التفتت فرح إلى إبراهيم وقالت بعتاب: "كان لازم تعرفني إنه جاي وأنا كنت أقرر إذا كنت أشوفه ولا لأ". ثم اتجهت من فورها إلى الخارج، ليلحق بها عادل وفاطمة وإخوتها الذكور. وبعد انصرافهم، نظر إبراهيم إلى منصور بعتاب وقال: "برضه صممت على اللي في دماغك؟ ما أنا قلت لك يا منصور... اديني فرصة أحاول معاها". منصور بعنجهية: "تحاول معاها في إيه أنا مش فاهم؟ هي لسه صغيرة عشان تعمل اللي بتعمله ده؟ إيه مشكلتها أنا مش فاهم؟
ما أخواتها أهم بييجوني وبجيلهم وفاهمين وعارفين إني ما عملتش حاجة تغضب ربنا". ندا بتردد: "سامحني يا بابا. كونك طلقت أمي أو إنك اتجوزت، ده يمكن يكون فعلاً حاجة ما تغضبش ربنا. لكن اللي حضرتك عملته مع فرح ده... يا ترى هو كمان ما يغضبش ربنا؟ منصور بحدة: "جرى إيه يا ست ندا؟ انتي دماغك هترجع تلف وتحدف من تاني ولا إيه؟
ندا: "أنا دماغي لا لفت ولا حدفت يا بابا. بس ياريت حضرتك تفتكر إن فرح بتتحاسب من خمسة وعشرين سنة لحد النهاردة على طلاقك لماما يوم ولادتها. اتقال عليها نحس واتعايرت بيه طول السنين دي". منصور: "المفروض إنها كبرت وفهمت". رحمة: "فهمت إيه يا بابا؟ منصور: "إيه انتي راخرة يا ست رحمة؟ هتديني محاضرة انتي كمان؟ لما انتو شايفيني شيطان كده والغلط راكبني من ساسي لراسي زي ما بيقولوا، جيتولي ليه وقربتوا مني ليه؟
رحمة بزعل: "قربنا منك عشان أبونا. وعشان ربنا ما يحاسبناش إننا ما حاولناش معاك بعد قطيعتك لينا كل السنين دي". منصور بسخرية: "اللهم قوي إيمانكم. تقصدي كنتوا جايين تتنعموا في خيري وتتجهزوا وتتجوزوا بمال أبوكم". لتتبادل ندا ورحمة النظرات مع أزواجهم وعمهم بخجل. فقال إبراهيم لائماً أخاه: "ما يصحش الكلام اللي بتقوله لبناتك ده يا منصور". منصور بحدة: "وهو يصح إن كل واحدة فيهم واقفة تحاسبني؟
وناقص يعاقبوني ولا يضربوني على إيدي ويقولولي ما تعملش كده تاني؟ إبراهيم: "يا منصور افهم... البنات... ليقاطعه كامل بنفاذ صبر وبنبرة يعلوها الغضب: "انت بتتناقش في إيه يا بابا ومع مين؟ انت بتنفخ في قربة مخرومة". منصور بسخرية: "نعم يا سي كامل انت راخر. إيه... فيه كلمتين محشورين في زورك انت راخر وعاوز تبعبع بيهم؟ لينظر له كامل بازدراء قائلاً: "الحقيقة لو كنت شايف من حضرتك رجا من زمان، ما كنتش سكتت أبداً لحد النهاردة".
منصور: "ولزومها إيه بقى حضرتك دي؟ كامل: "دي لزوم تربية أبونا لينا يا... عمي. بس الحقيقة... أنا عاوز أسأل حضرتك سؤال محيرني". منصور بسخرية: "وماله... اسأل". كامل وهو ينظر لعمه نظرة شماتة: "الأ هو يعني نادر ونبيل أخبارهم إيه؟ يا ترى خلصوا سنة معهد ولا لسه؟ منصور وهو يكبت غيظه: "يخلصوا ولا ما يخلصوش. هو التعليم يعني هيعمل لهم إيه؟ كده كده أنا هعمل لهم مشروع يمسكوه مع بعض".
