أحسّ بقبضة تعتصر حلقه، حتى خُيّل إليه بأنه يختنق، واللهفة بداخله تستحيل إلى غضبٍ حالك. شدد قبضته حول كأس الشراب الكريستال حتى كاد أن ينكسر، لولا أنه تمالك أعصابه بآخر لحظة وهو يرد على محدّثه عبر الهاتف: -أنت متأكد يا وائل؟ هي بنفسها!؟ أكد له الأخير بلهجةٍ لا تقبل الشك:
-بقولك شوفتها بعيني. أخدت قهوة من أون ذا ران. أول ما عرفتها نطيت في عربيتي ومشيت وراها. لسا ماشي أهو باينها طالعة على الإسكندرية.. عاوزني أعمل إيه يا رامز؟ هب "رامز الأمير" واقفًا في الحال وهو يهدر محتدًا: -خلّيك وراها. إياك تتوارب عن عينك. إياك يا وائل!
بدا كالوحش الكاسر وهو يتحرّك في شقته الفاخرة ملتقطًا أغراضه، سلسلة مفاتيحه، سترته الجلدية القاتمة. ارتداها فوق قميصه المفتوح على عجالةٍ، ثم أسند الهاتف بين كتفه ورأسه، صائحًا: -أبعت لي اللوكيشن بتاعك وأنا هاحصلك. أنا جاي على الطريق. مش هسامحك لو فوّتها يا وائل مش هسامحك!
وهرول راكضًا إلى الخارج، غير عابئًا بالفوضى التي خلّفها ورائه من زجاجات شرابٍ فارغة وأثاثٍ مبعثر وألبسة نسائية متناثرة في كل مكانٍ. حتى لم يهتم بتلك الفتاة التي انسحب من جوارها تاركًا إيّاها بلا تفسيرٍ أو استئذانٍ، رغم إنها تشعر بأهميتها لديه من معاملته لها. إنها مساعدته الخاصّة منذ عامين، وبينهما علاقة أقرّ بها منذ عام. تعرفه وتتآلف بطباعه الخبيثة، وفي نفس الوقت تطمئن له، وتظن بأنها ليست مجرد علاقة للفراش. فهل صحيحٌ ظنّها؟
إنها لا تعرف "رامز الأمير" حقًا، مهما ظنّت بأنها اقتربت من هالته الغامضة. الحقيقة إنها لا تفقه أيّ سبيلٍ يؤدي إلى قلبه، أو حتى عقله. وحدها هي التي تملك زمام كيانه، ضالته التي هبطت إلى حياته مصادفةً، فملأتها بهجةً وسعادة. حوّلته من شخصٍ لا مبالي إلى عاشق، إلى رجلٌ يتوق لامرأته، نصفه الآخر. وقد وجدها أخيرًا بعد أن جحد بالفكرة. جعلته يؤمن بها حين ألتقاها. وهي نفسها التي هجرته قبل ما ينوف عن ثلاثة أعوام، هكذا فجأة وبدون أسباب، اختفت من حياته بعد علاقة حب، بل عشق جنوني كاد أن يتخطّى حدود المنطق من شدة تعلّق وإنتماء كلاهما للآخر.
-شمس! .. همس "رامز" بحسرةٍ تميل للغضب وهو يستقلّ خلف المقود.
شغّل محرّك السيارة وفعل كل شيء بأيدي نزقة. ينطلق بسرعة كالمجنون، وكأنه يسابق الزمن لإنقاذ حياته. عثوره عليها بعد كل تلك المدة أمر لا يُصدق. لأنه قد بحث، بحق الجحيم إنه لم يترك مكانٍ لم يبحث فيه عنها. نُزُل مشافي و حتى تحقق من قوائم السفر من جميع الموانئ الجوية والبحرية ولا يزال يصله جردًا شهريًا بها. لم يفقد الأمل، ومع ذلك علم بأنها لن تسمح له بالعثور عليها.
لأنها قالتها له وهي تودعه للمرة الأخيرة بمكالمة هاتفية، لا يزال صوتها آنذاك يرن بأذنيه وهي تقول بصوتها الضبابي المميز: "علاقتنا انتهت يا رامز. أنا آسفة. مش هقدر أكمل. وماتحاولش تدوّر عليا.. مش هاتلاقيني!
