تحميل رواية «وللثأر حكايا» PDF
بقلم هموسه عثمان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وكأن عقلك سكن الماضي ورفض التقدم. تشبث به وكأنه طفل صغير يصرخ باكياً حينما تركته والدته قليلاً. هكذا هو متشبت بالماضي رافض كل شيء في النسيان، وكل ما يريده هو العودة إلى الماضي. لعله يستطيع أن يصلح خطأ، ربما أتى يومه هذا وهو لا يحمل هماً، ربما ذلك. يبدو أنه ظل ساهراً طوال الليل، يأبى أن ينام. ويبدو أن التفكير أكل عقله وهو يُحاور نفسه في ماذا يفعل. جلس ليفطر، ولكن في دنيا بعيدة كل البعد عنهم. لاحظت والدته شروده، ولكنها رفضت أن تتكلم. انتفض على صوت والده قائلاً له: "عبد الرحمن، ماذا بك؟ لمَِ أنت شا...
رواية وللثأر حكايا الفصل الأول 1 - بقلم هموسه عثمان
وكأن عقلك سكن الماضي ورفض التقدم. تشبث به وكأنه طفل صغير يصرخ باكياً حينما تركته والدته قليلاً. هكذا هو متشبت بالماضي رافض كل شيء في النسيان، وكل ما يريده هو العودة إلى الماضي. لعله يستطيع أن يصلح خطأ، ربما أتى يومه هذا وهو لا يحمل هماً، ربما ذلك.
يبدو أنه ظل ساهراً طوال الليل، يأبى أن ينام. ويبدو أن التفكير أكل عقله وهو يُحاور نفسه في ماذا يفعل. جلس ليفطر، ولكن في دنيا بعيدة كل البعد عنهم.
لاحظت والدته شروده، ولكنها رفضت أن تتكلم. انتفض على صوت والده قائلاً له:
"عبد الرحمن، ماذا بك؟ لمَِ أنت شارد هكذا؟ أحدث شيء؟"
تلعثم عبدالرحمن لا يدري ماذا يجيبه، ولكنه قال له بصوت منخفض وشعور داخلي يقول له:
"تحدث يا عبد الرحمن، ها قد حان الوقت. تحدث، ماذا بك؟ ما إن أتت لك الفرصة التزمت الصمت."
ولكن في الأخير قال:
"لا يا أبي، ليس هناك شيء."
اعتدل والده لزوجته قائلاً لها بلهجة صارمة:
"ماذا به ابنك؟ ولا تقولي ليس هناك شيء لأن هذا الكلام غير مقنع لأي أحد. ماذا هناك يا نعيمة؟"
صمتت نعيمة لا تدري ماذا تقول خشية من أن يرفض أحمد فتنكسر روح عبد الرحمن ويحزن. فأخذتها الحيرة. ماذا تفعل؟
خرجت من تفكيرها على صوت عبد الرحمن وهو يقول:
"اعذرني يا أبي، ولكني كنت أريد أن أذهب لشراء بعض الأشياء. ولكني لا أقول لك هذا لكي تقول لي اذهب، ولكني أقول لك هذا لاني أتمنى أن تذهب معي."
قال عبد الرحمن ذلك، ثم صمت. وصمت كل شيء معه.
كان أحمد تفكيره في هذا الوقت شئ واحد وهو كم أنا قاسي. وكلمة قاسي قليلة أمامي. ظننت نفسي أبًا جيدًا بأنني أفعل له ما يريد، ولكن اتضح لي أني نسيت أهم شيء وهو أن أكون أبًا حنونًا لابني الذي كان يخاف مني.
في هذه اللحظة، فاق من شروده على أن زوجته كانت تقوم لتذهب لعبد الرحمن، ولكنه استوقفها قائلاً لها بصوت به وجع من السؤال، ولكن الوجع الأكبر هو الإجابة على هذا السؤال:
"هل أنا أب قاسي إلى هذه الدرجة يا نعيمة؟"
شهقت نعيمة بصوت عالٍ قائلةً له:
"ماذا تقول يا شيخ أحمد؟ لا تقول هكذا."
ضحك أحمد بوجع قائلاُ لها:
"إذا ماذا أقول لكِ يا نعيمة؟ حينما يخاف مني ابني الوحيد هكذا وأنا الذي أظن أني أفعل هكذا لكي يصبح رجلاً، وإن ما يريده ليس سهلاً."
صمتت نعيمة قليلاً ثم جلست بجواره قائلةً له:
"يا أبا عبد الرحمن، أنت لست قاسياً، أنت أب معلم."
قال لها احمد مستفسراً:
"ماذا تقصدي؟"
قالت له بتوضيح:
"أقصد أنك تفعل من ابنك رجلاً. أقصد أنك تعلم متى تقسو عليه ومتى تلين وتكون حنونًا. لست قاسياً يا أبا عبد الرحمن."
تبسم أحمد قائلاً لها بضحك:
"والله إني لا أرى أي معلم هنا سواكي يا من أنعمتي علي حياتي. قل لي ماذا أفعل بك؟ أفعالك هذه لن تنتهي أبدًا؟"
لقد سئمت منكر. ذاهب ولم يعطيه أي أهمية. صرخ به قائلاً له:
"محمد، حينما أحدثك تقف أمامي إلى أن أنتهي."
وقف محمد ضارباً يديه في بعض وهو ينظر له نظرة لا مبالية فيما معناها: "هيا انتهي".
حينما رآه والده هكذا، تقدم عليه وأنزل يديه على وجه ابنه بكل قوته. تعصب محمد بشدة من فعل والده وصار يصرخ به قائلاً له بطريقة جنونية:
"ما هذا الذي فعلته؟ أنا لم أعد طفلاً صغيراً لضربك لي. يمكنني أن أردها لك، أنا قوتي تفوقك الآن."
لم ينتظر والده لحظة واحدة، إلا وأنه ضربه مرة أخرى. وحاول وحاول المرة الثالثة، ولكن ابنه أمسك يديه قائلاً له بعصبية وجنون:
"لن أسمح لك أكثر من ذلك. اكتفيت منك ومللت الحياة بسببك."
ثم تركه ليخرج، وكل شيء يراه في طريقه يلقيه أرضاً.
قال له والده:
"ستعلمك الحياة معنى ما فعلته. عسى الزمان أن يهذبك ولو قليلاً."
رآه جالساً ماسكاً مصحفه يرتل القرآن بصوت عذب. ظل ينظر له ويبتسم وهو يقول:
"الحمدلله الذي أكرمني وجعل لي ذرية لتُحيّ ذكراي بعد مماتي."
صدق من قرأته حينما رأى والده ينظر له. ذهب له وقال له بحب:
"ماذا بك يا أبي؟"
رد احمد عليه وهو ينظر له بحب:
"أنا سعيد يا بني."
ابتسم عبدالرحمن وجلس بجانب أبيه وقال له وهو جاعلاً يديه على قلب والده قائلاً:
"جعل السعادة دائماً ساكنة بقلبك يا أبي، لأنه إن سكنت السعادة قلبك سعد قلبي تلقائياً. فاللهم السعادة لقلبك والفرحة لروحك والضحكة لوجهك البشوش يا أبي."
ضحك أحمد ولم يصدق ما قاله ابنه له، ثم قال له:
"حسنًا يا عبد الرحمن، سنذهب أنا وأنت ونعيمة لنشتري لك كل ما تريد."
كانت عينا أحمد أدمعت. فمسح عبدالرحمن عين والده وهو يقول:
"اللهم لا تبكيهم إلا لفرح. اللهم اجعلهم يروا كل جميل."
قال له والده:
"إذن كن أمامي طوال الوقت، لأني لا أرى جميلًا سواك."
استعد عبد الرحمن للذهاب وهو يكاد يطير فرحاً من أن والده ذاهب معه. ذهبوا سوياً.
قال أحمد لابنه بعد ما انتهوا وهو يريد السعادة في وجه ابنه:
"هل استطعت إسعادك يا ابني؟"
ابتسم عبدالرحمن قائلاً في سعادة:
"لا أظنني سأحيا سعادة مثل هذه."
انقبض قلب نعيمة على هذه الجملة. قالت له:
"كل السعادة لك بإذن الله يا بني، لا تقول هكذا. هيا بنا يا أبا عبد الرحمن، لا أعلم ماذا حدث لي، انقبض قلبي فجأة."
قال أحمد لنعيمة لكي يطمئنها:
"اهدئي، لا تخافي يا نعيمة، هيا بنا يا عبد الرحمن."
وأثناء خروجهم، رأى أحمد أن هناك سيارة ستصدم عبد الرحمن. فأسرع أحمد ينقذ ابنه. وهنا كانت نعيمة صرخت بكل قوتها لأن تلك السيارة صدمت أحد أحبائها، إن لم يكونوا الاثنين.
صارت نعيمة تصرخ لا تدري ماذا تفعل.
كان أحمد حينما رأى السيارة تقترب من ابنه، أزاح ابنه بعيدًا عن السيارة. ولكن!
ولكن السيارة صدمته هو.
أتى عبد الرحمن ونعيمة جالسين أرضاً. وخرج من في السيارة، وأتت كمية بشر لا عدد لها. وهناك من يقول:
"هيا نذهب به إلى أقرب مستشفى."
وهناك من يقول:
"لن نصل به حيًا."
قال أحد الحاضرين:
"هذا آخر انعدام التركيز في قيادة السيارات."
رد محمد:
"لستُ منعدم التركيز، ثم إنه يموت، ماذا أفعل له؟"
رد آخر:
"هذا بدلًا من المساعدة."
قال بطريقة لا مبالية وهو يتركهم كأنه لم يفعل شيئًا:
"لن أساعد، وليحدث ما يحدث."
كانت صرخات نعيمة لا تهدأ. جلست أرضاً بجواره وهي تصرخ باسمه.
كان أحمد ينزف دمًا بكثرة ولا يستطيع أن يتكلم، ولكنه قال:
"اقترب مني يا عبد الرحمن لأطمئن أن ليس بك أي جروح."
اقترب عبد الرحمن وأخذ والده في حضنه:
"ها أنا هنا يا أبي، ليس بي شيء، سوى أن قلبي ينزف ويصرخ عليك."
صرخت نعيمة قائلة:
"أليس هناك مَن يساعدنا؟"
لاحظ عبد الرحمن أن والده يريد أن يقول له شيئًا. فاقترب منه وقال له والده:
"أيام وستسمع أعمامك يقولون: ثأر لأبيك يا عبد الرحمن. أريدك أن تحيا سعيدًا يا عبد الرحمن، والثأر ليس به سعادة. يا بني ابتعد عن أعمامك واحفظ نعيمة في قلبك، هي أكثر من سيحزن عليّ."
صرخ عبدالرحمن:
"لا تقول هكذا يا أبي، ستكون بخير."
ثم شعر بثقل والده على يديه. احتضنته نعيمة صارخةً وهي تقول:
"أحمد، لا تتركني يا أحمد، لا تفعل بي هكذا، لمن تتركنا أنا وابنك يا أحمد؟"
ومن هذه اللحظة، لم تتوقف عين عبد الرحمن ونعيمة، لم تهدأ صرخاتها.
قال عبد الرحمن وهو يبكي بعد مرور أكثر من يوم على وفاة والده:
"أراد أن يسعد بزواجي حينما أكبر ليرى أطفالي ويعتبرهم أبنائه، ولكني لم أحسب أني سأسيرُ في جنازته قبل أن يسعد بي."
كانت عينا نعيمة لم تنتهِ من البكاء. إلى أن وجدت محمود ابن عم أحمد.
قال محمود صارخاً في عبد الرحمن:
"ماذا تفعل؟ أتبكي على أبيك كالنساء؟ قم وامسح دموعك. خذ ثأر والدك ثم ابكي كما شئت."
"ثأر؟" قالتها نعيمة باستنكار. "ثأر ماذا؟ يا أبا زكريا."
نظر محمود لها بقرف وقال لها:
"ثأر أحمد ابن عمي. ثم حديث الرجال، إياكِ والتدخل به."
قامت نعيمة من مكانها سائلةً:
"حديث رجال؟ أين هم الرجال؟"
صمتت قليلاً وهي تنظر له رافعةً حاجبيها قائلة له:
"مَن قال لك أننا سنأخذ ثأر أحمد؟"
نظر محمود لها نظرة جهنمية:
"ماذا تقصدين؟ يا أم الولد الواحد؟ إنني سأنتظر ردك أنتِ لتقولي ستأخذين الثأر أم لا؟ ورجال أقصد أنا وابنك، أم أنكِ لم تحسبي ابنك ضمن الرجال؟ أم ماذا يا أم الابن الواحد؟"
نظرت له نعيمة قائلة له ببرود:
"ألا ترى أني أم لابن واحد وهو بجانبي أفضل من أن أكون أم لعشرة وهم ليسوا بجانبي لأنهم لا يحبوني."
رفع محمود يديه ليضربها، ولكنه فوجئ بيد تمسك يديه. وجده عبد الرحمن.
ولكن قالت نعيمة له وهي رافعة حاجبيها:
"أعلمت الآن من هو الرجل هنا؟ فهو ابني عبد الرحمن، أم أنت!؟ من يرفع يديه على امرأة لا أحتاج أن أقول لك ماذا يكون."
صرخ محمود لها قائلاً:
"نعيمة، لقد تخطيتي حدودك."
عبدالرحمن بعصبية أكثر قال له:
"اسمها أم عبد الرحمن، ولا أريد أن أسمعك تنادي اسمها مجرد مرة أخرى."
تلعثم محمود لا يدري ماذا يقول، فالابن شبه أباه. ثم قال لهم:
"اهدأوا قليلاً. أهم شيء أن نتفق لنأخذ ثأر والدك. لابد أن أعلمك هذا يا عبد الرحمن."
ردت نعيمة:
"ابني لن يتعلم شيئًا. لن يفعل شيئًا. وإن أردت أن تأخذ ثأر ابن عمك فبعيدًا عن ابني، وهيا أخرج من هنا."
خرج محمود وهو يكاد يقتل نعيمة وعبد الرحمن ليأخذ كل الورث هو وأبنائه.
ألم أقل لك أن الزمن سيعلمك. هيا أريني ماذا ستفعل وأنت كل من يراك سيحاول قتلك ليأخذوا ثأره.
قال محمد بترجٍ لوالده:
"ماذا تعني؟ ألن تقف بجواري إن حاولوا قتلي؟"
كاد محمد أن يجن وهو يحاول أن يعرف كيف حدث ذلك. وها هو قاتل، وسيُقتل في أي لحظة.
قال له والده ببرود:
"لا، ليس لي دخل بك. اخرج نفسك وحدك كما أدخلت نفسك بها."
وتركه وغادر. وكاد محمد أن يجن عن تصرف أبيه.
ها هو خطأ في الماضي يُعاقب عليه الكثير في الحاضر، وربما في المستقبل يُفتح الماضي ويتم تشويه المستقبل أيضًا كالماضي.
بعد مرور أعوام كثيرة.
تعالت الأصوات من هنا وهناك وكلاهما يقولوا:
"يا شيخ عبد الرحمن، يا أبا عاصم، يا شيخ عبد الرحمن، يا أم عاصم، أين أنتم؟ انقذوا ابنتكم السيدة زهرة. أسرع يا أبا عاصم، يا شيخ عبد الرحمن."
خرجت أم عاصم قائلةً:
"ماذا حدث لكم؟ أحدث شيء لعقلكم أم ماذا؟"
قال أحد الخدم:
"السيدة زهرة يا أم عاصم."
قالت فاطمة:
"ما بها عروستنا؟"
صمت الكل. لم يدروا ماذا يجيبوا.
صرخت بهم قائلةً:
"ما بها؟ تكلموا."
قال أحدهم بتلعثم:
"السيد سعد زوج السيدة زهرة انتقل إلى رحمة الله."
لثوانٍ لم تستوعب فاطمة ما قيل لها. وما إن بدأت تستوعب ذلك، وها هي خرجت تصرخ بالشارع باسم ابنتها.
ذهب أحد الخدم إلى الشيخ عبد الرحمن. كان قد استيقظ وسأل:
"ماذا يحدث بالخارج؟"
رد الخادم:
"عليك أن تقوم لتذهب إلى منزل السيدة زهرة."
تعجب عبد الرحمن وقال بتعب:
"ما لها زهرة؟ عبد الرحمن لأذهب لها مبكرًا."
قال الخادم بتوتر:
"عليك أن تنهض أولاً يا شيخ، لأن الأمر عاجل."
قال عبدالرحمن بعصبية:
"ماذا يحدث؟ ماذا هناك؟"
قال الخادم بتوتر:
"لقد مات السيد سعد زوج السيدة زهرة."
هنا نظر عبد الرحمن قائلاً له بعصبية:
"ماذا تقول؟" وهو يحاول أن يفهم ما قيل له في حق زهرته. ولكن الصدمة أسقطته مغشيًا عليه.
صرخ الخادم قائلاً:
"يا شيخ عبد الرحمن."
رواية وللثأر حكايا الفصل الثاني 2 - بقلم هموسه عثمان
أشرقت الشمس بنورها في قلوبنا فاشرقت قلوبنا واستيقظوا بسعادة ليبدأوا يوماً جديداً عساه يحمل ولو قليل من الخير لهم حتى ولو كان قليل أفضل من لا شيء.
يا سيد عاصم!
يا سيد عاصم!
قالها بسرعة.
نعم! ماذا تريد؟
ماذا حدث يا شهاب؟
قالها السيد عاصم وهو يترك الأوراق التي بيده ناظراً له مستفهماً عن ماذا يريد.
كان شهاب ينظر حوله يميناً وشمالاً ولا يعلم ماذا يقول له أو كيف يقول له. أخذ يفكر كثيراً.
انتفض على صوت السيد عاصم مرة أخرى قائلاً:
ماذا هناك يا شهاب؟
أحدث شئ؟
بدأ شهاب في الحديث وهو يقول كلامه بحروف متقطعة قائلاً:
لقد أتى لك إتصال من البلد منذ قليل.
بُهت وجه عاصم قائلاً له:
حسناً! ماذا به الإتصال؟ أهناك شئ؟
كان شهاب يتهرب بعينيه ولا يدري كيف يصارحه ويقول له ما حدث. كيف يقول تلك التي ذهب لها منذ شهر وحضر زفافها مات زوجها اليوم؟ كان التفكير سيقتله.
