صعد باران إلى غرفته، أخذ حمامه، ثم تمدد بسريره. لكن النوم... من أين يأتي؟ كلمات نوران ظلت تطن في عقله طوال اليوم، كأنها نُقشت في ذاكرته. أمسك هاتفه، حدق فيه طويلًا... ثم توقفت عيناه عند صورة تحمل ملامح سكنت أعماقه منذ أول لقاء بها. همس بشفتيه، وعيناه شاردتان في تفاصيلها: "ديلاني" _قبل عام من الآن من سنة مضت.. كان باران معتادًا على استقبال ضيوفه في البيت الريفي بعيدًا عن القصر. وفي أحد أيام شهر رمضان المبارك،
اتصل بصديقه كرم: "ألو، كرم... هل وصلت طائرة طلال؟ الوقت يداهمنا، ولا بد أن ننتهي من التصاميم بسرعة." كرم: "نعم، وصل. وسيبقى هنا حتى يتم طرح المجموعة الجديدة." باران: "تمام، خذه لبيت المزرعة، وسأأتي حالًا." وصل باران إلى البيت، ووجد كرم وطلال في انتظاره. بعد تبادل التحايا، جلسوا في المكتب وبدأوا مناقشة تفاصيل العمل. قال باران بحزم: "نريد أن تكون المجموعة جاهزة قبل العيد. هذا هو التوقيت المثالي للعرض."
عملوا كثيرًا، وانشغلوا بالتفاصيل حتى سرقهم الوقت دون أن يشعروا. وقبل أذان المغرب، نهض باران قائلًا: "سنذهب إلى أحد المطاعم القريبة لتناول الإفطار، ثم نعود لنكمل. لا يزال أمامنا الكثير، وأريد إنهاء التصميم الذي بدأت به." نهض الأصدقاء، لكن ما إن خرجوا حتى فوجئوا بسوء حالة الطقس، إذ اشتدت الرياح وتساقط المطر، مما حال دون خروجهم. تنهد باران وقال: "ابقوا أنتم في الداخل، سأحضر شيئًا نتناوله، فالشمس توشك على المغيب."
توجه للمطبخ، بحث هنا وهناك، لكنه لم يجد سوى بعض الأشياء البسيطة التي لا تكفي لعمل طبخة. خرج مسرعًا يقصد بيت جارته السيدة قدر، والتي كانت تسكن قريبة منه. طرق الباب، وبعد لحظات فُتح الباب لتظهر أمامه فتاة شابة، جميلة الملامح، بنظرات هادئة وأنيقة... كانت "ديلان". صمت باران للحظة كأنه فوجئ، ثم قال: "هل خالتي قدر هنا؟ أجابته بهدوء: "نعم، هي هنا." خرجت قدر لترى من الطارق، وما إن رأته
حتى ابتسمت بحرارة وهتفت: "ابني باران، أهلًا وسهلًا بك يا حبيبي، متى أتيت؟ باران: "أتيت منذ ساعات قليلة يا خالتي." قالت ديلان وقد بدت ملامح الاستغراب على وجهها: "إذًا أنت باران؟ أمي دائمًا تحدثني عنك." تعجب باران قليلًا وقال: "قلتِ 'أمي'؟ لم أكن أعلم أن السيدة قدر لديها أولاد." قدر: "معك حق، لم تلتقيا من قبل، هي ابنتي الوحيدة... ديلان." باران بابتسامة خفيفة: "أهلًا بكِ يا ديلان، سعدت بلقائك."
ديلان: "وأنا كذلك، أهلًا بك." قالت قدر: "قل لي، هل أتيت لشيء معين؟ باران بتردد: "في الحقيقة، كنت أبحث عن شيء نُعد به الإفطار، لكن لم أجد في البيت سوى القليل." قدر: "لا تقلق يا بني، أنا وديلان أحضرنا الفطور، ستتناول معنا." باران: "لا يا خالتي، أريد فقط كم غرض؛ بالأساس كنت سأذهب للسوق ولكن مثل ما ترين، ساء الطقس فجأة ومن معي رفقاء، لا يصح أن نكون عبئًا عليكم."