جن جنونه يومها، قلب عليها البلدة كلها بحثًا، لكنها كانت صادقة. لم تقل مجرد كلام، لم يجدها ببيتها، ولا في أيّ مكان يعرف إنها قد تذهب إليه. هكذا بهذه البساطة غدرته، بعد أن سلّمها قلبه العزيز على طبقٍ من ذهب، ركلته وهربت! -شمـس!!! .. تكرر الهمس بين شفتيه المطبقتين. شدد قبضتيه حول المقود وهو يحدق في الطريق وكأنه شياطين تبتلعه. لا يستطيع تخيّل شعوره لحظة رؤيتها مرةً أخرى. ماذا ستقول؟ كيف تُبرر ما فعلته به؟
بل ماذا سيفعل هو بها؟ لقد عذّبته وأذّلت رجولته بتخلّيها عنه، هو الذي عاش حصينًا عن شِراك الجنس الآخر، وقع في حبائلها هي. بعد زمنٍ طويل من العزوبية هي الوحيدة التي دفعته للتفكير في زواج وبيتٍ مستقر وتكوين أسرة. كان جادًا معها وكل شيء لعين كان على ما يُرام. كيف استطاعت التفريط به؟ ما الخطأ الذي اقترفه؟ لماذا!!؟ واصل "رامز" القيادة على أقصى سرعة وقد بلغ بوابات المدينة متجهًا إلى الإسكندرية. *****
لقد رأت هذه السيدة مراتٍ كثيرة من قبل، في صحف ومجلات، في محفظة أبيها حيث صورة تضمّه مع أسرته الكبيرة _ما عدا هي بالطبع _. ولكنها المرة الأولى الآن التي تراها وجهًا لوجه على أرض الواقع. السيدة "فريال المهدي".. زوجة رجل السلطة والجاه.. رجل الأعمال الشهير "يحيى البحيري". تلك ضرّة أمها! للعجب.
كانت أجمل بكثير على الحقيقة، الصور لا تنصفها أبدًا، ورغم تقدمها في العمر، لكنها لا زالت كالزهرة الفائحة أريجها، جميلة، مهيبة، أيقونة ارستقراطية وهي تقف عند منتصف الدرج العريض بلباس النوم، يغطي كتفيّها روبًا حريريًا محلولٌ عقدته فوق الخصر. -مين حضرتك؟ .. تساءلت "فريال" وهي تحدق بالضيفة الغريبة. لقد رأيتها للتو برفقة إبنها، ولكنها لم تتعرّف عليها مطلقًا، مع ذلك يبدو وجهها مألوفًا! ابتسمت الأخيرة بحلاوةٍ
تليق بها وجاوبتها برقة: -أنا اسمي شمس. عثمان يعرفني. لو مش هايضايق حضرتك هستناه لما يرجع عشان عايزاه في موضوع مهم جدًا.. وممكن لما يرجع هو يعرفنا على بعض أكتر! اكتسى وجه "فريال" بالأسى من جديد وهي تقول ناظرة بين الطابق العلوي والضيفة الماثلة أمامها: -عثمان مش بيرد عليا وباين مش راجع دلوقتي. ربنا يستر. أنا كنت لازم أروح معاه أطمن على سمر بنفسي. بس مقدرش أسيب الولاد لوحدهم ومافيش حد مننا جمبهم!
انبلج التعاطف على وجهها المليح وهي تقول بتأثرٍ متكلّف: -سمر مرات عثمان صح. ماتقلقيش سليمة إن شاء الله. هاتبقى كويسة. تضرّعت "فريال" بحرارةٍ دامعة العينين: -يارب.. يارب ترجعي بالسلامة يا سمر. دي بنتي التانية إللي مخلّفتاهش!
زيّن ثغر "شمس" نصف ابتسامة وهي ترمق زوجة أبيها الراحل. لديها فكرة عن كم إنها امرأة رقيقة وهشّة، وعطوفة على الجميع. لقد رأت اليوم وبالدليل الدامغ صحّة تلك الإدعاءات كلها؛ ولكن هل يا ترى ستنال هي حظًا من عطفها؟ أم إنها ستحصل على النتيجة المتوقعة لمجيئها والإفصاح عن هويتها الحقيقية!؟
في جميع الحالات، لقد فات أوان العودة للوراء، وهي، حتى لو عاد الزمن ألف مرة كانت ستأتي وتكشف كل شيء. أجل ستخلّ بوصية والدها، ستحنث بوعدها إليه، ولكنها ستظفر بعائلة. لا تعلم هل سيتقبلونها أم لا، ولا يهمها. لقد جاءت من أجل أخيها، بعد سعيها ورائه ومراقبته في الخفاء لسنواتٍ خلت. لن تتركه الآن ولن تفارقه أبدًا، إلا إذا أراد هو منها أن تفارق. يستطيع إقصائها بكلمةٍ منه، ولن تعترض. الأمر كله عائد إليه. *****
كان المطر ينهمر مدرارًا، والسماء مكفهرّة بغيومٍ سوداء والرعد يدوي عنيفًا وكأنه إنعكاس لحالته. هذا "عثمان" يقود سيارته محطمًا، بينما الرؤية مشوّشة في عينيه بسبب سيل المياه المنهمر على الزجاج الأمامي ولم تفلّح المسّحات بازالته تمامًا.