عاصم بعصبية وتوتر:
ماذا هناك يا شهاب؟
السيد سعد زوج السيدة زهرة في ذمة الله.
وقع من فوق المبنى وهو يعمل ومات.
قال شهاب هذه الجملة سريعاً. كان عاصم واقفاً يحاول أن يفهم ويستوعب ما قيل له. هو حتى الآن لا يفهم ما قيل له. إلى أن جلس قائلاً:
ماذا قلت؟ سعد!؟ زهرتي لقد مات زوجها؟ زهرتي ستدبل قبل أن تتفتح ويملئ الكون عطرها؟ سلمها أبي له زوجة منذ شهر وستعود معه مكسورة؟ لا لا أنا لا أصدق!
قال آخر كلمة بصوت عالٍ. أتي على صوته أبناؤه وزوجته. نظر عاصم لهم وقال لهم وهم واقفين يحاولون فهم ما يحدث.
قال لهم ودموعه تملئ عيناه:
سعد زوج زهرة مات يا رباب، مات يا باهر، مات يا يامن.
أنا كنت سأذهب لها منذ يومين، سأذهب لها اليوم ولكن للتعزية ليس للتهنئة. زهرة عبدالرحمن راح عطره.
نظر عاصم إلى ابنه وقال له:
ألن تفهم معنى ذلك يا باهر؟ ألا تريد أن تفهم أن عمل بنت العامرين هو خطر عليك يا ولدي؟ أم تريد أن تكسرني أنا وأمك عليك؟
نظر له باهر مستفهماً عن دخلها في الموضوع، ما شأنها في موت زوج عمته. فقال له:
يا أبي هذا عمل... ثم ما شأنها هي بذلك.
امسك عاصم رأسه بقوة قائلاً له:
ألا تريد أن تفهم يا باهر أن هناك ثأر ودم بيننا يا باهر؟ الأمر كبير يا ولدي.
انكسر باهر رأسه ناظراً للأرض فقال:
عذراً يا أبي ولكن كل شيء مقدر ومكتوب.
كانت والدته تنظر لهم بحزن، نظرة تعني ماذا تقولوا؟ أليس للإنسان ثمن لديكم؟ ثم قالت في النهاية:
يا ولدي لا تقترب من النار ثم تعود تشتكي وتقول لقد سببت لك النار حرق يا ولدي. سأقول لك شيئاً واحداً.
نظر باهر لها مستفهماً قائلاً:
ماذا؟
ردت عليه بدموع ملأت عينيها وأشارت بيديها إلى قلبها قائلة:
هذا قلبي اياك وكسره عليك حزناً. اياك يا ولديا.
اعتدلت إلى عاصم قائلة:
سأذهب لأجهز نفسي.
نظرت لأولادها قائلة لهم:
هيا جهزوا نفسكم. اياكم والتأخير.
ااااه يا ولدي.
صرخت بها والدة سعد قائلة من وسط صراخها:
عريس يا ولدي لم تري السعادة بعد يا سعدي، لم ارى ابن لك بعد يا نور عيني. كسرتني عليك وأنا حيه.
وأثناء صراخها سمعت من تقول:
يبدو أن بنت عبد الرحمن لم تكن السعد علي ابننا.
قامت والدته صارخة بها وهي تمسكها لتخرجها خارج المنزل قائلة لها:
بل ابني أنا الذي لم يكتب له السعادة علي يد بنت عبد الرحمن. ابني حظه حتى في السعادة كان قليلاً.
كانت والدة زهرة في حالة يرثى لها على عروستها التي لم تكمل سوا شهر.
عادت بذاكرتها تتذكر:
زهر القلب حينما علم أنكِ ساكنته وتراقص فرحاً حينما علم أنكِ ستعيشين بداخله، فقولي لي سيدتي كيف لي أن أوقف القلب قليلاً من سعادته وتراقصه لكي اترك المجال قليلاً لروحي فهي الأخرى تريد الترحاب بمن امتلكتها. تريد ان تقول لها لقد فاح عطرك بداخل ذاك العضو من جهة الشمال فهل يمكنك أن تعطيني فرصة، فهو ليت قادر على تلك السعادة.
تبسم قلب زهرة قبل وجهها، ضحكت وتراقصت روحها فرحاً بما ذلك فقالت له:
سعدي أنت والسعد أنت، فأنت للروح مُسَكِن لها سوا قلبك خير مسكن، ومأمن له فسكن بها فلعلي الساكن يليق بمقام قلبك، فأنت للروح ساكن والقلب أيضاً. عساهم يليقوا بك يا سعدي ويا ساعد روحي.
تبسم سعد لزهرته وقال لها:
حتى هذه اللحظة لا أعلم ما هو الشيء الجيد الذي فعلته لكي اُكافئ بكِ يا زهرتي التي فاح فاستنشق القلب ذاك العطر وتراقص.
تبسمت زهرة وظهرت تلك الغمازات المرسومة بوجهها تزينه أكثر.
فاقت زهرة من شرودها على من يهزها إلى أن اعتدلت لها بأعين حزينة وقلب قد كُسر. نظرت لها وجدتها رباب. كانت رباب لا تعرف ماذا تقول لها وكان هذا جيد، فزهرة ليس لديها رد لأي شيء يُقال لها سوا قلبها ينزف ويصرخ وروحها ذهبت مع حبيبها وعيناها إن استطاعت أن توقفهم عن الدموع والبكي فحبيب القلب لن يكفيه أعوام من الحزن والبكي.
صحيح يا وضاح بنت عبد الرحمن زوجها اتوفى؟
نظر وضاح إلى والده نظرة تعني ألا تعلم؟ إذاً لمِ الشماتة؟
تنفس وضاح بصوتٍ عالٍ وقال:
نعم يا أبي توفى رحمه الله.
صمت قليلاً وهو ينظر له ثم قال:
ألا تعلم مَن قاتله يا حج عبد الله؟
عقد عبد الله حاجبيه ونظر لابنه بغضب فرد عليه بعصبية:
ماذا تعني بسؤالك يا وضاح؟ كن واضح معي مثل اسمك!
قال وضاح سريعاً:
لا أعني شيئاً يا أبي أنا حقاً أتساءل.
قال عبد الله بعصبية قائلاً:
اياك يابني أن تشك بي مجرد شك أن أشارك في مشاكل ثأر نهائي. صحيح أنا وأعمامك أبناء محمد قاتل والد عبد الرحمن لكن لا نفعل ذلك. ثم هم من لهم الثأر يا ولدي.
تنهد وضاح براحة من كلام أبيه وهو يأمل أن يكون صادق. نظر عبد الله قائلاً بلهفة:
أخبرني عن حفيدتي ذكرى كيف أخبارها؟ وكيف يسير عملها؟ اشتقت لها.
تبسم وضاح عند ذكر ابنته وحبيبته وحزن قلبه أيضاً لأنه اشتاق لها. رد قائلاً:
بكل خير نحمد الله، دعواتك لها.
تبسم عبد الله وقال بفخر:
ذكرى ليست مثل الفتيات، حفيدتي تختلف. حينما توافق على الزواج سأجلس لاختار من يليق بحبيبتي مُدللة جدها.
ضحك وضاح بشدة قائلاً له:
أراك تستثني كرم من كل هذا؟
نظر عبد الله لابنه قائلاً:
وهل هناك من ينسى هذا الشاب الملئ بالحيوية وروحه التي تخطف القلوب؟ هذا سأزوجه أربعة.
عقد وضاح حاجبيه ورفع أحدهما وقال:
كرم لن تتحمله واحدة ليتزوج أربعة. ثم ماذا إن أراد أن يفعل زوج ذكرى كذلك؟
رد عبد الله بعصبية:
سأقوله قبل أن يفكر في ذلك. من هذا الذي يستطيع أن يتزوج على حفيدة عبد الله محمد العامري؟
أنا سمعت من يتكلم عني هنا!
مَن تجرأ على ذلك؟
رآه عبدالله آتياً عليه وبيده كعادته بسكويته المفضل. ضحك عليه وعلى شكله.
دخل كرم وسلم على أبيه وجده. سأله جده:
كيف يسير عملك؟
قال كرم بضحك:
يسير على قدمه.
عقد عبد الله حاجبيه ناظراً له بغضب.
فتكلم كرم وهو يرفع نظاراته ويتكلم بتكبر قائلاً:
عمل يديره كرم وضاح العامري سيكون فوق الممتاز.
صمت قليلاً ثم قال:
نعم يا جدي اني لا أحب الكلام كثير عن نفسي ولكن قليل من الشكر وقليل من التواضع يا جدي لابد منها.
صمت قليلاً بعد كل هذا الكلام يأخذ نفسه قائلاً:
نعم يا أبي اني لا أحب الكلام الكثير بل احب هذا البسكويت.
ثم وضع نظاراته وقام وبيده بسكويته ثم رفع نظاراته قليلاً وغمز لجده:
سأذهب الآن والليلة سآتي بكل الأشياء لكي تكتمل السهرة. اياكاياك أن تخبر وضاح بشئ.
ذهب كرم وكان عبدالله و وضاح في حالة من الضحك الهيستري. ثم قال عبد الله:
لا احب الضحك الكثير هذا.
وضاح بضحك:
لا تقلق يا ابي خير أن شاء الله.
عبدالله عاقداً حاجبيه قائلاً:
هل اتي طاهر ابن عمك من سفره؟ لا اعلم لماذا سافر لم يكمل شهرين متزوج.
وضاح بلا مبالاه:
لا لم يأتي بعد ولكن علمت أنه سيركب بعد ساعة من الآن.
يا شاكرة ماذا تريدي؟
لقد سئمت منك.
شاكرة بعصبية ونظرات نارية:
صوتك دا بيعلي عليا أنا يا رضوان؟ أنا قلت شئ؟ وهو أن ابنائك لابد أن يتزوجوا أبناء العائلة لكي استطيع السيطرة على جميع بيوت العائلة.
رضوان بعصبية:
وكيف افعل ذلك؟ اذهب لهم وقل لدي بنات تزوجوهم بالاجبار؟
صمت قليلاً ثم نظر لها نظرة تعني أن ما تريده لن يحدث قال لها:
وهذا لن يحدث لن يحدث.
احتمال أن يحدث تصالح عبارة عن تبادل زواج بيننا وبين الشريف ولكن عُطل كل شيء بسبب وفاة زوج بنتهم.
كانت شاكرة تنظر له وتحدث نفسها تقول:
صلح وعائلة الشريف؟ نملك كل شئ!
رضوان:
اين انتِ؟ اين ذهبتي؟
شاكرة بثقة قائلة:
إذن يتم تبادل الزواج من أبنائي، لكي يكون كل شيء لدي عائلة الشريف لي في النهاية.
بعد مرور بعد الوقت.
ماذا بكِ يا ابنتي؟
لمِ لا تجلسي؟ لمِ تشيري يمينا وشمالا هكذا؟ رقية بنتي أنا احدثك ماذا بكِ؟
رقية انتبهت أن حماتها تحدثها اعتدلت لها معتذرة قائلة:
اعتذر ولكني قلقة على طاهر لا أعلم لمِ. لم يأتي حتى الآن؟
بث القلق في قلب والدتها ولكنها اخفته فقالت لها:
لا تقلقي سيأتي الان.
كان الوقت يمر ودون وصوله إلى أن رن الهاتف.
ردت رقية سريعا.
المتصل:
هل أنتِ من أقارب طاهر عبد الهادي؟
كانت فتحت المكبر عند هذه الكلمة.
فردت امه سريعا:
نعم يابني أنا والدته اين هو؟ لمِ تأخر؟
المتصل بحشرجة وكان لا يعلم ماذا يقول أو كيف يقول ولكنها تماسك وقال:
هل يمكنك أن تعطي الهاتف لغيرك يا امي؟
والدته بقلق كاد يقتلها قائلة:
حسنا ها أنا أعطيته لزوجته.
المتصل لنفسه:
زوجته وكأنك فعلتي شيئاً جيداً هكذا؟ ساقول وليحدث ما يحدث في كل الأحوال لابد وأن يعلموا.
ثم قال سريعا:
طاهر عبد الهادي العامري لقد مات في حادث ونرجوا أن يأتي أحد من أهله لفعل الإجراءات.
ليس هناك رد وكيف سيكون هناك رد بعد الذي قيل. ليس هناك.
هناك شئ واحد وهو أن تستعد بكل قواك وتصرخ.
لم يسمع المتصل سوا صرخة كادت أن تخلع قلبيه من مكانه ولكن ماذا بيده.
اتت الناس من كل مكان اثر صرخاتهم المتتالية.
وهل للقلب قليل من السعادة؟
هو يريد القليل.
رواية وللثأر حكايا الفصل الثالث 3 - بقلم هموسه عثمان
هل يمكنك أن تخبرني كيف مر هذا الأسبوع؟
هل مر علي أنا؟ وهل بقي لدي عقل أو شيء سليم بي طوال هذه الفترة الكبيرة؟
فترة كبيرة؟ أسبوع فترة كبيرة؟
نعم، فقلبي هذا إن كان هناك شيء يُسمّى قلب يراها أكثر من سبع سنوات.
لا أعلم هل سينتهي هذا الحزن يومًا ما أم سأبقى بداخله للأبد؟
يا سعدي أين ذهبت وتركتني هكذا؟ فالقلب مات من الانتظار والعقل رافضًا لكل ما قيل أو ما سمعه.
فاقت من شرودها على صوت يقول: الشيخ عبد الرحمن لقد أتي إليك.
فكر عقلها قليلاً بعد ما كان واقفاً عن العمل: لماذا يأتي أبي إلى مجلس النساء؟
دخل الشيخ عبد الرحمن وكأن ذلك الأسبوع مر سبعين عامًا فوق عمره.
ورأى زهرته ها قد ذبلت: هل هذه زهرة عبد الرحمن؟ ماذا جرى لكِ يا بنيتي؟ انكسر القلب حزنًا عليكِ يا صغيرتي.
قال الشيخ عبد الرحمن: ربّط الله على قلبكِ يا أم سعد.
أم سعد ببكاء: يا رب يا شيخ، دعواتك بالصبر لي يا شيخ، وأن يجبر كسر ابنتك.
صمت عبد الرحمن لا يعلم كيف يقولها أو ماذا يقول. كيف سيكون رد فعلها؟ فالصدمة قوية عليها.
ثم تنهد بشدة وقال: يا أم سعد، تعلمي أن التأخير بهذا الشيء لن ينفع أبدًا لأنه لابد وأن يحدث.
رفعت أم سعد عينيها برعب: ما الذي أتى في عقلها؟ وقالت برعب: ما هذا الشيء يا شيخ؟
نظر الشيخ عبد الرحمن في كل مكان ثم قال لها: حان وقت عودة زهرة إلى بيت أبيها يا أم سعد، أليس كذلك؟
ما إن سمعت أم سعد ذلك إلا وبها وإن قامت تصرخ وتقول: لا لا لا، يمكنك فعل ذلك، لا يمكنك كسري هكذا.
قالت إحدى الجالسات بعصبية: ليس بهذه السرعة يا شيخ. ارحمها، أليس لديك رحمة؟
صرخ بها عبد الرحمن وقال لها: إن كانت بنتك ستتركيها وتقولي حرام؟ لا أستطيع ترك عرضي أكثر من ذلك.
قالت له أم سعد بجنون: استحلفك بالله لا تفعل بي ذلك، ذلك خروجها هي من هنا أكثر كسرة لي من خروج سعد يا شيخ.
نظرت له وقالت له بجنون وعصبية وكانت في حالة ترثى لها: ماذا لو كانت حامل ستأخذها؟
قبل أن يجيب سمع واحدة تقول: ستترك تلك المرأة تموت وأهم شيء تأخذ بنتك، هي على قيد الحياة لم تخسر شيئًا.
صرخت بها أم سعد جعلتها تصمت.
فقال لها عبد الرحمن بحزن وألم وكسرة: وهل تضمني لي أن يفوح عطر زهرة عبد الرحمن مرة أخرى؟
لم تصمت تلك المرأة بل ردت عليه قائلة: وإن لم يفوح فهي أمامك ولم تخسر غير تلك المرأة.
نظر عبد الرحمن لها وقال: وهل تضمني لي أن تعيش في سعادة؟ بعد كسرها؟ ما فائدة أنها على قيد الحياة وروحها ماتت وربما تضيع مني.
صرخت أم سعد لها وطردتها قائلة للشيخ: أجبني يا شيخ، لا تتركني هكذا. استحلفك بالله لا تكسرني أكثر من ذلك.
قال لها أخيرًا بحزن: إن أردتِ راحتكِ فاتمني، وإن أردتي راحتي فلا أتمني ذلك.
انصدمت أم سعد قائلة: لن ترتاح إذا كانت حامل؟
أنزل عبد الرحمن رأسه قائلاً: نعم، لن أرتاح وأنا أرى شيئًا يعلق ابنتي بالماضي ويؤلمها أكثر من ذلك. أنا سأحاول أن أداويها.
نظر إلى زوجته وقال: هيا يا أم عاصم أنتِ وزهرة.
وما إن رأوا ابنته انفطر الفؤاد حزنًا على زهرته، لقد دبلت مبكرًا.
وما إن أرادوا الخروج حتى كانت أم سعد تصرخ بكل قوتها قائلة: لم أستوعب خروج ابني لتخرج زوجته هكذا.
سمع عبدالهادي صوت أخيه يقول: يا عبد الهادي أين أنت؟
خرج عبد الهادي قال له: تفضل.
دخل معه ثم قال سريعًا: اعذرني يا أخي، هذا الكلام لا نقاش فيه ولا معنى لوجود ابنتي هنا بعد الآن.
قبل أن يرد عبد الهادي سمع صوت زوجته تقول: لا والف لا، آخذكِ لها يتطلب موتي أولاً. لن يحدث، لن تأخذها، هذا مستحيل.
رد عبد الله قائلاً: طاهر لم يكن ابنك لوحدك يا خديجة، كان ابنًا لنا كلنا. وإن تطلب أخذ ابنتي من هنا قتلك سأخذها، وإن تطلب الأمر قتل عبد الهادي نفسه فلا تضطروني لفعل شيء.
لم يصله رد بل وصله صوت زوجته صارخة قائلة: ابنتي رقية ما بكِ؟ أفيقي يا بنتي.
دخل عبد الله سريعًا صارخًا: ما بها؟
صرخت والدتها قائلة: ما بكِ يا ابنتي؟
حاولوا إفاقتها ولكن دون جدوى.
