الفصل 5 | من 11 فصل

رواية ولد الهلالي الفصل الخامس 5 - بقلم نور بشير

المشاهدات
19
كلمة
2,842
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

اقترب الجميع من السفرة، ويونس عيونه لا تزال معلقة بدهب. لا يستطيع أن يحيد بعيونه بعيداً عنها، ولكنها لم تنظر له نظرة واحدة حتى منذ أن رآها. هذا كان يسبب له علامة استفهام، لا يعرف لماذا لا تريد أن تنظر له. هل هي لا تريد النظر له قصدًا، أم لأنه لم يوجه لها كلمة منذ أن رآها؟

فاق من شروده على صوت الجميع المدندن بسعادة تلك الأغنية الشهيرة التي يتغنون بها في مثل هذه الحفلات. إلى أن فتح الصغير الضوء، واقترب الجميع من زينب مقبلين إياها بحب، مقدمين لها الهدايا البسيطة التي فرحت بها زينب كثيرًا.

لاحظ يونس أن فرحتها بهداياهم هذه أكثر بكثير من فرحتها بهذا الخاتم الذي اشتراه خصيصًا لها. فهو الذي قام بشرائه وليس زوجته، ولكنه قال هكذا ليحسن العلاقة قليلًا بين والدته وزوجته. ولكن فرحة والدته بادية بشدة على ملامحها من هدايا الجميع. ظل يتأمل والدته إلى أن جاء دور دهب. فنطقت دهب بحب وهي تحتضن والدتها بمرح: كل سنة وأنتِ طيبة يا زوزة وعقبال مليون سنة.

ثم أمسكت بحقيبة الهدايا الخاصة بها، ومدت يديها بداخلها وأخرجت منها جلباب أبيض جميل، الذي يلبسه المعتمرون في العمرة. وتابعت بحب وهي تمسك الجلباب بيديها عارضة إياه بسعادة: إيه رأيك يا زوزو في هديتي؟ فنظرت لها زينب بحب ونطقت بسعادة بالغة: جميلة قوي يا دهب، أنتِ عارفة إن كان نفسي في واحدة من زمان، تسلم إيدك يا حبيبتي. ثم أكملت وهي ترفع يديها إلى أعلى داعية الله سبحانه وتعالى: يارب أوعدنا يارب. فردت دهب بحماس:

دي أول هدية، لسه فيه مفاجأة تانية ليكي أنتِ وعبودي. فتفوه عبد القادر بمرح: طالما فيها مفاجأة وعبودي، أنا مستني على نار. فأبتسم كريم ونطق بمرح: عبودي أصلًا راشق في أي مفاجأة وخلاص. فتفوه عبد القادر بمزاح: اخرس خلاص. فوضع كريم يديه على فمه في حركة كوميدية وأردف بمرح: أديني سكت. ثم تابع بهمس: قال يعني أنا صوتي هو اللي بيعمل مشاكلك. فاستطرد عبد القادر بمرح: سمعتك يا كلب.

فقهقه الجميع على حديثهم المضحك هذا. وتابعت دهب وهي تخرج من حقيبتها عدة أوراق وترفع يديها بهم أمام الجميع قائلة بحب: ودي المفاجأة التانية. ثم أعطت الأوراق لزينب. فأخذت زينب منها الأوراق ونظرت لها، وما لبثت أن علت الصدمة ملامحها، وبدأت عيونها تذرف الدموع وهي تنطق من بين عبراتها بعدم تصديق ونبرة متقطعة: مش... م... عقول... مش معقول يا دهب... يعني العباية دي مش صدفة صح؟ ثم هزت رأسها بعدم تصديق ودموعها تهطل بغزارة:

يعني أنا هعتمر يا دهب، يعني أنا هروح عند النبي أنا وعبد القادر، أنتِ بتتكلمي بجد؟ فتحدث عبد القادر بصدمة وهو يأخذ الأوراق من يد زوجته متصفحًا إياها وهو يردف بذهول: إيه ده، ده بجد، دي تذاكر حجز طيران وتأشيرة للسعودية، أنتِ بجد عملتي كده يا دهب، أنتِ بجد هتخلينا نعتمر؟ ففرت دمعة هاربة من عيونه وهو يردد بسعادة:

أنا طول عمري كان نفسي أخلف بنت وربنا ما أردش ليا بكده، بس دلوقتي ربنا عوضني بيكي يا دهب، وأنا لو كان عندي بنت من صلبي عمرها ما كانت هتعمل معايا اللي أنتِ بتعمليه ده، شكرًا يا دهب، شكرًا يا بنتي. فأرتَمَت دهب بداخل أحضانه وبكت هي الأخرى وتابعت بحب: أنا اللي شكرًا على وجودك في حياتي أنتِ وماما، أنا مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه، أنتم عوضتوني عن حاجات كتير قوي. ثم ابتعدت عن أحضانه ورفعت يديها ماسحة

دموعه بحنان وهتفت بحب: مافيش أب بيشكر بنته يا عبودي. وهنا اقتربت منها زينب، وسحبتها إلى داخل أحضانها، واضعة عدة قبلات متلهفة بسعادة أعلى كتفها، مرددة بحب: يا فرحة قلبي بيكي يا دهب، يا عوضي الحلو في الدنيا يا حبيبتي. ثم أبعدتها عن أحضانها، ورفعت يديها محيطة بها وجهها بحب: إحنا أكيد عملنا حاجة حلوة في حياتنا عشان كده ربنا عوضنا بيكي يا دهب.

ثم عادت باحتضانها من جديد بحب شديد، ولكنها تذكرت شيئًا للتو فأخرجتها من أحضانها بسرعة وأردفت وكأنها تذكرت شيئًا هام: أنتِ صحيح عملتي الإجراءات دي كلها إزاي وإمتة وجبتي الباسبورات بتاعتنا وأوراقنا منين؟ ثم أكملت وهي تنظر إلى كريم بتساؤل: أكيد كريم هو اللي ساعدك؟ فرفع كريم يديه بحركة كوميدية وتابع بمرح: ولا أعرف أي حاجة عن الموضوع ده والله، أنا لسه عارف معاكم، زيه زيكم.

كل هذا يحدث تحت نظرات يونس المذهولة والمصدومة من أفعال تلك الدهب، فهي حتى بعد أن انفصل عنها وأصبح ليس هناك علاقة تجمعهما إلا أنها لا تزال قريبة من عائلته، وفكرت في إسعادهم على عكسه تمامًا الذي فكر بأن الهدايا الثمينة والأموال هي التي ستكون حكاية هذا اليوم. ولكن كان هناك بداخله شيئًا سعيد، لا يعرف لماذا؟ أو ما سبب هذا الشعور الذي احتله فجأة؟ ولكنه حقًا سعيد.

وها هي زوجته المصون، تقف على نيران. فتلك الفتاة يبدو أنها تحتل مكانة كبيرة بهذا المنزل، ويبدو أن الجميع على اتصال بها ويحبها كثيرًا، وهذا أشعل النيران بداخل صدرها. فهي أخذت الجو كاملاً منها، فهي في أي حفل تكون هي الملكة المتوجة بداخله بملابسها ووضعها وهداياها الثمينة، ولكن تلك الفتاة فعلت ما لم يستطع أحد فعله معها من قبل. فاق كل منهم على صوت دهب المحب وهي تردف بسعادة:

لما كنت برتب الدولاب بتاعك يا زوزو من أسبوعين لقيت الورق، وفي الشغل عندنا بيعملوا رحلات من دي دايما، فجات في بالي الفكرة أول ما شوفت الورق ونفذتها على طول من غير ما أتردد. فأحتضنتها زينب بشدة وتحدث بحب: أنا مش عارفة أقولك إيه ولا أعبر عن فرحتي بيكي إزاي، بس أنا بجد مبسوطة قوي، ومبسوطة أكتر إن عندي بنت زيك. فشدت دهب من احتضانها وتابعت بحب: ربنا يخليكي ليا يا زوزو. وهنا نطقت دينا بمرح:

ما تخلصونا بقى من حوار العشق الممنوع ده، أنا عاوزة حتة تورتة مش قادرة أستنى أكتر من كده. فتفوه كريم بمرح: و بالنسبة للدايت هتبوظيه النهارده كمان؟ فتابعت دينا بمرح: كله رايح مش باقي حاجة غير الستر والصحة، وأنا خلاص اقتنعت إني قمر زي ما أنا كده. ثم وجهت حديثها إلى دهب قائلة باستعجال: شهلي يا دهوب، عصافير بطني بتصوصو. فقهقه الجميع على حديثها هذا ورد كريم بمرح: طب يا جماعة ألحقوها بسرعة عشان دي لما بتفتح مش بتقف. فوكزته

دينا في كتفه وصاحت بغيظ: يا سلام قصدك إيه بقى يا سي كريم، قصدك أنتِ طفسة صح؟ وأضافت دهب بمرح موجهة حديثها إلى كريم: لا بقولك إيه أنت تحترم نفسك معاها وتتعاملها كويس، لأحسن هي اللي بتأكلنا، وزوزو مسافرة يعني مش هنلاقي حد يطبخ لنا. فرفع كريم يديه ماسحًا أعلى رأسه بتفكير ثم تحدث بلهفة وهو يتجه نحو الطاولة يأخذ من عليها صحنًا وقام بإعطائه لدهب وهتف مسرعًا: طب أبوس إيدك بسرعة، أحنا لازم نصلح علاقتنا معاها.