المسافة بين قصره والمشفى الخصوصي التي أوصى بنقل زوجته إليها رأسًا من مكان الحادث لا تزيد عن خمسة عشر دقيقة إذا كان يقود بشكلٍ معتدل. فما بال الطريق يبدو سحيقًا بلا نهاية وهو يقطعه بهذه السرعة الفائقة!؟
لحسن حظه لم يكن هناك اكتظاظًا مروريًا بسبب سوء الطقس والنوّة الشديدة على السواحل. أمضى كل هذا الوقت في الدعاء واستراق النظر إلى هاتفه الملقى بجواره على مقعد الراكب لعل اتصالًا يورد إليه يطمئنه عن حالة زوجته، لكن لا شيء سوى محاولات أمه للتواصل معه، ولم يلبّي أيًّا منها. لأنه هو نفسه لا يزال جاهلًا، والخوف يتعاظم بداخله مع مرور الوقت.
حين وصل أخيرًا، اصطف السيارة باهمالٍ أمام بوابة المشفى، وركض نحو المدخل. كان أسرع من الأبواب المنزلقة إلكترونيًا، فاضطر إلى التوقف عن الركض لبضع لحظاتٍ حتى يتباعد مصراعيّ الباب ليتمكن من الدخول. واصل ركضه على الفور بثيابٍ نصف مبتلّة وشعره بالفعل ملتصقًا بجبينه ومؤخرة رأسه. اتجه مباشرةً إلى مكتب الطوارئ. هناك تجلس موظفة شابة خلف حاسوبها. رفعت عينيها عنه فورًا لتنظر إلى الرجل اللاهث الذي نطق بفزعٍ لا يخلو من الغلظة:
-مراتي فين؟ نظرت إليه بتعبيرٍ متعاطف وهي ترد عليه برفقٍ: -مافيش حالات دخلت الطوارئ إنهاردة غير من خمس دقايق بس. واحدة ست جت في حادثة عربية. حضرتك إللي دفعت الحجز المسبق؟ الحالة تقرب لك؟ صاح "عثمان" بها بوحشيةٍ وقد نفذ كل صبره: -بقـولك مـراااتي. هـي فيــــن؟
لم تؤاخذه الأخيرة بسبب حساسية الموقف، لكنها أيضًا لم ترد في الحال، بل رفعت سمّاعة الهاتف وأجرت اتصالًا عاجلًا لم يستغرق عشر ثوانٍ، ثم أقفلت وعاودت النظر إليه قائلة بلطفٍ: -الدور الأول قسم العمليات قاعة 2!
لم ينتظر "عثمان" تتمّة عبارتها، سجّل عقله الوصفة على الفور، انطلق مهرولًا نحو الدرج، أقرب إليه من المصعد، وأسرع في حالته هو. في غضون ثوانٍ كان أمام القاعة التي دلّته عليها الموظفة. اقترب من الباب المغلق يطلّ عبر النافذة الزجاجية الصغيرة علّه يرى شيئًا، لكن لا شيء سوى معدّات طبية كثيرة، وظلال للأطباء العاملين بالداخل وربما يرى بعضٌ منهم. لكنه لا يلمح أثرًا لزوجته. لا أثر!