كامل بسخرية: "فكرة برضه. بلا تعليم بلا وجع قلب". منصور وهو يحمحم بصوته: "ده أنا حتى كنت بفكر لو أدخل معاك شريك في المستشفى بتاعتك باسمهم... إيه رأيك؟ لتعلو ضحكات كامل وهو يقول: "إيه ده؟ انت هتوجه فلوسك للأعمال الخيرية؟ منصور باستغراب: "أعمال خيرية إيه؟ انت مش عامل مستشفى خاصة؟ كامل: "آه... حصل. بس هيبقى فيها جزء خيري يطهر الواحد من ذنوبه. والحقيقة أنا لا يمكن أقتنع أبداً إنك بتفكر إنك تتطهر". لينهض منصور من
مجلسه بشيء من الغضب وقال: "أنا ماشي. الظاهر إني غلطت فعلاً لما جيت دلوقتي". إبراهيم: "ما تقعد تاكل معانا لقمة". منصور وهو ينظر لبناته بوجوم: "مش عاوز من وشهم حاجة". وبعد انصراف منصور، تنظر ندا لرحمة وتقول بحزن: "لو قعدنا نحلف لفرح لحد الصبح إننا ما كناش نعرف إنه جاي النهاردة، عمرها ما هتصدقنا". حسن: "الحقيقة أنا مش عارف هو هيعرف امتى إن كل اللي بيعمله ده غلط".
كامل: "مش هيعرف. وفيه نوعية كده من البشر زي عمك كده، بيبقى حلال فيهم إنهم يموتوا على ضلالهم، عشان يتعاقبوا يوم القيامة صح". إبراهيم وهو يشير بعينيه اتجاه رحمة وندا: "ما يصحش الكلام ده يا كامل". لتقول رحمة وهي تنهض من مكانها: "ما تفرقش يا عمي. كامل ما قالش حاجة غلط. حقك علينا يا كامل بوظت لنا اليوم. يلا يا حسن... أنا عاوزة أمشي". كامل بتفكير: "طب إيه رأيكم؟ ما تيجوا نحصلهم". حسين باستغراب: "نحصل مين؟
كامل: "طنط فاطمة والجماعة. تعالوا ناخد الأكل والحاجة ونروح نسهر معاهم. إيه رأيكم؟ إبراهيم بابتسامة: "والله فكرة. حتى فرح ما تنامش وهي زعلانة مننا وظالمانا. وكمان فاطمة وعادل زمانهم أخدوا على خاطرهم مننا كلنا".
أما في منزل فاطمة، فكانت فرح تجلس بغرفتها وهي تنظر إلى السماء من خلال نافذتها في شرود تام، حتى قطع شرودها دقات على باب غرفتها غير المغلق. وعندما التفتت وجدت شقيقها أحمد ينظر إليها بابتسامة عذبة قائلاً: "حاسس إن فيه حاجة بتوجعني فجيتلك تشوفيها لي". فرح بانتباه وهي تقترب منه بتفحص: "حاجة إيه اللي بتوجعك؟ أحمد وهو يجذبها إلى الفراش ليجلس بجوارها قائلاً: "قلبي اللي واجعني". فرح وهي تضع كف يدها على صدره بقلق: "واجعك إزاي؟
ومن إمتى الكلام ده؟ أحمد بهدوء: "قلبي واجعني على زعلِك. ما فيش حاجة في الدنيا دي كلها تستاهل إنك تزعلي عليها صدقيني". فرح بابتسامة: "ومين قال لك إني زعلانة؟ بالعكس. أنا مبسوطة جداً إني اتأكدت إني حاسباها صح من البداية. أنا بس صعب عليا من أخواتي وعمي إنهم ما قدروونيش وما بلغونيش إنه رايح هناك". أحمد: "مش يمكن اتفاجئوا زيك؟ فرح: "ولما الكل اتفاجئ، أومال عرف منين؟
ليأتيها صوت عمها وهو يقف بالباب قائلاً: "مني أنا يا فرح. بس أقسم لك يا بنتي إني ما كنتش أعرف إنه ناوي ييجي". لتقف فرح بأدب إجلالاً لعمها قائلة: "أهلاً بحضرتك يا عمي". ليتقدم منها إبراهيم ويقول: "أنا حكيت قدام أبوكي إني عامل عزومة ليكم عشان خاطر كامل، لأنه كان عاوز يعزمنا النهاردة عنده في بيته، فرفضت طبعاً. وحكيت له عن العزومة عشان يفهم سبب رفضي. لكن ما كنتش أتخيل أبداً إنه هييجي ويحصل اللي حصل ده...
