لم يكن يسير كأي إنسان طبيعي، ولا كان يركض أيضاً. كان في حالة صعبة للغاية، فحبيبته في حالة صعبة. والده وكل ما له مريض، وصار يصرخ ويقول: "يا طبيب، أنقذوا أبي، أيها الأطباء، أنقذوا أبي! هرول الأطباء إليه لكي يروا والده ماذا به. أخذوا والده إلى حالة الطوارئ. حاولت ريحانة تهدئة جواد، إلى أن بثت الأفاعي سمها المعتاد وقالت: "كالشيطان أنتِ، منذ أن دخلتي عائلتنا والمصائب لا تنتهي، فلتذهبي من مكان ما أتيتِ! تنهدت
ريحانة بقوة قائلة لها: "لن أذهب، ماذا ستفعلين!؟ رفعت حاجبيها لها بتحدٍ. مالت عليها وقالت لها بغيظ: "أم تريديني أن أترك جواد لإحدى بناتك؟ والله نجوم السماء أقرب لكِ! صرخت شاكرة بها قائلة لها: "يا وقحة! رفعت يديها لضربها، ولكنها لم تعلم أن هناك يد تنتظرها. فكان جواد ينظر لها بأعين من نار، صارخاً بها قائلاً: "إياكي ثم إياكي، لم يخلق من يرفع يده على زوجتي! صرخ بها وباجداده وقال لهم:
"فلتذهبوا من هنا، لا أنا ولا أبي نريدكم بعد الآن، اذهبوا! ذهبوا. واعتدل جواد قائلاً لها: "ماذا قلتي له؟ لم تعرف ماذا تقول، ولكن أنقذها الطبيب وهو يقول: "السيد يناديكم." هرولوا سريعاً ليروه ويطمئنوا عليه. فتح جواد الباب سريعاً، وحينما رآه اطمأن قلبه. قال له بحب: "اطمأن القلب الآن يا همام." ضحك همام وقال له بحب: "سلامة قلبك يا حبيب أبيك." جلس جواد بجواره، وريحانه تتابعهم من بعيد. فقال جواد بحزن وتأثر:
"لا تفعل بي ذلك مرة أخرى، فقلبي لا يستطيع تحمل ذلك." غضبت ريحانة من أنهم لم يعيروها أي اهتمام، فأغلقت الباب بشدة ليأخذوا بالهم منها. فذهبت وجلست بجانبهم وهي غاضبة منهم. فدعبها همام قائلاً: "ما بال عروستي حزينة وغاضبة هكذا؟ فتبسمت بشدة قائلة: "سلمت، سلمت يا حبيبي." لم تجد إلا يد من حديد نزلت عليها، جعلتها ترتمي في حضن همام. فقال جواد لها: "أرى أنكِ تحبي همام أكثر مني." فصرخت به قائلة له: "جواد، يدك مثل الحديد! ثم رفعت
حاجبيها وتلعب له بهما: "اغلق الأضواء هيا، أريد النوم بجوار حبيبي لأحكي له أشياء." فقام من فوره وأمسكها من رأسها، جعل شعرها يظهر من تحت الحجاب، وهنا أهلاً بانفلات أعصابه. بدأ همام بالضحك عليه وعلى نظراته. *** رآتها، فاتجهت لها بسرعة قائلة: "ذكرى، حمداً لله على سلامتك، كيف أحوالك؟ كانت ذكرى صامتة لا تتحدث نهائياً، إلى أن وصلت إلى مكتبها وكانت تجهز ورقة. نرمين تحاول محاورتها: "قولي لي ماذا بك؟ ماذا تفعلين؟
أساعدك به، قولي لي أي شيء." قامت ذكرى وكانت تسير مسرعة وكأنها آتية لمهمة لتفعلها وتذهب. طرقت على الباب وأذن لها بالدخول. رفع نظره وجدها أمامه بكل كبريائها، ولكنها كلها حزن وترتدي الأسود كاملاً. أنزل رأسه إلى أوراقه مرة أخرى وكأنه لا يراها. إلى أن وضعت الورقة أمامه. وكان ينظر أمامه، إلى أنه أخيراً تنازل ونظر إلى الورقة. رآها ورقة استقالة، تبسم ثم أمسكها وقام بتقطيعها وإلقائها في سلة المهملات.