قال عبدالله بكل قوته: وضاح وضاح.
دخل وضاح سريعًا وجد أخته هكذا ليس في عالمهم.
صرخ عبد الله به قائلاً: احمل أختك لنذهب بها لأقرب مستشفى.
خرجت خديجة سريعًا لتذهب معهم. حاول الجميع منعها ولكنهم تركوها تذهب معهم في النهاية.
في الداخل الوقت يمر ولا أحد يعلم ماذا حدث لها.
إلى أن خرج الطبيب. أسرعت خديجة ووضاح قائلين: ماذا بها؟
قال لهم الطبيب بهدوء: لا داعي لكل هذا القلق.
صرخ عبد الله غير محتمل قائلاً: نعم! ماذا بها وضح لنا.
قال الطبيب بهدوء وخوف من حالته: يبدو أنها لم تأكل لفترة كبيرة وهذا أثر على الحمل.
بهت وجه الجميع قائلين: حمل؟
رد الطبيب: نعم حمل أكثر من شهر أيضًا. لماذا؟ ألا تعلموا؟
اعتدلت خديجة وهي تبكي تقول: والله كأن رُد لي طاهر الآن. ونظرت للطبيب قائلة: لا لم نكن نعلم فمات زوجها وابني وقرة عيني من أسبوع، ولكن عوض الله أتى سريعًا.
أعطاهم الطبيب النصائح.
دخل علي والده وجده جالسًا وها هو في أسبوع كبر وكأنما كبر مئة عام عندما رآه.
قال له: تفضل يا عاصم، ماذا بك؟
تنهد عاصم بحزن ودخل وسلم على والده وقال له: كيف حالك يا أبي؟
رد عبد الرحمن وهو يهز رأسه: الحمدلله يا بني، ماذا بك؟
رد عاصم قائلاً بهدوء: اعذرني يا أبي ولكن يجب أن أسافر أنا وأسرتي.
نظر عبد الرحمن إلى ابنه: دون عذر يا بني، اذهب حفظك الله. لا تغيب عني كثيرًا يا عاصم.
وصار الوقت يمر ويمر منذ وفاة سعد وطاهر ولم يعلم هل ماتوا ثأر أم ماذا.
مر شهر على وفاتهم وكأنهم أعوامًا على أحبابهم.
نزل سريعًا ذاهبًا ولكنه استوقفه والده قائلاً له: تركتك شهر كاملًا منذ أن أتينا من البلد ومنا آمال أن تستفيق وحدك وتطرد بنت العامرين من العمل عندك يا باهر. ألا أستطيع أن أحكم عليك؟
نظر باهر لوالده نظرة تعني ألم تنتهي من هذا الموضوع.
رد باهر بهدوء قائلاً: عذرًا يا أبي وأنا قلت لك لن أفصلها عن العمل لمجرد خلافات بين العائلات. هي طبيبة على مستوى عالٍ، هناك أرواح بين يدينا وأنا لن أخسرها نهائيًا لمجرد خلافات.
نظر عاصم له بغضب قائلاً: أتكسر كلامي؟
باهر بنفاذ صبر: يا أبي أنا لم أكسر ولن أكسر كلامك ولكن هذا عمل لا أستطيع فعل ذلك. عملي ليس لعبة بل أرواح بين يدي. وعن إذنك ذاهب إلى عملي.
قالت رباب والدته: باهر! باهر! ألن تفطر؟
ذهب باهر دون رد عليها.
طرق خفيف على الباب إذن للطارق بالدخول.
رفع عينيه ها هو وجدها أمامه. مر شهر دون رؤيتها. ولكن على الرغم من حالة الماضي التي تعيشها إلا أن حول عينيها حزن كبير.
ها قد أتت ذكرى التي طالما اشتعل الخلاف بينه وبين والده بسببها.
يجب على أبيه أن يراها قبل أن يأمره بأن يفصلها عن العمل.
تلك الفتاة التي تعيش هي وتصرفاتها وطريقتها وملابسها في حالة من الماضي.
فاق من شروده عندما قالت: هل أدخل يا سيد باهر؟
تبسم باهر وقال من داخله: والله لا أعلم من الباهر أنا أم فستانك الجميل هذا.
ثم اعتدل وتكلم بجدية وقال: بالطبع يا سيدة ذكرى.
قبل أن يقول أحدهما شيئًا قالوا سويًا: البقاء لله.
تبسم باهر بوضوح هذه المرة وقال: عادة ما يحدث ذلك، نقول نفس الشيء بنفس الوقت.
جلست ذكرى معه وأعطته ملفات العمليات التي حدثت من شهر مضى.
نظر إلى الملفات ونظر إليها وإلى عينيها وكأنه بهما عسل ومن حولهما كحل رباني. وفوق كل هذا تسير أمامي بتلك الفساتين.
صار يتنهد بضيق وهو يستغفر ربه ويقول: كان لك حق يا أبي، يجب أن تذهب من هنا.
بدأ يناقشها في كل القديم إلى أن دخل عليهم دون استئذان رجل يبدو عليه الوقار.
فقام باهر سريعًا فارداً له يديه وقال: الطبيب عمر في مكتبي المتواضع.
ضحك عمر وأجلسه باهر على رأس المكتب.
وبدأ عمر يتحدث معهم حول أخبار المستشفى وعن أحوال المرضى.
ثم استأذنت ذكرى.
وما إن غادر قال عمر: جميلة تلك الفتاة.
تبسم باهر وقال بحب: جميلة جدًا.
تعصب عمر عليه وقال له: ولد تأدب، لا تقل ذلك.
نظر باهر بطرف عينيه بضيق قائلاً: ولمَ أنت تقول؟
قام عمر وأمسكه من أذنه فانحنى له لطوله قائلاً له: يا ولد هي مثل ابنتي أنا، مثل أبيها، أنت لست أبيها.
قال باهر بهدوء وتلاعب حاجبيه: مثل أخيها. هي ابنتك وأنا ابنك، إذا هي أختي.
نظر عمر بضيق وقال له: ولد أخرج من هنا، ليس لدي صحة لك.
ضحك باهر وتلاعب بحاجبيه له وقال: أخرج أنت، هذا مكتبي أنا.
تعصب عمر وخرج بسببه.
دخل عليه الطبيب أيمن قال لباهر وهو يراه يبدل ملابسه ليرتدي ملابس العمل قال له: سيد باهر أريد رأيك في.
قبل أن يكمل قال باهر بعصبية: كم مرة قلت لكم أي شيء تريدونه اذهبوا للسيد عمر، أنا هنا مجرد طبيب مثلكم.
خرج أيمن سريعًا خوفًا منه ومن عصبيته.
قلت لكِ لكي أتركك تعملي عليكِ أن تعطيني المال باستمرار يا ريحان وإلا لن أرحمك.
ردت ريحان بحزن: لمِ تفعل هكذا؟ أنت لست محتاج لذلك.
نظر لها ببرود وقال: أنا من أحدد أريد أم لا! ها ستعطيني المال أم لا؟ عمل من اليوم؟
تعثرت ريحان وأعطته المال وقالت له: ها هي خذ يا أبي، لا أريد شيئًا. خذ، لا أدري أي أب أم سفاح أنت!
سيد زكريا يا سيد زكريا!
اعتدل زكريا ليرى الخادم ماذا يريد منه وقال بعصبية له: ماذا تريد؟
رد الخادم بخوف وقال له: الشيخ عبد الرحمن يريدك، أرسل لك منذ قليل.
رفع زكريا حاجبيه وقال: حسنًا، سآتي له.
قالت له ريحان: ليس لك سوى عمي الشيخ يفعل بك ما يحلو له.
أراد ضربها صرخت به وقالت له: أنت تحتاج المال. إن ضربتني لن أترك عملي بل سأذهب إلى عمي وأقول له.
أنزل زكريا يديه وذهب إلى الشيخ عبد الرحمن.
ذهب زكريا سريعًا إلى عبد الرحمن وجده هو وبهجت ابن عبد الرحمن ذاهبين إلى منزل يحيى العزايزي.
ذهب معهم. عندما ذهبوا فوجئ بوجود عبد الهادي وابنه همام وعبد الله وابنه وضاح.
وبدأت جلسة صلح. صلح ومع من؟ وبوجودي؟ وبموافقتي؟ هل سأصمت على ما يفعلونه؟ لا والف لا، يجب أن يتم تخريب هذا الصلح وسيحدث.
بعد السلام جلسوا وبدأوا الكلام حول صلح بينهم. أراد عبد الله أن يعترض في شيء فرد عليه بهجت بشدة قائلاً: لا تنسى يا سيد عبد الله إن نحن من لنا الأخذ بالثأر.
قال في داخله: لك كل الدعم يا بهجت، استمر، أوافقك في أي شيء يعارض الصلح.
هدأ يحيي الوضع قليلاً وقال لهم: أتمنى أن يكون قلب كل منكم قد هدأ على من مات عنده.
فرد الشيخ عبد الرحمن: من قال إن القلب يهدأ على شيء كهذا يا يحيي؟
رد يحيي بحزن وقال له: ربط الله على قلوبكم يا شيخ عبد الرحمن.
أومأ الشيخ عبد الرحمن وقال: اللهم آمين يا رب.
استمرت الجلسات بينهم ليصلوا إلى حل يرضي جميع الأطراف وينهوا خلافًا دام لأعوام وأعوام كثيرة.
طالت الجلسة ولا نعلم بعد هل سينتهي الخلاف أم لا.
رواية وللثأر حكايا الفصل الرابع 4 - بقلم هموسه عثمان
هناك شيء مهم في الحزن.
شيء مهم في الحزن؟ نعم!
ماذا؟
المهم في الحزن إن لم يكن الأهم أن تجد من يخفف عنك.
تجد من يهدأ صراخ قلبك.
تجد من يقول لقلبك كفى صراخاً ها أنا هنا.
إن وجدت هذا الشخص أضمن لك أن صراخَ قلبك سيهدأ يا عزيزي.
وكأن حزن العالم اجتمع ووُضِع في قلبها. وكأنه أقسم ألا يتركها. وكأنه إن تركها ستموت فعلياً. فهنا يُوجد حلين لا ثالث لهما. بحيث ليس هناك شيء تبقي عليه أو إن تركها لتحيا قليلاً. بالنسبة للحزن هنا الموت سيحاول أن يأتي لها في أحلامِها ليعذبها. فكلا الحلين أثقل علي القلب من الذي قبله.
دخل عليها وجد قلبه ينفطر عليها. كاد يقف ويموت. أهذه زهرته؟ قولوا لي ليست هي وسأصدق. فالقلب ما زال يُكَذِب ذلك.
رأته فقامت تترانح وكادت تسقط. ولكنه اسندها. هو بدلاً من أن تسنده.
أخذها في حضنه وكاد يبكي. وجلس واجلسها بجواره وقال لها:
يا زهرتي.
أنكست زهرة رأسها وقالت:
ذبلت زهرتك يا أبي. هل هناك من يحييها مرة أخرى؟
تنهد عبد الرحمن بقوة وهو يفكر كيف يخفف عنها ولكنه محتاج مَن يُخفف عنه. وقال لها:
الله يا ابنتي قادرٌ على التخفيف على قلبك.
دخلت والدتها فاطمة بحزن وقالت:
الأكل يا زهرة. ألن تأكلي يا زهرة أي شيء؟
نظر لها عبد الرحمن وأمرها بأن تضع الأمل وتذهب.
نظر عبدالرحمن لابنته وأخذها في حضنه. وها هي تنفتح في البكاء. بدأ مكتوماً وها هو يزداد. إلى أن وصلت إلى صرخات وهي بحضن أبيه.
ماذا يحدث؟
قالها أثر الصوت الذي يسمعه.
ردت أمه وهي تبكي وقالت:
أبيك مع زهرة بالداخل يا بهجت.
ها قد وضح الحزن على وجه بهجت. ثم قال لوالدته:
حسناً يا أمي سأذهب لهم.
بعد ما ذهب قالت فاطمة:
كأن بكائي على ما حدث لك لم يكن كافياً.
دخل بهجت. حاولت زهرة التماسك.
أمسكها بهجت وقبل رأسها وقال:
إني أريد البكاء معك. هل توافقين؟
قبل أن ترد قال لها بحزن:
ولكن هناك من سيمنعني.
أبعدها قليلاً عن حزنها وسألته:
ماذا؟
قرب بهجت فمه من أذنها وقال بهمس:
إني جائعٌ جداً وإن بكيتِ وأنا جائع ربما أغيب عن الوعي. وأنتِ تعلمي أني رجل كبير لستُ حملاً. لذلك فها أنا أقول وللعمر السلامة.
ها هي زهرة تبسمت إثر كلمته وقالت له:
مازلت شاباً جميلاً يا أخي.
صار ينظر بهجت الي نفسه قائلاً:
لم تقولي جديد. هذا أقل شيء بي. ألا تعلمي أن هناك فتيات تتقدم للزواج بي وأنا أرفض.
ضحكت زهرة اخيراً بصوت. هذه المرة لم تصدق فاطمة الصوت وذهبت سريعاً.
وقال عبد الرحمن بسعادة:
ها قد بدأت تتفتح زهرة عبد الرحمن.
ثم جلس بهجت يأكل واجلسها أمامه وأطعمها.
ضحك عبد الرحمن إلى فاطمة وقال بنظرة العيون:
كل شيء هين ما داموا يبتسموا فقط.
ها هو علم من نظرتها أنها تريد ان تقول شيئاً. وشيئاً يبدو أنه خطر. إن لم يرضيها قوله ربما تقتله. لمَ لا؟!
ها هي اعتدلت بنظرتها هذه قائلة وعينيها تلمع بشرٍ قائلة:
رضوان. اجب هيا وبسرعة أو تكون من الأموات.
رد رضوان سريعاً:
نعم! ماذا تريدين يا شاكرة؟ هل هناك شيء؟
نظرت شاكرة له كثيراً وهي تفكر كيف تقولها له. ثم قالت له:
ماذا حدث في الجلسة بين العائلتين يا رضوان؟
ها هو الموت أتي لا محالة. يا لها من مصيبة فوق رأسي.
رضوان بتلعثم:
أنا لم أذهب للجلسة. فكان أبي وعمي عبد الهادي هم مَن ذهبوا وليس أنا.
وهنا صرخت له شاكرة بكل قوتها قائلةً له بعصبية:
ولماذا لم تذهب أنت؟ لماذا ذهبوا وحدهم؟
كان رضوان يعلم أن أبواب جهنم ستُفتح عليه ما إن تعلم مَن ذهب معهم. فرد قائلاً:
لا، فذهب معهم أخي وضاح وابن عمي واخيكِ همام.
ازداد الصراخ منها أكثر وأكثر قائلة:
وانت ماذا؟ هل قدمك مكسورة لعدم ذهابك؟ ذهبوا لكي يأخذوا الخير. هم.
صرخ رضوان بها قائلاً لها:
أي خير هذا؟ أي خير؟ خير من ثأر؟ همام أخيكِ يفكر في شئٍ كهذا؟ أم وضاح اخي؟
قالت والشياطين تخرج من عينيها:
دعك من أخي. يكفيه ما به! هو بالتأكيد ذهب ليساند أبي. لماذا ذهب اخيك انت؟
أمسك بالزهرية واراد كسرها وهو يقول:
اتركي أخي وشأنه. لمَ هذا الكره؟ لمَ؟
نظرت له نظرة احتقار قائلةً:
اياك وكسرها. فأنت لم تشتريها. كما لم تشتري أي شيء هنا.
نظر رضوان لها نظرة حزن. ثم هي تابعت قائلة:
وأنا أعرف ماذا حدث في الجلسة من دونك.
دخل سريعاً قائلاً:
ماذا هناك؟ هل حدث شيء؟ هل أنت بخير يا أبي؟
ردت والدته بامتعاض:
ها هو أمامك مثل الأسد. ما به؟
رد رضوان:
أنا بخير يا يزن. لا يوجد شيء يا ولدي.
صاحت شاكرة قائلة بعصبية:
لا لا يوجد. السيد والدك قبل أن يُمثل دور المظلوم لم يذهب في جلسة الصلح. وذهب أخيه المتكبر والد الهانم ليأخذ الخير له.
تألم يزن من كلام أمه. ولكن هي في الاخير هي أمه. ماذا سيفعل لها؟!
فقال:
أي خير سيأخذه عمي وضاح من جلسة ثأر؟
شاطت أمه غضباً وقالت له:
لا تكن مثل أبيك.
ذهب ليخرج. اصطدم في الباب.
ردت هي قائلة باستفزاز:
نحمد الله إن لم يحدث له شئ. فهو ليس بمالك. لا أنت ولا أبوك.
نظر يزن وقال لها:
شكراً يا أمي.
قبل أن يخرج أتاه اتصال يطلبون منه أن يسرع في القدوم إلى المطبعة.
قال له:
لمَ لا تتزوج بنت من بنات العزايزة يا أيهم؟
نظر أيهم بضيق قائلاً:
عزايزة؟
رد والده بفخر:
نعم. لمَ لا؟ لهم أرض مثيرة وأموال. هكذا. لمَ لا؟ خذها من هارون والدك كلمة. اياك والتفكير في أي من أبناء عبد الله أو عبد الهادي. هم ابناء اخواتي ولكني لا أوافق. هم ليس مناسبين لك.
كان أيهم يفكر ويقول في نفسه:
أي كلمة؟ فكل كلماتك متعلقة بجمع المال لا أكثر. لم تفكر بي مرة واحدة.
رد أيهم بضيق:
لا لا. لن أتزوج منهم.
وقام ليغادر. فقال له هارون:
ومن قال إني استشيرك. ستتزوج منهم. أم تتوقع أن الطبيبة بنت عمك بنت الأكابر هذه ترضي بك أنت؟ يا جاهل. أم أنك تتوقع أني أوافق على إحدي بنات شاكرة.
كان يستعد سريعاً وهو يقول له:
هيا هيا يا جواد. سنتأخر على لقاء سيدة القلب.
قال له متذمراً:
كم مرة قلت لك لا تناديني هكذا يا همام.
اغرورقت عين همام بالدموع وقال بحزن:
كم تمنيت أن تراك هكذا.
انكسر جواد رأسه قائلاً:
وكم تمنيت أن أراها يا أبي. كم تمنيت ذلك كثيراً. أن أجرب شعور كلمة أمي.
صمت قليلاً. ثم قال يمازح أبيه:
حفظك الله لي يا همام. أخي وليس أبي.
