مضت أربعة أعوام، كأنها عمر بأكمله، تغيرت فيها وجوه، واختفت فيها ضحكات، ونضجت الأرواح تحت وطأة الفقد والحنين. لم يبقَ شيء على حاله سوى الذكريات، تلك التي لا تُنسى مهما حاولنا دفنها بين تفاصيل الأيام. وفي طيات الغياب، بقيت أسماء لا يُمحى أثرها، ومواقف عالقة في الذاكرة يأبى الزمان أن يُنهي صفحاتها. في كل زفير همسة من ماض لم يرحل، وفي كل شروق، أمل جديد لا يزال يحاول أن يولد من رماد البدايات.
كان باران قد افتتح دار حضانة لرعاية وتعليم الأطفال الأيتام، وقد حملت اسم "نوران كارابي". كان العم أحمد هو من يتولى إدارة شؤون الدار، وقد استعان بجارته الأنسة "ديلان" لتكون إلى جانبه في العمل، نظرًا لخبرتها في مجال تأسيس وتعليم الأطفال. باران كان يتابع سير العمل في الدار من خلال تواصله المستمر مع العم أحمد.
كما كان "مراد" أحد طلاب هذه الدار، وقد خصص له والده سائقًا خاصًا يتولى إيصاله وإعادته من الدار يوميًا، نظرًا لانشغاله الكبير بأعماله التي كرس لها نفسه بعد وفاة زوجته. وفي إحدى الأمسيات، كان مراد في غرفته. مستلقيًا بسريره حين طرق والده الباب وقال بابتسامة دافئة: "أسدي، هل يمكن أن تنام قبل أن ترى والدك؟ وما إن لمح مراد والده حتى قفز من سريره وهرول نحوه هاتفًا بفرح: "باباااا." عانقه باران بقوة هامسًا بحنان:
"كيف حالك يا روح البابا؟ رد مراد وهو يقبله على خده: "أنا بخير، ولكن لماذا تأخرت هكذا؟ باران: "أعتذر كثيرًا، كان لدي اجتماع مهم للغاية.. والآن أخبرني كيف كان يومك يا بني؟ مراد بحماسة: "كان جيدًا! درستني معلمتي أشياء جميلة، وتعلمت بعض الأنشطة الجديدة، ولعبت مع رفاقي أيضًا." باران: "أحسنت يا بني، والآن هيا إلى النوم يا بطل."
أزاح الغطاء وساعده على الاستلقاء، ثم جلس إلى جواره على حافة السرير، وأخذ يُداعب خصلات شعره برفق وهو يُتمتم ببعض الكلمات الدافئة، ليبتسم مراد وهو يغمض عينيه بنعاس. ابتسم باران وانحنى يُقبله في جبينه: "أنا هنا معك يا روح أبيك." انتظر قليلًا حتى اطمأن أن أنفاس ابنه بدأت تهدأ، ثم نهض بهدوء وخرج من الغرفة متجهًا إلى غرفته، حيث يقضي ليله كما اعتاد، بين العمل والتفكير وحنين لا يهدأ. جلس باران وأمسك بهاتفه، ثم اتصل بأحمد.
باران: "ألو، كيف حالك يا عم أحمد؟ أحمد: "بخير يا بني... وأنت، كيف حالك؟ باران: "الحمد لله أنا بخير، أخبرني كيف تسير أمور الدار؟ أحمد: "كل شيء على ما يُرام، لا تقلق. ولكن هناك بعض الملاحظات والاقتراحات من مساعدتي." باران: "حسنًا، قل لي ما هي وسأتولى الأمر." العم أحمد: "لا يمكنني شرحها عبر الهاتف. إن كنت متفرغًا، هل يمكنك القدوم غدًا؟ باران: "للأسف، هذه الفترة مشغول جدًا." أحمد:
"حسنًا، ولكن هناك حفل في نهاية الأسبوع تُحضر له الآنسة ديلان. تود أن تُقدم فيه مواهب الأطفال في الدار، ليكون حافزًا لهم على التطور. أتمنى أن تكون ضمن الحضور، لترى بنفسك ما وصلت إليه الدار! وقف باران للحظة عند سماعه الاسم، مدهوشًا. قال: "قلتَ ديلان؟ أحمد: "نعم يا بُني، الآنسة ديلان أتت للدار من فترة قليلة، هي مساعدتي في إدارة شؤونه. تحبها الأطفال كثيرًا، وهي تبذل جهدًا رائعًا معهم." باران بعد برهة صمت:
"حسنًا..، سأحاول أن أكون حاضرًا وقت الحفل." وبعد أن أغلق هاتفه، استلقى بسريره متعبًا، عيناه تحدقان في سقف الغرفة. همس باسمها في سكون الليل يخاطب روحها البعيدة: "ديلان." تنهد وأكمل قائلًا: "كم أتمنى لو كنتِ هنا، أسمع ضحكتك وأرى دفء عينيكِ الذي لم يغب عن بالي لحظة في زحمة الأيام وهمومها.. كلماتك لا تفارق قلبي." مر بمسمعه همساتها: "لا تتركيني، أشعر أننا سنفترق طويلًا." ابتلع غصة وهو يغفو والحنين يعانق قلبه.
