الحاج سلطان بالتحديد في الصالة. كانت زينة تجلس أمام شاهين وعينيها تأكله حرفيا. انهضت وذهب نحوه لتميل بجسدها عليه وهي تقول بصوت مغري لأي رجل إلا هو: –سيد الرجالة، مش عايز يشرب أو ياكل حاجة؟ أنا تحت أمره باللي هو عايزه. تدخل يحيى بغيظ من وقاحتها، فهي تتصرف براحتها تماما غير آبهة لوجودهم معهم:
–ماتتهدي يا زينة. الله يخربيتك هتودينا في داهية لو الحاج دخل علينا وشاف المنظر ده، ليلتنا مش هتعدي على خير. اعتدلت بوقفتها وقالت بزعل مدلل: –الله، هو أنا عملت إيه يعني؟ الحق عليا يعني إني بأعرض عليه خدماتي. يضحك ياسين بخفة، ثم أخذ يقول وهو يغمز لها بسفالة: –أيووووه، يعني خدمات من أي نوع بقى؟ أنا عايز أعرف، ياريت تحددي. نظرت زينة لذلك الذي جعلها تتلوع لقربه وهي تقول بدعوة صريحة وواضحة للعيان:
–الخدمة اللي هو عايزها هيلاقيني تحت أمره فيها، هو يأشر. استأفف شاهين باختناق منها وهو يقول: –روحي نادي لـ سلطان واكفيني شرك. برطمت شفتيها بإحباط ثم أخذت تقول بضيق لتجاهله لها مثل كل مرة: –سلطان مش هنا، طلع مشوار. نهض شاهين من مكانه مصعوق من ردها وهو يقول: –طلع فين؟ ده بعتلي حد من الرجالة وقالي إنه عايزني أروحله البيت لأنه عايزني في حاجة مهمة.
اقتربت منه، لا بل ألصقت نفسها به كالغراء، ورفعت يدها على صدره لتداعبه بأناملها وهي تقول باعتراف ممزوج بدلع: –بصراحة كده، أنا اللي بعت الحد ده لما عرفت إن في خناقة حصلت في الوكر هنا… وما صدقت إن الحاج طلع وقولت ابعتلك عشان… كنت هموت وأطمن عليك، بس مكنتش أعرف إنك هتيجي مع إخواتك، وتبوظ لي الليلة.
ما إن نطقت بكلماتها هذه حتى وجدته يقبض على رسغها وأخذ يعصرها بعنف مؤذٍ، والنظرات لو كانت تقتل لقتلتها بنظراته الحاقدة، فهو حقا يمقتها ويشمئز منها برغم أنها كتلة من الأنوثة وجمالها كارثي. نظر يحيى نحوهم بصدمة من ما سمع وقال: –نهارك أسود، دي كانت عاملالك كمين يابوس، ولا أنا فهمت غلط ولا إيه الحكاية يا جدعان؟ حد يفهمني. نظر لها ياسين باستحقار من فعلتها هذه وقال:
–دي ماتتفهمش غلط، دي هي الغلط بذات نفسه. صحيح اللي قال إنك عجوز النار. يالا يا يحيى، مستنينك برا يابوس. قالها الأخيرة لـ شاهين وهو يخرج مع أخيه الآخر. لتقول زينة بغنج ومياعة من خلفهم: –ليه بس الغلط ده يا سي ياسين؟ ده أنا حبيت أطمن على كبير الحتة بتاعتنا، فيها إيه دي؟ فين الغلط في ده كله؟ هزها شاهين وهو يكز على أسنانه بغضب من هذا الموقف وهو يقول: –مافيش فايدة، الوسخ عمره ماينظف. هو أنا بكره صنفكم من شوية؟
ردت عليه ببجاحة وهي تحاول أن تسحب يدها منه ولكنها فشلت: –وقال يعني أنت اللي نظيف أوي؟ ده أنت كل حياتك شمال في شمال، جت عليا عايز تمشي عدل؟ ده أنت ماعندكش حسنة واحدة توحد الله فيها. –وساخة عن وساخة تفرق. قالها شاهين وهو يلفظها من يده وكأنها حشرة لا تساوي شيئا، ثم خرج وأخذ ينزل الدرج بخطوات غاضبة وكأنه يود أن يخترق الأرض، متجاهلا نداء إخوته من خلفه. أخذ ينزل يحيى مع ياسين وهو يقول بتنهيدة بعدما اختفى الآخر من أمامهم:
–ليه حق شاهين يرفض ييجي هنا إلا واحنا معاه؟ لأن فعلا زي ما الحاج بيقول، سم الستات أقوى من سم التعبان. تنهد ياسين ثم قال بشرود: –تصدق، صح. ده طلع فعلا أقوى بعد اللي شفته دلوقتي. تخيل معايا كده لو شاهين جالها لوحده وضعف معاها، وطب عليهم سلطان وشافهم، هيحصل إيه؟ –كارثة أكيد، بس الحمد لله ربك ستر. –سيبك منها وقولي بصحيح، مال وشك؟ شكلك متخانق مع حد وهدومك كمان من عند الكم متقط شوية. يحيى بتوضيح:
–لما شاهين كلفني بمراقبة الوكر أنا وحودة ومسكنا رجالة هجان، كان من بينهم رامي الزفت، وتشابكت معه بس ابن الـ… خدني غدارة وضربني بالبونية وهرب، بس هيقع تحت إيدي. ليقول ياسين بضحك: –يعني تعلم عليك يابطل. التفت له يحيى بانفعال: –قولتلك خدني غدارة. ياسين بعدم اقتناع: –غدارة أو لاء، النتيجة هي إنه سابلك تذكار في وشك وعلم عليك وبهدل هدومك. دفعه يحيى عنه بغضب مضحك: –تصدق إنك رخم وأنا غلطان إني واقف آخد وأدي معاك.
ياسين بضحك أكثر: –تعالى رايح فين بس يا لي متعلم عليك. –أنت اللي جبته لنفسك. قالها وهو يعود له بسرعة ليعالجه بلكمة على فكه، ثم تركه وذهب. بعد مدة زمنية قصيرة ودخل شقته ليصعق بصدمة ما إن تذكر تلك المسكينة المحبوسة بالحمام، ليتوجه نحوها بسرعة وأخذ يفتح لها الباب. يااااالله، كيف نسيها كل هذا الوقت.
أما عند غالية، كانت تجلس بقهر على الأرض الرطبة وثيابها أصبحت رائحتها عفنة والجوع يقطع معدتها وأمعائها، حتى نظرها أصبح غير واضح من التعب والإرهاق. هذا حالها طول اليوم.
رفعت رأسها ونهضت من مكانها ما إن سمعت صوت فتحة باب الحمام المحتجزة فيه، خرجت بسرعة وهي تشعر بإن دمائها تغلي غضبا، لتجده يقف بالقرب منها ويعطيها ظهره، لتذهب نحوه كالقذيفة وضربته بقبضتها الصغيرة بمنتصف ظهره، ليلتفت لها بصدمة من فعلتها، ولكن سرعان ما ابتعد عنها عندما وجدها أخذت تكرر ضربها له وهي تقول بانفعال وصوت عالي نسبيا:
–والله لو كنت ست، كنت شديتك من شعرك اللي فرحان فيه ده و مسحت فيك بلاط الشقة وش وقفا، يااااامعفن. يااااانتن، بقا أنا غالية اتحبس الحبسة السودة دي…
مسكها وقيد معصميها ليمنعه من ضربه، وأخذ ينظر لها كيف تنهج بانفعال وخصلات شعرها من الرطوبة كانت ملتصقة بوجنتيها وعنقها، كانت حرفيا في حالة يرثى لها، ولكنها ما زالت جميلة في عينيه ومغرية أكثر من ذي قبل. حاول أن يسيطر على تعابير وجهه بإن لا يضحك وهو يتذكر كلامها وكيف هجمت عليه، لا يعرف هل يضحك أم يغضب من فعلتها هذه، ولكنه قرر التعامل معها وكأن شيئا لم يكن، ليبدأ بتحريرها بهدوء والأبتعاد عنها، لتلاحظ الكدمة الموجودة على وجهه وثيابه الغير مهندمة، على ما يبدو بإنه قد خاض شجار مع أحد ما.