عدل جواد له ياقة قميصه قائلاً بابتسامة:
اسأل.
عقد جواد حاجبيه رافعاً أحدهما قائلاً بعدم فهم:
عن ماذا؟
قال همام:
عن ما تريد عينك أن تسأل عنه.
ضحك جواد وقال:
لماذا لم تتزوج بعد سيدة القلب يا أبي؟ أم أردت وكنت أنا عائق؟
تبسم همام وقال له:
سألت وأجبت يا جواد.
رفع جواد حاجبيه وقال:
كنت أنا عائق!؟
ضحك همام وقال له:
لا! من أنت لتكون عائقاً إن أردت أنا شئ. فقط هي سيدة القلب. لم يحب قلبي أن يسكن غيرها به. ستفهم هذا ما إن تتزوج وتحب زوجتك.
رد جواد بضيق:
لا أحب أن تأتي واحدة لتأخذ مكان سيدة القلب. أو تأتي واحدة وتغير حياتنا.
ضحك همام بشدة قائلاً:
هي سيدة القلب لي أنا يا ولد. لا تراوغ. هيا نذهب لها ثم نتناقش في هذا الحوار بعد ذلك.
ها هو الهم كله على كتفيه. ووضح هذا الهم في عينيه. فقد انكسروا من الحزن. ولكن ماذا يفعل؟ فكل الحلول صعبة. ولكن أحياناً يجب علينا أن نرضي بحل وإن كان ثقيلاً على القلب.
ماذا سنفعل يا أبي؟
قالها له وهو يرى الحزن في عينه. وهو لا يدري ماذا يفعل لكي يخفف عليه.
قال بهجت ذلك لأبيه.
نظر عبد الرحمن لابنه الذي يحاول أن يخفف عنه. قال لنفسه:
ومَن سيخفف عنك أنت يا بهجت.
رد عبد الرحمن بتنهيدة كادت أن تُخرج روحه. ربما إن خرجت ارتاح ولو قليلاً.
رد قائلاً:
لا أدري يا ولدي! تعلم ماذا أريد؟
توهجت عين بهجت ورد سريعاً:
ماذا تريد يا أبي؟
أشر فقط.
رد عبد الرحمن سريعاً:
أريد ابن أخي يامن. هو مَن يُخفف عني ويأتي بحلٍ لي.
تبسم بهجت على ذكر يامن وقال:
سأرسل له.
قبل أن يرد سمع صوت زكريا. دخل زكريا وسلم وجلس. وأراد أن يبدأ الكلام معهم حول الصلح. أن يبتعدوا عن ريحانة كل البعد إن تم الموافقة على شرط الزواج.
قال زكريا بتلعثم:
هل ستوافق على تبادل الزواج بيننا وبينهم كصلح يا شيخ؟
تنهد عبد الرحمن وقال:
وهل لديك رأي آخر يا زكريا؟
صمت زكريا وانكسر رأسه قائلاً:
لا.
كاد زكريا أن يموت بداخله. لا يعلم كيف يقولها له. فاق من شروده على صوت عبد الرحمن وهو يقول له:
ماذا تريد أن تقول يا أبا بلال؟
نظر زكريا يميناً وشمالاً وقال سريعاً:
لا أريد لأحد أبنائي أن يكونوا ثمن هذا الصلح.
انفعل بهجت عند هذه الجملة وقال بعصبية:
وهل نحن منفصلين عن بعض يا عمي؟ الصلح صلح على الجميع.
رد زكريا وقال:
وما دخلي أنا وابنائي؟ فمن قُتل ليس والدي. فإن كان والدي كنت أخذت ثأره. لا أن أظل صامتاً طوال هذا العمر ثم أقوم بالصلح معهم يا ولد.
صاح بهجت به ولكن أوقفه عبد الرحمن وقال له:
بهجت الزم حدك.
ونظر إلى زكريا وقال له:
معك حق يا زكريا.
تبسم زكريا. وقبل أن تكتمل ابتسامته قال له عبد الرحمن:
ولكن ألا ترى إذاً أن والدك لم يكن رجلاً. فإن كان رجلاً لأخذ ثأر ابن عمه. بدلاً من أنه زاد المشكلة أكثر بما فعله. وطبعاً لا أحتاج أن أقول لك ما فعله. تكفينا تلك الجلسة بسببه.
هنا صُدم زكريا من رد فعله. فابتسم بهجت وقال له:
الآن هل علمت أنها مشكلة ثأر لدينا جميعاً. وإن لم تكن كذلك أخرج للناس وقل أنا خارج عن طوع الشيخ عبد الرحمن لأني لست بقادر على الصلح. كما كان والدك ليس بقادر على الثأر يا عمي.
كاد يموت زكريا وهو يفكر كيف يبعد ريحانه. فهي بالتأكيد سيتم اختيارها.
رد عبد الرحمن بثقة:
أنا يهمني رأي الأولاد. وليس هو.
نظر زكريا بشرٍ وقال:
وهل أبنائي سيفضلونك علي؟
هز الشيخ عبد الرحمن كتفيه وقال:
وقتها سنرى.
نظر زكريا في كل الاتجاهات. ويبدو أنه يُجهز قنبلة وليس كلام:
حسناً! أوافق! ولكن لمَ لا يتم اختيار الرجل ابنك بهجت. فهو بحاجة إلى زوجه لأن زوجته عاجزة. والفتاة أقصد المرأة زهرة. فهي زوجها مات. أو البكماء التي لا تتكلم بنت بهجت. اااه نسيت هذه. لن يوافق أحد عليها. وهكذا يتم الصلح.
صمت وصمت كل شيء معه. أعتقد أن الهواء صمت معه. وكل شيء أصبح ساكناً.
لم يفيقوا إلا على صوت كسر زجاج.
اعتدل بهجت وعبد الرحمن. وجد ابنته زهرة و ابنة بهجت. اعتدل بهجت لزكريا وامسكه وأقسم أن يقتله. وأراد عبد الرحمن فعل ذلك أيضاً. ولكن حينما رأى زهرة تركض بعيداً تماسك وحاول إبعاد ابنه بالقوة. ولكنه لم يستطع. وكيف يستطيع وهو تحدث هكذا عن زوجته وابنته اللتان لا يقبل عليهما شئ.
صاح بهجت له قائلاً:
والله لن أتردد في قتلك. لن أتردد.
صرخ عبد الرحمن بقوة قائلاً له:
بهجت ألا تسمع لي.
اعتدل بهجت له. فقال له عبد الرحمن:
اذهب إلى ابنتك يا بهجت. ودعني مع عمك.
لم يكن يوافق بهجت بتركه. ولكن مغادرة حلوته حزينة جعل قتله يتضاءل أمام عينيه. وذهب هو يتوعد له.
اعتدل عبد الرحمن وجده يريد أن يغادر بعد فعلته. صاح به:
زكريا مكانك. تعلم جيداً إن أردت إيقافك فيمكنني ذلك. وتعلم أيضاً أن بادئ هذه المشكلة أبوك يا زكريا. واعلم أن خطأك هذا لن يمر مرور الكرام. وموافقتك من عدمها لا تعنيني في شئ. ولكن إن كنت منذ قليل لم أوافق فالآن موافق. ورأيك لا يهمني لأنك لست مَن تتزوج. فاذهب الآن.
سار خطوات قليلة. فناداه ثانياً وقال له:
أرسل لي ريحانة غداً من أول اليوم. أريدها. واعلم جيداً ماذا يمكنني أن أفعل بك إن لم ترسلها.
ذهب زكريا. وعاد الحزن أكثر وأكثر إلى عيون عبد الرحمن. هو يحاول هو وبهجت التخفيف على زهرته. الآن سيحاول التخفيف على الاثنين.
رواية وللثأر حكايا الفصل الخامس 5 - بقلم هموسه عثمان
وكأن العالم كله تأمر عليه لقتله.
لا، ليس قتله هو، بل قتل صغيرته وحبيبته وكل شيء له.
ألا يكفي ما بها؟!
ألا يكفي ذلك!
بل تسمع كلام مثل ذلك أيضاً!
وكأن ما بها قليل لا يكفي؟
ألا يكفي أنها لا تستطيع أن تتحدث وتقول ما بها؟
أكل هذا لا يكفي؟
ذهب إليها، وها هو يحاول التخفيف من ملامح وتعابير وجهه التي واضحة أنه سينفجر بأي لحظة.
ذهب لها وحدها في مكانها المفضل، على الأرجوحة في الحديقة، تنظر بعيداً دون أي تعبير على وجهها.
جلس بجوارها دون أي كلام منه، وبدأ يُحدثها.
ولكنه حدثها بالإشارة، يقول لها:
"من المستحيل أن أفعل ذلك.
لا تقلقي."
ظلت تنظر إليه، إلى مأمنها وحبيبها.
هل يمكنه فعل ذلك؟
لا تدري بما تُجيبه، ولكن أخيراً أشارت إلى قلبها وقالت له بالإشارة:
"أنا خائفة منهم."
كاد قلبه أن يتمزق من تلك الإشارة.
ابنته خائفة وهو لا يستطيع أن يطمئنها.
آه.
نظر لها طويلاً ثم قال:
"ألا تثقي بي؟"
انكست رأسها ثم رفعتها وقالت له بالإشارة مبتسمة:
"بل أثق.
إن لم أثق بك فبمن سأثق؟"
أخيراً ضحك وضحكت ابنتها.
أخذها وذهب بها للداخل عند زوجته وحبيبته وكل ما له وأمله في الحياة.
رفعت نظرها لهم وقالت:
"أجئتم؟"
وهي تلوح لهم قائلةً:
"أنا سأبدأ أغير الآن منكم يا طيبة. أنتِ وبهجة."
ضحكت طيبة وهي تنظر إلى حبيبة قلبها حزينة على ما بها.
هكذا هم.
طيبة حزينة على والدتها وخائفة على ما سمعته.
ووالدتها حزينة على ما حدث لابنتها.
وبهجت في عالم ثانٍ حزين على كلاهما.
فاق على تأوه حبيبته.
فاعتدل سريعاً وقال لها بخوف وقلق:
"أمل؟ أمل؟ ما بك؟"
حاولت أمل الصمود قليلاً ولكن قالت له:
"بهجت، احملني من على الكرسي وضعني على السرير أرجوك. أشعر بآلامٍ شديدةٍ في ظهري."
اعتصر الألم قلبه عليها.
حملها من على الكرسي المتحرك ووضعها.
أرادت أن تتحدث معه ولكنه رفض أن يجعلها تتكلم وجلس بجوارها.
وأخذ طيبته في أحضانه وأمله أمامه.
استيقظ باكراً، وما إن استيقظ لا يوجد في خياله سوى جده عبد الرحمن.
يريد أن يراه ويطمئن عليه.
جلس على الإفطار وعقله مشغول.
فقال له والده عاصم عندما لاحظ انشغال عقله:
"ماذا بك يا يامن؟ أراك هادئ، لا تناكف والدتك ولا تُقاتل باهر أخيك؟"
ضحك يامن وقال له:
"أريد أن أرى جدي، فلقد اشتاق القلب له كثيراً."
نظر عاصم وتبسم له بحزن وقال له أخيراً بتنهيدة:
"اتصل به، وإن استطعت أن تذهب له فلتذهب."
قام يامن واتصل به.
وحينما رد، بدأ يامن بالحديث قائلاً:
"أهلاً بك يا عبده يا أخي. اشتقت لك كثيراً."
ضحك عبد الرحمن:
"ها أنا بخير الآن."
صمت يامن لثواني من تلك الكلمة.
قلق يامن كثيراً وسأله:
"ما بك يا جدي؟"
تنهد عبد الرحمن بقوة وقال له:
"إن كنت متفرغاً فتعال لي يا ولدي، فأنا في حاجة لك يا حفيدي."
قال يامن سريعاً دون تفكير:
"حسناً! حسناً يا جدي. سآتي في أقرب وقت. أراك يا جدي قريباً."
رد عبد الرحمن عليه بحب:
"حسناً يا حفيدي، تصحبك السلامة."
أغلق يامن الهاتف وحزن كثيراً وقام ليعد عدته للسفر إلى جده.
كما هي، لا شيء يتغير.
تعيش حالتها في الماضي.
قال لها برفق:
"ماذا بكِ يا ذكرى؟ لمَ تجلسي حزينةً هكذا؟"
انكست رأسها قليلاً ثم قالت:
"سيد عمر، تفضل. لا، لا شيء. ليس هناك شيء."
تبسم عمر لها وقال:
"ألن تقولي لي ماذا بكِ؟"
تجمعت الدموع في عينيها وقالت:
"لا أحد من أهلي يعلم أني أعمل في مستشفى تخص عائلة الشريف! لا أعلم ماذا سيفعلون بي إن علموا! أو كيف أقولها لهم. صُدم عمر وقال له بهدوء: "لا أحد يعلم!"
أومأت ذكرى بهدوء وقالت:
"خائفة أن أصارحهم، وخائفة من الاستمرار في العمل دون معرفتهم. فلابد أن يعلموا في يوم. أحب أن يعلموا مني لا من أحد."
سمعوا صوت باهر شديد مع أحد الأطباء.
قالت له ذكرى سريعاً:
"اذهب له يا سيد عمر."
ذهب عمر له سريعاً وقام بتهدئته قائلاً له:
"ما بك؟ ماذا بك؟ لتتعصب هكذا؟"
تنهد باهر بضيق وقال:
"لا شيء؟"
نظر عمر له بشدة فقال له:
"هناك خلاف بيني وبين أبي، هو يُصر أن يجعلني أفصل ذكرى عن العمل خوفاً من معرفة جدي بالأمر، وأنا لا أوافق على ذلك نهائياً."
سأله عمر بصراحة قائلاً:
"ولمَ لا توافق؟"
تلعثم باهر، لا يدري بما يُجيب، فرد قائلاً:
"هي طبيبة على مستوى عالي، استحالة أن أخسرها بسبب مشاكل كهذه. العمل ليس له دخل بهذه المشاكل."
دخلت الطبيبة نرمين قائلة:
"سيد عمر، نريدك قليلاً."
قام عمر وقال لباهر:
"اهدأ قليلاً وقم لتصلي الظهر وسآتي لك مرةً أخرى."
أومئ له باهر.
ذهب عمر وهو في طريقه وجد إحدى الطبيبات جالسة ماسكة بهاتفها.
سألها بشدة:
"ماذا تفعلين؟ أهذا هو العمل؟ تلعبين في الهاتف؟"
قالت الطبيبة بهدوء وتلعثم:
"لا والله يا حضرت الطبيب، كنت فقط أنشر صورة للطاقم الطبي التي تم تصويرها لنا في الخارج لا أكثر."
عقد عمر حاجبيه وقال لها بشدة:
"هذا ليس وقته! هيا للعمل."
أومأت له قائلة:
"أمرك. سأذهب."
بعدما ذهبت، قالت الطبيبة المجاورة لها:
"إياكِ والإشارة للطبيبة ذكرى، فهي ترفض ذلك."
ردت بلامبالاة:
"سأقوم بالإشارة لها، بما أنها ترفض إذاً لماذا تتصور معنا."
ها هي بكل كبريائها تنزل الدرج أمامه، وهي تفعل وكأنها لا تراه.
عندما رأها، نظر لها بغضب عاقداً حاجبيه.
رآها ستغادر دون أن تحدثه.
ثم قال فجأة بصوته العالي:
"ريحانة، ألا تريني؟"
اعتدلت ريحانة بغضبٍ قائلة له بنفاذ صبر:
"نعم!"
ظل ينظر لها بغضب وقال:
"هل هذه طريقة تُحدثي بها والدك؟"
أفّت وقالت له بغضب:
"لستُ متفرغة لتلك التفاهات، سأذهب إلى المشغل."
نادى عليها بغضب وقال:
"ريحانة!"
اعتدلت له فقال لها:
"عمك عبد الرحمن يريدك، وقال يريدك من أول اليوم. إياكِ أن توافقيه فيما سيقوله."
تبسمت وأتت أمامه تقول له بعند:
"سأسمع له فيما سيقوله، أياً كان. ماذا ستفعل؟"
لم يتردد لحظة في صفعها.
أتت مسرعة على الصوت والدتها أمينة قائلةً بخوف:
"ماذا بكِ يا بنيتي؟"
وقبل أن تمسك بها، كان زكريا امسك بها من يديها واطرحها أرضاً.
كادت أمينة أن تُكسر به.
دخل بلال سريعاً، وجد والدته أرضاً فأمسك بوالدته ورفعها.
ونظر إلى والده، رآه ماسكاً بيد ريحانة فقال له بشدة:
"ماذا هناك؟ ماذا حدث؟ ماذا بكِ يا أمي؟"
رد زكريا بغضب وعصبية:
"إن استمعت أختك لعمك سأقتلها."
نظر بلال له بتحدٍ وقال له:
"يمكنك أن تعتبر أنها استمعت، وهي ستفعل ذلك. هيا اقتلها! هيا انتظر أن تقتلها."
قال زكريا بضيق:
"أتفضل الشيخ علي؟ أنا والدك، ليس هو؟"
ابتسم بلال وقال:
"هو أبي أكثر منكم."
لم يتحرك زكريا سوا أن ترك يد ريحانة ناظراً لهم نظرة نارية، وذهب.
سأله بلال عن ماذا يريد الشيخ عبد الرحمن.
هزت ريحانة كتفيها بمعني لا أعلم، وذهبت.
ها قد أشرق الصباح، عسى أن يكون إشراقها إشراقة النور في قلوبنا.
قام من نومه، وفي رأسه تخطيط يجب أن يفعله.
دخلت الغرفة قائلة:
"صباح الخير. أين ستذهب باكراً يا شيخ عبد الرحمن؟"
لم يجيبها على الفور، بل أكمل ارتداء ملابسه ثم رد بعد فترة:
"ذاهب إلى مكان يا أم عاصم."
ثم تركها وذهب.
لتجلس هي وتبدأ في نوبة بكاء جديدة.
"يا أم سعد، يا أم سعد."
قامت أم سعد سريعاً ما إن سمعت صوته، علمت مَن ينادي.
وفتحت الباب قائلة:
"تفضل يا شيخ عبد الرحمن. سَعَد قلبي بقدومك."
تبسم لها بسعادة أكثر وقال لها يجبر خاطرها:
"أدامه الله سعيداً يا أم سعد."
انكست رأسها وقالت له بحزن:
"لا سعادة لي ولا لقلبي بعدما راح سعد. لن يسعد إلا بوجود أحد يحمل رائحته."
