بعد مرور ٥ سنوات على تلك الواقعة، استمر خلالهم الوضع كالأتي: أجتهدت دهب أثناهم كثيراً وعملت على حالها حتى تخرجت من جامعتها، وأحضرت ما يسمى بالماچستير والدكتوراة. أصبح لها محل عملها الخاص بها، وأصبح لها اسماً في عالم المحاماة. فقد اجتهدت كثيراً وعانت أكثر في حياتها، وها هو المولى عز وجل قد عوضها عن كل ما عاشته منذ صغرها.
تعرفت على زميل لها بالجامعة يسمى أكمل، كان يحضر الماچستير خاصته. دامت بينهم صداقة قوية على مدار السنوات الخمس الماضية، حتى عند تخرجهم جمعتهم أكثر من قضية في العمل معاً. فهو دعم دهب كثيراً في حياتها المهنية إلى أن أصبحت دهب فؤاد ذات الصيت والاسم الرنان. أصبح قريباً جداً من عائلتها: زينب، عبد القادر، كريم، دينا، وصغيرها. أصبحت علاقتهم ببعض شديدة الوطأة.
لكنه يراوده مشاعر حب كثيرة إلى دهب. فهو عشقها منذ أول وهلة وحاول كثيراً أن يصرح بمشاعره هذه، إلا أن دهب كانت تتجاهل هذه التلميحات. حتى أنه أصبح يزورهم بمنزل السيد عبد القادر كثيراً، وفي أغلب الأحيان يجلس لتناول العشاء معهم بكل حب وود من الجميع.
مع ذلك، لم ترى دهب يونس ولو لمرة واحدة على مدار تلك السنوات، ولا حتى كانت تريد معرفة عنه أي شيء. كانت دوماً تستمع إلى شجاره مع زوجته. كانت تعلم بأنه غير مستريح بحياته، ولكن هو من اختار ذلك وعليه تحمل نتيجة ما اقترفه.
أصبح لها اسمها الخاص بها في عالم المحاماة. خصصت يوماً بالأسبوع لاستقبال العملاء ذوي الطبقة الدنيا الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف المرافعات والقضايا دون مقابل مادي. حتى أنها قامت بشراء سيارة فخمة ذات لون أسود جميل، وأصبحت مستقلة ذات وضع مالي جيد بعد أن افتتحت مكتبها الخاص.
أصبح صغيرها في عمر الحادي عشر. برغم صغر سنه هذا، إلا أنه يتمتع بحكمة ورزانة لم يحظ بها الكثير من البالغين. فهو شديد الحنان على والدته، يقوم بدور الرجل في حياتها، يعوضها كثيراً عن ما فعله والده بها. فهو قد كبر وأدرك كل ما حدث من حوله.
أدرك وجع والدته وقهرتها مما فعله والده معها. أدرك أن والدته تغيرت حياتها للأفضل كثيراً منذ رحيل والده. وأدرك أيضاً بأن كلاهما أصبحا بحال أفضل مما كانوا عليه. أصبحت حياتهم أكثر نظاماً عن ذي قبل. أصبح هناك أدوار يقوم كل منهم بأدائها في حياة الآخر. فدهب تقوم بدور الأم والأب، وتعمل وتجتهد من أجل طفلها. وتقوم أيضاً بتعويضه عن خذلان والده له في الماضي عندما تركه وتركها منذ خمس سنوات من أجل أخرى. وهو الآخر أصبح يغدق عليها من فيض حنانه وعطفه. فهو يدرك أن والدته هي الضلع الدائم والثابت بحياته، لن ولن تتغير مهما عانت من ويلات وظلمات في الحياة، ومن والده على وجه الخصوص. فهي حريصة كل الحرص على أن تجنب صغيرها ما تعرضت له في طفولتها.
أصبحت علاقتها أكثر قوة ومتانة بعائلة طليقها وصغيرها. وفعلتها الماضية عندما أسفرتهم ليعتمرون زادت من مكانتها بقلوبهم وبالمنزل. وإن كانت هي بالماضي بمثابة الابنة لهم، فهي بعد فعلتها هذه أصبحت أكثر من الابنة إن وُجد. اهتمت بحالها كثيراً وأصبحت أكثر أناقة ورقي. من يراها يعتقد بأنها ابنة لإحدى العائلات الأرستقراطية وليست فتاة عاشت وتربت بداخل أحد دور الأيتام. من يراها يعتقد بأنها عاشت حياة مليئة بالرفاهية والرغد. لكنهم لا يعلمون شيئاً عن ما عانته بحياتها وعاشته طيلة سنوات حياتها. ظلت تتابع مع معالجتها النفسية بصحبة دينا إلى أن تغيرت شخصياتهم تغيراً جذرياً. أصبح من يراهم يكاد يجزم بأنهم ذهبوا وجاءوا أناساً أخرى لم يتعرفوا عليهم من قبل.