انتي عارفة إني طول عمري معاكي وفاهمك وعاذرك، فمش معقول أبداً هحطك في موقف زي ده وفجأة كمان... مصدقاني يا بنتي؟ لتومئ فرح رأسها لتنهيدة عميقة وتقول: "مصدقاك يا عمي. بس يا ترى بقى أخواتي هما كمان ما كانوش يعرفوا؟ إبراهيم: "لو كنتي استنيتي شوية كمان كنتي شفتي أخواتك عملوا إيه وقالوا إيه لأبوهم لدرجة إن العلاقة ما بينهم رجعت اتوترت من تاني".
أحمد بمرح: "ما تسيبونا بقى من السيرة دي. المهم دلوقتي إن الكل جه بره وجايبين معاهم الأكل اللي ما لحقناش ناكله. وأنا بصراحة جعان. يالا بقى يا فرح تعالي عشان ناكل". فرح: "وليه تعبت نفسك كده يا عمي؟ إبراهيم: "يعني تعبنا عملنا إيه يا بنتي؟ إحنا يا دوب جينا بالعربية عشان ناكل لقمة معاكم. ولا انتي بقى مش عاوزة تقعدي مع عمك واخواتك؟ فرح: "العفو يا عمي. حضرتك عارف معزتك عندي من زمان".
إبراهيم: "طب يالا يالا قومي معايا. ده حتى كامل ما هانش عليه زعلك انتي ووالدتك، وهو اللي اقترح علينا نجيب كل حاجة ونيجي". فرح: "كتر خيره". بعد مرور شهرين على تلك الواقعة، كان كامل قد أتم تجهيز الكثير من مستلزمات مشفاه بإمكانيات متوسطة. وقام بتكوين فريق طبي ماهر من غير متطلبي الثروات. وقام بمهافتة فرح وقال: "إزيك يا دكتورة... اخبارك ايه فرح : اهلا يا دكتور كامل. انا بخير الحمدلله. ازى حضرتك كامل : اهو بنجهز للافتتاح
فرح : الف مبروك. ربنا يجعلها فتحة خير عليك ان شاء الله كامل: علينا كلنا باذن الله. و اللا انتى رجعتى فى كلامك فرح : مانا بلغت حضرتك ان لسه فاضلى شهر على ما العقد بتاعي هنا ينتهي كامل : بس ده ما يمنعش انك تحضري معانا الافتتاح و اللا ايه. خصوصا اني حطيت اسمك من ضمن فريق الجهاز الهضمي الاساسي في المستشفي. و كنا عاوزين نعمل اجتماع مبدئي نحدد فيه الخطوط العريضة اللي هنشتغل عليها فرح : تقصد انك عاوزني احضر الاجتماع ده
كامل : بالظبط كده. و عشان مش عاوز اعمل لك مشكلة في اخر العقد بتاعك. انتي قوليلي راحتك يوم ايه. و انا احدد فيه الاجتماع ده فرح بامتنان : الحقيقة انا متشكرة جدا. و لو على كده أنا راحتي يوم التلات ان شاء الله كامل بحماس : خلاص. يبقى اتفقنا. الاجتماع يوم التلات الساعة عشرة الصبح ان شاء الله فرح : ياريت تبعتلي العنوان و اللوكيشن كامل : لا ماتحمليش هم. انا هعدي عليكي الساعة تسعة اخدك معايا في سكتي. على ما تعرفي تتعودي
على الطريق لوحدك فرح : مش عاوزة اعطل حضرتك كامل : لا يا ستي مش هتعطليني ولا حاجة. ياللا هسيبك عشان انا اللي ماعطلكيش عن شغلك. و اشوفك التلات الصبح باذن الله و في صبيحة الثلاثاء و في تمام التاسعة تستمع فرح الى رنين هاتفها لتجد ان كامل يستدعيها لكى يذهبان معا للمشفى. فذهبت اليه على الفور وما ان جلست بجانبه بالسيارة حتى قالت : صباح الخير. اتأخرت علي حضرتك كامل بابتسامة و هو يدير سيارته
