الفصل 16 | من 16 فصل

رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
22
كلمة
6,632
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

منصور وهو مازال يكمل حديثه بإنهاك: ربنا انتقم منك شر انتقام، واستجاب لكل دعوة دعوتيها عليا... يا ترى لسه قلبك ناقم عليا بعد كل اللي حصل لي، ولا ربنا كتب لي السلام اللي انكتب عليا إني أتحرم منه طول عمري اللي باقي؟

كانت فرح تستمع إليه وهي لا تستطيع السيطرة على رجفة قلبها. كانت تتنقل بين عينيه كالأيام السابقة، وهي تبحث عن أي لمحة حقد تعيد إليها اتزانها وصمودها أمام هذا الرجل. كانت تبحث عن أي دليل على أن هذا الرجل الراقد أمامها في فراش المرض، هو نفسه ذاك الذي أذاقها كؤوس المرار من اليتم والحرمان.

ولكنها لم تجد. لم تجد غير الضعف والحزن والآلام. لم تجد غير تل من الهموم يطل عليها من مقلتيه اللتين ألْهَبَتْهُما الدموع، فجعلتها ككؤوس من الدماء المنسكبة على الأرض المقفرة. لتشربها سريعا، تاركة آثارها على الرمال، ليكون الدليل الأوحد على وجودها. لتتذكر جلستها الأخيرة مع طبيبتها المعالجة النفسية بالأمس. *فلاش باك* إيمان: طب أنتِ حاسة بإيه جواكِ دلوقتي من ناحيته بعد الأزمة اللي حصلت له؟

فرح بتيه: مش عارفة.. مش قادرة أحدد. إيمان: لازم تحددي يا فرح.. لازم تعرفي مشاعرك من ناحيته اتغيرت ولا لسه زي ما هي عند نقطة الصفر. فرح بنوع من اليأس: مش عارفة.. مش قادرة. إيمان: طب ما حاولتِش تدخليه مع كامل أو مع أي حد من الدكاترة؟ فرح: ما قدرتش. إيمان: وإيه اللي خلاكي ما تقدريش؟

فرح بتردد: حسيت إني هقف قدامه عاجزة. حسيت إني فجأة نسيت كل اللي اتعلمته ودرسته. بقيت واقفة أراقبهم وهما بيسعفوه وأنا حاسة إني ما كنتش هقدر أعمل اللي هم عملوه. آه... كنت فاهمة اللي عملوه، بس بعد ما اتعمل، دماغي كانت شبه مشلولة ومش قادرة أفكر صح. إيمان: أنتِ عارفة إمتى الدكتور بيجيله الإحساس ده؟ لتنظر إليها فرح بفضول،

لتكمل إيمان حديثها قائلة: لما يكون المريض بيحتل منزلة عالية جداً عند الدكتور. معنى كلامك ده إن إحساسك بمنصور فعلاً اتغير. بقيتي تقلقي وتخافي عليه. فرح باعتراض: مش دليل أبداً. إيمان: فاكرة أول مرة وقع فيها منصور.. كان وقت ما عرفتوا إن المرض الخبيث رجع لنبيل من تاني.. فاكرة؟ فرح بشرود: أيوه فاكرة.

إيمان: يومها سبتيهم ورجعتي لنبيل وما فكرتيش حتى تسألي عنه. كنتِ بتعرفي تطورات الحالة بالصدفة، وإنتِ تقريباً الإحساس الوحيد اللي تملكك وقتها كان الشماتة. لكن المرة دي، إنتِ مرابطة قدام أوضته ورافضة حتى إنك تقومي بشغلك رغم إنه في نفس المكان. وعرفت من كامل إنك كنتِ رافضة تحضري الجلسة النهاردة، لكن هو اللي صمم إنه يجيبك في ميعادك. فرح بمحاولة للمراوغة: ما أقدرش أسيب أخواتي لوحدهم.