على الجانب الآخر، تطورت علاقة كريم بدينا كثيراً، وأصبح عشقهما ظاهراً أمام العيان. يلاحظه الصغير قبل الكبير. إلى أن تمت خطبتهما منذ عدة أشهر، ومن المفترض زفافهم بعد شهرين من الآن. فكريم كان صبوراً جداً معها. تفهم وضعها كثيراً، واحترم خوفها الشديد من الناس جميعاً، وخصوصاً بعدما حدث من أخيه تجاه دهب. فهذا ازداد من تخوفها. لكنه احتواها وتفهم وضعها وحاول معها كثيراً على مدار هذه السنوات. فهو تحمل كثيراً من أجل أن يظفر بها.
وبالنسبة إلى يونس، فمن يراه يكاد يموت من حسرته على ما أصابه. فهو يتأكله الندم في كل لحظة بسبب ما بدر منه تجاه محبوبته ومعشوقته دهب. فهو الآن يقسم بأنه لم ولن يحب امرأة بحياته سواها.
كان يعتقد بأنه يحب نادين كثيراً، ولكن تأكد خلال هذه السنوات القليلة التي كانت بمثابة خمسمائة عام وليست خمس سنوات بأن حبه لنادين كان مجرد إعجاب وليس أكثر. فنادين جاءت له بوقت كان هو شديد التألق به. كان يرى حاله كثيراً خلال هذه الفترة. وعلى الطرف الآخر كانت زوجته دهب منطفئة تماماً في عينيه. فهي كانت تتحمل مسؤولية كل شيء بحياته، حتى عمله كانت هي من تنظم له وتخطط له. كانت تحمل مسؤولية والديه وصغيرهم، ولم يكن لديها وقت حتى لتهتم بحالها. الآن فقط شعر بأن هو من انطفأ وليس دهب.
لكنه شعر بهذا الشعور متأخراً. يشعر بأنه يحترق بداخله من فرط اشتياقه وحنينه لها. يشعر وكأنه على حافة الجنون. يريدها وبشدة، ولكن لا يستطيع الحصول على طرف أصبعها حتى. حياته مع نادين أصبحت مملة، لا يطيقها، مليئة بالتوتر والمشاحنات. فهو طوال الوقت في مشاجرات معها.
تأكد بأن اهتماماتهم مختلفة تماماً. فهم مختلفان حقاً. وكأن هناك شيئاً من الشرق يريد الاتصال بشيء آخر من الغرب. شمس وقمر لا يستطيعان الالتقاء. صبح وليل لا يتقابلان معاً مهما حدث.
طوال السنوات الماضية وهو يشعر بأنه يعيش مع نادين أخرى غير تلك التي كان شديد الانبهار بها عندما التقى بها أول مرة وعزم على الزواج منها، رامياً بحبه لزوجته وحياته معها وحياة صغيرهم في عرض الحائط. فهو خلال هذه السنوات تعرف على نادين أخرى، أو بمعنى أصح قد تعرف على نادين الحقيقية، لا لا نادين المزيفة التي كانت ترتدي طوال الوقت قناع الحب والبراءة والمثالية.
اكتشف نادين المزيفة العاشقة للأموال بالمرتبة الأولى وحالها بالمرتبة الثانية وليس شيئاً آخر. فهي تزوجت بيونس عندما علمت بوضع والدها المالي وأن وضعهم الاقتصادي أصبح بالأرض كما يقال. ففرت هاربة من براثين عائلتها إلى يونس، أو بالأدق إلى أمواله الطائلة. ولكن لم يعرف هذا إلا عندما عاشرها وعاش معها هذه السنوات. فهي لم تصرح بهذا بشكل مباشر، ولكن استشف هذا من وضعهم وحياتهم التي يعيشونها سوياً. بالإضافة إلى أنها تتعامل مع والد
يونس ووالدته بتعالٍ شديد. يكاد يجزم بأنها لم ترهم طوال هذه السنوات إلا مرات قليلة وفي مناسبات خاصة جداً. حتى عندما تمرض والدته لم تكن بجانبها، وكان يونس يشاجرها كثيراً لهذا السبب. ولكنها كانت تتعامل مع الأمر بمنتهى البرود واللامبالاة. حتى عندما طلب منها أن ينجبوا طفلاً صغيراً لعلة يقربهم إلى بعض ويتلاشى هذا البرود وتلك الحواجز بينهم، إلا أنها كانت ترفض وبشدة متعللة بصغر سنها وأنها تريد أن تعيش الحياة وتتمتع بها دون
وجود أطفال تقيد حياتها وتحركاتها. فهي تحب أن تحيا بحرية، تحيا دون قيود ودون مسؤوليات تربطها.