استعدادا للانطلاق بها : لا ابدا. ما اتأخرتيش. فطرتي و اللا لا فرح : اخدت كوباية نسكافية بسرعة كده عشان افوق كامل : كويس. عموما انا كمان عملت زيك. و خمنت ان انتي كمان هتنزلي من غير فطار فعملت حسابك معايا قالها و هو يمد يمينه الى المقعد الخلفي جاذبا حقيبة ورقية وضعها على قدم فرح و قال : طلعيلنا بقى كل واحد سندوتش كده. عشان لما نبتدي الاجتماع مانهبطش من الناس و يبقى شكلنا وحش
لتمد فرح يدها بداخل الحقيبة و تخرج سندوتش و تنزع عنه غلافه و تمد يدها به الى كامل قائلة : اتفضل. بس انا اعذرني مش هقدر اكل حاجة دلوقتي خالص كامل بجدية : المفروض انك دكتورة و عارفة كويس ان الكلام ده غلط. اومال ازاى بتنصحي العيانين بتوعك انهم يلتزموا بنظام صحي فرح : انا في الطبيعي بفطر كل يوم. بس النهاردة اما صحيت حسيت ان معدتي قافشة و مش قادرة اكل حاجة كامل و هو يتمعن بوجهها : قلقانة فرح بتردد : يعني.. شوية
كامل : و ايه اللي قالقك. انتي مش اول مرة تحتكي بمجال شغل ولا اول مرة تشتغلي فرح : عندك حق. بس انا الصراحة مابحبش الاجتماعات و الكلام الرسمي ده. ااه بيتقال فيه كلام مهم.. لكن بحس ان بيبقى درجة التركيز على الشكليات اعلى من اي وقت تاني. و انا ما بحبش كده كامل : ليه فرح : مش لسبب بعينه. بس ما بحبش حد يبحلق فيا و يفصص في تفاصيلي و ملامحي كامل بشرود : عندك حق. رغم ان في بنات كتير بتحب اوى انها تكون دايما تحت الملاحظة
فرح بجدية : انا مش من البنات دي كامل بابتسامة : عارف. عارف انك مش زي اي حد. بس ده ما يمنعش انك تنسي كل الكلام ده. و برضة هتاكلي السندوتش اللي عملتهولك فرح باستغراب : هو انت اللي عامل السندوتشات كامل: ايوة طبعا. انا ما بحبش اكل اي حاجة جاهزة فرح بدهشة : غريبة اوى. يعني عاوز تفهمني انك طول سنين الغربة دي كنت بتعمل اكلك لنفسك كامل: ايوة.. مستغربة ليه
فرح : اصلك اكيد كنت بتبقى طول اليوم برة. و في شغلك اكيد كنت بترجع مهدود و عاوز تنام كامل بابتسامة: حقيقي. بس كنت بستغل يوم اجازتي اني اظبط حالي فرح ضاحكة : ده انت غلبت ستات مصر الموظفين كامل : يابنتي الحكاية مش حكاية راجل و ست. الحكاية حكاية نظام حياة و لازم تكيفي نفسك على ظروفك المحيطة بيكي فرح باعجاب : و الله معاك حق. ياريت كل الناس تبقى زيك كده كامل و
هو يجذب السندوتش من يدها : طلعي ياللا السندوتش بتاعك كليه و قوللي رايك ليجذب فرح الفضول فتلتقط السندوتش الاخر و تخرجه من مغلفه. لتجد انه وضع به شرائح من الطماطم و الخس و الخيار بطريقة جذابة شهية و من حولها خليط من الجبن الريفي المخلوط بالزعتر و الشطة و زيت الزيتون فرح باعجاب : ايه الدماغ دي. تسلم ايدك. بصراحة رغم بساطته الا انه يفتح النفس. بس كده احنا محتاجين بعد ما ناكل..... ليقاطعها
كامل قائلا بضحكة عالية : نحبس بكوباية شاي سخن بالنعناع فرح باستمتاع: يا جماله يا جماله
عند وصولهم الى المشفى. قام كامل بعمل جولة تفقدية سريعة على بعض الاماكن. و كانت فرح بصحبته تدون بذاكرتها مداخل الاقسام و ممراتها المتشابكة. ليستقروا اخيرا بغرفة الاجتماعات و التى وجدوا الجميع بانتظارهم و عند دخولهم حيوا الجميع. و جلس كامل على راس مائدة الاجتماع و جلست فرح على المقعد المخصص لها و المجاور ايضا لكامل و التى وجدت ورقة مدون عليها اسمها تستقر امام مقعدها على المائدة ليبدأ كامل فى تعريف الفريق الطبى