إيمان: طب ما أنتِ سبتيهم في كل المرات اللي فاتت. فرح بإصرار: بس أنا ما سامحتوش. إيمان: ليه؟ فرح بشرود: لأني جعانة.. جعانة أوي، وحاسة بالجوع بينهش في صدري وضلوعي. إيمان: ويا ترى جوعك من أنهي نوع؟

فرح وعينيها تمتلئ بالدموع: جعانة لحضنه.. لحنيته. لما حاول ياخد نور أول مرة، حسيت بثورة من جوايا وعند.. عند خلاني أخدتها واختفيت من قدامه. ولما رجعت فضلت محاوطاها وأنا مانعاها تروح ناحيته. وقتها قلت إنه مش من حقه. ولما كامل حاول يخليني آخد الأمور ببساطة أكتر من كده، حاولت فعلاً إني أتصرف بحيادية. لكن لما خدها في حضنه من يومين ونام بيها وهو ضاممها بين ضلوعه، حسيت بالغيرة. إيمان: غيرتي منه ولا من نور؟ لتنظر لها

فرح بنوع من الأسى ثم قالت: غيرت عليه.. من نور. هي دي الحقيقة اللي بحاول أنكرها وأهرب منها من وقتها. كان جوايا رغبة شديدة إني آخدها من حضنه وأصرخ وأقول له: أنا أولى بالحضن ده منها. كنت عايزة أقول له: أنت حرمتني من الحضن ده سنين عمري كله.. مش من حقك تديه لغيري من غير إذني حتى لو غيري ده يبقى بنتي أنا وحتة منّي أنا.

طول عمري كنت ببص للبنات مع آبائهم وأنا جوايا غيرة بحاول أدها بعيد وما أبينهاش أبداً قدام أي حد. بس عمري ما اتصورت إني أغير من بنتي. لقيتني بقول لروحي: نور الطفلة اللي عمرها ما كملت سنتين عندها حضن أبوها اللي يكفي كل أطفال الدنيا، وحضن عمها اللي بيحبها أكتر من عينيه. لكن كمان تاخد حضن منصور اللي أنا اتحرمت منه، الحضن اللي المفروض كان يبقى ملكي أنا وليا أنا طول السنين دي. لتنظر فرح إلى إيمان وتقول

بسخرية مختلطة بالمرارة: مش قلتلك إني إنسانة مشوهة وما فيش مني رجا. بغير من بنتي لما بتدخل حضن منصور أو حتى في حضن أمي اللي برضو اتحرمت منه سنين طويلة بسببه لحد ما فقدت الأمل إني ممكن أبقى إنسانة طبيعية. إيمان بابتسامة: بالعكس يا فرح، أنا شايفة إنك في الفترة الأخيرة بتتقدمي وتقدم ملحوظ كمان. فرح باستغراب: إزاي وأنا جوايا كل الحرب دي؟

إيمان: يكفي إنك فاهمة سبب الحرب دي، حتى لو بتحاولي تنكريها، لكن في الآخر بتعترفي بيها. وده في حد ذاته شيء مرضي جداً بالنسبة لي.

فرح: بس أنا مش عارفة أعمل إيه. حاسة إني مش لاقية نفسي وسط كل الخراب ده. ساعات بحس إنه لازم يتعاقب عقاب مخلد على اللي عمله، وساعات تانية بلوم أمي أكتر إنها هي اللي زرعت جوايا كل الكره ده من ناحيته. ويمكن لو ما كانتش عملت كده من البداية ما كنتش وصلت للي أنا فيه ده. بس برجع تاني ألوم عليه إنه ما سألش فينا ولا افتكرني غير أما احتاج ياخد حتة من جسمي لنبيل. نبيل اللي لو كنت أملك أديله جزء من عمري ما كنتش هتأخر.

مابقيتش عارفة مين فيهم اللي غلطان أكتر. مابقيتش عارفة دمي محنى كفوف مين فيهم أكتر.. أمي ولا منصور. نفسي أحس إني بني آدمة طبيعية من غير غل ولا سواد من جوايا لأي حد بس مش قادرة. نفسي أبرهم زي ما ربنا أمرنا، بس ربنا عالم بالحرب اللي جوايا. مش هنكر إني بقيت أحس إني متعاطفة معاهم بس بعاند ده و بدفنه جوايا.

دليني أعمل إيه.. ساعديني.. لو تقدري تقيدي لي شمعة تنور العتمة اللي جوايا دي قيديها.. يمكن.. يمكن أحس إني قادرة أعيش وأحس إني طبيعية ومش مريضة.