لم يرد عليها، بل أسند رأسه على عصاته.
فقالت هي وهي تبدأ في نوبة بكاء:
"ألم يحن قلبك على قلبي إلى الآن؟ اجعلها تأتي هنا، أم أردت أن تزوجها؟ كسر قلبي لن يُشفى إلا بقدومها. أرسل لي زهرة سعد."
رفع عبد الرحمن رأسه ونظر لها.
ظل ينظر لها كثيراً إلى أن قال لها:
"ومن سيشفي قلب زهرة عبد الرحمن يا أم سعد؟ من؟ تأتي إلى أين يا أم سعد؟ اعقلي الكلمة، هذا الكلام لا يخرج منكِ. أعلم أنه ليس بارادتك، ولكن أنتِ تعلمي أنه مستحيل. علي أن أرحمها قليلاً."
"وهل رحمة لك كسر قلب المسكينة؟ أم أهم شيء لك راحتها؟"
قالت هذا الكلام عمة سعد وهي تنظر للشيخ عبد الرحمن نظرة نارية وكأنها ستقتله.
رفع نظره لها وقال:
"وهل راحة لي كسر زهرتي قبل أن تتفتح وتسعد؟ وهل راحتي تركها هنا؟ ولمن سأتركها بعدما مات زوجها؟ لكِ أنتِ؟ أم لمن؟ وهل إن كانت ابنتك ستتركيها؟ كُسر قلب أم سعد ولقد اتيت لها، عسى أن يجعلني الله سبباً في جبره."
ثم نظر لأم سعد وقال لها:
"سأستأذن يا أم سعد وسآتي لك فيما بعد."
بعدما غادر، قالت أم سعد لها:
"لا دخل لكِ في أي شيء فيما بعد."
علم ما إن وصل أن ريحان في انتظاره.
ما إن رأته قامت سريعة وسلمت عليه.
فقال لها:
"اجلسي يا بنتي، أريدك في شيء مهم."
جلست ريحان قائلة له:
"أمرك يا عمي."
ظل ينظر في كل الاتجاهات إلى أن قال لها:
"اسمعي يا ابنتي، إن حدث وتم الصلح، توافقين أن تتزوجي في عائلة العامرين؟"
الكلام جعلها تنظر له وهي فاتحة عينيها على وسعهما.
وقالت له:
"كيف ذلك؟"
تنهد عبد الرحمن وقال:
"ما سمعتيه، في الغالب يتم اختيار دون الرجوع إلى رأي الفتاة في الصلح، ولكني لن أجبرك. ثم لن أزوجك أي زواجة والسلام. ولا أريد ردك الآن، لكِ كل الوقت."
أومأت ريحان إلى عمها قائلةً له:
"حسناً يا عمي."
أتاه رجل حامل حقيبة قائلاً:
"يا شيخ عبد الرحمن، وصل السيد يامن."
ضحك الشيخ وقام كأنه ولد صغير أتى له والده بلعبه.
أتى يامن سريعاً وأخذ الشيخ عبد الرحمن بالأحضان قائلاً له بضحك:
"لقد اشتقت لك كثيراً يا عبده."
ضحك عبد الرحمن بشدة وقال له:
"واشتاق القلب لك يا مُدلل جدك يا حبيب عبد الرحمن."
استأذنت ريحانه لتذهب وأذن لها.
جلس يامن مع جده.
فقال يامن:
"احكي لي يا جدي ما الذي يجعلك حزيناً هكذا؟"
تبسم عبد الرحمن بشدة وعلم أن الحل سيأتي الآن لا محالة.
حكى عبد الرحمن له مشكلة الصلح.
ظل يامن يستمع له وبدأ يرتبها ويرتب الحل، وكل عاقد حاجبيه وكأنه يحل معضلة كبيرة لا حل لها.
دخل بهجت قائلاً:
"هيا يا أبي سنتأخر."
تفاجأ بهجت بيامن، فسلم عليه بحرارة.
ثم ذهبوا للاتفاق على جلسة الصلح.
كان وضاح يستعد أيضاً للذهاب للصلح.
فقال لأبيه عبد الله:
"أبي، ذكرى خارج هذا الصلح يا أبي، إلا ذكرى."
هز رأسه قليلاً ثم قال:
"إلا أولاد."
أومأ عبد الله رأسه قائلاً:
"كله بأمر الله يا ولدي."
قال وضاح بشدة:
"أبي؟"
رد عبد الله بعصبية:
"ليس نحن مَن لنا الكلمة، قلت لك سابقاً هم مَن لهم الثأر ثم الكلمة كلمة عمك عبد الهادي، هو الكبير ويفعل ما يشاء."
هنا لم يدخل الاطمئنان إلى قلب وضاح نهائياً.
"هو أنا طلبت كتير يابوي؟ هو طلب الراحة صعب ولا إيه؟ كل اللي طلبته راحة قلبي يابوي، ولا انتو غاوين عذاب ليه؟ والله قلبي ما حمل عذابه. وحرام تفرحوا قلبي. قولي يابوي لو حرام يمكن يهدأ ويرتاح لما يعرفوه. والقلب هيهدأ لما يعرف أنه مش هيرتاح ولا هيسعد. أهو عالأقل يكون عرف طريقه عشان ميعيش العمر كله يناهد ويحارب. يقعد ويرضي بحاله."
رواية وللثأر حكايا الفصل السادس 6 - بقلم هموسه عثمان
كل منهم ذاهب وهو خائف لا يعلم المصير الذي ينتظره.
ولكن قلبه يدعوا الله أن يكون خير. فالقلب يريده خير.
ولكن!
ولكن هل يحدث ما يتمناه القلب؟
لا أعلم. ولكن كل ما أعلمه أن ذاك العضو نادرًا ما يسعد.
وصلوا وبعد السلامات وكبرياء كل منهم بدأوا في الحديث. إلى أن اعتدل له يحيي قائلاً لعبد الرحمن وهو ينظر له:
"هل بعد الاتفاق ستضمن لي يا شيخ عبد الرحمن عدم التعرض أو محاولة قتل أو أخذ بالثأر يا شيخ؟"
نظر يامن و بهجت من الذي قيل.
رفع يامن عيناه ينظر نظرة شريرة وقال بلهجة خطرة:
"هل تعلم ماذا قلت؟ ولمن؟ هل تعلم؟ هل الشيخ عبد الرحمن هو مَن سيتراجع في كلامه؟"
أسند عبد الرحمن رأسه وتبسم بفخر حباً في حفيده.
يجب عليك أن تفتخر وترفع رأسك حينما ترى من يدافع عنك حباً لا خوفاً.
ضحك يحيي وقال للشيخ عبد الرحمن بفخر:
"كل خليفتك رجال يا شيخ."
نظر يحيي إلى عبد الرحمن ثم نظر إلى عبد الهادي وعبد الله وقال لهم:
"هل ترضون بحكمي؟"
يرد عبد الهادي سريعاً بما أنه الكبير:
"وهل هناك أسلم من حكمك؟"
ظل يحيي ينظر أرضًا وكأنه يحسب حسبة كبيرة وعميقة ليس لها حل.
هذا ما يفعله الثأر بنا وبأولادنا. يجعل العقل يقف عاجزاً.
قائلاً:
"اعذروني فأنا لستُ بقادر على إيجاد حل."
تَنَفَّسَ يحيي بصوتٍ عالٍ وقال لهم:
"يكون الصلح بينكم من خلال تبادل الزواج كما قلنا."
كان كلاهما عاقد حاجبيه متسائلين أنفسهم: ماذا قلت جديد؟
ضحك يحيي من شكلهم ثم قال:
"ولكني أشترط في كل حالات الزواج أن يكون هناك توافق بينهم. ليس زواج لغرض الصلح، إنما زواج للعيش والحب بينهم."
ولكن!
ليست فتاة تأتي من منزل العامرين إلى منزل الشريف.
رفع عبد الرحمن وعبد الهادي حاجبهم بمعني: ماذا إذا؟
قال يحيي:
"أريد أن يكون رجل وفتاة من كل عائلة. وهنا أريد أن تحددوا ذلك مع أنفسكم."
صمت الشيخ عبد الرحمن ناظرًا لحفيده وابنه. عيناه عليهم وعقله بعيد عنهم.
إلى أن وافق الشيخ عبد الرحمن وعبد الهادي على أن يجلسوا سوياً للاتفاق، وعلى أن يلقوا بمشاكل الماضي خلف ظهورهم ولو قليل.
ألا يحق للإنسان السعادة قليلاً؟
السُم رُبما يأتيك على هيئة أشخاص.
فهناك أشخاص كل مهنتهم في الحياة هي كيفية بث سمهم في حياتنا فقط ليعكروها.
ولكن!
السؤال هنا: هل سنتركهم يعكروها؟
كانت جالسة تفكر بطريقتها السامة. تفكر ماذا تفعل لكي تفسد حياتهم لأي سبب.
كانت ابنتها جالسة بجانبها ماسكة بهاتفها تتصفح به على موقع التواصل الفيس بوك.
وأتت أمامها صورة بها ذكرى.
وقبل أن تمرر الصورة قالت شاكرة لها بشدة وهي مُتسعة العينين:
"إنتظري يا نجمة."
نظرت نجمة لها باستغراب فقالت لها والدتها:
"ما اسم هذه المُستشفي؟"
قالت نجمة بعدم فهم:
"لمَ؟ أيهمك في شئ اسمها؟"
صرخت شاكرة بها قائلة:
"لا تناقشي، افعلي ما أقوله لكِ."
قالت نجمة بنفاذ صبر:
"اسمها الشريف. لمَ؟"
هنا نظرت شاكرة بشرٍ وقالت:
"الشريف؟ اعرفي لي مَن صاحب هذه المُستشفي إن استطعتي."
عقدت نجمه حاجبيها قائلة:
"لمَ؟"
قالت شاكرة بشدة لها:
"قلت لكِ افعلي ما أقول."
ظلت نجمه تبحث عن مالكها وشاكرة تنتظر على أحر من الجمر. إلى أن قالت أخيرًا:
"مالكها؟ اسمه باهر عاصم الشريف مع السيد عُمر."
قبل أن تكمل كانت هبت واقفة وقالت لها:
"لقد علمت ما أريده. أنا ذاهبة لدي عمل حالاً مع عمك وضاح."
ذهبت وجلست مع وضاح ابن عمها وكان أبوها هناك.
كانت عينيها تلمع بشر كبير.
قالت لوضاح بكل شر:
"يا وضاح ابن عمي، أهم شيء أن العمل بيننا وبين الشريف كان خارج مشكلة الثأر هذه. والحمد لله أنكم ستقومون بحلها كي يرتاح الأبناء."
نظر وضاح لها بعدم فهم وقال لها:
"ماذا تقصدين؟"
نظرت شاكرة بشر له وقالت:
"هل تُفهِمني يا ابن عمي أنك لا تعلم أن ذكرى تعمل في مُستشفي الشريف لدى باهر عاصم الشريف؟"
هنا سقط فنجان القهوة من يد وضاح.
وهي نظرت له نظرة قائلة:
"ماذا بك يا ابن عمي؟"
قال لها بضيق وكأنه يختنق:
"ماذا قلتِ؟"
ردت شاكرة مصطنعة البراءة:
"هل أنت لا تعلم؟ كنت أظنك تعلم حينما رأيت الصورة منذ قليل في هاتف نجمة ابنتي."
كان وضاح يشعر وكأن الدنيا تدور به.
فقالت هي مكملة دور البراءة:
"أعتذر يا ابن عمي، لم أكن أعلم أنك لا تعلم. سأذهب إذاً لكي لا تحدث مشاكل بسببي."
كان وضاح يترنح. ووقع الصمت على كلٍ من عبد الله وعبد الهادي.
امسك وضاح هاتفه بيد مرتعشة وفتح ليرى الصورة وتأكد من ذلك.
وقف كالتائه لا يدري ماذا يفعل.
"جدي أريد أن أسألك سؤال؟"
نظر له عبد الرحمن وقال له:
"اسأل يا مُدللي."
قال يامن بارتباك:
"ماذا حدث لعمي بهجت؟ وماذا حدث لطيبة؟"
قال يامن ذلك وهو ناظرًا لجده مُنتظرًا إجابة.
بدا الحزن على وجه عبد الرحمن فقال له:
"سأقول لك يا ولدي. لقد حدث حادث له ولزوجته، وهو لزوجته لشديد الحُب. ونتج عن هذا الحادث إصابات لعمك، ولزوجة عمك. أصبح حالها على كرسي، ورفضت أن تكمل علاجها. وهذا الحادث أدى إلى أن ابنة عمك فقدت الكلام، أفقدها النطق. بحادث تدمر الجميع يا ولدي."
ظهر الحزن على وجه يامن وقال له:
"ترفُض العلاج؟ سأجعلها توافق يومًا ما."
عقد حاجبيه وقال:
"وما سبب الثأر؟"
قص عبد الرحمن ما حدث لوالده.
فقال يامن باستغراب:
"إذاً أنا لا أرى أي سبب لمشكلة ثأر يا جدي؟ ألم يقل جدي أحمد ابتعد عن الثأر؟"
اومئ عبد الرحمن له وقال والحزن يملئ عينيه:
"هذا صحيح، ولكن أبا زكريا كان كلما رأى أحدًا يفتعل معهم مشكلة، أكثر من مرة يفعل اشتباكات معهم تنتهي بإصابات. لا هو أخذ الثأر ولا هو ظل صامتًا دون مشاكل. وكبرنا ومرت الأيام أن بيننا ثأر، ولابد لوضع حد في تلك الأيام لكي لا نضركم يا ولدي."
اومئ يامن برأسه وقال له:
"فهمت يا جدي، ولكن مَن ستختار لمَ يحدث يا جدي؟ لمِ لا أقول لك رأيي؟"
تبسم الجد وقال له:
"هيا أنقذني."
ظل يحكي له إلى أن ضحك عبد الرحمن من وسط غضبه مما قاله له.
وهنا دخل بهجت فقال له عبد الرحمن:
"بهجت! كنا نتحدث عنك الآن."
نظر يامن له بحزن:
"لا تحزن فيما سنقوله يا عمي."
كان ذاهبًا له وهو يفكر كيف سيقولها له.
حينما رآه جلس بجانبه وقال له:
"أبي أريد أن أقول لك شيئًا."
نظر عبد الهادي له وقال له:
"ماذا تريد يا همام؟ قل لي ما تريد يا همام."
ظل ينظر يمينًا وشمالاً إلى أن قال له همام:
"أبي دون أي كلام كثير، أريد أن أقول لك عندما تذهب إلى الاتفاق مع الشيخ عبد الرحمن أن تجعل ابني جواد الرجل. أريد أن أراه عريسًا قبل أن أموت وألحق بوالدته."
قال له عبد الهادي بشدة:
"لا تقل ذلك يا أبا جواد. لا تقل ذلك. إياك تكرارها أمامي. لم تجف دموعي على طاهر لليوم."
نظر عبد الهادي له وقال له:
"ممَ تخاف يا ولدي؟"
تنهد همام بضيق وقال له:
"ابني يرفض الزواج وأنا أريد أن أراه سعيدًا يا أبي، وأنا أشعر أنه يرفض لكي لا يجعلني أحزن."
عقد عبد الهادي حاجبيه وقال له:
"ممَ تحزن؟"
ضحك همام بشدة وقال له:
"يا أبي، جواد يتعامل معي على أني أخيه ولستُ أبيه. يخاف أن يُشعِرني بالوحدة. خائف أن ينشغل عني لهذه الدرجة، هو رافض الزواج. لذلك أريد إجباره يا أبي."
قال له عبد الهادي له:
"لا تقلق يا ولدي، لا تقلق."
"ما هو العمل الذي يبعدك عنا كل هذا يا أبي؟ ما هو؟ ما سبب البعد؟ ما سببه؟"
قالها له بعصبية.
"هذا خطأٌ يا ولدي، لا تُحَدِث والدك هكذا."
قال والده بضيق:
"يُسعدني أنكِ مازلتي تعرفي أني والده."
ردت زوجته بغضب:
"وكيف سأنسى من تزوجني مُنذ سنين ليأتي لنا كم يومٍ ويذهب."
رد ابنه وقال له بحزن:
"أبي، أنت لم تقف بجواري في وفاة زوجتي. لم تقف معي يا أبي. تأتي فترة كالغريب وتذهب، لا تسأل عنا. أنت لا تخبرنا أي شيء عنك ولا عن عائلتك. لقد استغليت مرض جدي وتزوجتها دون أن نعرف شيئًا عنك."
رد والده بغضب:
"ماذا تقول يا ولد، تأدب."
وضح الحزن على وجه ولده قائلاً له:
"الأدب تم إلغاؤه منذ زمن."
وقال له باستهزاء:
"يا أبي."
قال والده له:
"أنا فعلت لك الكثير أنت وأمك وأخيك."
صرخ به قائلاً:
"ماذا فعلت لنا؟ ماذا؟ أنت لم تفعل لنا أي شيء! لم نعرف عنك شيئًا ولا عن عائلتك ولا عن أي شيء. ولمَ تتركنا؟ لمَ؟ مَن أعطاك الحق لذلك؟ مَن؟ قل لي؟ لا أحد أليس كذلك؟ تغيب ثم تأتي وتريد أن تأتي لنا، تريد منا أن نفتح ذراعينا لك. لا وألف لا. لا نريدك واذهب من هنا."
صرخت والدته له قائلةً له:
"احترم نفسك يا ولد. هذا والدك مهما يحدث."
قام وتركها تتحدث بعدما قال الذي يريده.
تركها عدة أيام لتهدأ.
رآها نازلة الدرج سريعًا.
ناداها بعصبية قائلاً:
"ريحانه أريد منك مالاً."
وقفت ريحانه وكادت أن تبكي ثم دعت ربها قائلة:
"يارب اكرمني."
اعتدلت له وفي عيونها شر وقالت:
"في المساء وأي خلاف لا يوجد أي شيء."
نظر لها بقرف ثم تقدم منها وإذا به يمسكها من حجابها مهددًا إياها أن تقبل بأي شيء يقوله عبد الرحمن.
نظرت له ثم قالت له بعنف وهي تبكي:
"لا أظنني مجنونة لأخرج من مأزق لآخر وكأنني ألقي بنفسي للنار."
النار!