قالت قدر: "لا تقل ذلك يا بني، أهلًا بك وبرفيقيك. الخير وفير، والمنزل منزلكم." ابتسم باران وقال ممتنًا: "تُخجلينني بلطفك يا خالتي، شكرًا جزيلًا لكِ." أجابت قدر: "لا يُشكر على شيء يا بني، فالجار للجار، وأنت بمثابة ابني. سأرسل ديلان معك بالطعام لتتناولوه هناك على راحتكم." أخذت ديلان ما أعدته مع والدتها وسارت مع باران إلى منزله. دخلا المطبخ، وشرعا في وضع الأغراض. التفتت
ديلان نحوه وقالت برقة: "سأعد العصير، ثم أجهز المائدة." فرد باران قائلًا: "دعيني أتولى إعداد العصير، وأنتِ جهزي الطاولة." ابتسمت وقالت: "حسنًا." وما إن انتهت من تجهيز المائدة، حتى استأذنت بهدوء لتعود وتفطر مع والدتها، تاركة وراءها انطباعًا أول لا يُنسى. رفع أذان المغرب، فخرج كرم وطلال متجهين إلى مائدة الإفطار، ليندهشا مما أُعد عليها. قال كرم بدهشة: "أخي، متى أنجزت كل هذا؟
وأضاف طلال مبتسمًا: "أم أنك طلبت الطعام من أحد المطاعم؟ ضحك باران وقال: "وما شأنكم بمصدر الطعام؟ المهم أن تشبعوا بطونكم، فهذا ما يهم الآن." جلس الأصدقاء يتناولون الإفطار معًا، وأبدوا إعجابهم بمذاق الأطعمة كثيرًا. وبعد أن فرغوا، نهض باران قائلًا: "سأُحضر الشاي." وما إن استدار، حتى طرق أحدهم الباب! همّ كرم بالذهاب، لكن باران أوقفه قائلًا: "انتظر يا أخي، سأفتح أنا."
تقدم وفتح الباب، فإذا بديلان تقف أمامه تحمل طبقًا من الحلوى. قال لها بابتسامة: "تفضلي يا ديلان." فأجابته قائلة: "أرسلته والدتي لكم، وتقول إن احتجتم إلى شيء، فلا تترددوا." رد باران بلطف: "سلمت يداها، وشكري لها كثيرًا بالنيابة عنا." غادرت ديلان بهدوء، فتبادل كرم وطلال النظرات بدهشة. همس طلال مع ابتسامة خفيفة: "ما أروعها من فتاة... لكن باران التقط كلماته، فرمقه بنظرة حادة وقال بحزم: "طلال، اصمت."
تدخل كرم مازحًا: "إذًا، هذا هو الشيف الذي أعد لنا الطعام! يا له من شيف... وقبل أن يُكمل جملته، قاطعه باران وهو يشير بإصبعه نحو المكتب: "هيا، إلى الداخل أمامي. لنشرب الشاي ونُكمل ما بدأناه من عمل... هيا الآن." في صباح اليوم التالي، كان كرم وطلال لا يزالان غارقين في النوم، أما باران فقد استيقظ مبكرًا، ارتدى ملابسه واستعد للخروج لشراء ما ينقصهم من حاجيات.
ركب سيارته، وأثناء سيره لمح ديلان تسير على الرصيف القريب. خفف من سرعته، وما إن اقترب منها حتى أوقف السيارة وترجل منها مناديًا: "ديلان! التفتت إليه بدهشة وقالت: "باران؟ أأنتَ هنا؟ ابتسم وقال: "صباح الخير." ردت بهدوء: "صباح النور." سألها: "إلى أين تتجهين؟ قالت: "كنتُ في طريقي إلى السوق." رد بابتسامة: "يا للصدفة... أنا أيضًا متجه إلى هناك. هيا، اصعدي لأوصلك." ترددت قليلًا وقالت: "لا داعي، أحب أن أتمشى قليلًا."
