انتهى عرض مراد وديلان، وتعالت التصفيقات من الحضور إعجابًا بأدائهما المميز. اقترب العم أحمد من باران وقال بابتسامة: "بني، هيا لأعرفك على ديلان! هي أيضًا كانت تتمنى أن تراك، وتود الحديث معك حول أفكارها لتطوير الدار ومواهب الأطفال." كان باران مترددًا، يخطو خطوة للأمام ويتراجع بالأخرى. وحينها، جاءه مراد واندفع نحوه، فحمله باران بذراعيه. قال الصغير بحماس: "ما رأيك بعرضي يا أبي؟
أجابه باران وهو يحتضنه: "كنت رائعًا يا بابا، أبهرتني كثيرًا." *** وفي الجهة الأخرى، كانت ديلان في غرفة تبديل الملابس. جلست للحظة تحدق في الفراغ بذُهُول. تمتمت: "باران! " ثم دفنت وجهها بين كفيها، تبكي بحرقة مكتومة. لقد رأته؛ رأته بعينيها عندما أشار إليها مراد وقال: "هذا أبي، جاء ليرى عرضنا معًا." تمالكت نفسها خلال العرض، تماسكت لأجل مراد والحضور، لكن ما إن انتهى كل شيء انهارت!
لم تصدق بعد كل هذا الوقت تلتقي عيونهما من جديد. قاطع بكاءها صوت طرقات على الباب. مسحت دموعها على عجل وتقدمت لتفتحه، لتجد إحدى المعلمات تُبلغها: "ديلان، المدير بانتظارك في المكتب. هو يود مقابلتك." *** ذهبت ديلان بخطوات هادئة. وقبل أن تفتح الباب، رسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، مزيفة. دخلت المكتب، فابتسم العم أحمد وقال بلطف: "تفضلي يا ابنتي، هذا هو السيد باران بنفسه! بإمكانك الآن أن تطرحي عليه كل أفكارك."
نهض باران من مقعده بلهفة. تقدمت هي نحوه بخطوات مترددة، حاولت أن تبقى ثابتة أمامه. لكن نظراتهما وحدها كانت كفيلة بفضح كل ما تخبئه القلوب. كانت عينا باران تهمسان لها بألف سؤال وسؤال: "هل أنتِ بخير... لماذا تركتني ورحلتِ هكذا! اشتقت إليكِ أكثر مما تتخيلين يا قطعة روحي." فجأة، صوت خافت في أعماقه صرخ! "ماذا لو كانت متزوجة الآن؟ قطع شروده صوتها وهي تمد يدها نحوه قائلة: "أهلاً بك يا سيد باران."
أمسك يدها برقة وقال بصوت حاول أن يخفي فيه ارتجافه ولهفته: "أهلًا بكِ يا ديلان، كيف حالك! وكيف حال الخالة قدر؟ أتمنى أن تكون بخير." تدخل العم أحمد باستغراب: "بني، هل تعرف ديلان من قبل؟ أجابه باران بنبرة هادئة: "نعم... ؛ لم تكن هذه أول مرة نلتقي فيها." قالت ديلان بابتسامة: "أنا بخير، ووالدتي بخير أيضًا، شكرًا لسؤالك."
نهض أحمد وقال: "لطالما أن بينكما معرفة سابقة، سأترك لكما المجال لتتحدثا بشأن خطة تطوير الدار. سألقي نظرة بالخارج." ثم غادر وترك خلفه صمتًا ثقيلًا، يشبه اللقاء الأول بعد غياب طويل. انحنى باران نحو مراد وهمس له: "أسدي، هل تذهب لتلعب مع رفاقك قليلًا؟ هز الصغير رأسه بحماس وركض مبتعدًا. تقدم باران بخطوة نحو ديلان، ثم ردف بصوت مخنوق: "لماذا يا ديلان؟ ... لماذا فعلتِ بي هذا! هل عندكِ تفسير لكل ما حدث؟
هل لديكِ مبرر لتركك لي في منتصف الطريق..؟ اقترب أكثر وأمسك بيديها، عيناه تغرقان في ملامحها ليكمل قائلًا: "هل هناك إجابة واحدة فقط على سؤالي! لماذا تركتِنا ناقصين؟ لماذا رحلتِ دون كلمة ودون وداع..؟ ارتجفت ديلان وسحبت يديها من بين قبضتيه برفق. مسحت دموعها بصمت، ثم نظرت إليه بثبات مؤلم وقالت: "لا أملك إجابة ترضيك، ولا حتى كلمات تشرح ما حدث..! ما بيننا الآن ليس له مكان للنقاش، ولا وقت للعودة."