إيمان: امشي ورا قلبك يا فرح، شوفي قلبك بيقول لك إيه ونفذيه فوراً، عشان ما ترجعيش تندمي إنك ما استغليتيش الفرصة. ولازم تقتنعي من جواكي إن الناس مش ملايكة، وكل إنسان وله أخطاءه. لو حسيتي إنه ندم وبيحاول يكفّر عن أخطاءه ساعديه إنه يعمل ده. وحتى لو هو ما حاولش يعمل ده، لو حسيتي إنك محتاجة تقربي عشان خاطر فرح.. قربي عشان خاطر فرح. فرح تستاهل منك إنك تحاولي عشانها، وإنك تتنازلي عشانها، عشان اللوم والندم ما يوجعهاش لو فات الأوان.

*عودة من الفلاش باك* تنتفض فرح من مكانها عندما لمس منصور كف يدها ليعيدها إلى وعيها، فتقول بصوت مرتجف وهي تنظر بعينيه بأسى: عمري ما اتخيلت إني ممكن أتوجع في يوم من الأيام عشانك، ولا عمري فكرت أبداً إني ممكن أدعيلك من جوايا إن ربنا يسلمك أو ياخد بإيدك.

كل يوم بعد كل فرض بصليّه.. كنت بدعي ربنا إنه يهدي نادر ويرجع لنا من تاني ويعيش وسطنا، لأننا بنحبه وعايزينه. لكن ما توقعتش أبداً إني لما أدعي بده، أدعي إن ده يحصل عشان يرد لك روحك من تاني. وما تسألنيش إزاي ولا إمتى عشان ما أعرفش. وبرضه ما تسألنيش كنت سامحتك ولا لأ، لأني برضه ما أعرفش.. كل اللي أنا عارفاه إني مش عايزك تموت وأنت بالوجع ده. منصور وهو يومئ برأسه إيماءة خفيفة: النسيان طريقه طويل يا بنتي.

فرح بذهول: بنتك!!!!! من إمتى بتعترف إن ليك بنات؟ منصور: يوم ما نبيل وصاني عليكم قبل ما يقابل رب كريم. فرح بحنين: وصاك علينا.. ووصاني عليكم. منصور بدهشة: وصاكي عليا؟ فرح: أيوه.. وصاني أنسى وأسامح. منصور: ويا ترى قدرتي؟ فرح: لو تعرف تعبت قد إيه. منصور: يعني أنتِ بتحاولي تسامحي؟

فرح بوجع: لأ.. بقاوم بكل قوتي. في حرب جوايا بسببك، جزء عاوزني أنسى وأسامح عشان أقدر أعيش وأكمل، والجزء الأكبر رافض وبيشدني بكل قوته وهو بيحاصرني في الوجع اللي عيشته طول عمري بسببكم. منصور بندم: أنا عارف إني غلطت. فرح بسخرية: غلطت!!! أنت عارف أنت عملت فيا إيه؟ عارف كانوا بيتهموني بسببك بإيه؟ عارف وصمتني بإيه طول عمرك؟

أحب أعرفك بنفسي.. أنا فرح منصور.. وش البومة.. قدم الفقر.. النحس اللي أبوها طلق أمها يوم ولادتها.. كأن أنا السبب في تحديد نوعي. أنا اللي اتحرمت من حضن أمي من يوم ما وعيت على الدنيا وهي دايماً بتبص لي بلوم إني كنت السبب في طلاقك ليها. أنا اللي أول حب في حياتي رفضني وكان بيعايرني بطلاقك لأمي. أنا اللي أبويا رفض يستلمني من الدكتور يوم ما اتولدت وساويني بأولاد الخطيئة لأني اتولدت بنت. منصور بذهول: وليه ده كله؟

ما ياما رجالة بتطلق ستاتها. فرح بجمود: بس هات لي حد فيهم رفض بنته زيك. هات لي حد بعت ورقة طلاق مراته مع شهادة ميلاد بنته زيك. هات لي حد فضل فوق العشرين سنة من غير ما يفكر يشوف بناته زيك. منصور بحزن: عندك حق في كل كلمة قلتيها، بس حاولي تلاقي لي عندك أي مبرر يخليكي تعدي كل ده. فرح: مبرر!!!! ألاقي لك مبرر إزاي وأنت خليتني أغير من بنتي؟ منصور: أكيد لما قارنتيني بكامل.

