لم تكن جالسة ولن أقول إنها كانت واقفة، فمن في حالتها تكون ثابتة في مكان. كل ما أعلمه عنها أننا نبحث عن إن كان قلبها مازال على قيد الحياة أم لا. "آه يا ابني، وكأن العالم استدار عليّ يا نور عين أمك." قال لها وضاح وهو بحزن كبير ولكنه يحاول أن يتماسك ولو قليلاً: "يا مريم، كفي عن البكاء والصراخ وادعي الله." رفعت يديها للسماء وقالت بكل قوتها: "يااااااارب."
وكأن من أصيب ليس بالشخص الهين ليجتمع بسببه كل الناس، بل كل البلد. بل هو ليس بالشخص الهين ليأتي له الشيخ عبد الرحمن للاطمئنان عليه. ولكن العجيب، أين ذهب وسيم؟ الشيخ عبد الرحمن بجوار عبد الهادي يحاول بأي طريقة مواساتهم، إلى أن قال هارون بكل قوته: "والله إني أرى في مجيئكم وقاحة كبيرة." نظر له الجميع بعلامة استفهام. عن ماذا تعني؟ إلى أن قال: "ابنكم يقتله وأنتم تأتون لكي تأخذوا العزاء."
هنا بدأ الاهتزاز، وليس على أي شخص. فعصاه الشيخ عبد الرحمن تهتز، وزكريا كان لا يعلم ماذا يفعل. رد بهجت بقوة قائلاً: "ما هذا الذي تقوله؟ رد هارون بقوة قائلاً: "لست أنا من أقول، بل أهل البلد كلها رأته. وإن لم يكن هو فعل ذلك، إذن أين هو؟ كاد وضاح أن يقع أرضاً لولا أن أيهم أمسكه. نظر له وضاح وقال: "ليت لي ولداً آخر مثلك، لكان سندني مثلما فعلت الآن."
بدأ الشجار بينهم، انتهى بمحاولة الأمن فض الشباك، إلى أن قاموا بالقوة بإخراج عائلة الشريف. غادر الجميع، ولكن إلى منزل الشيخ عبد الرحمن. كان زكريا جالساً، ولكن قدماه تتحرك بسرعة للغاية. ماذا يعني ما سمعه؟ كان عبد الرحمن يفكر ويفكر في ماذا سيفعل إن كان فعلياً وسيم القاتل، ولكن لمَ فعل ذلك؟ فلا يوجد سبب لفعلته. كاد التفكير أن يقتله، ولكن لحظة. يا شيخ، سنوقف التفكير بدخول إحدى الخادمين قائلاً:
"يا شيخ عبد الرحمن، الشرطة تبحث عن السيد وسيم." هنا استفاق الجميع من غفلتهم من الجملة التي رنت في آذانهم، وعلموا أن للموضوع أبعاداً أخرى. بدأوا يستوعبونها للتو. بدأت والدة وسيم في الصراخ على الذي سيحدث لابنها. وفجأة وبدون إذن دخول... دخل عبد الهادي تاركاً المستشفى وكل شيء، قائلاً بقوة: "عندما حدث الصلح بيننا، فكرت ولو لحظة أنه صلح بين رجال لا رجعة فيه." حاول بهجت إيقافه ولكنه لم يستطع، فأكمل عبد الهادي قائلاً:
"ولا أعلم كيف فرطتم في ابنتكم لأجل ثأر، ولكن إن لم يظهر ابنكم وتسير المشكلة قانونية، فلا تلوموا إلا أنفسكم. فلن يكفيني في كرم كل عائلتكم. وبالنسبة لابنتكم، سنرسلها لكم مع ورقتها، وهذا من أصلنا." ثم تركهم وغادر. نظر زكريا برعب إلى عبد الرحمن قائلاً له: "ماذا؟ ماذا سنفعل؟ نظر له عبد الرحمن وأطال النظر له، ثم قال بهدوء:
"مخيف. منذ زمن دفعنا بسبب والدك الكثير، وكنت رافضاً أن تجعل ابنتك تكون ضمن الصلح. واليوم ستدفع العائلة كلها. أيضاً، أريد أن أعرف شيء مما صنعتم أنتم؟ رد زكريا بسرعة: "هل تعني أنك ستتركني أمامهم وحدي؟ رد عبد الرحمن بلامبالاة: "مثل ما أردت أنت أيضاً تركي أمامهم في الصلح وحدي." أراد زكريا أن يرد قائلاً: "ولكن... ولكنك لم توافق للنهاية. ريحانة هي من عرضت." صمت الجميع. كان زكريا في خوف حقيقي. فقال عبد الرحمن له:
"ولكن لست نذلاً مثلك. ولكن فليظهر ابنك أولاً، لنرى كيف نتصرف." تُسير بين المرضى كالملاك الأبيض. ترتدي الأبيض خارجياً، ولكن داخلها ينحني الأبيض معتذراً، فلا يضاهي جمالها. وجدته جالساً على السرير كالمرضى. بدأ يصرخ كأنه مريض. لم تأخذ بالها منه والتفتت له بسرعة وذهبت له. حينما وجدته، أرادت ضربه، ولكنها تماسكت نظراً لمكانتها أمام المرضى، حتى أتى معظم الأطباء على صوت الصراخ. وقفت، كاد الغيظ أن يقتلها.