أخذت تعيد النظر له بشماتة واضحة وهي تقول: –تسلم ايد اللي ضربك، الله يبرد قلبه زي ما برد قلبي فيك. أيوه كده اتخانق مع راجل زيك عشان يعرفك قيمتك، مش تجي وتستقوى عليا بعضلاتك وأنت مسحول. براحة، يحيى بلامبالاة: –خلصتي شماتك فيا؟ طب يلا روحي اعملي عشا. لتقول غالية بشراسة وهي على وشك خنقه أو تشرب من دمه، أيهما أقرب:
–اللهي تطفح سم الهاري وأشوفك تفلفص قدامي كده، قادر يا كريم، قال اعملي عشا قال. أوعى من وشي أحسلك ياجدع أنت. ده أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي الساعادي، أوعى كده لا جيب كرشك بيضي. قالت الأخيرة وهي تدفعه من أمامها لتذهب إلى الغرفة لتأخذ ثياب نظيفة لها، فهي تشعر بإن رائحتها أصبحت لا تطاق، يوم كامل بحمام مظلم رطب لا منفذ به سوا نافذة صغيرة جدا.
نظر يحيى للوضع ووجد بأنه أفضل حل هو أن يذهب ويجهز عشائه بنفسه، لأن بحالة غلا هذه الآن لو أجبرها على التحضير لا يستبعد بأنها ستسمه لا محالة لتتخلص منه. ضحك مع نفسه بخفة، فعصبيتها وشراستها أعجبته جدا، أخذ يدندن وهو يدخل المطبخ، وما إن انتهى من التحضير حتى خرج ليجدها تمشط شعرها أمام المرآة.
ذهب لها وسحبها من معصمها رغما عنها معه ليتوجه بها نحو المطبخ، وما إن جلس على الكرسي الخاص بالطاولة حتى جعلها تجلس على قدميه، لتشهق بتفاجؤ من فعلته هذه، ولكن قبل أن تفتح فمها وتصرخ به حتى وجدته يضع ملعقة مليئة بالطعام بفمها وهو يقول: –من غير اعتراض كلي.
–هاكل لوحدي، سبني. ما إن قالتها بضيق حتى ابتسم لها بجاذبية ساحرة وهو يحرر خصرها لتنهض من أحضانه لتجلس على كرسي آخر، وبدأت تأكل دون أن تعيره أي اهتمام، فهي تكاد أن تموت جوعا، فهي لم تأكل منذ يومين. أما يحيى أخذ يأكل ونظره معلق عليها، يراها تأكل بسرعة وشراهة، ومع إن الطعام أقل من عادي وغير لذيذ، رفع لها كأس الماء وهو يقول بخفوت ما إن اختنقت: –اسم الله، بالراحة يا غلا، بالراحة، خدي نفسك الأكل مش هيطير.
أخذت الكأس منه وشربت الماء دفعة واحدة، لتنهض بعدها بخجل من كلامه لتخرج متوجهة للغرفة، وما إن رمت وسادته وغطائه بالصالة على الأرض حتى أغلقت الباب عليها بقوة، لتلمع الدموع بعينيها لما وصلت إليه. ذهبت نحو السرير واستلقت عليه بزعل، ولكن سرعان ما تلاشى كل هذا الزعل وقطبت حاجبيها برفض ما إن غزت أنفها رائحته التي تملأ الفراش.
نهضت وأخذت تلملم مفرش السرير، وما إن فتح الباب حتى وجدته أمامها ينظر لها باستغراب وهو يمسك وسادته، ولكن قبل أن يسأل وجدها ترمي ما بيدها عليه ثم تعود أدراجها وتغلق الباب بوجهه. رفع ذراعه وهو يكور يده على شكل قبضة يود أن يحطم هذا الباب على رأسها اليابس، ولكن بدل ذلك أخذ يعض سبابته بعصبية ليرمي كل شيء ويذهب نحو الأريكة ليستلقي عليها بصعوبة وعينيه تبحث عن النوم.
على الجهة الأخرى، في فيلا الجندي بالتحديد بغرفة ميرال، كانت تجلس على الأريكة القريبة من النافذة وهي تنظر إلى شاشة الهاتف التي تزينها محادثاتهم السابقة معاً. أغلقت، ورمته بإهمال وهي تتنهد بعدما قرأت رسائلهم للمرة الألف من شوقها له.