يمكنك أن تستخدميها لتدفئة قلبك إن شعر بالبرد. ويمكنك استخدامها في أن تحرقي قلبَك أيضًا.
فأحسن استخدامُها يا عزيزي، فحرقُ القلوبِ ليس بهين.
رواية وللثأر حكايا الفصل السابع 7 - بقلم هموسه عثمان
ها يا ولدي أين عقلك؟ أعتقد ليس لديك، فلهذا لابد أن تسمع كلامي وتتزوج مَن أقول لك أن تتزوجها.
نظر له وكاد يقتله، ظل يقول في عقله: لماذا؟
لماذا يفعل بي ذلك؟
أهناك أب يفعل ذلك؟
نظر أيهم له وقال له بحزن: إن لم أوافق أتوقع منك طردي من المنزل!
وماذا سأفعل أن طردت وأنا لا أعرف أقرأ؟
وإن وافقت سأظلم نفسي وأظلم مَن أتزوجها معي.
فقط لأضمنَ أن أعيش بسلام!
تأفف والده منه وقال له بغضب: ألم تنتهي من تلك المسرحية بعد!
اسمع الكلام، كل ما أفعله أليس لأجلك؟
ظل أيهم ينظر له وقال بضحك: كلانا نعلم لأجل مَن؟
ولنضحك على أنفسنا أكثر من ذلك؟
ضحك هارون باستفزاز وقال له: حسناً يا ذكي.
سنذهب اليوم، أخذت منهم موعداً.
ظل ينظر للفراغ أمامه ويفكر فيما يفعله والده به.
بعد قليل من الوقت ذهبوا إلى منزل العروس.
وجلسوا سوياً وبعد مرور الوقت، قام هارون ليستأذنوا وسلم عليهم وقال لوالد العروس: إن شاء الله سيكون بيننا نسب يا زين العزايزي.
تبسم زين وقال بضحك: كل ما يكتبه المولى خير، نحن نتمنى أن نعطي ابنتنا فريدة لأيهم ابنك هذا، والله لنعم النسب.
رد أيهم مجاملاً وقال: نعم النسب نسبك يا عمي.
ثم استأذنوا ليغادروا.
غادروا ولا يعلم إن كان نعم النسب فعلاً أم لا!
...
كيف حال صديقي وليد اليوم؟
قال له تلك الجملة وهو يقوم بضرب شيءٍ على وجهه.
شيء خفيف يداعب وجهه.
فتح وليد عيناه ناظراً له.
وما إن رأى اللعبة التي بيده حتى ابتسم بشدة، فقال وليد بتعب: الآن أصبحت بخير.
ضَيّق باهر عينيه وظل ينظر يميناً وشمالاً ومال عليه.
وقال له: ما دام أنت بخير إذا أنا ذاهب الآن.
حجّ وليد عينيه قائلاً له: وستأخذ اللعبة معك أيضاً؟
انتبه من بعيد لها وقبل أن يفرح وجد الطبيب عمر خلفها.
ها قد أتت بكبريائها وبهائها قبلها.
وجد وليد يمسك بملابسه كأنه يريد أن يقول له شيئاً دون أن يسمعه أحد منهم.
أنزل باهر رأسه له.
فقال له وليد: أراك معجب بها.
ثم نظر لها فقال له: وأعتقد هي كذلك أيضاً.
تنهد باهر بضيق وانكس رأسه وقال له: مستحيل يا وليد.
رد وليد بثقة: ليس هناك مستحيل عند الله.
كان قد وصل الطبيب عمر وذكرى.
فقال عمر لوليد: ما هو هذا الذي يمكن أن يكون مستحيلاً يا وليد؟
رد وليد بهدوءٍ قائلاً: قال لي لن يخف هذا الكسر قبل شهر ونصف، فأنا قلت له ممكن شهر، ليس هناك مستحيل عند الله.
اندهش باهر منه ونظر له ثم قال بتعجب: يا لك من مشاغب.
بدأت ذكرى تتابع عملها مع وليد وباقي المرضى إلى أن وقفت لتقول لهم انتهت من عملها، ولكن رن هاتفها، وللصدفة رن هاتف باهر في نفس اللحظة.
أجابت ذكرى على الاتصال، وربما يكون اتصال لوفاتها أو حياتها.
ردت بهدوء: نعم أبي.
قال وضاح بصوت مميت: أنا في انتظارك بأقصى سرعة تكوني أمامي.
وأنهى الاتصال.
وعلمت من لهجة والدها أن هناك شيء خطير حدث.
قال باهر بهدوء: نعم يا سيد عاصم.
رد عاصم سريعاً بعصبية: عليك أن تكون أمامي الآن لنذهب للبلد يا باهر.
واغلق الهاتف.
ذهبوا إلى الخارج وكل منهم يفكر ماذا حدث؟
نظر إليها وجد عيناها تلمع بالدموع، حاول السيد عمر أن يهدئها، فقالت له ببكاء: لا أحد يعلم أني أعمل في مستشفى، مَن بيننا وبينهم ثأر.
تلك الكلمة أوجعت قلب باهر بشدة.
فقالت بهذيان: لا أعلم ماذا حدث، لا أعلم، لا يعطيني فرصة للرد.
تركها باهر وترك السيد عمر ليذهب، وذهبت هي وهي تبكي.
وصلت لا تعلم لموتها أم لماذا، ولكن هاهي وصلت، ما إن دخلت المنزل.
حيث كان يجلس وضاح أبوها، وجدها عبد الله، وجدها عبد الهادي.
وقف وضاح وبكل قوته ضربها على وجهها، ها هي علمت الآن أن الموت آتٍ لا محالة.
أراد ضربها مرة ثانية ولكن منعه عبد الهادي.
صرخ وضاح به قائلاً: اتركني يا عمي، اتركني.
صرخ به عبد الهادي قائلاً: تأدب يا ولد، أنت تحدثني.
قال وضاح بشدة: استحلفك بالله أن تتركني.
ترك عبد الهادي وضاح، ولكن بدلاً من أن يضربها أخذها في حضنه.
وبدأ يعاتبها: لماذا؟
لماذا يا ذكرى؟
ردت هي ببكاء: والله لم أكن أعلم في البداية، وما إن علمت كان هناك عقد وخشيت الرفض منكم يا أبي ويزداد الأمر سوءً بينكم.
سامحني.
أمسكها عبد الهادي وقال لها: لا تخافي، ولكن كل واحد يتحمل نتيجة أخطائه يا ابنتي.
جحظت عيناها قائلة برعب: ماذا تعني؟
قال عبد الهادي بهدوء: كعدم عملك مرة أخرى.
وعدم خروجك من البلد إلا لزواجك.
هذا أفضل حل.
لأن الأفضل كان قتلك بعد فعلتك هذه.
صرخت بهلع قائلةً له: لا لا تفعلوا بي ذلك.
اعتدلت لوالدها قائلةً: أترضاه لي أنا ابنتك وحيدتك، لا تفعلوا بي ذلك.
قلت لكم والله لم أكن أعلم ومرتبطة بعقد.
ذهبت لجدها عبد الله، أدار وجهه عنها.
أتى كرم، وما أن رأته هرولت له وهي تصرخ وتقول: انقذني يا أخي، هم يقتلونني.
انكس رأسه بمعني ليس بيدي شيء.
صارت تصرخ وتترجاهم إلى أن وقعت مغشياً عليها.
صرخ كرم منادياً باسمها، ثم اعتدل لهم وقال لهم: والله لن أتركها لكم وسأفعل ما تريده هي.
وحملها ليطمئن عليها.
....
ما إن وصل قال بصوتٍ عالٍ وبحب: يا زهرتي اشتقت لكِ كثيراً.
هنا اشتاط عبد الرحمن غضباً وقال بضيق وشعور غيرة من معاملته لها: يا زهرة اذهبي للداخل دون سلام، هيا.
ضحك باهر عالياً، فقال لها وهو يغمز: اذهبي يا زهرتي وسألحق بكِ.
وجد يامن خارجاً وبيده طبق مليئ بالتفاح، فضحك أكثر وقال له: ها قد أتى يامن تفاحه.
قال له عبد الرحمن بغضب: ولد، إياك وحفيدي، إياك.
ومن شدة غضبه وكزه بعصاته.
ها قد هدأ باهر واستطاع عبد الرحمن السلام على ابنه عاصم وزوجته رباب.
.....
كان يسير بسرعة، ولكن استوقفه صوتها وهي تقول: حسناً.
حسناً موافقة.
دخل عليها فجأة وسألها بشدة: على ماذا توافقي يا ريحانة؟
ارتبكت ريحانة، ولكن قالت بثبات: على طلبية يا أبي.
أومأ والدها، ثم قال لها بضيق: حسناً يا ريحانة.
إياك والموافقة على شيء آخر يا ريحانة.
قالت له بشدة: قلت لك سابقاً لن أخرج من مأزق لآخر.
ضحك لها وقال: حسناً يا ريحانة.
...
أتي الصباح ولا نعلم ماذا يحمل لنا، نتمنى الخير.
رأها تهبط الدرج، ناداها قائلاً بصوت خشن: ذكرى.
اعتدلت ذكرى، وجدته جدها عبد الهادي يناديها ومعه جدها عبد الله وأبيها، تقدمت منهم بخوف، فقالت برعبٍ وخوف: صباح الخير.
نظر لها والدها باستهزاءٍ قائلاً لها: صباح الخير؟
ومن أين سيأتي الخير وأنتِ واضعتي رأسي ورأس أجدادك بالأرض؟
انكسرت ذكرى رأسها لا تقوى على الكلام.
وماذا ستقول؟
فكل الكلام ليس له معنى الآن.
قال جدها عبد الهادي بهدوء: أنتِ من أتيتِ بهذا العار لنا ولن يمحيه غيرك أيضاً.
ظلت تنظر يميناً وشمالاً وهي لا تقوى على الرد، الدموع تجتمع في عينيها.
فقالت برعب: كيف ذلك؟
نظر جدها عبد الهادي لها وقال: سيمحيه زواجك.
حتى وإن لم يمحيه، فيكفي منعك من العمل.
يا مَن أخذتي كرامتنا وقمتي بإلقائها في الأرض.
تنهد ثم قال بشدة: لقد تقدم لكِ شخص وأنا وافقت دون الرجوع لأبيك أو جدك، فالرأي لي أنا ولا كلمة فوق كلمتي.
واستعدي لمقابلته بعد غد.
كان عبد الله يتململ في جلسته بسبب كلمة عبد الهادي أن لا كلمة سوى كلمته.
جحظت ذكرى عينيها صارخةً بكل قوتها قائلة: لا لا تفعلوا بي ذلك، قلت لكم لم أكن أعلم، أقسم لكم.
جثت على قدميها وامسكت بيد جدها عبد الهادي تقبلها تترجاه، ولكن دون جدوى.
قال والدها وهو يود لو يدفنها كما هي على قيد الحياة قائلاً بحده: وماذا فعلتي حينما علمتي؟
ماذا؟
جعلتني مضطراً على الموافقة دون أن أعلم ستتزوجي من؟!
صارت ذكرى تبكي وتصرخ بحرقة.
فحينما يكافئ تعبك هكذا، يجب عليك الحزن، كل هذا بسبب مشكلة ثأر بين ناس ماتت لا ذنب لها.
...
باهر!
قالها عبد الرحمن بشدة، فؤجئ باهر فرد قائلاً له بخوف: نعم يا جدي.
رفع عبد الرحمن رأسه قائلاً له بهدوء مميت: ما أن علمت أن ابنة العامرين تعمل لديك، حزنت بشدة أن ابني أخفى عني.
ولكن بعد أن هدأت قلت هو أب في النهاية.
حاول عاصم أن يرد ويبرر عن نفسه، ولكن صرخ عبد الرحمن به: لا أريد أن أسمع شيئاً يا عاااصم.
تنهد عبد الرحمن وقال أخيراً: المهم يا باهر، ما أن علمت هذا الخبر تعمل عندك، فكرت بكل شيء.
أولها قتلك.
جحظ باهر عينيه وقال بخوف: ماذا؟
إلى هذه الدرجة؟
رد عبد الرحمن قائلاً بعصبية وصراخ به وهو يقوم بكسر شيء بالعصا التي بيده: وأكثر من ذلك!
أيضاً، ولكن قررت شيئاً وهو ما ستفعله سواء وافقت أم لا!
قال باهر بخوف كبير: ما هو يا جدي؟
صمت عبد الرحمن لدقائق ثم قال له: قررت ألا تستمر بنت العامرين لديك.
وستتزوج فتاة ممن هنا قمت باختيارها لك.
صحيح، تذكرت، وستقوم ببيع المستشفى الخاصة هذه.
لأي شخص يقبل شراءها.
وستذهب لخطبة فتاة بعد يومين من هنا وسيُجهز منزل لك هنا.
ولا تحاول الاعتراض، ستفعل ما أقوله سواء أردت أم لا.
نظر باهر لجده بكل وسع عينيه قائلاً لجده: لا لا مستحيل يا جدي، لا تلغِ حلم السنين لشيء لا ذنب لي به.
لم أكن أعلم أنها منهم، صدقني.
صرخ به جده قائلاً: وماذا فعلت عندما علمت؟
ألم تستمر بالعمل لديك؟
قال باهر بعصبية: يا جدي هذا عمل.
بيدي حياة ناس لا يمكنني اللعب بها يا جدي.
وأيضاً هناك عقد مرتبط به.
ماذا أقول للأطباء؟
لماذا طردتها؟
لأن بين عائلتي وعائلتها عداوة؟
لا يمكنني ذلك.
تبسم الجد وقال له: وأنا أرحتك من كل هذا، لن يكون عليك بيعها، حتى هذه سأعفيك منها، سأكلف بهجت.
وسأنشئ لك أكبر مستشفى هنا.
حاول الكلام، ولكن أوقفه قائلاً: هيا اذهب من أمامي الآن، هيااا.
....
كان جالساً أمامه وكأنه طفل صغير فعل ذنب كبير.
ظل ينظر له وهو يقول في نفسه ماذا سأقول له.
إلى أن قال له فجأة: قل ماذا تريد يا همام!
ظل همام ينظر يميناً وشمالاً إلى أن قال له ما قاله لجده.
عبد الهادي واكمل: يا ولدي ألا تريد أن تشعر قلبي بالراحة يا ولدي.
مات القلب بعنادك يا ولدي.
وصمت بمكر، ما إن رأى جواد أبيه هكذا حتى جثى على ركبتيه قائلاً: أبي أبي ماذا بك! كفى يا أبي.
اهدأ وسأفعل لك ما تريده وسأتزوج.
اهدأ يا أبي اهدأ.
وكل ما تريده سأفعله.
رد همام وقال بحزن: هل أبلغ جدك الموافقة؟
رفع جواد حاجبيه فقال له: لا أريد الزواج هكذا.
نفترض لم أحبها؟
أأظلمها معي؟
رد همام سريعاً دون أن يعطيه الفرصة في التراجع: لا محبة إلا من بعد عداوة يا ولدي.
تنفس جواد عالياً وهز كتفيه باستسلام قائلاً: يبدو أني قد علقت وانتهى الأمر بي.
ضحك همام بشدة وأخذه بحضنه.
....
قصدت باب الرجاء والناس قد رقدوا
وبت أشكو إلى مولاي ما أجدُ
أشكو إليك أموراً أنت تعلمها
مالي على حملها صبرّ ولا جلدُ
وقد مددت يدي بالذل مفتقراً
إليك يا خير مَن مدت إليه يدُ
كانت ليلة وما أقساها ليلة على قلوبهم، فكل منهم نام بوجعه.
فصبيحة الغد كل منهم سيكون مقدماً على الزواج من شخص لا يعرفه، فذكرى كانت تتألم لعملها.
ولزواجها.
ويزن ابن عمها كان يموت ما إن علم أنها ستتزوج.
وها هو باهر جالس في الحديقة بمفرده، ربما كان يبكي من الحزن، حينما رآه يامن وجده من النافذة، حزن قلبهم عليه.
وها هو جواد سيتزوج ليرضي أبيه ودون موافقته من واحدة لا يعلمها.
سينام الجميع عسى أقدارهن تتبدل خير.
الظروف غالباً ما تضعك تلك في أماكن لا تحبها بسبب أناس لا يمكنك معارضتهم، إما لحبهم أو لسيطرتهم عليك.
رواية وللثأر حكايا الفصل الثامن 8 - بقلم هموسه عثمان
ساكن يا ليل
صارخ يا قلب
ومين سامع صراخكم؟
كله شايف الثبات مالي عنيك
كان لازم يعني الثبات ده
ما تقوم تصرخ وتقول لا
هي كبيرة ولا تقيلة ولا صعبة
كان مع هدوء الليل، كان يامن يمدح قائلاً، وكأن ما يقوله لمس قلوب الجميع:
أَغيب وَذو اللطائف لا يَغيب
وَأَرجوه رجاء لا يخيب
واسأله السَلامة من زَمان
بليت به نوائبه تشيب
وَأنزل حاجَتي في كل حال
الى من تطمئن به القلوب
وَلا أَرجو سواه اذا دهاني
زَمان الجور وَالجار المريب
فَكَم لِلَّه من تَدبير أَمر
طوته عَن المشاهدة الغيوب
وَكَم في الغَيب مِن تَيسير عسر
وَمن تفريج نائبة تنوب
وَمن كرم ومن لطف خفي
وَمن فرج تزول به الكروب
وَمالي غير باب اللَه باب
وَلا مولى سواه وَلا حَبيب
وكان باهر جالساً في الحديقة، لا يعلم هل هو حزين أم ماذا.
كل ما يعلمه أن قلبه يحترق وبشدة.
وكان الجد عبد الرحمن ينظر لأحفاده بحسرة وحزن، ولا يدري ماذا يفعل لهم.
قالت له فاطمة: لم أراك أبداً قاسياً يا شيخ عبد الرحمن.
نظر عبد الرحمن لها طويلاً ثم قال لها: يفعل الله ما يريد يا أم عاصم.
تنهد بضيق وقال: سأذهب للنوم.
وفي اليوم التالي، ومع إشراق شمس جديدة، ونأمل أن تكون إشراقة مبهجة لقلوبنا أيضاً.
ذهب عبد الله مع ابنه وضاح إلى عبد الهادي لكي يذهبوا إلى منزل الشيخ عبد الرحمن.
ما إن ذهبوا إلى المكان الذي يجلس به عبد الهادي، وجدوه يبكي ويصرخ.