أصبحت حياته معها تشبه الجحيم، ولكن غير قادر على البوح بكل هذا. فهو من اختار وعليه تحمل نتيجة اختياراته هذه. ولولا أنه يخشى والده كثيراً لكان طلقها منذ أول عام مر على زواجهم.
أصبحت تطارده دهب كثيراً في مخيلته، تسيطر على أفكاره. عندما يدخل من باب المنزل يتخيلها تقترب منه وتبتسم له ابتسامتها المحببة إلى قلبه وهي تحتضنه في عناق حار مليء بالاشتياق واللهفة. ولكن يفيق من تخيله هذا على منظر منزله الغير مرتب الفوضوي، على العكس عندما كان يرجع بيته قديماً أيام زواجه من دهب. فنادين لم تفعل أي شيء بالمنزل، ولا حتى تطهو له طعاماً. فهي حياتها عبارة عن نوم وسهر وخروجات. والمنزل وزوجها هما آخر اهتماماتها. حتى أن الخادمة قد تزوجت ولم تعد تأتي لترتيب المنزل وتنظيمه. وأصبح المنزل على هذه الحالة من بعد رحيلها.
ولكنه من وقت لآخر يتابع أخبار دهب بشكل غير مباشر عن طريق ما يسمى بحالات الواتساب الخاصة بأخيه وصغيره. فهم دائماً ما يتشاركون الصور معها ويقومون بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. وكلما رأى صوراً لها كان يقوم بالاحتفاظ بها على ذاكرة هاتفه الخاصة. وعندما يشعر بالحنين إليها يخرج هذه الصور ويظل بالساعات متأملاً إياها في محاولة منه لإشباع قلبه من اشتياقه لها. ولكنه كان يفشل في كل مرة يفعل بها هذا. فهو يشعر بأن اشتياقه لها يزداد الضعف، ولكن ما باليد حيلة. فهذا ما جناه هو لا غيره.
وفي منزل دهب، حيث تجلس برفقة دينا يتحدثون حول أمور عدة. فتحدثت دينا وهي توكز دهب في يديها بحنان حين لاحظت شرودها المفاجئ هذا وغير المبرر: "إيه يا دكتور، روحتي فين؟ نظرت لها دهب بتوهان وأردفت بنبرة منخفضة: "بكرة هقف قصاد يونس في أول قضية تجمعنا." تنهدت دينا وتابعت بنبرة مراوغة: "وإنتي بقا سرحانة عشان هتشوفي يونس بكرة لأول مرة بعد سنين كتير، ولا قلقانة عشان أول مرة تقفي قصاده في شغل؟ رددت دهب بنبرة مذبذبة:
"مش عارفة، مش عارفة يا دينا، بس حاسة إني مش على بعضي كده وخايفة قوي من بكرة مش عارفة ليه." فسألتها دينا بهدوء: "وهو يعرف إنك إنتي اللي ماسكة القضية قصاده؟ هتفت دهب بجدية: "مش عارفة، بس في الغالب لأ." فردت دينا بنبرة مستفهمة: "خوفك ده سببه القضية وإنك خايفة تخسري قصاده، ولا خوف من الثاني اللي أنا وإنتي فاهمينه كويس؟ نظرت لها دهب بوجوم وقالت بشرود:
"بصي هو في كل الأحوال فيه خوف. خايفة أشوفه ومش عارفة رد فعلي هيكون إيه بعد السنين دي كلها. وخايفة لأخسر القضية وأبان إني ضعيفة ومش ناجحة قصاده." ثم أكملت وهي تعتدل في جلستها بنبرة قوية لا يتخللها ذرة ضعف واحدة:
"أنا استحالة أخسر القضية دي يا دينا، أنا حياتي ومستقبلي المهني في كفة والقضية دي في كفة تانية خالص. أنا لو كسبت القضية دي بس وعشت عمري كله أشحت هعمل كده ومش هتردد لحظة. المهم انتصر عليه وأثبتله إن بنت الملجأ اللي مكانتش لايقة بيه دلوقتي هي اللي هتعلم عليه." اقتربت دينا بجسدها إليها وتابعت بنبرة حانية:
"دهب أنا عارفة إنه وجعك وداس عليكي جامد وحقك تعملي اللي إنتي عايزاه، بس ده شغل ولازم تفصليه عن حياتك الشخصية. أكيد هتبقى حاجة حلوة قوي لو كسبتي القضية بكرة، بس لو قدر الله خسرتيها ده عمره ما هيكون مقياس لفشلك قصاده يا دهب. إنتي زمان وإنتي معاه كنتي ضعيفة وحبك له كان حب بغباء. لكن إنتي دلوقتي قوية من غيره وعملتي اللي مفيش ست تقدر تعمله في عز ضعفها. لو كان قربك منك ضعف ليكي، فبعده عنك كان قوة وعزة لنفسك. والكل شاهد على ده واللي وصلتي له كان على عينك يا تاجر ومحدش يقدر يشكك في نجاحك ولو للحظة واحدة."