على بعضهم البعض ثم قال : اعتقد ان سبق للكل انه يعرف اني لسه واصل مصر من قريب. و ان والدي ربنا يديله الصحة هو اللي كان متولي الاشراف على بناء المستشفى بتاعتنا هنا و طبعا بما اننا على وشك الافتتاح. فاحنا محتاجين اننا نحط الخطوط العريضة اللي هنمشي عليها علشان مايحصلش اي مشاكل لا قدر الله بعد كده
طبعا كل قسم هنا هيبقى له رئيس بيشرف عليه و اللي مبدأيا هيبقى للاكبر سنا مابين زماؤه في القسم. معظمنا نعتبر لسه شباب. و عشان كده يمكن مايبقاش في فرق خبرة كبير بيننا و بين بعض. الحقيقة الكلام ده هينطبق على كل الاقسام ماعدا قسم الباطنة و اللي هتبقى رئيسته الدكتورة فرح بنت عمي. و اللي يمكن كلكم تشوفوا انها صغيرة في السن عن باقي زمايلها في القسم. لكن اللي ماحدش يعرفه ان دكتورة فرح عندها احتكاك بالمجال الطبي من و هي لسه في سنة اولى طب و كمان كانت و مازالت بتشتغل في صرح طبي كبير الا و هو مستشفى علام الكردي و اللي لا يستهان بيها على الاطلاق في مجال الطب و الصحة. و الكل يعلم عنه انه مابيشغلش اي حد
كانت فرح تجلس و هي تستمع لحديث كامل بتركيز شديد حتى تفاجئت بتوليها لهذا المنصب و الذي لم يذكر كامل اي شيء عنه من قبل في حديثهما سويا. و لكنها قررت عدم التعليق على حديثه حتى ينتهي الاجتماع و الذي انتهى بعد اربع ساعات كاملة. نال منهم الارهاق فيهم بشدة. ليتفق الحضور على موعد الافتتاح و الذي تم تحديد موعده بعد شهر من الان. مع بدء كل قسم بحصر كل ما يحتاجه. حتى يكون المشفى على اتم الاستعداد لبداية العمل دون توقف او عقبات
و بعد انصراف الجميع نظر كامل لفرح بابتسامة و قال : جوعتي فرح : الصراحة ايوة كامل بدعابة : شفتي بقى. اهو لو ماكنتيش سمعتي كلامي و كلتي السندوتش بتاعك كان زمانك هبطتي مننا و احنا لسه بنقول يا هادي فرح : الحقيقة كمان انا مش واخدة اني اقعد فترة كبيرة كده على بعضها. انا واخدة اني اتحرك و اشتغل لينهض كامل قائلا : طب ياللا بينا. تعالي افرجك على المكتب بتاعك فرح : ممكن حضرتك تقعد بس و تفهمني الاول انت ليه عملت كده كامل :
عملت ايه فرح : حضرتك مش شايف ان منصب رئيس القسم ده كبير عليا اوي كامل بابتسامة : ايه.. خايفة فرح : مش هكدب و اقول لا. دي مسئولية كبيرة اوي عليا. حضرتك اكنك بترمينى في البحر و بتقول لي عومي كامل : اسمعي يا فرح. في حاجة مهمة اوي لازم تفهميها. كل زمايلنا اللي موجودين معانا دول تعبوا و ذاكروا و اجتهدوا صحيح عشان يبقوا دكاترة
لكن انا شايف انك تعبتي اكتر من اي حد هنا. و اجتهدتي اكتر من الكل. ان كنت انا اتغربت عن بلدي و اهلي عشان اوصل للي وصلت له. فانتي كمان اتغربتي زيي بالظبط. بس مع اختلاف الظروف و لو انتي خايفة من المسئولية. فانا الحقيقة متطمن عليكي و مش قلقان. بس ده ما يمنعش انك في اي وقت لو احتاجتي لمشورتي هتلاقيني دايما في ضهرك. تمام لتقول فرح و هي شاردة في حديثه الذي اثلج صدرها : تمام يا دكتور. و بشكر حضرتك على ثقتك الغالية. و