يقول: اااااه يا ولدي، اااااه يا من كنت القلب والعين وكل شيء لأبيك.
يا ليتني كنت قبلك، ليتني لم أر هذا اليوم بعيني.
ااااه يا طاهر، من سيربي أبنائك؟
حينما قلت لك تزوج وأنجب وسأربي أبنائك، أقصد أن أربي أنا دونك يا ولدي.
ياااه يا ولدي، تركت كسر بقلبي لن يمحيه الزمن وإن طال ما طال.
وجد يد تسير على ظهره.
نظر، وجد أخيه وابن أخيه.
حاول التكلم ولكن كان احتضنه أخيه وقال له: ربط الله على قلبك يا أخي.
جلسوا سوياً بعد ما هدأ عبد الهادي، ولو ظاهرياً، لا يهم داخلياً.
قال وضاح لكي يفتح موضوع مخالف: ألن تجعلني أعرف من سيكون زوج ابنتي؟
نظر عبد الهادي له طويلاً وقال له: لا.
ثم نظر لهم وقال أخيراً: هيا بنا لنتجهز لنذهب لكي نمحي مشكلة الثأر تلك التي دامت لسنين.
ألن يكون لك منفعة نهائياً، دائماً هكذا وجودك مثل عدمه؟
قالتها وهي عينيها يمكنها منافسة النار على من يمكنها الإحراق أكثر.
نظر لها رضوان وقال لها: أليس لديك جديد يا شاكرة؟ في الشجار كل يوم نفس الشيء هكذا؟
نظرت له بقوة، نظرة تعني.. حاول أن تنقذ نفسك إن استطعت.
إلى أن رد عليها يزن وقال: يا أمي لمَ كل ذلك؟ نحن لسنا صفقات لكي تخططي لكل ذلك ونحن ننفذ!
قالت له يزن بصوتٍ عالٍ جعلت يزن ينظر لها ويغادر.
وصل عبد الهادي ومن معه إلى منزل عبد الرحمن، وبعد الاستقبال بدأ الحديث عن شروط الصلح.
كان من شروطه أن يتم زواج إحدى العروسين يوم الصلح، والآخرين في ميعاد آخر.
فوقع الاختيار على ريحانة لجواد، وكان همام جالساً ويستمع لذلك.
إلى أن قال عبد الهادي: والأخرى هي الطبيبة ذكرى، ستكون لـ صاحب مستشفى الشريف، هو طبيب أيضاً.
هنا كانت كل العيون تنظر متفاجئة، بدأت من والدها ذات نفسه، إلى يامن شقيق باهر ووالده.
رد عبد الرحمن بهدوء: يا أبا كرم.
نظر له وضاح.
فقال عبد الرحمن: ربما ترى ابنتك لا تليق بها تلك الزيجة، وربما كل منا سيرى أن ابنه كذلك لا تناسبه تلك الزيجة.
ولكن لا يجب أن نكون رجعيين.
لا يجب أن نعود للخلف، بل يجب أن نتقدم.
ما فائدة حرمان ابنتك من عملها وأن ترفع اسم عائلتها وعمل حفيدي كذلك، ولكنهما أخطأ حينما لم يخبرونا، وحان الوقت لتحملهم نتيجة خطئهم.
رد عبدالهادي: لا يوجد خطأ في كلامك يا شيخ عبد الرحمن، وسنتفق فيما بعد على موعد زواج أحدهما الذي سيكون به الصلح أيضاً.
كان همام ينظر لهم ولا يدري ماذا يفعل، إلى أن قال: سيحدث كل خير بإذن ربي الرحيم.
كان وضاح لا يدري ماذا يفعل، ولكنه لا يستطيع الكلام.
بعدما ذهبوا، ذهب جواد وسألهم عن أبيه، وقالوا: لم نعلم أين ذهب، ربما ذهب إلى منزله.
غادر جواد يبحث عنه ولم يجده في منزلهم أيضاً، إلى أن ذهب إلى المكان الذي أيقن أنه سيجده به.
ذهب إلى المدافن، وجد والده جالساً أرضاً يبكي ويقول: ابننا سيتزوج يا سيدة قلبي، قطعة مني ومنك كبرت وسيتزوج يا حبيبة الروح.
أعلم والله أعلم أنه ليس سعيداً، ولكن أسأل الله أن يُنزل الفرحة والسعادة على قلبه لكي ألحق بكِ وأنا مطمئن يا حبيبتي.
وظل هكذا يحدثها، ولم يكن يعلم أن جواد خلفه.
تركه جواد كما هو وذهب، وحينها أقسم أن يسعده.
ذهب وضاح إلى غرفة ابنته، وجدها كالجثة على السرير.
قال لها والحزن في عينيه: لمَ كل هذا يا حبيبة أبيك؟
لم ترد ذكرى ولم تنظر له.
قال وضاح بحزن: كل ما أفعله كان بسبب حزني وغضبي، عماني الغضب فتركت ليدي العنان وصفعتك، اعذريني.
لم تجد نفسها إلا أن تبكي بكل قوتها قائلة: لم أكن أعلم، أقسم لك.
المستشفى له، ولكن هناك طبيب هو من يدير كل شيء، ليس هو.
كنت أظنه هو مديرها، صدقني لم يكن أحد منا يعلم، صدقني.
رد وضاح عليها بحزن: صدقتك، ولكن علي أنا وأنتِ تحمل النتيجة.
قام ليغادر وهي تركت لدموعها العنان.
ما إن سمع بما حدث حتى جن جنونه وذهب على الفور وصرخ به قائلاً له: لم تجد سوا ريحانه لتكون هي في تلك الصفقة أم ماذا؟
أم هو أي أحد من أبناء زكريا دون أخذ إذن منه أو حضوره الجلسة؟
قبل أن يرد أحد، صرخ عبد الرحمن بهم وقال لهم: إياكم والرد.
ثم نظر إلى زكريا قائلاً له وهو رافعاً له سبابته: أنت أخطأت في اثنين وهما، أنك لا تعرف بالجلسة!
بل تعرف ورفضت الحضور لكي تفعل ما تفعله هذا.
وثاني شيء وهو دخولك عندي بتلك الطريقة وهذا الصوت العالي.
أم ثالث شيء وهو الأهم هو أن صاحبة الشأن موافقة على ذلك.
صرخ زكريا دون تفكير عما يفعله وهو يقول: حتى وأن وافقت فأنا أباها وأرفض ذلك، أليس من حقي؟
ما ذنبنا ندفع ثمن والدك أنت؟
ظل عبد الرحمن صامتاً وكأنه يستجمع رداً يصمته نهائياً.
إلى أن قال له بنظرة نارية: ومن جعله ثأر أليس والدك أنت!؟
رد زكريا بكبرياء: أهو أخطأ حينما أراد أن يأتي بحق أبيك؟ بدلاً من أن تشكره!؟
ضحك عبد الرحمن قائلاً بسخرية: أشكره على ماذا؟ على جعل مشكلة قتل خطأ ثأر؟
حتى ولو كانت متعمدة!
قل لي ماذا فعل، أخذ الحق؟ الإجابة لا!
أم أنه حاول مساعدتي؟ فأنا لا أريد حق أبي فقط، إن المشكلة ليست مشكلة ثأر وسأرسل لهم وأقول ذلك، حل مشكلة الثأر مع من حاول أخذه.
وامامك الخيار بأنني سأتخلى عنك وتتحمل تلك المشكلة بمفردك كما فعل والدك.
طريقة أخذ الحق بالنسبة له هي ضرب كل من يأتي أمامه، فلا يحدث له شئ سوا جروح وخدوش، يعني أنه لم يستطع.
رد زكريا: ولكنه حاول أيضاً.
رد عبد الرحمن قائلاً: ولكنه يعلم أيضاً أن أبي رفض أن يأخذ أحد ثأره، وأقسم لك لولا ما فعله والدك لم أكن ليوم أن أفكر بأخذ ثأر أو تبادل زواج، ولكني لا أستطيع الرفض.
قال زكريا بضيق: لمَ؟
قال عبد الرحمن بنفاذ صبر: إنهم في نظرهم هي مشكلة ثأر، فحلها بالزواج خير من القتل.
وكان على ابنتك دفع ثمن ما فعله جدها.
رد وقال بعصبية: ولكن إلا ريحانة.
لمَ لا تكون ابنتك أو ابنة بهجت؟
هنا صرخ به عبد الرحمن وبهجته وعاصم، فعلم أنه يجب أن يلتزم حده.
ولكن!
الرد الأقوى كان من الخلف حينما قيل: عليك فعل كل ذلك حينما تكون أنا رافضة، لستُ أنا من اقترحت على عمي بذلك.
نظر زكريا إلى ابنته وأراد صفعها.
ولكن عبد الرحمن قال له: أقسم لك أي فعل منك تجاه ريحان لن أتردد في قتلك.
قال زكريا بذكاء: حسنا، ولمَ تكن ابنتي فقط؟
لمَ لا يكن أحد أبنائي أيضاً بما أننا السبب في تلك المشكلة، فحلها يجب أن يكون لدي بالكامل.
ضحك عبد الرحمن وقال له: نحن لا نؤذي بنات الناس يا زكريا.
رد زكريا: بل تؤذي ابنتي أنا؟
نظر له وقال: لا أقصد أذية في الزواج، بل في المعاملة، لن تجد من تتزوج ابنائك راحة.
وأنت تعلم ذلك، لذا يجب أن يكون حفيدي لكي أضمن لها حياة كريمة.
صمت أخيراً لا يجد رد يرد به وذهب وهو يقسم في داخله أن ذلك لن يحدث حتى لو قتل ابنته.
قال عبد الرحمن: إياكم إياكم بطيبة عبد الرحمن ويامن، لا تؤذوني فيهم، لا أستطيع العيش دونهم.
يا عمه.
عرفت من لهجته أنه يريد شيئاً.
قالت له: تفضل يا باهر.
ذهب وجلس بجوارها مُنكس الرأس فقال لها: أرجوكي يا عمة تصرفي مع جدي، سأموت إن فعل بي ذلك.
والله لم أكن أعلم أنها منهم، وما إن علمت كان هناك عقد ليس من حقي أن أخترقه لسبب كذلك.
استحلفك بالله أن تجدي حل.
قالت له بمكر: أهـ.. قلبك يحبها؟
تنهد بضيق قائلاً: دَعي القلب جانباً الآن.
ردت زهرة عليه: حسناً حسناً، سأُحدث أبي.
ثم أنت تريد أن تذهب من هنا!
ألا تحب الحياة هنا؟
رد عليها: ليس كذلك، ولكن أنا قلبي مُعلق بعملي يا عمة.
نظرت له رافعةً إحدي حاجبيها قائلة: تعني أنه ليس مُعلق بي أنا؟
إذاً ابحث عن غيري يذهب لجدك.
ضحك سريعاً وقال لها: أنتِ الأساس يا زهرتي.
وتجد في الظلام الحالك ضوء خفيف يظهر لك يخبرك ويقول لك كل شيء سيكون على ما يرام، لا تحزن يا عزيزي.
رواية وللثأر حكايا الفصل التاسع 9 - بقلم هموسه عثمان
عرفت أن الزمان تآمر هو أيضاً وجار عليّ ولكن تصبح الناس أيضاً؟ هذا كثير عليّ وعلي قلبي فوالله لم يعد به شيء جيد كل ما به يتألم ويصرخ.
ومَن يداوي جروح قلبي؟ فهل بعد انكساره جبر يجعله ينسى ما حدث له؟ فوالله لو اجتمع الجميع على جبره لا يستطيع.
والا لا! إياك والحلفان فوالله الذي روحي بيده قادر على كل شيء.
لم تكن تبكي فقط بل كانت وكأن هناك من سرق روحها وبقي جسدها هكذا ذابل بدون روح.
ولم تدري بنفسها إلا وهي تصرخ وتقول: يا سعديا سعدي بعدك عني جعلني أموت يا سعدي. زهرتك ليس على ما يرام يا سعد.
صارت تبكي بحرقة ولم تدري أن هناك أحد بجوارها.
إلا وبه يربط على ظهرها ويقول: اهدئي يا زهرة إن كان لديك خاطر لي فلتهدئي.
لم تجد نفسها إلا وأنها صرخت بكل قوتها وقالت: آه يا قلبي.
وبدأت في وصلة بكاء ولكن لا تعلم هل تلك الوصلة ستنتهي منها متى؟ فهي تظن أنها ستستمر معها العمر كله.
نظرت له والدموع تملأ عينيها قالت له: قلبي يا بهجت به نار.
يريد مني أن أنسى ما فات وأتزوج وكأن سعد لم يكن؟
لم يكن يعلم كيف يخفف عنها فقال لها: اهدئي يا حبيبتي اهدئي. أنتِ تكسريني هكذا يا زهرتي لا تفعلي ذلك.
قالت له من بين دموعها: هو ميت بالنسبة لكم يا بهجت ولكنه على قيد الحياة في قلبي وهذا يكفيني حتى وإن كان عمري معه شهر واحد يا أخي.
كان أبوها الذي انكسر ظهره بما حدث لها ماراً بجوار غرفتها وسمعها وكاد أن يبكي ولكنه ذهب دون أن يسمع شيئاً آخر.
ولكن ما في اليد شيء، إن كان بيدي شيء أفعله لفعلته لقرة عيني ولكن لا يوجد شيء.
صرخ به قائلاً: ولكن حقنا نعلم أين تذهب كل فترة وتختفي. هذا حقنا يا أبي.
تأفف من تلك السيرة مجدداً وقال لهم: أقسم لك هذه المرة سأضربك وهذا حقيقي ليس تهديداً يا ولد. أنا مقدر حالتك التي أنت بها منذ وفاة زوجتك وانشغالك لابنتك.
نظر له بحزن وقال له: أي تقدير هذا؟ قل لي أين هو؟
إياك ثم إياك بمجادلتي قالها له وهو يبدل ملابسه ولم يعطيه أي انتباه.
ولكن رد الابن بكل عصبية: لا لن أذهب قبل أن أعرف أين تذهب؟
صرخ والده به بكل قوته: لا يعني أني لم أفعل لك شيئاً أني لست بقادر.
ورفع يديه على أعلى ارتفاع ونزل بها على وجهه.
وارتدى ملابسه وغادر.
حاولت والدته وأخيه تهدئته بعدما غادر ولكنه ترك المنزل وغادر أيضاً.
نظرت لها ولحالتها التي تذبل كل يوم عن ذي قبل.
قالت خديجة لها: يا زوجة الغالي لا يجب عليك فعل ذلك لا يجب عليكي. اهتمي بنفسك وأكلك وابنك لكي يأتي سليم معافى يا ابنتي.
لم ترد رقيه عليها.
قالت لها إحدى الجالسات وهي تمد يديها لها بالطعام: ورحمة طاهر لتأكلي ولو قليل.
ويبدو أنها فتحت الأبواب لعيونها. فبدأت تصرخ وتقول: أصبحت ورحمته الم تكن وحياته؟
صارت تصرخ وتقول نفس الجملة وهي تضرب بيديها على قدميها وتصرخ وتقول: آه يا طاهر آه. طالبين مني نسيانك يا غالي يا ابن عمي وزوجي وحبيبي. آه يا طاهر.
حاول الجميع تهدئتها بكل قوتهم إلى أن أمسكت بها خديجة لتجعلها تهدئ.
قالت رقية: أصبحت ورحمتك لا وحياتك يا طاهر.
كان يمشي وكأنه ضل طريقه ولكن أيضاً كأنه يعلمه. ذهب وما إن دخل الغرفة.
وقف سريعاً قائلاً له: ماذا بك يا جدي ماذا هناك؟
رد عبد الرحمن بهدوء: ليس هناك شيء يا حبيبي ولكن أريد أن أجلس معك قليلاً.
رد يامن سريعاً: فلتجلس يا عبده ظننت أن هناك شيء.
ضحك عبد الرحمن وقال له: لا أعلم لم أنت الوحيد القادر على إخراجي من الحزن.
رفع يامن إحدى حاجبيه وقال له: حزن!؟ لمَ يا عبده؟ هل فاطمة أحزنتك؟
ضحك عبد الرحمن بقوة فقال: فلتَقُل شيئاً يا يامن بحاجة لسماع شيء بصوتك.
نظر يامن بكبرياء وقال له: حسناً وكم ستدفع؟
ضحك عبد الرحمن وقال له: هيا يا ولد نخرج إلى الحديقة وتبدأ.
خرجوا للحديقة وجلسوا وبدأ يامن يمدح قائلاً:
مولاي إني ببابك قد بسطت يدي
من لي ألوذ به إلاك يا سندي
مولاي يا مولاي
مولاي إني ببابك قد بسطت يدي
من لي ألوذ به إلاك يا سندي
مولاي يا مولاي
مولاي إني ببابك، مولاي إني ببابك
مولاي إني ببابك، مولاي إني ببابك
أقوم بالليل، والأسحار ساجية
أدعو وهمس دعائي
أدعو وهمس دعائي بالدموع ندي
مولاي إني ببابك، مولاي.
جلس عبد الرحمن وهو يستمع له وكأنه ملك الدنيا جميعها.
كانت تنظر له من خلف الشباك تسترق السمع له وقلبها ينظر له بحب لا عينيها.
رمى هاتفه على المكتب وقال بضيق: ما العمل الآن؟ ليس هناك رد لا منه ولا من ذكرى ولا نعلم ماذا حدث؟
كان مجموعة من الأطباء يجلسون قال أيمن: ربما حدث حالة وفاة أو شيء شبه ذلك؟
قال الطبيب عمر: كان رد عليّ أيضاً لم يحدث وباهر لا يرد عليّ هذا مقلق.
قالت نرمين: ربما لم يروا الهاتف.
رد عمر بضيق أكبر: طوال اليوم.
ثم نظر لهم وقال: هيا إلى عملكم وإن شاء الله سيكونوا بخير.
كانت الزغاريد تملأ المكان وتأتي المباركة من كل مكان قائلين: مبارك يا أبا أيهم. مبارك يا أيهم.
وكان أيهم جالس وكأن كل ما يحدث لا يعنيه في شيء تماماً.
وأراد أن يهرب تاركاً كل شيء فقط يهرب ينجو بنفسه.
وجد إن فعل ذلك لن ينجو من أبيه.
عندما عاد للمنزل وجد أبيه يوبخه قائلاً له: ماذا تظن نفسك فاعل يا ولد؟ قلت لك وسأقول لك أنت دوني لا شيء. أنت بعمرك كله لم تكن تحلم بزوجة كهذه ولا حياة كما أفعل لك.