سحبت شعرها إلى الخلف لتضم بعدها ساقيها نحو صدرها لتحاوطهم بذراعيها وهي تسند رأسها على ركبتيها، وعينيها تائهة في اللاشيء، فهي حرفيا لا تعرف هل ما فعلته صح أم خطأ عندما رفضت قربه منها وقررت الابتعاد عنه بطريقة عقلانية، فهو لا يناسبها، هذا ما يقوله عقلها، ولكن قلبها، واااه من قلبها العنيد الذي يرفض قرارها هذا ويحتج عليها. أغمضت عينيها وتنهدت بتعب للمرة التي لا تحصى، فهي يقتلها الحنين في أواخر الليل، وكأن هذا العذاب فرض عليها، كل يوم يجب عليها أن تعيشه.
حاولت على قدر المستطاع أن توضح أكثر من مرة لذلك الماكر الذي بدأ يتطفل على حياتها بالتدريج بأن أفعاله الغير مدروسة هذه ستجعلها تبتعد عنه بشكل تلقائي كلما اقترب هو. لمااااا لا يفهم بأن هذا سيكون رد فعل طبيعي منها، فهو يفرض نفسه عنها وعليها، وجرأته معها فوق الوصف، يريد أن يقتحمها بعنفوانه، لاااا بل هو يريد أن يستحلها ويستعمرها. استعمار صهيوني ويمتلكها.
ابتسمت مع نفسها على تشبيهها هذا لتسحب هاتفها مرة أخرى، وما إن فتحته حتى دخلت على صورة الواتساب الخاصة به وأخذت تكبر صورته لتنظر له بهيام رغما عنها، فمشاعرها لا تملك عليها أي كنترول. دائما تمثل البرود والجمود أمامه، ولكن بينها وبين نفسها تنهار حصونها، وهذا الشيء ليس بيدها. –ياترى آخرتها إيه معاك يا ياسين؟
شكلك مش ناوي تعتقني زي ما قلت، لأن كلامك معايا حاجة وعينيك كانت بتقول حاجة تانية خالص. همست بهذه الكلمات بصوت خافت جدا بالكاد هي سمعته… عضت على شفتيها وأخذت تمرر سبابتها على صورته بالتحديد على ذقنه المهذبة، لتلمع مقلتيها بإعجاب كبير. يالله، كم هو وسيم، وعينيه الماكرة المليئة بالخبث اللذيذ، يكاد أن يفقدها عقلها.
عاااااااااا، صرخت بها وهي ترمي الهاتف من يدها بصدمة، فهي ضغطت بشكل خاطئ على زر الاتصال به. ولكن ما زاد الأمر سوء حقا هو أنها نسيت بأن تنهي الاتصال، لتسمعه صوته يصدح بعدما فتح الخط من الطرف الآخر: –الو! الوووو! ابتلعت لعابه واقتربت من الهاتف لتحمله بيد ترجف من الموقف هذا، لتضعه على أذنها بعدما سحبت نفس عميق لتنطق بصوت جامد وهي تمثل اللامبالاة: –الو، ياسين.
أغمض عينيه بنشوة بعدما سمع صوتها الخافت وهي تنطق اسمه من بين شفتيها الشهية، ابتسم بانتصار، فها هي أتت له بنفسها، كمان خطط. ليرفع حاجبه وهو يقول بتعالي وطريقة رسمية: –في حاجة يا أستاذة ميرال؟ –هااا، حاجة، اااه طبعاً في حاجة مهمة. ما إن قالتها بكذب حتى قاطعه بترقب جاد: –اللي هي إيه؟ كزت على أسنانها وهي تعصر عقلها لتجد كذبة مناسبة لتخرجها من هذا المأزق، لينطق لسانها بسرعة: –ملف. ياسين بستنكار لما سمع منها: –ملف؟ أومأت
له برأسها وكأنه يراها: –أيوه ملف، في ملف مهم أوي عايز إمضتك. قاطعه بتلاعب محترف: –حضرتك متصلة فيا بالوقت المتأخر ده عشان ملف عايز إمضتي، ده بجد ولااا؟ ردت عليه بسرعة: –لاء طبعاً مافيش ولااااا دي. تبسم عليها بستمتاع شديد، فهي مكشوفة له كالكتاب، يستطيع أن يقرأها سطورها ويفهم معانيها دون مجهود، ليقول بجدية مصطنعة: –أستاذة ميرال. –نعم.