لم يجد بدًا من الانتظار، انتظار طويل. هو وحده يجول بساحة الانتظار أمام غرف العمليات والقلق ينهشه. حتى دفع الباب طبيبٌ مسن أخيرًا وبعد ساعةٍ ونصف بالداخل. -دكتور أرجوك طمنّي. مراتي عاملة إيه؟ .. تصاعد هتاف "عثمان" بقلقٍ وهو يسرع نحو الطبيب. خلع الطبيب صدريته وقلنسوته متنهدًا وهو يخاطب الزوج الهلوع:
-أطمن يا بيه. الحالة كانت بسيطة رغم صعوبة الحادث. كانت مجرد رضوض في الصدر وخلع للكتف. إللي قلقني لما شوفت على الأشعة نزيف في الأمعاء. برزت عينيّ "عثمان" وهو يكرر بتوترٍ: -نزيف!! طمأنه الطبيب: -مافيش داعي للقلق. أنا دخلتها عمليات فورًا. الحمدلله خيّطنا جزء من الأمعاء والآن أمورها بخير تمامًا. كمان شوية طاقم التمريض هاينقلها جناح خاص ولما تستعيد وعيها طبعًا تقدر تطمن عليها بنفسك.
زفر "عثمان" بقوة وهو يفرك جبينه، ثم نظر إلى الطبيب مرةً أخرى وشكره بامتنانٍ: -أنا عاجز عن الشكر يا دكتور. الطبيب بابتسامة: -لا شكر على واجب. حمدلله على سلامة المدام. وانسحب تاركًا إيّاه وحده، في انتظار خروج زوجته. تناهى إلى سمعه نقر حذاء يقترب منه، استدار ليجدها سكيرتيرة زوجته، تقبل عليه والدموع ملء عينيها. -مستر عثمان! .. هتفت "رانيا" بصوتٍ باكٍ. توقفت أمامه مغمغمة وهي بالكاد تلتقط أنفاسها:
-أنا كان لازم أرجع بيتي الأول عشان أوصل ابني عند ماما. بس أنا ماسبتش مدام سمر إلا لما جت الإسعاف. وصلت ابني وجيت على هنا علطول. من فضلك طمنّي عليها!!! تحدّث "عثمان" إليها برفقٍ: -ماتقلقيش يا رانيا. الدكتور طمنّي على حالتها. سمر بخير. إن شاء الله هاتفوق ونطمن عليها أكتر. إن شاء الله هانخرج بسرعة من هنا. أومأت "رانيا" مؤيدة كلماته: -إن شاء الله. يارب. يارب..
شعر باهتزاز هاتفه بجيب سترته الآن، فانزوى عن الفتاة الشابة وأخرج هاتفه ليرد أخيرًا على اتصال أمه: -آلو. ماما! -ماما إيه يا عثمان. حرام عليك يابني. سايبني هموت من القلق كده ومش بترد عليا! -أنا آسف. آسف جدًا. بس كنت مشغول بيها. لسا الدكتور مطمنّي. -طمنّي أنا كمان. سمر عملت إيه؟ -الحمدلله مافيش خطورة. حالتها مستقرة ماتقلقيش.
-طيب أنا هاجي لك. مش هقدر أستنى عندي أكتر من كده. ممكن أسيب الولاد مع الدادة. بس الضيفة إللي جات لك دي مش عارفة أتصرف معاها إزاي! وكأنه قد نسي الخبر الذي هبط على رأسه كصاعقةٍ، ذكرته أمه الكارثة التي زارته مساء اليوم. ألا زالت هناك؟ حقًا.. هي مع أمه في هذه اللحظة، ويمكن أن تخبرها ما أخبرته به؟ اللعنة!!! -ماما من فضلك إلبسي وخلّي السواق يجيبك ليا على هنا. فورًا! .. كانت لهجته الآمرة تختلج بالغضب الدفين.
جاء صوت أمه مستغربًا: -أنا كنت فكراك هاتعترض يا عثمان. في حاجة ولا إيه!؟ نفى متمالكًا أعصابه بجهد: -مافيش حاجة يا فريال هانم. أرجوكي أعملي إللي بقولك عليه. وهاتي معاكي الولاد. كلهم. أما الضيفة دي سبيها زي ما هي. أطمن على سمر بس وهاارجع لها. التقطت أذنه الحسّاسة في هذه اللحظة صوت إنفتاح بوابة العمليات، فأنهى المكالمة مع أمه مسرعًا: -يلا يا ماما من فضلك. أعملي إللي قلت عليه حالًا. ولما توصلي كلّميني. مع السلامة!
وأغلق معها. ثم استدار من فوره ليراها، زوجته، إنها تستلقي فوق سريرٍ جرار يسحبه إثنان من طاقم التمريض، بينما يتولّى فرضٌ ثالث حمل كيس المحلول العلاجي فوق رأسها المحاط بالضماد. سارع "عثمان" إليها وهو يطل فوق وجهها بنظراتٍ متلهفة. سار مواكبًا إيّاها تتبعه "رانيا".. بينما يمد يده ماسحًا بكفّه على وجهها المكدوم، ورأسها العاري. إنها بلا حجابٍ الآن، ولكن ليس عليها حرج، لقد نجت للتو من هلاكٍ محتّمل.