وفي صباح يوم الحفل، وبينما كان باران يجلس على طاولة الفطور. جلس مراد بجانبه يحكي بحماس، تارة عن رفاقه وتارة عن العروض التي ستقام في الدار. حكى أيضًا عن معلمته 'ديلان' يصفها بلطافتها وحنانها. كان متحمسًا بشكل خاص، لأنه سيشارك بفقرة تمثيلية ضمن الحفل. ولأنه يعشق روح المغامرة، اختار أن يؤدي دور "الوحش" في قصة الجميلة والوحش. أما دور "الجميلة" فلم يرَ أحدًا يليق به أكثر من معلمته!
وحين طلب منها أن تشاركه وافقت بكل حب، فبدآ يتدربان معًا طوال الأيام الماضية. ذهب باران بصحبة ابنه إلى دار الحضانة لحضور الحفل المقام هناك، وبعد وصولهما، صافحه العم أحمد وبعض المعلمين الذين كانوا باستقباله، بينما كان مراد لا يكف عن التطلع حوله قائلًا بحماس: "أين شريكتي؟ لم أرها بعد! ضحك الحضور، لتجيبه إحدى المعلمات: "هي بغرفة الكواليس، تُساعد الأطفال في آخر بروفة قبل العرض."
هرول مراد إلى الداخل متحمسًا، أما باران فاصطحبه العم أحمد إلى المقاعد الأمامية بجانب المسرح، حيث جلسا معًا بانتظار بداية العرض. وبعد لحظات اعتلت مقدمة الحفل المسرح، ورحبت بالحضور من أولياء الأمور والضيوف، ثم أعلنت عن أول فقرة، لتبدأ المواهب في التتابع واحدة تلو الأخرى، وسط تصفيق وإعجاب الحاضرين. كل عرض كان يدهش الحضور أكثر من الذي قبله، حتى جاء الإعلان عن آخر فقرة في الحفل:
"والآن مع الفقرة الأخيرة. فقرة الطالب مراد كاربي، وشريكته الآنسة ديلان! خرج مراد على المسرح مرتديًا زي الوحش ببراءة طفولية وشجاعة أبهرت والده، الذي ابتسم بفخر ودهشة لصغر سنه. لكن لم يطل وقوف باران، إذ رن هاتفه فاستأذن من أحمد، وخرج بهدوء ليجيب. وفي طريقه للخارج، مرت نبرة صوت مألوفة على مسامعه، نغمة هادئة ولكنها اخترقت أعماقه! توقف فجأة. ارتجف قلبه دون إذن، قبض كفه ببطء، ثم التفت وقلبه يردد: "هل يعقل..! هل تكون..؟
استدار لتقع عيناه عليها. هي... ديلان... نعم،، تلك التي أرهقه الحنين إليها، التي طواها القدر بعيدًا عنه دون وداع. "ديلان." رددها قلبه قبل لسانه، تلألأت العبارات في عينيه. هي كما كانت؛ لكن الزمن قد مر بعينيها! ناضجة، هادئة، وملامحها بها بريق حنين، وأثر تعب السنين. تنهد هامسًا: "كيف هذا..؟ كيف تقفين هنا أمامي بعد كل ما مضى..!! هل يعقل أن يجتمع طريقهما من جديد.؛ أم أنها مجرد لحظة عابرة ستذهب وتمضي........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!