–روحي نامي وبلاش تفكري كتير، الوقت تأخر وعنيكي كده هتدبل، وبكرة نشوف إيه حكاية الملف اللي مسهرك ده. –طيب، تصبح على خير. ما إن قالتها بخجل حتى أبعد الهاتف عنه وهو يبتسم بانتصار بعدما أنهى المكالمة دون أن يرد عليها عن تعمد، لينرفزها، وبالفعل قد نجح في هذا، فهي ما إن أغلق الخط بوجهها حتى فتحت عينيها على وسعهما بذهول وهي لا تصدق أسلوبه الفظ ووقاحته معها. رمت الهاتف بضيق وأخذت تأخذ الغرفة ذهاباً وإياباً وهي تقول بغيظ:
–غبية، غبية، بس أنا اللي أستاهل ضرب الجزمة لأني عبرت أهله أصلاً. وقال إيه بقوله تصبح على خير، اللهي تصبح على بومة يابومة، ااااه يا نارى حرق دمي قليل الذوق ده، اووووووف…
قالت الأخيرة وهي تستلقي على سريرها لتدفن رأسها تحت الوسادة كالنعامة من خجلها وإحراج منه ومن الموقف بأكمله، أخذت تأكل بنفسها وتلومها بعتاب شديد، ليمر الوقت عليها وهي تأنب روحها على فعلتها المتهورة هذه لتثقل جفونها وتغط بنوم عميق بعد تفكير متعب لا آخر له لروحها وجسدها.
في الوكر، خرجت من غرفتها قرب الفجر بعدما جافاها النوم لتجده يئن بصوت متألم وهو نائم. تجاهلته وذهبت وأدت فرضها، ولكن أنينه هذا زاد عن حده. ذهبت نحوه ووقفت أمامه تراقبه عن قرب، كان يمسك رأسه بوجع. جلست إلى جانبه على ركبتيها وأخذت توقظه: –يحيى اصحى. ما إن قالتها بصوت هامس حتى وجدته يفتح عينيه بصعوبة شديدة، ولكنه لم يرد عليها مما جعلها تعاود سؤاله: مالك أنت عيان… إيه اللي بيوجعك… لتجده يقول بصوت مليء بألم:
–راسي هيتفجر، الصداع جنني. نهضت وقالت بقسوة مصطنعة: –تستاهل عشان تعرف اللي ييجي عليا عمره ما يكسب… لم يرد عليها، فقط أخذ يحاول أن يمسد صدغه بتعب. مظهره هذا جعلها تنسى كل شيء وتنحني نحوه وهي تقول برحمة: –طب قوم معايا جوا، أكيد هنامش مرتاح، ده أنت أطول من الكنبة.
نهض معها بثقل، وما إن استقام حتى تفاجئت به يحاوطها بذراعه وهو يرمي ثقله عليها لدرجة كادت أن تقع أرضا وهي عليها، ولكنها قاومت وجاهدت حتى أوصلته إلى السرير، ثم ذهبت مسرعة واحضرت له دواء مسكن مع ماء لتقترب منه وأخذت تسنده عليها لتجعله يشرب الدواء من يدها، وما إن انتهت حتى كادت أن تبتعد عنه إلا أنها وجدته يحتضنها بقوة، لا بل هو رمى جسده عليها ووضع رأسه على صدرها وكأنها وسادته.
حاولت إبعاده عنها بضيق إلا أنه رفض، ليقول بألم وهو يمسك يدها ويضعها على صدغه: –هنا بيوجعني يا غلا، هنا، دماغي هتتفرتك. –استحمل شوية، أنا أديتك الدوا شوية وهيشتغل مفعوله. بسم الشافي، بسم الله المعافي. قالتها وهي تمرر يدها بشكل تلقائي على صدغه وأخذت تدلك مكان الوجع وهي تقرأ عليه بعض الأدعية التي قد حفظتها من والدتها وآيات قرآنية قصيرة.