رأته يفعل ذلك، كادت أن تجن، ثم صرخت به قائلةً: "هل جننت!؟ ماذا فعلت!؟ تنهدت وقالت: "فعلك لا يهمني، المهم أنك علمت أني تركت العمل." ضحك عليها بشدة ثم قال لها: "ألم يقل لكِ أحد أنكِ إن أردتي أن تتركي المستشفى، عليكي أن تدفعي شرطاً جزائياً، ولن تقبله المستشفى إلا إذا وافقت أنا. وإن تركتها هكذا، فإنكِ ممنوعة من العمل في أي مستشفى سوا بموافقتي." قالت بسرعة: "سأدفع الشرط." قطع كلامها قائلاً لها:
"وهذا مرفوض، عليكي إكمال عملك، فالعقد كان لمدة عامين، انتهى عام، هانت تقترب، والآن اخرجي لتكملي عملك، وعليكي احترام مديرك، وإلا سيتم نقلك لقسم آخر." صرخت به قائلةً: "ممَ صُنِعت أنت؟ أ أنت مجنون!؟ فجأة قام ليبدأ الطوفان عليها صارخاً بها:
"والله هذا ليس تحذيراً، هذا سهل فعله، إن لم تحترمي مديرك، والآن هيا اذهبي وباشري عملك، ولا أريد أي تقصير من اليوم، وإلا والله سيتم فصلك من العمل على أنكِ مقصرة، وسأجعل كل المستشفيات ترفضك، وأجعل سيرتك الذاتية أسوأ من تصرفاتك ونيتك، وهيا اذهبي من أمامي." *** "ماذا تريد من أن نفعل يا سيد؟ رد عليه بمكر قائلاً له: "أن نخطفهم ثم نقتلهم." قال له رئيس العصابة: "حسناً يا سيد، ستسمع خبر يامن وطيبة قريباً." رد عليه قائلاً:
"حسناً حسناً، فما فعلوه معي ليس قليلاً." رد بهدوء مبتسماً: "موافق يا سيد." *** "وما الذي جعل الروح تفارق جسدها لتعود!؟ "الابتعاد يابني قادر على التحطيم." "وها قد عدنا! "وها قد عادت روحي لي، وتبسم قلبي أكثر من تبسمه ذي قبل." "وما الذي جعله يتبسم ذي قبل؟ أخبرني؟ ضحكت وقلت: "قرب أحبة القلب له، يجعلونه يحلق في السماء سعيداً بسكانه." فُتح الباب، وسعد قلبه من عودته وخروجه من المستشفى. تبسم همام بسعادة وقال لريحانه:
"اذهبي لترتاحي حبيبتي، لقد أخذ التعب منكِ الكثير." ونظر إلى جواد قال له: "أما أنت، أريدك، هيا بنا." فقال له همام: "أراك ميالاً لها يا ولدي، لمَ المكابرة؟ أراد جواد المراوغة، إلى أن قال له: "أخاف أن تكون هي رافضة." تبسم همام لأنه علم أن ابنه وقع في مصيدة الحب أخيراً. ظل ينظر له، وجواد بكل طوله ومكانته. كان يشعر وأنه فعل جريمة كبيرة تستحق الإعدام. ولكن! لحظة، أرى أنه يستحقها، فهو أجرم وفعل شيئاً قبيحاً. ماذا فعل؟
يا للقبح، أنه يحب زوجته. يا له من فعل فاضح! فقال همام أخيراً مشفقاً عليه: "ولكن أقسم لك أنها ميالة لك، تريدك، ولكن كبرياؤها يمنعها أن تكون هي من تبادر." ثم قال له أيضاً ليرفع عنه الإحراج: "اذهب لترتاح قليلاً يا حبيبي." ذهب جواد سريعاً، ولكنه ذهب إلى غرفة ريحانة. أذنت له بالدخول، وهي تعلم أنه سيأتي. نظر جواد لها، رآها تفرك يديها بشدة. فقال لها بسرعة:
"لن أكثر في الكلام، ولكن سأسألك مباشرةً: هل تريدين أن تكملي معي أم ماذا؟ ظلت صامتة قليلاً، إلى أن قالت له بقليل من الجرأة: "وإن سألتك أنا هذا السؤال، ماذا ستقول؟ تبسم هو بشدة، وهنا أهلاً بظهور طابع الحسن. سأقول لكِ: ظللت طوال عمري أشم الزهور والورود وجميع أنواع العطور، إلا الريحان. فهل للريحان إعطاء الإذن باسم الريحان؟ صمت قليلاً ثم قال:
"ريحانة، اسم ربما تسمعه الأذن، ولكن يرن في القلب أولاً، معلناً أن حبيبي هذا الاسم. فالقلب أعلنها وانتهى الأمر، لن يسمح لغيري بشم وضم الريحان سواي، فأنا أحبك يا أجمل الروائح شمها القلب." كانت ريحانة تنظر أرضاً، لا تعلم ماذا تجيبه. ولكن هو وفر عليها قائلاً: "سأوفر عليكي كل شيء، وعليكي أن تشيري لي بالموافقة أو الرفض على كلامي." نظرت له كثيراً، إلى أن قالت: "موافقة." فأوقفها قائلاً لها بعد خوفه من الإجابة:
"أنا الآن لا أريد سوا هذه الكلمة، أما بعدها فليس الآن." ثم تركها في حالة يرثى لها. *** مر أسبوع على كلامه، ولكنه لم يفعل أي شيء، ويتعامل كأن شيئاً لم يكن. هبطت درج السلم، فقال همام بحب لها: "أهلاً بكِ، صباح الخير." ردت عليه بحب: "صباح الجمال يا همام. سأذهب إلى المشغل، أتتريد شيئاً؟ كان جواد ينظر لها بهدوء، وهو يرى حزن عيون السماء. فنظرت له تخبره أنها ستذهب، ولكن عيونها تلمع بحزن. ذهبت. فقال همام بشدة:
"لماذا تفعل كل ذلك بها؟ رد جواد بهدوء: "ستفهم لاحقاً." ثم قام وصعد للأعلى. وصلت ريحانة المشغل، وجدته مفتوحاً ولا أحد به، والكثير تمت سرقته. وقبل أن تفعل أي شيء، وجدت النار تدب به بشدة ويشتعل. حلم العمر يضيع في لحظة هكذا! كانت أمسكت الهاتف وبسرعة قامت بالاتصال على جواد، وهو رد قائلاً: "هل نسيتي شيئاً؟ وجدها تصرخ وتقول له: "أنقذني، أنقذني، المشغل يشتعل نار من بداية الباب ومن كل اتجاه، ولا أعلم ماذا أفعل، اختنق بشدة."
ثم صرخت وقطع الاتصال، وهرول هو سريعاً، وكل تفكيره يقول: هل بعد أن أحببتها سأخسرها؟ *** "ومَن منا يا عزيزي لم يخسر غالي..؟! فنحن لا نخسر إلا الغالين." قال لأبيه سريعاً: "أبي، مشغل ريحانة يشتعل، ولا تأتِ خلفي." *** عبد الرحمن: "أين يامن؟ لم أراه اليوم منذ أن استيقظت." قالت فاطمة وزهرة معاً: "ربما ما زال نائماً." ثم قال: "وأين طيبة؟ قالوا أيضاً: "ربما نائمة." إلى أن خرجت أمل بعد زمن من عدم خروجها قائلة لهم:
"صباح الخير، أين طيبة؟ لم أجدها في غرفتها، ولا أعلم أين هي." فقامت زهره بعدما سمعت أمل تقول ذلك، وبسرعة بحثت في كل المنزل ولم تجد لها أثراً. خرجت رباب تبحث معهم، وأتى عاصم من جهة غرفة يامن ليسأل: "أين يامن يا رباب؟ "لا أجده، وهاتفه بغرفته." وهنا قال عبد الرحمن: "تعني أن حفيدي ليس نائماً؟ عاصم بهدوء: "لا، ابني ليس بالداخل."
وبسرعة البرق، وزع عبد الرحمن الخدم للبحث عن أحفاده، والخوف يملأ قلبه. ثم جلس ولا يعلم ماذا يفعل، وكل من يأتي يقول: لا أخبار لدينا عنهم. وهنا كانت أمل تصرخ على وحيدتها، وأرادت الحركة. ولكن! الجسد مشلول، والعقل موقوف، والقلب لا حاجة لنا بقول ماذا يفعل الآن. ركض بهجت ورفعها ووضعها على الكرسي، محاولاً أن يطمئنها، ولكن فليعترف، فالخوف أكل قلبه. يمكن القلب أن يموت والجسد على قيد الحياة، كل ذلك فقط إذا تألم ساكن القلب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!