نظر أيهم وقال بعصبية: ولكني لا.
قبل أن يكمل كلامه قاطعه قائلاً له: وأنا لا أنتظر. أنت تريد أم لا! فلتحاول أن تكون سعيداً ولو بالإجبار وذلك لصالحك.
قالها له وغادره تاركاً إياه يموت.
رآها تستعد للذهاب قال لها فجأة: ريحانة.
جعلتها تنتفض وتعود للخلف. نظرت له بخوف ولكن بتحدي أيضاً.
قال لها: إياك والاعتقاد أنكِ هكذا تهربين مني. والله ولو كنتِ في منزل الأسد لن أرحمك.
عليكِ أن تعلمي ذلك.
أراد أن يغادر ولكن اعتدل لها قائلاً: آه كنت سأنسى. أريد مالاً وكثيراً!
تركها وذهب.
أحياناً كثيرة يكون سبب انكسار ظهرك أقاربك وأعز الأقارب أيضاً فيا كسرة القلب.
رآه يهبط من درج السلم يستعد للذهاب.
حينما رآه همام أخذه بالحضن قائلاً: كم لهذا اليوم سعيداً لي يا جود كثيراً.
تأفف جواد وقال له بعصبية: يمكنني الرجوع في كلامي إن استمريت في كلمة جود تلك يا همام.
ضحك همام بشدة وقال له: أتمنى لك السعادة وأريد منك مسامحتي يا ابني. كل ما أفعله لكي أراك سعيداً حتى ولو كنت تكره تلك الطريقة.
تبسم جواد. آه وها قد تبسم طابع الحسن لديه وقال له: يا همام يا أخي ليس بيننا اعتذار ولكن سيكون هناك رفض إن لم تعجبني الفتاة.
ضحك همام وأخذه ليذهبوا لكي يرى جواد ريحانة.
وبعدما جلسوا وكان معهم عبد الهادي وعبد الله وذهب معهم يحيي العزايزي واستقبلهم عبد الرحمن وزكريا وبهجت وعاصم.
بعدما جلسوا ورأوا جواد ذاك فارع الطول وكأن بينه وبين الطابق الثاني قرابة. صاحب البشرة السمراء.
قال زكريا بمغزى: أي زواج اثنين سيتم الأول؟
رد بهجت بكبرياء: زواج ابننا من كريمتهم.
سعد زكريا من أن بهجت وقف معه ولكنه لم يكن يعلم أن هذا لن يكتمل.
فقال يحيي العزايزي للشيخ عبد الرحمن: أيمكنني الرد يا شيخ؟
أومأ له الشيخ عبد الرحمن على الفور.
فقال يحيي العزايزي: ما بينكم لن ينتهي بجلسة صلح وكل شخص يذهب لحاله ولكن سيكون بينكم نسب. لذلك أرى أن بداية العلاقات الطيبة هي أن تذهب ابنتكم لمنزلهم أولاً ليكون دليل أمام الجميع أن ليس هناك شيء بينكم.
هنا تلعثم زكريا وأصبح لا يعرف كيف يأخذ نفسه إلى أن أعطاه عاصم الماء.
قال عبد الرحمن بهدوء: والله لكلامك هذا ليس به شيء خطأ أوافقك الرأي.
حين ذلك فقال يحيي: إذا يا شيخ نحن اليوم هنا لتحديد موعد الزواج ونرى عروستنا. هذا حق العريس.
أراد زكريا الرفض فقال بهجت سريعاً: حسناً حسناً أوافقك يا شيخ يحيي.
وبدأوا يتجادلوا وكان الاتفاق على أن يكون موعد الزواج بعد شهر من الآن.
كاد همام أن يطير من الفرحة ولكنه قال بهدوء: ألن أرى زوجة ابني يا شيخ عبد الرحمن؟
ضحك عبد الرحمن وقال مداعباً له: أراك متلهفاً عن ابنك.
ضحك الجميع وخرج زكريا ليأتي بريحانة.
استرقت انف جواد الشم فوصلته رائحة ريحانة فيا ريحانة انعشيني وانعشي قلبي وأسعديه. فوالله لم يرى السعادة منذ فترة.
فتح عينيه هاله فوجد أمامه أنثى لا لا بل ملكة وأي ملكة فهي ملكة تتربع على عرش قلبه. أي هبةٍ وعظمة هذه التي تقف بها. أي لون عينين هذا.
فعينيها تلمع مثلما يلمع الزجاج. عينيها وكأنك تنظر للسماء.
في ملكة ذات بشرة ليست بيضاء ولا سمراء هكذا.
تكون أنت علقت في المنتصف من النظر لتلك اللوحة. يا إلهي ما أجملها.
بعدما رآها وراته ذهبت للداخل وهي تشعر وكأن الدنيا دارت لها.
بعدما تعرفت عليه وعرفته ذاك صاحب أكبر شركات ومصنع تصميم ملابس جواد العامري. فهي علمت الآن أنها وقعت مع من أرادت أن تصبح شركتها البسيطة مثل شركته الكبيرة.
جالس في غرفته لا يعلم ماذا سيكون مصيره إلى الآن ومَن تلك التي سيتزوجها. وكاد أن يجن وهو لا يعلم كيف يتصرف أو ماذا يفعل.
ولكنه قام ليصلي قيام الليل فالقيام سيحل تلك المشكلة وأي شيء.
صلى وظل يدعو ثم قام وهو أيقن أن الله استجاب له.
اترك همك على ربك وكل شيء سينحل ولن يوجد بعد كلمة تسمي هم. كل ذلك سيزول وستبقى السعادة لقلبك.
رواية وللثأر حكايا الفصل العاشر 10 - بقلم هموسه عثمان
أن تكون جالساً في هدوء و هواء الفجر الذي يخطف القلوب هذا كفيل أن يجعلك تنسي همك وكل شيء فقط يجعلك في حالة هدوء مريحة للقلب
جلس بجوارها وهو يعلم تماماً أنها لم تشعر به
نظر لها وقال لها بهدوء : لا تحزني هكذا فأنتي تكسريني بتلك الطريقة
رفعت له عينيها وغلاف الدموع تحيط بعينيها بحزن
قالت له : لا أتحمل ما يحدث لي يا كرم والله لم أكن أعرف وبعدما عرفت هذه أرواح ناس بين يدي
تنهد كرم بشدة ثم نظر لها وأخذها بين أحضانه
قائلاً لها : يا حبيبتي والله لو أخر يوم بعمري لن أرضي أو أوافق أن يحدث لكِ شيئاً لن ترضيه
ردت ذكرى سريعاً عليه : بعيد الشر عنك يا حبيبي
....
كان جالساً بهدوء في الحديقة ينظر أمامه لا يُحَدِث أحد فقط ينظر أمامه وكأن ما فعلته الدنيا به كثير
ولكن !
مهما تفعل بك الدنيا اجعل قلبك معلق بربك وحينها تدرى ماذا سيحدث !؟
سيرتاح قلبك وهذا أهم شيء
وجد فجأة صوتاً خلفه قبل أن يلتفت له وجد يامن كان يركض بشدة عليه وإذا به قفز بسرعه بجانبه
وكان كل ما يقوله وهو يلهث بشدة : يا عبده
يا عبده اسمعني
دب الخوف في قلب عبد الرحمن بشدة قائلاً بخوف : ماذا هناك ؟
ماذا حدث ؟
جلس يامن بجواره وما زال عبد الرحمن يسأل
فقال يامن : فلتهدأ...
لمَ هذه العصبية أعطيني المياه أولاً
رد عبد الرحمن بعصبية قائلاً له : كيف أهدأ ؟
قل لي ماذا هناك ؟
أتعبت أعصابي
لعب يامن بحاجبيه قائلاً له : سلامة أعصابك يا عبده
أأقول لهم يفعلون لك ليمون؟!
تعصب عبد الرحمن أكثر قائلاً له : الحق عليا أني اخذت عليك
رد يامن سريعاً قائلاً له : لا لا يا عبد الرحمن سأقول لك
نظر له عبد الرحمن بطرف عينيه وكأنه لا يهتم
فقال يامن له و هو يميل عليه كأنه سيكون له سر كبير فقال له : هل تعلم أن باهر أخي لم يعلم بعد أنه سيتزوج القديمه
رفع عبد الرحمن حاجبيه قائلاً له : مَن تكون القديمة ؟
رد يامن بضحك شديد : افهم يا عبده هي اسمها ذكرى إذن هي قديمة أليس كذلك
ضحك عبد الرحمن بشدة قائلاً: ليس لك كلمة جد يا ولد
رد يامن : ليس مهماً
المهم أنه لا يعلم شيئاً عن ذلك عليك استغلال ذلك لتأديبه على فعلته
نظر عبد الرحمن له ثم قال: وهل إن كنت أنت مكانه
هل ستوافق علي أن أعاقبك ؟
رفع يامن رأسه بكبرياء قائلاً له : لا يا عبد الرحمن فأنا ليس مثل باهر أسمع لك في كل شيء
ثم قام سريعاً قبل أن تأتي الضربه به
حينها اتي باهر إليهم
فقال باهر بهدوء : كيف حالك يا جدي ؟
رد جده باختصار ليوضح له ولو قليلاً أنه حزين من فعلته : الحمد لله
انكس باهر رأسه ثم قال له : اعتذر يا جدي
ولكن أقسم لك لم أكن اعلم نهائياً وبعدما علمت هناك أرواح بين يدي يا جدي أتمني أن تسامحني
نظر عبد الرحمن له فقال : سأسمحك ولكن بشرط
رد باهر سريعاُ : أمرك يا جدي
رد يامن : اتشرط يا عبده اتشرط كما يحلو لك
اغتاظ عبد الرحمن منه ثم قال لباهر : أول شيء تضرب يامن
والثاني أن تجعل زهرتي تأكل وتضحك أنت الوحيد القادر علي ذلك
كان عبد الرحمن يتحدث وباهر يقوم بخلع حذائه والساعة وكل شيء
أراد يامن أن يهرب ولكن بكل سهولة امسكه وكبله ووضعه عند جده لكي يفعل به ما يحلو له
قال يامن بتمثيل : عبده ستضربني إن فعلتها سأحرمك من الميراث
جعل عبد الرحمن عيناه اغرورقت من شدة الضحك
.....جميل
ما جميل إلا وجود مَن يساند قلبك ويسعده
ذهب باهر لغرفة عمته
وكان في يده صينيه مليئه بكل ما لذ وطاب
حينما دخل رحبت به زهره ثم جلس
فقالت له : اعذرني يا باهر نسيت أن أُحَدِث أبي
قال باهر بطريقة لامبالية: حسناً
ليس مهم يا زهرتي هيا نأكل
رفضت زهره أن تأكل معه
فقال لها : أحسن ذلك يا زهرتي فأنا لم أضع حسابك في الأكل نهائياً
رفعت زهرة حاجبيها قائلة: هل ستأمل كل هذا الاكل وحدك يا باهر ؟
نظر باهر لها وهو يأكل بشدة قائلاً : لم يقل لي أحد أنكِ مَن تدفعين ثمن الأكل لكي أكل بحساب
ردت زهره بغيظٍ: لم أقصد ذلك يا ولد
ضحك باهر قائلاً : تريدي أن تعيشي دور العمه صدقيني لن تفلحي
أرادت أن تتحدث أشار لها بالصمت وهو يأكل باستمتاع
ثم قالت له بعصبية : أخرج خارج غرفتي وكل كما يحلو لك
رد عليها بكل برود : هذا منزل جدي والأكل له أيضاً ليس لكِ
إذاً أتواجد في أي مكان أريده
قامت لتجعله يخرج قائلةً له : جدك يكون أبي إذاً
قبل أن تكمل كلامها رأت الأكل ورأت شكل الأكل فسال لعابها قربت يديها لتأخذ
ضربها عليها قائلاً لها : قلت لكِ لم أعمل حساب أحد سواي
جلست غصباً جواره وبدأت تاكل بنهم(شرهه)
ثم قلدها باهر قائلاً : لن أكل لست جائعة
وكزها قائلاً : لمَ المكابرة إذا
بدأو الحديث سوياً الي أن دخل عليهم الجميع وكله يريد أن يأكل وباهر يرفض ذلك
الي أن قال يامن له : لدي خبر سيجعلك تمتنع عن الأكل يا أخي
رد باهر عليه وهو كاد أن يضرب زهره لأنها اخذت من أكله قائلاً : لن يحدث
رد يامن وهو يلاعب عينيه له : بل سيحدث
ثم قال بخبث : هل تعلم أنك ستتزوج فتاة الماضي ذكرى
تلك يا باهر تلك الطبيبة
عندما سمع باهر ذلك ظل ينظر أمامه لا يدري ماذا يفعل
انشغل لدرجة ترك زهرة تأخذ من أكله
بدأ يامن في الصياح قائلاً بفرح : اخي أصبح صنم
أخي أصبح صنم
فاق باهر على كلمه ثم نظر لجده متسائلاً عن كلام أخيه وأكد جده نفس الكلام
أراد أن يقوم ويفعل كما تفعل النساء ويزغرد ولكنه فوجئ أن زهرة اخذت أكله
فبدأو الشجار بعدما انتهوا وجلسوا
وكان باهر كأنما أحد نقله من العالم الذي يعيش فيه إلي عالم آخر جميل
فقال عبد الرحمن الي يامن بنظرة ذات مغزى : فلتقل شيئاً يا يامن
ضحك يامن وقال : حسناً فلتستمع يا عبده
ثم نظر إلي أخيه : استمع أنت خصيصاً ستسعد
ثم بدأ يقول : الشمس قد قُسّمت نصفين لي ولها
النور في خدها والنار في كبدي
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها اذا
اغتسلت بالماء من رقّة الجلد
وإني لمشتاقٌ الى رشف خدّها
كما اشتاق ابليسٌ الى جنة الخلد
بدأ باهر ينظر حوله لا يعلم ماذا يفعل بعد كلمات أخيه
......
ذهب وضاح الي ابنته وجدها علي حالها المعتاد
فقال لها : يا ابنتي
اعتدلت ذكرى قائلةً بسرعة : والله يا أبي لم أكن اعلم
فقال وضاح : لقد انتهي كل شيء يا ذكرى
قالت ذكرى بخوف وهي تبتلع ريقها بصعوبة : أي شيء يا أبي
قال لها بحزن : ستتزوجي من ابن عائلة الشريف صاحب المستشفى
فتحت عينيها علي وسعها لا تدري ماذا تجيب ولكن رن هاتف أبيها
قال أبيها بعدم معرفة : مَن ؟
مَن الطبيب عمر ؟
ردت ذكرى سريعاً : الطبيب عمر اعطيني الهاتف
فاعطاها الهاتف ولكنه فتح المكبر
ردت ذكرى قائلةً : اهدأ سيد عمر
صرخ عمر بشدة قائلاً : لم احدثك لكي أسلم عليكي
عليكي أن تكوني هنا قبل الغد
باسرع وقت في عمليات متوقفة عليك يا ذكرى أرواح ناس تضيع بسببك
نظرت لأبيها بمعني ماذا اقول اومئ وضاح لها لكي توافق
فردت سريعاً قائلة : حسناً يا سيد عمر سأتي بأسرع وقت
نظرت لأبيها بحب وظلت تشكره بشده علي أنه لم يرفض أن تكمل عملها
كان عاصم يجلس مع أبيه حينما رن هاتفه
رن هاتف عاصم فرد عاصم قائلاً : اهلاً سيد عمر
رد عمر : اهلاً يا سيد عاصم
أين باهر ؟
رد عاصم : انتظر ثوان
ارسل مَن يناديه أتي باهر
قال عاصم له : السيد عمر
قال باهر له : افتح المكبر يا أبي
كان ماسكاً بطبق مليئ بالفاكهه ويأكل
رد باهر : نعم يا
وقبل أن يكمل كلامه رد عمر صارخاً به : أقال لك أحد أنك فاتح ملهي أو مقهي لتتركه وتذهب هكذا ؟
ألا تعلم أن هناك أرواح بين يديك أم ماذا ؟
ترك باهر الطبق ولم يعرف ماذا يقول له
فقال : ليس هكذا يا سيد عمر صدقني
صرخ بشدة به قائلاً: لا تصدقني ولا أصدقك في الصباح إن لم أجدك امامي أقسم لك سأتي اليك ولكن لقتلك ليس أكثر لكي تعرف كيف تذهب وتترك عمليات عليك فعلها
ثم اغلق بوجهه ظل باهر ينظر لجده وأبيه
قال جده : سافر الليلة انت استعد لتستقر
الله معك يابني
اتي الصباح ويبدو أنه يحمل لنا الكثير والكثير من الخير والخير كل الخير حينما تبدأ صباحك برؤية حبيب القلب
لم يصدق عينيه حينما رآها نزلوا سوياً من سيارتهم وتلاقت الأرواح قبل العيون فوالله قد اشتاقت الأرواح لبعض
ظل ينظر لها والابتسامات كانت تزين قلبه قبل عينيه وفمه وهو لا يصدق أن تلك الفتاة بتلك الفساتين ستكون له هو وكل تفكيره أنه سيحق له أن يتغزل لها كما يحلو له دون أن يمانعه احد
فاق من شروده علي صوت السيد عمر وهو يناديه
قائلاً :يا باهر هيا لماذا تقف هكذا ؟
ضحك وقال بصوتٍ عالٍ : الآن علمت العائق
نظر عمر له بطرف عينيه ثم قال : هيا يا ذكرى
اراد باهر أن يفعل أي شيء طوال اليوم لكي يحدثها ولكن كان عمر كالمرصاد له
....
ماذا ستفعل ؟
قالتها لابنها ناكسه رأسها أرضاً
قال لها : سنذهب له في بلدته
رد أخيه : أمصمم يا اخي ؟
قال أخيه : نعم بعد ما علمته عنه لابد أن أذهب
قالت والدته وهي تُكذب نفسها واحساسها واتمني ولو يكون صحيح : ربما كذب يا ولدي
رد بقوة : نكون أيضاً علمنا
قال أخيه الصغير : متى سنذهب ؟
رد عليه : بعد شهر من الآن لكي نكون رتبنا كل شيء
ولا تنسي أنه سيأتي بعد عدة أيام أريدكم أن تعاملوه جيداً لكي لا يشك بشئ
وسنرى وسنعرف مَن تكون أنت يا أبي.