الفصل 1 | من 22 فصل

رواية ولنا في كل عناق حياة الفصل الأول 1 - بقلم اشرقت

المشاهدات
17
كلمة
1,162
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

في إحدى مدن إسطنبول الكبرى، كان يعيش شاب في مقتبل العمر يُدعى باران؛ رجل أعمال ناجح، بنى نفسه بجهده وصبره. يقيم مع جدته أزاده، وابنة عمته نوران، طالبة جامعية. كانت نوران قد فقدت والدتها منذ صغرها إثر إصابتها بالسرطان، وتركها والدها بعدها وانشغل بحياته، أما القدر فشاء أن تُصاب هي الأخرى بالمرض ذاته.

كانت أزاده وباران يعلمان بحقيقة مرضها، لكنهما أخفيا عنها الأمر خوفاً من انهيارها، غير أن تعبها المتكرر أثار شكوكها، فبدأت تلاحظ الأعراض وتخاف أن يكون ما تخشاه هو الحقيقة. وذات ليلة، كانت أزاده تتابع مسلسلها المفضل في الصالون، بينما انشغل باران في مكتبه كعادته. أما نوران فكانت في غرفتها حين داهمها ألم شديد. تناولت مسكنها المعتاد، وبعد أن هدأ الألم قليلاً، نزلت إلى الأسفل ودموعها تسبقها. نظرت إلى

جدتها وقالت بصوت مختنق: جدتي... ما الذي تخفونه عني؟ ما بي ليس أمراً عابراً! أريد أن أعرف الحقيقة... أرجوكِ قولي لي! ارتبكت أزاده وقالت بقلق: ابنتي، ما هذا الكلام؟ لا نُخفي عنكِ شيئاً. لكن نوران صرخت بعصبية: بل تفعلون! أنا أعلم أنني أحمل نفس مرض أمي، أليس كذلك؟ في تلك اللحظة، خرج باران مسرعاً من مكتبه وقد سمع صراخها. هتف: ما الذي يحدث هنا؟! لماذا ترتفع الأصوات هكذا؟ نظرت إليه نوران بعينين دامعتين وقالت برجاء موجع:

باران... أجبني بصدق. هل أنا أحمل مرض أمي؟ تجمدت ملامحه من وقع السؤال، حاول أن يتماسك، لكن نظراتها الموجوعة لم تترك له مهرباً. قال متردداً: أنتِ تتوهمين يا نوران. لا تفكري هكذا. اقتربت منه بخطوات مرتجفة، أمسكت بيده وقالت برجاء باكي: أرجوك، لا تُخفِ عني. لقد تعبت من الظنون، فقط قل لي الحقيقة لأرتاح..! كان في صوتها ما مزق قلبه. أمسك بيديها بقوة، وظَهَر عليه علامات الانكسار. ساد الصمت للحظات، ثم قال بصوت مبحوح:

نعم يا نوران... للأسف... أرسلنا تحاليلك وصورك إلى أطباء كُثر في الخارج، لكن النتيجة كانت واحدة... المرض في مرحلته الأخيرة، والجراحة مستحيلة لأنها قد تودي بحياتك. خفض رأسه وهو يتمتم بأسف: سامحيني، أنا حقاً أشعر بالعجز أمامك. كانت أزاده تبكي بحرقة، أما نوران فانهارت تماماً، تترنح واقفة على قدميها. أسرع باران إليها، أمسك كتفيها برفق. قال: نوران، هل أنتِ بخير؟ تشبثت بمعصميه، وقالت بنبرة متقطعة: كنت أعلم...

نفس أعراض أمي، نفس الألم... كل شيء يتكرر من جديد..!! ثم تنهدت قائلة بصوت ضعيف: أريد أن أكون وحدي قليلاً، جدتي لا تقلقي، فقط أحتاج للهدوء. غادرت الغرفة بخطوات بطيئة، بينما جلس باران على الكرسي المقابل واضعاً رأسه بين كفيه بحسرة. اقتربت أزاده منه وربتت على كتفه بحنان. قالت: لا تلم نفسك يا بني، لقد فعلتَ ما بوسعك، لكن إرادة الله فوق كل شيء، هذا قدرها.

وفي صباح اليوم التالي، كان باران يستعد للذهاب إلى عمله حين طرق أحدهم الباب. قال وهو يرتدي سترته: تفضل. دخلت نوران بابتسامة هادئة وقالت: صباح الخير. ابتسم قائلاً: صباح النور يا أميرة كَرابي الصغيرة، كيف حالك اليوم؟ كنت على وشك أن أذهب وأطمئن عليكِ. ردت مازحة: إذن لن أذهب إليك مرة أخرى حتى تأتي أنت لزيارتي بغرفتي! ضحك بخفة وقال: هل نمتِ جيداً؟ نوران: نوعاً ما... لكني أردت أن أتحدث معك قبل أن تذهب.

لاحظ توترها حين بدأت تفرك يديها وتهرب بعينيها بعيداً عنه. جلس أمامها على ركبتيه وقال برقة: هيا قولي ما في بالك. تنهدت طويلاً ثم قالت بصوت مبحوح: باران... أريد أن نتزوج. اتسعت عيناه دهشة، وقال بذهول: ماذا؟ ماذا تقولين يا نوران؟! أخفضت رأسها وقالت بثبات حزين: أعلم أنك تراني صغيرة، وربما تعتبرني أختاً لك... لكنني لا أراك هكذا. أراك رجلاً أحببته منذ صغري.. لا تتعجب من جرأتي، فليس لدي وقت للخجل...

ربما لن يكون هناك غد بالنسبة لي. لذالك أريد فقط أن أعيش ما تبقى من أيامي قربك، هذا كل ما حلمت به بعد تخرجي... لم يكن لي نصيب أن أعيش حياة طويلة، فدعني أعيشها ولو لحظة معك. قاطعها بصوت متألم: ششش... لا تقولي ذلك! ستتعافين، وسأتأكد من ذلك بنفسي. سأبحث في كل مكان، وسأجد العلاج مهما كلف الأمر... فقط ثقي بي، ولا تفقدي الأمل. ابتسمت بحزن جميل وقالت: إن لم أثق بك، فبمن أثق إذن؟ ثم نهضت بهدوء وقالت وهي تهم بالخروج:

فكر في كلامي جيداً يا باران، أنا أنتظر ردك... ظل واقفاً ينظر إلى الباب بعد مغادرتها، يغمره الحزن والدهشة في آن واحد..!! كيف لم ينتبه من قبل إلى نظراتها المختلفة، إلى إعجابها الصامت؟ وفي المساء، عاد باران إلى المنزل منهكاً. وجد جدته جالسة في الصالون. ردف: مساء الخير يا جدتي. أزادة: مساء النور يا بني، كيف كان يومك؟ باران: مر على خير، لكن أين نوران؟ أزادة: صعدت إلى غرفتها، قالت إنها تريد مراسلة صديقتها...

تعلم أنهم في عطلتهم ويشتاقون لبعضهم. باران: حسناً، سأصعد أنا أيضاً، أشعر بالإرهاق. أزادة: والعشاء؟ باران: لست جائعاً، فقط أريد النوم. صعد غرفته، أخذ حمامه، لكنه لم يستطع النوم. ظلت كلمات نوران تدور في رأسه كدوامة لا تنتهي. أمسك هاتفه وحدق طويلاً في شاشة مضيئة تحمل صورة وجه يألفه جيداً... وجه أعاد إليه دفقة من الذكريات. ابتسم بمرارة وهمس بصوت مختنق "ديلاني". وتدفقت إلى ذهنه تلك الذكرى التي تعود إلى عام مضى......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...