يطمئن عليها أولًا.. ثم يُهيئ لها كل ما يلزمها لتعود أفضل مِمّا كانت. ***** توقّعت منه ردًا كهذا، إنه يحاول حماية أمه منها الآن، يريدها أن تبتعد عنها لئلا تفجر القنبلة بوجهها هي الأخرى، ولكنّه لم يكن يعلم بأنها لم تهدف لذلك من البداية. هي لم تأتي لتكشف عن نفسها أمام السيدة "فريال" بالأخص، إنما جاءت لأجله هو، جاءت لتلتقي بأخيها وتعّرفه عليها أخيرًا. -أنا آسفة بس لازم أروح المستشفى لعثمان!
.. قالتها "فريال" وهي تقف ثانيةً أمام الضيفة. كانت في كامل أناقتها ورقيّها، محاطة بثلاثة أطفال ذوي أعمار متفاوتة، تفرك رأسه أوسطهم وهي تقول على عجلة من أمرها: -أنا كلّمته وقالّي إنه هايرجع يكمل كلامه معاكي. لو عندك وقت ممكن تستني هنا لحد ما يرجع لك. سارعت "شمس" قائلة قبل أن تخطو "فريال" خطوة للأمام: -pardon فريال هانم. أنا ممكن أجي معاكي. الواجب بردو أطمن على سمر بنفسي أنا كمان. نظرت لها "فريال" حائرة، لكنها هزت
كتفيها في الأخير وقالت: -أوكي. زي ما تحبي. بس أنا هاخد العربية أنا والولاد بالسواق! رفرفت "شمس" بأهدابها الطويلة المطلية بالماسكرا الفاحمة وقالت باسمة: -أنا معايا عربيتي. هاكون وراكوا بالظبط. *****
كان منهمكًا في مواصلة الإنطلاق إلى الوجهة التي أرسلها له صديقه، بلغ تخوم مدينة الإسكندرية منذ دقائق، وها هو يشق طريقه بالشوارع والمناطق التي يحفظها عن ظهر قلب. لم ينتبه وهو يسير بتركيزٍ ويقترب من هدفه إلى أنه بالفعل جاء إلى هنا من قبل! تلك المنطقة الراقية التي يمر بها، ليست بغريبة عليه، بل إنه ذرعها زيارات وأحيانًا إقامات في ضيافة أقرب أصدقاؤه القدامى. رباه!! -قصر البحيري!
.. تمتم "رامز" عندما استقر بنقطة الموقع المرسل إليه. وترجل من سيارته متطلّعًا بتدقيق إلى البناء المهيب الأبيض. إنه هو، يقسم بأنه هو قصر "البحيري".. هنا يعيش صديقه المقرّب "عثمان البحيري". هذا البيت كله ملكًا له ولعائلته فما شغل "شمس" هنا!؟ -رامز! التفت "رامز" إلى نداء صديقه "وائل". كان ينتظره أمام سيارته ومضى نحوه ما إن رآه. -شمس دخلت البيت ده من حوالي ساعة وأكتر ولسه ماخرجتش! قست ملامح "رامز" وهو يسأله بغلظةٍ:
-محدش دخل أو خرج طول المدة دي؟ -في واحد خرج من شوية. بس شمس لسا جوا! كان "رامز" قد أستلّ هاتفه أثناء حديث الأخير، بدون تفكير وجد رقم "عثمان" وأجرى الإتصال به على الفور واضعًا الهاتف فوق أذنه. أنتظر حتى انقطع الاتصال، لم يرد صديقه، فسحب الهاتف شاتمًا. في نفس اللحظة دفعه "وائل" بكتفه صائحًا: -أهيه شمس أهيه يا رامز!
اندفع ناظريه على الفور صوب النقطة حيث أشار صاحبه، وبالفعل، رآها. رآها وقد تصدّع ما تبقّى من إلتئام قلبه، إنشطر إلى نصفين لحظة احتواء عينيه لوجهها. لم يلاحظ إنها كانت تسير خلف سيارة نقلت السيدة "فريال" ومجموعة من الأطفال. لم يلاحظ سواها. بعد مدة اختفائها، بل هروبها منه، ها هي أخيرًا أمامه، صارت في متناوله. ما عليه إلا أن يمد يده ويأخذها، وهو ما لم يتردد بفعله لحظة اقترابها من سيارتها المصفوفة على مقربة من بوابة قصر "البحيري". هرول ناحيتها بخطواتٍ صمّاء.