اتمنى اني اكون ادها كامل : اخواتنا مستنيينا على الغدا في بيت حسن. و مأكدين عليا انك لازم تيجي معايا فرح : بس انا ماقلتش لماما كامل : بسيطة. كلميها وبلغيها، وأكيد مش هتعترض. ثم مد يده إليها بميدالية مفاتيحه قائلاً: ومعذرة، اسبقيني على العربية على ما أبص على حاجة على السريع كده، وهحصلك على طول. *** وفي الطريق إلى منزل حسن ورحمة، قال كامل بتردد: عاوز أسألك سؤال بس قلقان من رد فعلك. فرح: سؤال إيه ده؟ وبخصوص إيه؟
كامل: بخصوص والدك. فرح بجمود: أنا والدي مات يوم ما اتولدت. كامل ببساطة: عندك حق. وأوعي تفكري إني بحاول أحنن قلبك عليه. أنا بس عاوز أفهم. فرح: وحضرتك عاوز تفهم إيه؟ كامل: إنتي لما قررتِ إنكِ تشتغلي بعد الثانوية العامة على طول، كنتِ بتشتغلي فعلاً عشان ما يصرفش عليكي؟ فرح: أيوه. كامل: طب هو يعني لو كنتِ قلتي لهم كده، كان ممكن بابا أو عمو عادل يرفضوا إنهم يساعدوكي مادياً بعيد عن باباكي؟
فرح: وهما ذنبهم إيه عشان يتحملوا مصاريفي؟ كامل: طالما إنك مش هتبقي عبء على حد فيهم يبقى ليه لأ. فرح بسخرية: إلا أنا كنت عبء على اللي من صلبه، تفتكر مش هبقى عبء على غيره؟ كامل: بس اللي أعرفه إن عمي عمره ما اتأخر عن نفقاتكم. فرح: الفلوس عمرها ما بتبني بني آدم يا دكتور. وبعدين أنهي نفقات دي اللي حضرتك بتتكلم عنها؟ النفقات اللي كان بيبعتها مع عمي أول كل شهر زي الصدقة اللي بيمن علينا بيها.
ثم أكملت بألم: تصدق، أنا لو كنت لقيطة وولاد الحلال هما اللي كانوا بيعملوا معايا كده، ما كنتش هبقى ناقمة عليه بالشكل ده. كامل: أنا عارف إن عندك حق، لكن أنا مش عاوز الموضوع يأثر فيكي أكتر من كده.
فرح بسخرية: معلش يا دكتور، أصل حضرتك ما تعرفش أنا قضيت عمري كله إزاي بسببه. ما تعرفش إن كل ليلة بدعي عليه قبل ما بنام إن ربنا ينتقم منه وإنه يندم على اللي عمله بس بعد فوات الأوان، بعد ما يفوت الوقت على إنه يصلح أي حاجة من اللي عملها فيا أنا وإخواتي. كامل بتنهيدة عميقة: طب تفتكري لو فضلتِ على طول عايشة في الوجع ده، هتبقي كده خدتي حقك منه؟
بالعكس، أنا شايف إنك تعيشي حياتك وتفرحي وتنبسطي. وإنتي ما شاء الله ناجحة في شغلك وفي حياتك، لكن ليه توقفي حياتك عليه؟ فرح: ومين قال لحضرتك إنني موقفة حياتي عليه؟ كامل: الجمود اللي بتتعاملي بيه مع اللي حواليكي يا فرح. صدقيني الحياة أبسط من كده بكتير.
لتنظر فرح أمامها بجمود ولا تعقب على حديثه، ليحترم كامل صمتها ولا يعقب هو الآخر حتى وصلا إلى منزل حسن ورحمة، ليجدوا حسين وندا أيضاً باستقبالهما، ليرحب بهما الجميع ويجلسون جميعاً يتجاذبون أطراف الحديث. في حين جلس كامل وهو يحتضن ريتاج ابنة ندا وآدم ابن رحمة، وهو يداعبهما بمرح وحب شديدين. فقالت رحمة بمشاكسة: لما إنت بتعشق العيال الصغيرة كده، ما تشد حيلك وتتجوز وتجيبلك عيلين تلاتة كده تمليك عشان تلعب معاهم براحتك.