ثم همست وهي تلتفت مبتعدة: "عذرًا، لقد تأخرت! حان وقت ذهابي." خرجت ديلان، تاركة خلفها سحابة من الأسئلة المعلقة والذكريات المختلطة بين الحنين والخذلان. ضرب باران الحائط بقبضته غاضبًا، عاجزًا ومنكسرًا تمامًا كما شعر يوم رحيلها الأول. وفي اللحظة نفسها، دخل أحمد وأغلق الباب خلفه بهدوء. حدق في باران قليلًا ثم أردف: "ابني، أعلم أن الأمر لا يعنيني، لكن واضح أن ما بينك وبين ديلان أكبر بكثير من مجرد معرفة قديمة."
أجاب باران بهدوء زائف يخفي خلفه ألف عاصفة: "استغفر الله يا عم أحمد.. أنت بمنزلة والدي، وتعلم مقدار احترامي لك." اقترب أحمد منه أكثر وقال: "إن كنت حقًا تعتبرني كذلك، فافتح قلبك لي. أفرغ ما يؤلمك، عسى أن تجد بعض الراحة." صمت باران لحظة ثم قال بصوت منخفض: "فقط أخبرني؛ هل ديلان مرتبطة! هل تزوجت..؟ هز أحمد رأسه نافيًا: "لا يا بُني، ديلان ليست مرتبطة، رفضت كل من تقدم لها دون أن تعطي سببًا واضحًا لأي منهم."
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجه باران، ثم جلس وبدأ يحكي: "من أول لحظة رأيتها فيها وقعت في حبها... كانت مختلفة، تُشبه الحلم. عشنا تفاصيل صغيرة، لكنها علمت قلبي كل معنى للحياة.." صمت قليلًا، ثم تنهد ليكمل قائلًا: "لكنها تركتني بدون وداع... بدون حتى أن تمنحني حق الفهم." تفاجأ أحمد بما سمعه من باران. ظل صامتًا للحظات قبل أن يقول: "لا يجب أن نحكم على أحد قبل أن نعرف ما الذي مر به..! ربما كانت الظروف أقوى منها يا بُني."
أجاب باران بانفعال مكبوت: "أي ظروف! ما الذي يمكن أن يحدث في ساعات قليلة لأعود ولا أجدها؟! أنا على وشك الجنون." ربت أحمد على كتفه محاولًا تهدئته: "أهدأ يا بُني، دع الأمر لي... ربما أستطيع أن أفهم منها شيئًا." *** في منزل ديلان،، كانت تحتضن والدتها وتبكي بحرقة، تنهار كأن كل ما خبأته في قلبها سنوات قد فاض الآن دفعة واحدة. قالت بصوت مخنوق: "رأيته يا أمي؛ رأيته بعد كل هذه السنين، باران كارابي...
هو نفسه السيد باران صاحب الدار! ومراد... مراد هو ابنه! لقد تزوج وأنجب ومضى في حياته..💔" وقبل أن تجيبها قدر، قُطع صوت بكائها بدقات على الباب. كان العم أحمد، وقد أذنت له قدر بالدخول. جلس أحمد مع ديلان، نظر إليها طويلًا، نظراته كانت تُفتش عن الحقيقة خلف وجعها. سألها بهدوء: "ديلان، لم أكن أنوي التدخل، لكن عندما وجدت رجل مكسورًا أمامي، يحمل في قلبه وجعًا لا يُروى، فأردت أن أفهم! أخبريني ما الذي حدث يا ابنتي؟
كيف استطعتِ أن ترحلي عن كل ذلك الحب بتلك السهولة..؟ حكت له ديلان كل ما بداخلها، بعد أن أخذت منه وعدًا ألا يخبر باران بشيء. وأخبرته أن ما فعلته لم يكن خيارًا بقدر ما كان إجبارًا. تنهدت بحزن وهمست: "سعدتُ أنه أكمل حياته وتزوج، والآن معه مراد. إنه يبدو سعيدًا! نظر إليها العم أحمد ثم ردف بهدوء صادم: "لكنه لم يكن كما ظننتِ؛ السيد باران أرمل." رفعت رأسها بدهشة، وكأن قلبها توقف لحظة: "ماذا؟!
أومأ أحمد بتنهيدة: "نعم..، زوجته رحلت بعد ولادة مراد مباشرة، لم تستمر حياتهما معًا سوى شهرين فقط. زواجه كان واجبًا وفرضًا عليه، وبعد رحيل زوجته مر بأيام صعبة، تحمل مسؤولية ابنه وحده منذ لحظة ولادته." انقبض قلب ديلان، وضعت يدها على صدرها لتحتوي تلك الغصة التي خنقتها. لم تتوقع أبدًا أن يكون حبيبها قد عانى بهذا الشكل!
"يا الله.." همست بها وقد امتلأت عيناها بالدموع. شعرت بثقل الذنب ينهار فوق صدرها، وكأن كل ما هربت منه عاد ليحاصرها من جديد......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!