وقبل أن تمتد يدها لتفتح باب السيارة، كان قد هجم عليها من الخلف مكممًا فاها الصارخ في الحال بكفّه الغليظ، ومحيطًا خصرها النحيل بذراعه المفتولة العضلات. حملها بهذا الشكل عائدًا إلى سيارته أمام أنظار صديقه المذهولة. لم يجرؤ على التدخل، ولا حتى التفوّه بكلمةٍ واحدة. ***** الآن يمكنها أن تمتثل للشفاء العاجل.
بعد أن كثّف الجهود الطبّية عليها، يأتي الطبيب مرة كل ساعةٍ ليلقي نظرة عليها، بينما هو، زوجها، لا يتركها طرفة عين. يركع بجوارها على الأرض المكسوّة بالموكيت الفاخر. كل شيء هنا بالجناح نظيفٌ ولائق. يداه تصل لشعرها، يداعبها بلطفٍ وعيناه ملآى بالأهتمام. يتأمل صفحة وجهها الجميلة، كم شحبت قليلًا بسبب الحادث، وهناك على جانب جبهتها أثر لكدمة خفيفة. إنها تميل للون الأحمر الآن، لكنها ستكون باللون الأزرق حتمًا بالنظر إلى الغد.
حبيبته المسكينة! كيف نسي كم هي أرق من أن تُخدش؟ إنها تستمد منه القوة على أيّة حال. ما دامت تشعر بقربه فهي قوية تقدر على مواجهة العالم بأسره. كيف يطمئنها بأنه هنا قريبًا منها في هذه اللحظة؟ لا بد إنها في مكانٍ ما داخل عقلها، ولكن هل تشعر به؟ متى تفيق؟ لا يمكنه الصبر أكثر من ذلك، سيفقد عقله إن لم يراها بعينيه تفتح عيناها وتتحدث. حتمًا سيفقد عقله. -فوقي بقى يا سمر! .. قالها "عثمان" هامسًا بوهنٍ قرب أذنه.
ثم خدّها بعمقٍ مستطردًا: -اصحي يا حبيبتي. اصحي ماتجنّنيش! وكأنها بالفعل استجابت لكلمته. شعر بها تتململ أولًا، كانت حركتها ضعيفة للغاية، مرتجفة. ارتد للخلف قليلًا بلحظة ليلقي نظرة على وجهه، راقب ملامحها وهي تتلوّى بألمٍ، ثم يصدر منها أنينًا طويل ينم عن حجم الأوجاع التي لحقت بها. -سمر. حبيبتي. حمدلله على سلامتك يا عمري. حمدلله على سلامتك!
بقي "عثمان" يهدل هكذا بسعادةٍ، لكنها لا تزال مغمضة عينيها، ونطقت أول كلمة في الحال بصوتٍ ملؤه الوجع: -عطشانة! يتوقف عن معاينة وجهها فورًا، ينهض خلال ثانية متجهًا نحو الطاولة القريبة، يصب لها كأسًا من الماء، ثم يعود مسرعًا. ينحني فوقها مادًا يده ليرفع مؤخرة عنقها، ويدفع بيده الأخرى الكأس تجاه فمها وهو يحثّها برفقٍ: -أشربي يا حبيبتي. على مهلك.
لثمت "سمر" حافة الكأس بشفتيها تتلهف لرشف أكبر قدر من المياه، لكنه أصر أن تأخذ على دفعاتٍ، حتى أنهت نصفها، فأبعده عنها قائلًا بحزم.
استدار ليضع الكأس فوق منضدة محاذية، ثم عاود النظر إليها ثانيةً فإذا بها قد فتحت عيناها. ابتسم وهو يرنو إلى بهاء مقلتيها الزمرديتين، ولكن ابتسامته تلاشت تدريجيًا وهو يرى هذا التعبير على وجهها، تعبير واجم، يميل للخوف. وفجأة عيناها المؤثرتان صارتا تتمعنا في وجهه لعدة ثوانٍ قبل أن تفتح فمها المرتعش وهي تقول بلهجة تشبه الاستغاثة: -انت مين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!