فقهقه الجميع ضاحكًا على حديثهم هذا، ويونس يقف لم يفهم شيئًا مما يحدث، فهي متى عملت وماذا تعمل؟ وما هذا التغيير الكلي الذي طرأ عليها فجأة هكذا؟ ظل يقف مكانه كالتائه لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله، لكنه يشعر بالغربة بينهم، يشعر وكأنه غريب عن هذا المنزل ومن به.

وعلى الجانب الآخر تقف نادين على مضض تستمع إلى حديثهم المستفز من وجهة نظرها، فتلك الفتاة تلعب دور المثالية بطريقة باهرة، فهي أكيد قاصدة إغاظتها، قاصدة إشعال النار بداخلها، وإشعارها بالغضب. فاقت من تفكيرها هذا على زينب وهي تمد يديها بالصحن إلى يونس قائلة بحب: أنا عارفة إنك مش بتحب التورتة الجاهزة، فطلبت من دهب تعملك كيك الفراولة اللي بتحبه.

فأبتسم يونس ونظر باتجاه دهب ليتشكرها، ولكنها لم تنظر له أبدًا وظلت مندمجة فيما تفعل. فأخذ يونس الصحن من يد والدته وأبتسم ابتسامة مكسورة لم يلاحظها أحد، ولكن شعرت بها والدته جيدًا، فتجاهلت حزن ولدها هذا عن قصد ومدت يديها إلى نادين بالصحن، ولكنها ابتسمت ببرود وأردفت بغرور: سوري يا آنتي، أنا مش بأكل sweets كتير عشان بتوطي ضغطي. فنظرت لها يونس يحثها على أن تأخذ الصحن من يد والدته، ولكنها تجاهلت نظراته هذه وهتفت بغنج:

حبيبي أنا تعبانة قوي وعاوزة أطلع أرتاح شوية يلا بينااا. فاستطردت زينب بغرابة: ما أنتم قاعدين يا بنتي شوية، وبعدين يونس لسه مأكلش حاجة وأنتِ كمان اشربي عصير حتى. فابتسمت لها نادين ابتسامة سمجة وردت ببرود: سوري يا آنتي بس أنا مرهقة قوي ومش هقدر. فنظرت زينب إلى يونس وجدته مرتبك للغاية، وكأنه لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله، فنطقت بحنان: طب خليك أنت يا حبيبي كمل أكلك وبعدين حصلها. فابتسم لها يونس بحب وتابع بنبرة حانية:

معلش يا ماما أنا كمان جاي من الشغل تعبان وعاوز أرتاح شوية. فقالت زينب بحزن على حال صغيرها: على راحتك يا حبيبي، وأنا شوية وهبعت ليكم نايبكم مع مالك أو عم رجب. فوضع يونس قبلة حانية أعلى جبهة والدته وأردف بحب: تصبحى على خير يا حبيبتي وعقبال مليون سنة. فابتسمت له والدته بحنان ونطقت بحب مخلوط بحزن شديد: وأنت من أهله يا حبيبي. وبالفعل انصرف هو وزوجته إلى شقتهما. وما أن دلف يونس إلى داخل منزله حتى هتف بغضب:

عجبك اللي انتي عملتيه ده تحت، هو مش انتي قولتي هتشاركينى كل تفاصيل حياتي، إيه اللي حصل بقى تحت، إيه تعبتي فجأة كده؟ فصاحت نادين بانفعال: وهو إيه اللي حصل يعني، ولا أنت زعلان عشان طلعنا وسبنا حبيبة القلب تحت؟ فنظرت لها يونس وتحدث بانفعال وعصبية:

نادين إلزمي حدودك، واعرفي أنتِ بتقولي إيه كويس، أنا دهب سبتها بإرادتي ولو كنت عاوزها كنت كملت معاها ومتجوزتكيش، لكن أنا اخترتك أنتِ واخترت أكمل حياتي معاكي، أنتِ اللي مش قادرة تفهميني ولا قادرة حتى تتعايشي مع وضعي وحياتي وأهلي. فنطقت نادين بتعال: أهلك دول ناس بلدي قوي وأنا بجد مش عارفة أتعامل معاهم، ومش عارفة هما إزاي فرحانين باللي اسمها دهب دي، وإزاي يفرحوا بحتة سفرية وأنت اللي جايب ليها خاتم بألفات معجبها. فصرخ