أخذت تدلك جبينه لتلاحظ كيف هدأ بالتدريج ونام بعد مدة قصيرة، لتنتقل أناملها بهدوء إلى شعره الناعم ك ريش الحمام. ابتسمت مع نفسها على هذا التشبيه، اااخ لو يعلم هذا المتكبر بأنه شبهته برمز السلام، لكان قتلها، فهو أبعد ما يكون عن السلام، هو كارثة، إعصار، انقلاب كوني، ووقع على رأسها هي.
بقت على هذا الوضع لوقت طويل جدا حتى غفت هي الأخرى، لم تشعر بنفسها إلا ما إن شعرت به بدأ يتحرك دلالة على بدء استيقاظه، أخذت تبعد رأسه عنها لتضعه على الوسادة، ومع فعلتها هذه وجدته يفتح عينيه وينظر لها بكسل ليعاود إغلاقهم مرة أخرى. ثم أخذت تحركه بنذالة لكي تزعجه وهي تقول بابتسامة صفراء: –اصحى ياباشا، كفاية نوم كده، أنت استحليتها ولا إيه. –اطلعي برا، عايز أنام. قالها بنعاس وهو يعيد غلق عينيه. أخذت تحركه بيدها
وهي تقول بصوت عالي مزعج: –اااايه ياباشا، مافيش شكرا، تسلم إيدك يا غالية على تعبك معايا طول الليل، خلي عندك دم يا أخي ده أنا صوابعي مابقتش بحس بيها. صمتت بخجل ما إن سحب يدها نحو فمه وقبل أناملها وقال بانزعاج بعدما أغمض عينيه: –تسلم إيدك يا غلا، بس غوري من وشي. سحبت يدها منه وقالت بإزعاج أكبر وأكبر لكي لا ينام، فهي تريد الانتقام منه بأي شكل كان: –شفت ربنا عاقبك إزاي على أذيتك ليا؟
بس مع الأسف أذيتك مؤقتة شوية وراحت، إنما أذيتي أنا منك ليل ونهار معايا، تقول عايشة بكابوس. رفع رأسه ومال بفمه بابتسامة متكبرة مغرورة وقال: –أحلى كابوس صح، اعترفي. نهضت عن السرير وهي تنظر له بقرف ثم قالت بجبروت أنثى: –لا وأنت الصادق أبشع كابوس. يلا اصحى وانزل صيع في الشارع زي كل يوم مع اللي زيك، لأن بصراحة أنا مش طايقة الشقة وأنت فيها، يلا هوينا عايز أتنفس، بلاش كبستك دي ع الأنفاس.
–يخربيتك فصيلة. قالها وهو يرميها بالوسادة لتركض إلى خارج الغرفة، ولكن سرعان ما عادت وقفت عند الباب وهي تقول بغل: –بقا أنا فصيلة؟ فصلوا عظامك عن بعضها يا بعيد. ختمت كلامها وهربت قبل أن ينقض عليها ذلك المفترس الغاضب. (ههههههههههه، أيوه كده يا غلا، اديله ماترحميهوش) في الصباح الباكر، خرجت تهرول حول الفيلا كنوع من الرياضة، فهي تحاول أن تتأقلم وتغير روتينها الممل منذ قدومها إلى هنا.
كانت تركض وهي تضع الهيدفون بأذنها تستمع إلى موسيقى هادئة تريح الأعصاب وتصفي الأفكار. توقفت بالتدريج لتجلس على كرسي حجري موضوع على الطريق وأخذت تتأمل كل شيء حولها. يا الله، كم يبعث الطمأنينة لها، مكان هادئ ونظيف وأشجار وعصافير ويوم غائم كلياً، تروق لها هذه الأجواء. ولكن كن على يقين، طالما كل شيء من حولك ممتاز، تأكد بأنه سوف يأتي شخص مزعج ويعكر مزاجك.
وهذا ما حدث بالفعل، ما إن وقفت لتعود أدراجها إلى منزلها حتى وجدت سيارة سوداء تقف أمامها بالعرض، لينزل نافذة السائق لتجد آخر شخص تود رؤيته. ولكن ليس هنا المفاجأة، لا بل المفاجأة تكمن بأمره الغريب لها ما إن قال: –اركبي. ابتسمت بتهكم وهي تقول: –صباح النور أستاذ شاهين، أنا كويسة ميرسي لسؤالك، كلك ذوق، أنت بجد جنتل مان بأسلوبك. –سيلينا. قالها بتحذير وهو يلتفت لها برأسه، ثم أكمل بأمر: اركبي.