لينظر إليها كامل بجمود قائلاً: خليكي في حالك يا رحمة عشان ما نزعلش من بعض. حسن: بتهزر معاك يا كيمو، ما إنت عارف رحمة. كامل: عارف، بس بلاش الموضوع ده بالذات وخصوصاً قدام بابا، مش عاوز وجع دماغ على الفاضي. حسين بانتباه: هو بابا اتأخر ليه كده صحيح؟ فرح: هو عمي قال إنه جاي. ندا: أيوه.. كلمته ييجي يتغدى معانا بدل ما يتغدى لوحده. رحمة: طب حد يكلمه على ما أحضر السفرة. كامل: عملتيلي شوربة يا رحمة ولا أقوم أعمل؟
رحمة وهي تتجه إلى المطبخ: طبعاً عملت، وأنا أقدر برضه. ندا: والله إنت جميل يا كامل، ياريت حسين يتعلم منك شوية. حسين: يعني كمان عاوزاني أعمل أكل.. يا جبروتك. كامل بمرح: وما تعملش ليه يا جدع؟ على الأقل تعمل بلقمتك. حسين: إنت بالذات تسكت خالص، أحسن رجوعك مصر ده شكله هيعمل لنا انقلاب. ليأتيهم صوت جرس الباب، ليدخل إبراهيم وعلى وجهه علامات الإجهاد الشديد، لينظر إليه كامل بقلق قائلاً: مالك يا بابا؟ شكلك تعبان كده ليه؟
في حاجة بتوجعك ولا حاجة؟ إبراهيم بإجهاد: لا يا ابني، أنا بس تعبت من المناهدة مع عمك. رحمة بانتباه: في حاجة حصلت ولا إيه؟ إبراهيم بامتعاض: كان عاوز ييجي معايا وأنا فين وفين على ما عرفت أمشي وأسيبه. كامل وهو ينظر اتجاه فرح: هو عارف إن فرح هنا؟ إبراهيم: سمعني وأنا بتكلم مع ندا في التليفون وفهم. فرح وهي تلملم متعلقاتها: أنا آسفة يا عمي لو كنت عملتلكم أي قلق، أنا ممكن أمشي حالا. إبراهيم بحزم: اقعدي يا فرح، تمشي فين؟
حسين بتوجس: الصراحة يا بابا عمي عنيد وممكن نلاقيه هنا في أي لحظة. حسن بفضول: نفسي أعرف اشمعنى الأيام دي اللي عاوز يعيد علاقته بفرح، اشمعنى بعد السنين دي كلها.. إيه اللي جد يعني؟ إبراهيم بحزن: اللي جد مرض نبيل يا ابني. لتتوقف رحمة عن تحضير المائدة وتقول بفضول: وهو نبيل ماله يا عمي؟ إبراهيم: عرفنا من فترة إن نبيل عنده كانسر. لتعلو الهمهمات بالحوقلة، ولكن فرح كانت تجلس بجمود شديد،
في حين قال كامل: بس برضو ما فهمتش إيه علاقة إصراره على إنه يرجع علاقته بفرح بمرض نبيل. إبراهيم بحزن: الحقيقة من حوالي ست شهور، كان ابتدى التعب يبان على نبيل، كان بيرجع كتير وعلى طول همدان، فمنصور أخده وداه مستشفى علام عندك يا فرح.
لتنتبه فرح على حديث عمها الذي أكمل قائلاً: يومها كانوا فاكرين إنه أكل حاجة مش نضيفة أو إنه واخد برد في معدته، وحظه وقعه تحت إيدك، إنتي اللي كشفتي عليه وكان معاه منصور، اللي عرفك، لكن إنتي طبعاً ما عرفتيهوش، ووقتها شكيتي في الكانسر وطلبتي منه يعمل أشعة وتحاليل. لحد هنا وكانت الحكاية عادية، لحد ما كان خارج من أوضة الأشعة وسمع حد بيتكلم عنك وبيقول: "هي الدكتورة فرح دي على طول جد كده؟ ما بتضحكش أبداً؟ " فرد
عليه اللي معاه وقال له: "دكتورة فرح دي بمية راجل، ورغم إن والدها متوفي من يوم ما اتولدت ومامتها وجوزها هما اللي ربوها، إلا إنها ونعم التربية والأخلاق." لما سمع إنك عرفتي كل اللي حواليكي إنك يتيمة، اتضايق، لأنه لسه على وش الدنيا. فرح بتهكم: يا سلام على رقة المشاعر، بس أنا كده فهمت هو عرف شكلي إزاي رغم إني مش فاكرة الحكاية دي أصلاً. إبراهيم بقلة حيلة: والله يا بنتي ما عارف حكايتكم دي آخرتها إيه.
فرح: مالهاش آخر يا عمي، لأن ما كانلهاش أول من البداية. أنا أبويا مات من زمان، ولا يمكن أبداً هيصحى من تاني مهما حصل ومهما عمل، لأن اللي بيموت عمره ما بيصحى من تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!