يونس بوجهها بعصبية شديدة: اخرسي، اللي أنتِ بتتكلمي عنهم دول أهلي وعيلتي ولما تتكلمي عنهم تتكلمي عنهم باحترام أنتِ فاهمة؟ فصاحت نادين هي الأخرى بانفعال: وأنا كده ومش هتغير واستحالة حد يجبرني أعمل حاجة أنا مش حباها حتى لو أنت يا يونس، ولو أنا روحي فيك. ثم رفعت سبابتها أمام وجهه قائلة بتأكيد: أنت فاهميني.

ثم تركته وذهبت إلى غرفتها بعد أن استمع الجميع إلى صوت صراخهم وحديثها هذا عنهم. فجلس الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، يعم الحزن ملامح وجوههم. فاستأذنت دهب منهم جميعاً وصعدت إلى باتجاه الباب تركض، فهي إلى الآن متماسكة ولكنها لم تقدر على المكوث أكثر من هذا. فأذا ظلت هنا لثانية واحدة سيشهد الجميع على أقوى لحظات ضعفها، فهي تريد البكاء، تريد الصراخ، لم تتحمل رؤيتهم معًا ولم تتحمل ما استمعت له منذ قليل.

وقفت على باب المصعد، تنتظر هبوطه، وما أن توقف وهمت بفتح الباب حتى تفاجأت بيونس بداخله. فتلاقت عيونهما لثوان، ولكنها حادت بعيونها سريعًا عنه واضعة عيونه بالأرض مرددة بهدوء: أنا آسفة معرفش إنك فيه. ثم همت بغلق الباب إلا أن يونس أوقفها قائلاً بلطف: دهب استني، أنا عاوز أتكلم معاكي ممكن؟ فنظرت له دهب بحدة ونطقت بتساؤل: تتكلم معايا في إيه يا يونس، ما أعتقدش أن فيه حاجة بينا نتكلم فيها. فوضع يونس وجهه بالأرض ونطق بخجل:

أنا بس كنت حابب أطمن عليكي. فوقفت دهب بجمود وضمت يديها إلى صدرها وهتفت بقوة وكبرياء: متقلقش يا يونس أنا كويسة، وكويسة قوي كمان، أنا عمري ما كنت في حياتي كويسة زي دلوقتي. ثم نظرت له بلامبالاة وتركته وصعدت على الدرج، تاركة يونس يقف منكساً رأسه لأسفل، يشعر باحتقار حاله، يشعر بالتوهان، يشعر وكأنه افتعل مصيبة للتو ولم يعرف كيف له أن يخرج منها، وكيف له أن يخبر والديه بها.

وبمجرد ما أن فتحت باب الشقة خاصتها ودلفت إلى غرفتها، حتى رمت بحذائها وأرتَمَت على الأرض وأجهشت في بكاء مرير. تلك الجملة التي تفوه بها (أنا دهب سبتها بإرادتي ولو كنت عاوزها كنت كملت معاها ومتجوزتكيش، لكن أنا اخترتك أنتِ واخترت أكمل حياتي معاكي) تتكرر على مسامعها. فرفعت يديها واضعة إياها أعلى أذنيها ورجعت بجسدها إلى الوراء واستندت بظهرها على حافة الفراش، وأجهشت في بكاء مرير.

فهي كانت ترتسم القوة وتتصنع الجمود، ولكنها كانت تموت بداخلها كلما نظرت له بطرف عينيها ووجدته قابعًا إلى جوار تلك نادين ممسكًا بيديها. كانت تنهار بداخلها، ولكن من الخارج تتصنع اللامبالاة وممثلة للقوة. والآن بعدما سمعت ما تفوه به منذ قليل وهي تشعر بأن روحها انسحبت من جسدها. فهي كانت تعتقد بأنها تجاوزته ومضت في حياتها، ولكن الآن هي تجزم بأنها لم ولن تتجاوزه أو حتى تنسى عشقها له، ولكن الأكيدة هي منه أنها لن تنسى طيلة حياتها ما سمعته منه منذ قليل.

ظلت تبكي وتبكي إلى أن تعبت بشدة من كثرة البكاء وغفت في مكانها حتى الصباح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...