فرح بسخرية: تصدق لأ. غيرت منها لما حاولت تاخدها في حضنك لما كنا عند ندا، وغيرت منها تاني واحنا عند رحمة.. لما خدتها في حضنك وأنت قاعد وكمان لما روحت تنام. أنا ما افتكرش أبداً وأنا في سنها إن حد خدني في حضنه بالشكل ده، حتى أمي. عمري ما افتكر لها إنها عملت كده معايا زي ما كانت بتعمل مع أخواتي.

طول عمري كنت عايشة وأنا جوايا فراغ واحتياج. طول عمري كنت محتاجة حضن يضمني ويطبطب عليا. حتى بعد ما كبرت وصاحبت واتصاحبت، كنت بحس إني دايماً لوحدي، لأني عمري ما حسيت إن ليا سند. حتى لما اتجوزت.. كنت خايفة أخلف بنت ولا ولد وما أقدرش أحبهم ولا أخليهم يحبوني، وكأنك كنت لعنة متسلطة عليا طول عمري. لحد ما كامل خد بإيدي، ووداني لدكتورة نفسية بتعالج معاها بقالي خمس سنين، ويا دوب قدرت أحاول إني أتعامل معاك.

منصور بصدمة: دكتورة نفسية!!! فرح بتنهيدة: أيوه، وأديها بقالها سنين بتحاول تروي الأرض البور اللي جوايا، وتقنعني إني أنسى اللي فات وأعيش اللي باقي من عمري من غير وجع ولا قهر.

منصور بحزن: أنا عارف إن الاعتذار بعد كل ده مالهوش فايدة، بس أنا عملت كشف حساب لروحي من سنين، من قبل موت نبيل. من يوم ما وقع وقعته الأخيرة وانتِ وقفتي قدامي وصارحتيني باللي جواكي. يومها لما وقعت ما وقعتش من قلقي على نبيل وبس.. لأ.. وقعت لأنك فجأة حطيتي مراية قدامي ورّيتيني فيها شكلي اللي عايش جواكم السنين دي كلها. الندم ابتدى ينخر فيا يوم ورا التاني. عارف إن ندمي مش هيفيدك ولا هيفيد أخواتك، ولا أسفي كمان هيفيد، بس هقدملك اعتذاري عن طيب خاطر.. أنا آسف يا بنتي… سامحيني.

فرح بعيون يملأها الألم: بحاول صدقني. منصور بأمل: يعني في أمل إنك ممكن تسامحيني؟ فرح بتنهيدة: صدقني بحاول، ومش هكدب عليك وأقول إني بعمل كده عشانك.. لأ، أنا بعمل كده عشان ولادي وكامل وأخواتي.. وعشانّي أنا كمان. منصور: ويمكن ييجي يوم يبقى عشانّي أنا كمان. لتتنقل بين مقلتيه قائلة: أعتقد إن الأيام هي بس اللي ممكن تجاوب على الكلام ده.

وعندما تخرج فرح من غرفة الرعاية تجد كامل يراقبها بحنان بالغ وتلقاها بين أحضانه مقبلاً رأسها قائلاً بتساؤل: أحسن!!! لتومئ فرح برأسها وتقول بإرهاق: حاسة إني محتاجة أنام. كامل: تحبي أروحك تريحي شوية، أو لو تحبي أوديكِ لطنط فاطمة وأهو تبقى مع الولاد. فرح برفض: وعدت البنات ما أسيبوش لوحده يا كامل. كامل بحب: حبيبتي أنا معاه وكل الدكاترة حواليه، ما تقلقيش. وهو الحمد لله حالته استقرت. فرح: معلش، سيبني برضه عشان خاطري.

كامل: خلاص تعالي ريحيلك ساعتين في أوضتي وارجعي له تاني. لتلتفت فرح بعينيها لتنظر إلى أبيها مرة أخرى لتجده يبتسم لها بوهن، فتومئ برأسها وتذهب بصحبة زوجها لتنال قسطاً ولو ضئيلاً من الراحة، ولكنها تتفاجأ بأنها تنام نوماً عميقاً لليوم التالي، لا تتذكر أنها نامت مثله من قبل.