فابتسمت لها دهب ابتسامة رضا واقتناع واقتربت منها محتضنة إياها بحب: "أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. ربنا يخليكي ليا يارب." فشدت دينا من احتضانها هي الأخرى ونطقت بحب: "ويخليكي ليا يا حبيبتي يارب."
وفي صباح اليوم التالي في تمام الساعة الثامنة صباحاً بداخل دار القضاء العالي، يقف يونس حاملاً على يديه ذلك الروب الخاص بمهنة المحاماة، وإلى جواره يقف العميل معتز الباجوري أحد رجال الأعمال الذي سيترافع عنه في انتظار دخولهم إلى قاعة المرافعة ووصول الطرف الآخر ومحاميه. فالتفت يونس إلى العميل وأردف بنبرة جادة: "أنا مش عارف إيه التأخير ده كله." فنطق معتز بسخرية: "تلاقيهم بيدوروا على توكتوك يوصلهم."
فنظره له يونس وتابع بهدوء: "متعرفش مين اللي ماسك القضية لسالم؟ فضحك معتز باستخفاف: "تلاقيه محامي بير سلم،" ثم أكمل بسخرية: "هو اللي زي سالم ده لاقى يأكل أساساً عشان يروح لمحامي له اسم يمسك له قضيته." ثم واصل بغرور وكبر: "أدينا أهو مستنينهم يشرفوا وساعتها هنعرف مين هيحاسب على المشاريب."
وبعد مرور عشر دقائق، كان يونس يدخن ويعبث بهاتفه. فالتفت برأسه على فجأة، ولكن شعر وكأن صاعقاً كهربائياً ضرب به. شعر بأنه عاجز عن الحركة وكأن جميع أعضاء جسده أصيبت بشلل وتوقفت عن أداء وظائفها لبضع ثوان. وسقطت سيجارته من يديه في صدمة، وظلت عيونه معلقة عليها. نعم، فهي دهب. من سرقت عقله ولبه. تقترب منه الآن، يفصله عنها خطوات قليلة.
يريد أن يتوقف به الزمان على عند هذه اللحظة. يريد النظر لها وإشباع عيونه من رؤيتها. وآه من رؤيتها. فهي خطفت أنفاسه بطلتها هذه، وخصلاتها الشقراء التي ترفرف على أكتافها. يشعر وكأن السنوات لا تزيدها إلا جمالاً. فهي تبدو في كامل أناقتها ووقارها. يريد الآن أن يقضم أصابعه من فرط ندمه.
ولكن بما يجدي الندم الآن. فهو قد جرحها جرحاً غائراً وهو يعلم ذلك جيداً. جرحها دون أن يكترث بمشاعرها أو حتى يلتفت لها. لم يراعي يوماً إحساسها أو ما فعلت لأجله ولأجل عائلته. فهي فعلت الكثير والكثير لأجله ولأجل استمرار علاقتهم سوياً. ولكن لم يفعل لها شيئاً بالمقابل غير الغدر والعذاب والأسى. فهو يعلم مقدار ما سببه لها من ألم ووجع.
يراها الآن أمام عينيه تسير بكل قوة وعنفوان. ترتدي ملابس أنيقة للغاية، حاملة على ذراعها الروب الخاصتها. وإلى جوارها العميل سالم الذي ستترافع عنه أمام المدعو معتز الباجوري، فهو من المفترض أنه رب عمله وهو موظف بسيط يعمل لديه. اكتشف أن رب عمله يعمل بالكثير من الأعمال المشبوهة وكان سيورطه معه، إلا أن الله أراد له أن يكتشف نواياه وحقيقته بالوقت المناسب.
أخذت تقترب منه بخطوات واثقة، ثابتة، مليئة بالكثير من الثقة والقليل من الغرور. تتهادى بخطواتها إلى أن...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!