استفزها حقا بطريقة كلامه معها لتقول بتكبر متعمد لكي تضايقه بعدما اقتربت منه وسندت يدها على سيارته: –أنت شارب حاجة ع الصبح ولا إيه؟ أنا أركب معاك بصفتك إيه؟ ده أنت يادوبك محامي بابا يعني شغال عندنا، شايف نفسك على إيه بقى؟ –ياعيون الـ بابا. قالها بتوعد وهو يفتح بابه وينزل من السيارة، لتعود هي إلى الخلف. وما إن أغلقه خلفه حتى وقف أمامها وأكمل بتساؤل وكأنه لم يسمعها جيداً: –بقى أنا شغال عندكم.
وضعت يدها على خصرها وحركت رأسها بنعم وهي تنظر له بتحدي: –أيوه، وبمرتب كمان. مرر نظره عليها بجرأة وهو يقول: –شامم ريحة تحدي بكلامك، بس ياترى أنتي قده؟ رفعت ذقنها بتكبر وقالت: –لاء، أنا أكبر منها. اقترب منها أكثر وأخذ ينظر إلى عينيها الملونة وهو يقول من بين أسنانه المصكة بتوعد: –إن ماجبتك تشتغلي عندي على كلامك ده واكسر مناخيرك اللي رفعاها بالسما دي، مابقاش أنا شاهين اللداغ. ضحكت من كل قلبها ثم قالت بعدم تصديق:
–أنا أشتغل عند واحد زيك أنت؟ ده أنت بتحلم. ابقى اتغطى كويس قبل ما تنام. –أهو الحلم ده بقا هعيشهولك وهتمتع فيه يامنجا. قالها وهو يقرص شفتيها بخفة، وما إن ضربت يده بضيق شديد منه حتى رفعت حاجبيها باستغراب عندما سحبها خلفه وذهب بها إلى الباب الذي يجاور السائق ليفتحه لها ويجعلها تصعد به بكل سهولة. وما إن صعد هو الآخر بمكانه خلف الموقد حتى انطلق بها، لتسأله سيلين بعدم استيعاب لتصرفاته معها: –أنت واخدني على فين؟
شاهين ببرود: –عازمك ع الفطار. –عازمني بمناسبة إيه إن شاء الله؟ –بمناسبة التحدي اللي حصل من شوية ده. سيلين بعدم تصديق: –أنت بتتكلم جد؟ التفت برأسه ونظر لها ثم عاد يركز على الطريق وقال: –هو أنا هزرت معاكي قبل كده؟ –لا. –يبقى تمام. سيلين بترجي خفي، فهي حقا قد تأخرت في عودتها: –شاهين رجعني بيتنا، زمانها ماما مستنياني نفطر سوا وكده هتقلق. ابتسم شاهين بستمتاع: –ياروح الـ ماما أنا، ابعتيلها مسج ياصغنن. كتفت
ساعديها بضيق وهي تقول: –حضرتك بتتريق عليا. التفت لها وقرصها من ذقنها وهو يقول بسعادة لا يعرف سببها: –هو أنتي لسه واخده بالك؟ أبعدت يده عنها وهي تصرخ به بضجر: –على فكرة أنا هشتكيك لبابي. –تشكيني أنا؟ قالها وهو يضحك بخفة، فهو حقا لا يصدق براءة التي تقطن بجانبه، ليقطب بعدها جبينه بتساؤل وهو يقول: –هو أنتي عندك كام سنة؟ نظرت له سيلين بضيق:
–مع إن سؤالك ده مش بروفشينال خالص ومش من الأتيكيت، بس على العموم 24 سنة، بتسأل ليه! ابتسم بهدوء وهو يقول: –أبداً بس جاني إحساس إني قاعد مع بنت عندها ست سنين، يعني آخرك طفلة. شهقت سيلين بذهول من وقاحته هذه من وجهة نظرها وهي تقول: –تصدق بالله، أنت قليل الذوق. كلماتها هذه جعلت الآخر يضغط على المكابح ليوقف السيارة بشكل مفاجئ جعل جسدها يرتد إلى الأمام. لتجده يسحبها نحوه بحركة سريعة. وااااااااا. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!