وفي صباح اليوم التالي.. يتوافد الجميع على غرفة منصور ليلتفوا حوله باهتمام بالغ. واستمر الحال لثلاثة أيام أخرى، والشقيقات الثلاث يتبادلن الأدوار في المبيت مع والدهن والقيام بكل شئونه بحب خالص وسط تدليلهن له وكأنه طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره. وكان الملاحظ للجميع أن فرح كانت تتسابق معهن لتلبية جميع متطلباته.

وقبل مغادرة منصور للمشفى، وفي الليلة التي كانت فرح بصحبة أبيها، كانت زيارة فاطمة وزوجها عادل مع ولديها أحمد ومحمود. وبعد أداء التحية والسلام تقول فاطمة بمودة: ألف سلامة عليك يا أبو نادر، ما تأخذناش إننا ما جيناكش قبل كده، بس أنت عارف البنات سايبين الولاد عندي، وما صدقت إن ندا ورحمة جم يشوفوا الولاد ويقعدوا معاهم النهاردة فجيناك على طول. منصور بخجل: تعبتوا نفسكم بزيادة يا أم أحمد.. كتر خيركم.

عادل: ألف سلامة يا أستاذ منصور، وإن شاء الله خير وما تتكررش تاني وتبقى أزمة وعدت. منصور بامتنان: كتر خيرك يا أستاذ عادل. أحمد: ألف لا بأس عليك يا عمي. منصور وهو ينظر بإمعان لأحمد: كتر خيرك يا ابني.. ثم قال بتردد.. هو نادر ما بيتصلش بيك؟ أحمد بلجلجة: بيتصل، بس مش دايماً.. يعني ساااعااات وساعات. منصور وهو يومئ برأسه: ربنا يصلح له حاله. الجميع: يارب. منصور

وهو ينظر لعادل بتردد: ما تأخذنيش يا أستاذ عادل، بس بستأذنك أقول كلمتين لأم البنات. عادل بإحراج: اتفضل يا أستاذ منصور. منصور وهو يتبادل النظرات بينه وبينه فاطمة وفرح: عاوزك تسامحيني يا أم البنات، أنا عارف إني ظلمتك ووجعتك كتير، وعارف إني قهرتك وقهرت بناتي، بس صدقيني كنت حاسبها غلط، وأهو ربنا انتقم لكم كلكم مني شر انتقام. فاطمة بطيبة: انتقام إيه بس يا أبو نادر اللي بتتكلم عنه؟

منصور بتصحيح: أبو رحمة يا أم البنات، أبو رحمة وندا و… فرح، بناتي اللي غلطت في حقهم ياما، بس هم ماسابونيش، فضلوا جنبي وراعوني وشالوني في عينهم، بدونى على بيتهم وأجوازهم وعيالهم. ولو إني عرفت أنا خسرت قد إيه في عمري اللي فات وأنا بعيد عنهم وهم بعيد عني. فاطمة: مهما حصل بناتك وأنت أبوهم ولا عمرهم يقدروا يستغنوا عنكم. منصور: لا يا أم البنات.. يقدروا. ثم أكمل وهو يركز

نظراته على فرح بمرارة: لو حبوا يستغنوا هيقدروا، أنا بس اللي ما كنتش واخد بالي. فاطمة: اللي فات مات وإحنا ولاد النهاردة، انتبه بس لصحتك وإن كان على بناتك، بناتك بيحبوك وبيمنولك دايماً كل خير. بعد انصراف الجميع، لم يتبقى سوى فرح وكامل.. الذي ساعد فرح في تغيير ملابس أبيها استعداداً للنوم، وبعد أن أسنده على وسادته، أمسك منصور بيد كامل وقال: أنت اللي فاضل يا كامل. كامل باستغراب: فاضل في إيه يا عمي؟

منصور: إني أعتذر لك يا ابني. كامل وهو يشيح بنظراته بعيداً عنه ويتشاغل بتنظيم الأدوية الموضوع بجواره: ما فيش بينا اعتذار يا عمي. منصور: لا يا ابني، أنت ليك عندي بدل الاعتذار تلاتة. كامل: خلاص يا عمي، صدقني مش مستاهلة. منصور بإصرار: مستاهلة يا ابني، ومستاهلة أوي كمان، على الأقل أكون خلصت ذمتي قدام ربنا، وكمان لو عرفت بعد كده ما يرجعش قلبك يتغير من ناحيتي من تاني.