وقف السيد عمر مكتف يديه قائلاً له: "ماذا أفعل بك؟ هل هناك رئيس مستشفى يفعل ما تفعله؟ لم يرد باهر، بل كان ماسكاً بيديه عند موضع قلبه، صارخاً بشدة. حينها خاف عمر عليه وذهب إليه بسرعة لكي يرى ما به. قال له بخوف: "باهر؟ باهر، ما بك؟ قال لهم بتمثيل وهو يصرخ: "هنا يؤلمني." وهو يشير إلى قلبه. ذهب عمر لكي يكشف عليه من المكان الذي يشتكي منه، فقال له بخوف: "ماذا حدث لك يا حبيبي؟ رد باهر بتأثر قائلاً:
"قلبي يؤلمني بشدة لأنه يفتقد رؤية حبيبته. فانكسر القلب لعدم رؤيته لها، أليس هذا كافياً." نظر عمر له عدة لحظات إلى أن استوعب كلامه، وإذا به هبط على السرير ليضربه. ولكن قام باهر سريعاً ليهرب منه وهو يضحك. كانت ذكري عيناها بها شعاع يلمع في صمت. لا تدري ماذا تفعل. كل ما استطاعت فعله أنها كبست رأسها أرضاً. وجهها أصبح ينافس فاكهة الفراولة. خرجوا جميعهم إلى الخارج، إلى أن أوقفها. وأراد عمر إبعاده، فقال له بترجٍ:
"خمس دقائق، ليس أطول. صدقني." فتركه عمر. كان ينظر لها وكأنها أعظم انتصاراته. قطع الصمت اتصال لهاتفها، وفتحت لتجيب على الاتصال، ويا ليتها لم تفعل. لم تدري بنفسها إلا والهاتف يسقط من يديها وتصرخ. باهر وقف كالتائه، لا يدري ماذا يفعل. حاول أكثر من مرة تهدئتها، ولكن دون فائدة. قال لها برعب وهو يراها تنهار وتصرخ هكذا: "ذكري، ما بك؟ يا ذكري، ما بك؟ أتى السيد عمر على صوتها وصديقتها نرمين سريعاً، محتضنة إياها قائلة لها:
"ماذا بك يا حبيبتي؟ وكل من يأتي ينظر لباهر، إلى أن قال بصوت مرتجف: "أتاها اتصال لا أعلم من مَن، وبعدها حدث لها مثلما ترونها." حاولت نرمين قدر الاستطاعة أن تجعلها تهدأ، إلى أن قالت من وسط صراخها: "تم إطلاق النار على أخي وهو في المستشفى." وبدأ صراخها. وحاولت الهروب لتذهب وهي تقول: "أخي يموت، كرم يتألم وأنا لست بجواره." وصرخت بكل قوتها قائلةً: "كرم، آه يا كرم."
وبسرعة البرق ذهبت لكي تسافر. حاول باهر أن يرافقها، ولكنها منعته، فاستعد للذهاب خلفها. الطريق يطول ويطول، وكأن طول العالم وجد في تلك الطريق. ها هي أخيراً وصلت، أخيراً وجدت أباها ووالدتها جالسين. لم تحتاج أن تسأل عن حالته، فوجههم قال كل شيء. أحياناً لا نحتاج أن نعلم شيئاً من الشخص، فرؤية وجهه كافية لتقول الكثير. ما إن جلست أرضاً أمام والديها، قالت والدتها ببكاء:
"كرم يضيع من يدي. ذكري، كدت أن أموت في إنجابه، والآن أموت عليه." انكسر وضاح، رأسه قائلاً: "أخيك في خطر. أخيك قتل من الذين كنتِ ستتزوجين عندهم. قتلوا أخيك." حان الآن أن ترفع رأسها وتنظر بشعاع الشمس المغلف بالدموع قائلة: "ماذا؟ بعد مرور أسبوع. دون أخبار عن وسيم، كانت القضية بدأت تأخذ مجراها، وكان كل الشهود يقولون إنهم رأوا وسيم وهو يطلق النار ثم فر هارباً.
وكانت حالة كرم من سيء إلى أسوأ. رن على هاتفها، لم ترد، فأرسل لها رسالة يخبرها أنه بالخارج. ذهبت له. ما إن رأته صرخت به قائلةً: "لماذا أتيت؟ ألم يكف ما نحن به بسببكم؟ وقف باهر قائلاً بصدمة: "بسببنا..! بدأت في البكاء وقالت: "أخي يموت بسببكم. لا يستجيب للعلاج. أخي يضيع بسبب تفكير مريض." قال باهر بسرعة: "لا يا ذكري، لم يحدث ذلك. أكيد هناك خطأ، صدقيني." كاد أن يقترب منها، فصرخت به قائلةً له: "ابتعد عن حياتنا، ابتعدوا."