فقال بلطف: "اسمحي لي بإيصالك، وأحتاج مساعدتك أيضًا، فأنا لا أجيد كثيرًا اختيار ما يلزم." نظرت إليه بتردد ثم قالت بابتسامة هادئة: "حسنًا، هيا بنا." ذهبوا معًا إلى السوق وبدأوا في شراء ما ينقصهم. وما إن انتهوا، حتى طلب باران من ديلان أن يتجولا قليلًا في أرجاء المكان. لم ترفض، فتوجه بها إلى ممشى قريب منهم. وأثناء سيرهما، نظر إليها وقال: "ديلان، أتيت إلى هنا مرات عديدة ولم أركِ من قبل!
حتى عندما كنت آتي مع عائلتي وكانت خالتي قدر تزور أمي، لم تظهري معها! ردت ديلان: "نعم، صحيح، كنت أدرس في مدرسة داخلية، فكنت أزور هنا فقط خلال العطلات. وربما لم تتزامن عطلتي مع قدومك إلى هنا." قال: "نعم، ربما هذا هو السبب." أكملت ديلان قائلة: "لكنني كنت أعرف والدتك، قابلتها أكثر من مرة، وكنت أحبها كثيرًا. التقيت بعمي قدرت وجيهان أيضًا." صمتت للحظة، ثم أضافت بحزن: "حزنت كثيرًا لما حدث لهم وللفراق الذي ألم بكم هكذا."
تنهد باران بحزن وقال: "لم يكن فراقهم سهلًا، لكن ماذا نفعل أمام قدرنا؟ لاحظت ديلان نبرة حزنه، فاعتذرت: "أعتذر، لم أقصد أن أذكرك بما حدث." ابتسم بحنو وقال: "لم أنسَ ذلك ولا لحظة واحدة..... وأشار إلى قلبه وأضاف: "يبقى هنا كشوكة مغروسة في أعماقي..💔" تبادلا النظرات للحظات، كان في صمت يحمل بين طياته شيئًا من الحنين والارتباك، كأن الكلمات لم تكن كافية للتعبير عما يخالج قلبيهما. قالت ديلان: "هيا لنعود، لقد تأخرنا."
رد باران: "تمام، هيا بنا." عاد كل منهما إلى منزله، نادت ديلان والدتها، وراجعت معها قائمة الأغراض، ثم شرعا معًا في تحضير الإفطار. أما عند باران، فاستيقظ كرم وطلال من نومهما، فنهض باران قائلًا: "هيا، لدينا الكثير من العمل في المطبخ." نظر كرم إلى طلال بارتباك، ثم قال: "أخي، أي عمل هذا؟ نحن لا نفهم شيئًا في شؤون المطبخ! أما طلال،
فقال: "وأنا لدي موعد مع عميل مهم في الخارج، هيا سلام، أراكم على مائدة الإفطار." ثم خرج مسرعًا. التفت باران إلى كرم بغضب، وقال: "وأنت كذلك لديك موعد! أجاب كرم متوترًا: "سيارتي بها عطل وأريد أن أذهب لإصلاحها على الفور." ثم خرج هو أيضًا. نظر باران خلفهما وهو يهز رأسه قائلًا: "حسبنا الله.." عودة من الفلاش باك.. بالعودة لباران الذي لا يزال مستلقيًا بسريره، ينظر إلى هاتفه، شاردًا بصورة ديلان ولحظاتهما معًا.
في مكان ما، كانت ديلان تجلس أيضًا بسريرها بعد يوم طويل وشاق. تحمل هاتفها وتحدق فيه، والدموع تلمع في عينيها، تبتلع غصة وتهمس: "أمير قلبي الوسيم، ليت القدر لم يكن له رأي آخر.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!