ثم التفت لفرح وأكمل: وعشان كمان مراتك تسامحني على ده كمان. فرح بفضول: حصل إيه.. أنا مش فاهمة حاجة. منصور: زي ما حرمتك زمان من اللي عايرك بيا، حرمته هو كمان من اللي قلبه راح لها. بس صدقوني.. كنت فاكر ساعتها إني بعمل لك خدمة هتشكرني عليها. كامل بابتسامة: طب ما أنا فعلاً بشكرك عليها، لأنك لولا عملت كده، ما كنتش بقيت حمايا دلوقتي.

لتبتسم فرح، ويعاود منصور حديثه قائلاً: لكن حاولت أفرق بينك وبين فرح مرتين مش مرة واحدة. مرة وأنا بحاول أبعدها عن شغلها معاك بأني أجوزها واحد من عندي وأعيد اللي عملته مع ليلة من تاني. والتانية لما بعتت لك ليلة وخليتها فهمتك إنها أرملة وكنت فاكرك هتحنّ لها من تاني وتبعد عن فرح.

كامل بابتسامة: ما تقلقش.. أنا عارف كل حاجة، وليلة صارحتني بالحقيقة كلها، وصدقني مش زعلان، لأن سبحان الله.. كأنك كل مرة كنت بتقرب مابيننا أكتر وتجمعنا مع بعض أكتر. منصور بارتياح: يعني مسامحني يا ابني؟ كامل بابتسامة: مسامحك جداً، وعايزك تطمن جداً كمان. وأنت خلاص بقيت زي الفل وإن شاء الله هنكتب لك على خروج بكرة الصبح، والكل اتفق إن حضرتك هتخرج على بيت ندا وتعمل حسابك إن كل أسبوع هتقضيه مع حد فينا وكمان بابا هيبقى معاك.

في منزل كامل، كانت فرح تعد الطعام بمساعدة كامل، وكان كامل يلاحظ أنها تركز بصرها عليه بنوع من الفضول الشديد وكأنها تبحث عن شيء ما، ليتوقف كامل عما يفعله وهو يقول بمداعبة: أنتِ فيه حاجة ضايعة منك وبتدوري عليها في وشي؟ فرح بتردد: هو أنت عرفت موضوع ليلة اللي بابا حكالك عليه ده إمتى وإزاي، وليه ما قلتليش؟ كامل بذهول: أنتِ قلتي إيه؟ فرح: بقول لك لما أنت عرفت موضوع ليلة.. ليه ما قلتليش من ساعتها؟ كامل: لا.. ما أقصدش دي.

فرح باستغراب: مش فاهمة. كامل: فرح.. أنتِ قلتي بابا!! فرح: أنا.. إمتى ده؟ كامل: حبيبتي أنتِ لسه قايلاها حالا دلوقتي وأنتِ بتسأليني.. أنتِ عارفة ده معناه إيه؟ فرح بعدم فهم: معناه إيه؟ كامل وهو يقبل رأسها ويضمها إلى صدره: معناها إنك قربتي تستغني عن جلسات العلاج النفسي بتاعك. فرح: اشمعنى؟ كامل: لأنك من غير ما تحسي وصفتي عمي ببصلته بيكي اللي كنتِ دايماً بتنكريها. فرح بأمل: تفتكر يا كامل؟

كامل: دكتورة إيمان قالت لي إنك يوم ما هتقدري تندهي له بالكلمة دي، هتبقي تخلصتي من تسعين في المية من مشكلتك. لتشرد فرح قليلاً ثم تعود لسؤالها مرة أخرى وتقول: برضه ما قلتليش ليه على حكاية ليلة؟ كامل ببعض الخجل: خفت ترجعي في كلامك. فرح: أنهي كلام؟ كامل: اتفاقنا على الجواز، وقتها.. كان نبيل الله يرحمه في أيامه الأخيرة، وكنت خايف إنك لو عرفتي تفضي الليلة كلها وأنا كنت ما صدقت إنك وافقتي.