قال لها بتوضيح: "أي عقل يقول أننا سنأخذ ثأر وابنتنا لديكم؟ افهمي هذا مستحيل." سحبت خاتم الخطبة وألقته له أرضاً، قائلة له بصوت عالٍ: "اذهب، اذهب من هنا. إن حدث لأخي شيء، موتك لا يجعلني أهدأ. اذهب. لعنكم الله." أتاها اتصال من طبيب كرم. نظرت له بعيون ملأها الكره. سبحان من يغير الحال. نزل أرضاً وأخذ الخاتم، ثم قال لها: "مقدر ظروفك، لكن ما فعلته لن يغفر." فجأة شعرت بوجع في قلبها، ولكنها تركته وذهبت لأخيها.
وقفت هي وأسرتها أمام الطبيب. كانت أعين الطبيب تبشر أنها لن تقول الخير. فقال الطبيب: "يؤسفني أني سأقول لكم هذا الكلام، ولكن... ولكن فعلنا ما بوسعنا." صمت. فأمسكه وضاح صارخاً به قائلاً: "ماذا؟ ماذا حدث؟ عندما سمعت والدته هذا الكلام، فقدت النطق. فقال الطبيب: "منذ الصباح حالته تستاء أكثر وأكثر، إلى أن وصل الحال به أن دخل في غيبوبة اليوم." وكأن ما قاله الطبيب جعل وضاح يهدأ قليلاً. فبلاؤ أهون من بلاء آخر.
صارت ذكري تسير وهي لا تعلم أين تسير، أو إلى أين، ولكنها تسير. مر شهر وما زال كما هو في غيبوبة. وحكمت القضية بالسجن ثلاثة أعوام على وسيم، ولكنه حكم غيابي لعدم وجود وسيم. وكان البكاء من نصيب والدة كرم حزناً عليه، ووالدة وسيم حزناً على ابنها الذي ضاع منها. صرخ زكريا بها قائلاً لها: "فلتصمتي يا امرأة." ردت أمينة بكل قوة قائلةً له: "ابني ضاع بسببك، وتقول لي اصمتي؟
لا تقل لي هم حاولوا التفريق بيننا، ليس ذنبي، بل قل لي هم حاولوا وأنا وقفت صامداً لهم." بدأت تبخ سمها قائلةً: "لمَ لم تطلق ابنة الشريف إلى يومنا هذا يا جواد؟ لنرتاح." رفع جواد رأسه ناظراً لها متفاجئاً قائلاً لها: "ولمَ أطلقها؟ ومن قال إنني سأطلقها؟ رد عبد الهادي بقوة قائلاً: "أنا قلت، وأنت ستنفذ." رد عبد الله موافقاً: "اسمع كلام جدك يا ولد." قال همام: "لا والف لا. لن يحدث ما تقولوا." رد عبد الهادي بعصبية:
"همام، أنت تقف وتقوي ولدك علينا. من المفترض تقول له يسمع كلامنا وتربيه، بدلاً من أنك قمت بتربيته على عدم سماع كلام الكبار." قالت شاكرة منسحبة من لسانها: "اسمع الكلام، وسنزوجك الأحسن منها، وخاصة أنها تشرفت وسرقت أوراق." قام جواد صارخاً لا يحتمل كل هذا الكلام، هذا كثيرٌ عليه قائلاً لهم: "أقال لكم أحد أني إنسان؟ إلى كما توجهوني أتجّه؟ أمس تزوج يا جواد بسبب الصلح، واليوم لا نريد أن نكمل الصلح، فلتطلق يا جواد."
واعتدل لشاكرة قائلاً: "من قال لك أن ريحانة سرقت؟ لا أحد يعلم باختفاء الورق؟ تلعثمت شاكرة، لا تعلم ماذا تفعل. فقال لها بشدة: "هذا طبيعي. حالتك هذه عندما تكوني أنتِ السارقة." هاج عبد الهادي وعبد الله به وحاولوا ضربه، فقال لهم: "فلتُهدؤوا. أتى مركب كاميرات في كل المنزل، وحينما اختفى الورق، أُظهر من السارق. وإن كنت كاذباً، فلتُعارضني." رد عبد الهادي محاولاً تغيير الموضوع عندما رأى ريحانة أمامه:
"ها هي أمامك، فلتطلقها ولتعود إلى أهلها كما قلت لهم، وإلا... رد همام: "وإلا ماذا؟ ماذا سيحدث؟ تسرع عبد الهادي وقال: "وإلا أننا سنعلن أنكم لستم جزءً من العائلة." رد جواد بلامبالاة وهو ينظر إلى ريحانة. نظرة، هل تريديني؟ فأومأت له. فقال لهم: "ومتى كنا ضمن العائلة؟ أنا لن أطلق زوجتي، وافعلوا ما لديكم." اعتدل وجد والداه يتألم. أسرع له جواد وريحانه. أرادوا الاقتراب، لكنه منعهم قائلاً لها:
"ما زلت على قيد الحياة. ابتعدوا عنه. هيا يا ريحانة، ساعديني. نأخذه للمستشفى سريعاً." والقلق يقتلهم. كلمة أحبك سهلة، ولكن الفعل بها صعب. فإن فعلت وضعت في قلبي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!