فرح بابتسامة: تقصد إنك كنت مصمم على جوازنا؟ كامل: طبعاً يا حبيبتي، وهو أنا كنت أقدر أكمل من غيرك بعد ما وقعت فيكي لشوشتي. فرح بحب: ربنا ما يحرمنيش منك أبداً. كامل: طب وأنتِ؟ فرح: أنا إيه؟ كامل بفضول: يعني.. هل موضوع سليم لسه مأثر فيكي؟ فرح

وهي تحاول انتقاء كلماتها: تصدقني لو قلت لك إني بعد ما حبيتك اكتشفت إني عمري ما حبيته. أنا بس.. تحس كده إنه كان بينطبق عليا المثل اللي بيقول.. القط ما يحب إلا خناقه. لكن أقسم لك إني من يوم ما اتجوزنا وأنت بالنسبة لي رجالة الدنيا كلها. كامل بضحكة جذابة: لاااا، ده إحنا تفوقنا على نفسنا بمراحل. يلا بقى نخلص عشان أنا جعت أوي، وكمان عشان تلحقي ميعاد المكالمة بتاعة نادر.

في الموعد المحدد كان صوت الهاتف ينذرهم بمهاتفة نادر لتسرع فرح بالتقاط هاتفها وضبطه على مكالمة الفيديو لتقول وهي تمعن النظر إلى وجه أخيها باشتياق جارف: نادر يا حبيبي، وحشتني أوي. نادر باشتياق وحب متبادل: أنتِ وحشتيني أكتر يا حبيبتي، عاملة إيه، طمنيني عليكم كلكم. فرح: إحنا كلنا كويسين الحمد لله مش ناقصنا غيرك يا حبيبي، مش هترجع بقى يا نادر؟

نادر: مش كل مرة هنضيع المكالمة على الموضوع ده يا حبيبتي، أنا عايز أطمن عليكم وأشبع منك. فرح: حبيبي إحنا كلنا كويسين الحمد لله بس بابا كان تعبان أوي الأسبوع اللي فات. نادر باستغراب: بابا مين؟ فرح: بابا يا نادر، بابا منصور. نادر بذهول: بابا.. ده من إمتى؟ ليتلقى كامل الهاتف من يد زوجته ويقول بمرح: نادر باشا اللي وحشنا ووحش مصر كلها. نادر بمرح مماثل: عمنا وعم دكاترة مصر، إزيك يا كامل وحشتني والله.

كامل: يا أخويا لو وحشناك تعالى شوفنا. نادر بملل: ييييه، يا جدعان بقى الله يبارك لكم، شوفوا لنا سيرة تانية. كامل: قبلوك في شغل الجامعة؟ نادر: لسه، بس إن شاء الله فيه بشاير خير. كامل: رغم إنك ممكن تتخطف عندنا. نادر: كل شيء نصيب. كامل بجدية: حالة والدك الصحية مش مستقرة، والأزمة الأخيرة لولا ستر ربنا وإننا لحقناه في الوقت المناسب، الله أعلم كان إيه اللي ممكن يحصل. نادر بجمود: ربنا يشفيه.

لتجلس فرح تحت قدمي كامل وتلتقط منه الهاتف لتطل على أخيها قائلة: اسمع يا نادر، اللي راح راح، ما فيش داعي نضيع اللي باقي من عمرنا في الغضب والبعد. الله أعلم اليوم اللي بيروح هييجي غيره ولا لأ. نادر: أنتِ اللي بتقولي كده يا فرح؟ فرح: أيوه أنا يا نادر، أي نعم خدت وقت طويل ومشيت طريق أطول، بس المهم إني في الآخر وصلت، واتصالحت مع نفسي الحمد لله، ومش ناوية أرجع خطوة واحدة من الطريق اللي وصلت له.

كامل: اسمع يا نادر، عمي غلطاته كانت كتير أوي، لكن صدقني، عمي ندم على كل حاجة، لدرجة إنه حتى اعتذر لطنط فاطمة، واعتذر لي والأهم إنه اعتذر لكل بناته وأولهم فرح. نادر: وأنتِ يا فرح، قبلتي اعتذاره؟ فرح: الحقيقة يا نادر أنا اكتشفت إني سامحته من قبل حتى ما يعتذر لي، لما شفته بيروح مني وهو قدام عيني، كان كل همي إنه يخف ومش مهم أي حاجة تانية. نادر بحزن: ربنا انتقم منه تمام.

كامل: وليه ما تقولش إن ربنا كان بيديله فرصة باللي حصل ده؟

أكم من ناس ربنا بيديها إنذار واتنين وألف وما بتتعظش، لكن على الأقل عمي قدر إنه يلحق نفسه. أنا معاك إنه اتأخر وأوي كمان، بس المهم إنه وصل، وإحنا مش أنبياء يعني يا نادر، وصدقني أبوك موجود النهاردة، والله أعلم بكرة هيبقى فين. لو عندك فرصة إنك تخليه يشوفك وتسعده ما تترددش، لأنك ممكن تندم في يوم من الأيام لو ما عملتش ده. وبعدين نبيل وطنط دولت الله يرحمهم قابلوا ربنا في معادهم وربنا بيسبب الأسباب.

نادر: سيبها على الله يا كامل. واللي فيه الخير يقدمه ربنا. لتمر الأيام وتنفذ الشقيقات اتفاقهن، ليأتي دور فرح في استقبال أبيها في منزلها، وكان عمها بصحبته حسب الاتفاق. ولكن عند وقت النوم قال إبراهيم: ما تأخذونيش بقى يا أولاد، بعد إذنك يا كامل أنا هقرأ وردي الأول في أوضة المكتب وبعدين هنام. كامل: البيت بيتك يا بابا. فرح: حضرتك مش محتاج استئذان يا عمي، وأنا هقعد مع بابا شوية على ما حضرتك تخلص. في غرفة منصور… تقول فرح بعد

أن استكان منصور في فراشه: ها يا بابا، تحب أقرأ لك حاجة قبل ما تنام؟ منصور وهو يربت على الفراش بجواره: عايزك تيجي في حضن أبوكي يا دكتورة. فرح بتوتر: مش عايزة أضايق حضرتك. منصور وهو يفرد جناحيه لها: تعالي في حضن أبوكي يا بنتي، ده أنا مستني اليوم ده من ساعة ما كنا في المستشفى.

لتستلقي فرح بجوار أبيها وهي تسند رأسها على كتفه ليضمها إليه بحنان لم تجربه من قبل، دفء من نوع خاص يحفه خطوط بارزة من الحماية والأمان لتغوص به باستمتاع دون أن تنبس بكلمة واحدة حتى قال منصور بهدوء: تعرفي؟ فرح دون أن تتحرك انش واحد: هممممم. منصور: مش أنتِ بس اللي اتحرمتي من الحضن ده، أنا كمان اتحرمت منه. لو كنت أعرف إن حضنكم حلو كده ما كنتش فضلت السنين دي كلها وأنا حارم روحي وحارمكم منه. لتربت

فرح على صدر أبيها قائلة: انسى يا بابا، أنا نسيت، أنت كمان لازم تنسى. منصور: تعرفي إيه أكتر حاجة مفرحاني؟ فرح: إيه؟ منصور: إنك أخيراً قدرتي تقول لي يا بابا. فرح: وممكن أقول لك على خبر تاني هيفرحك أكتر وأكتر. منصور: والله يا بنتي أنا الحمد لله كده راضي. فرح: حتى لو قلت لك إن نادر راجع بعد أسبوعين، وخلاص مش هيسافر تاني، وإنه راسل الجامعة هنا عشان يشتغل فيها ومستنيهم يردوا عليه. منصور: ولو الجامعة ما قبلت؟

فرح: إن شاء الله يقبلوه، بس حتى لو ما حصلش نصيب، مش هنسيبه يبعد عنك ولا عننا من تاني أبداً. منصور وهو يشدد على احتضانها: كل واحد بياخد نصيبه يا بنتي، أنا كل اللي طالبه من ربنا، إني أقضي اللي باقي من عمري وسطكم وأنتم بتحبوني وملمومين حواليا. استكانت فرح بيت أحضان منصور الذي كان يضمها تحت جناحه

وهي تحدث نفسها قائلة: ما أعرفش إني سامحتك ولا لأ، بس أنا محتاجة حضنك ده، ومحتاجة كمان حضن ماما اللي بقت على طول مدخلاني فيه، قررت أرمي كل حاجة ورا ظهري عشانّي أنا…. عشان فرح، عشان أقدر أحس إني بقيت طبيعية زي بقية الناس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...