الفصل 14 | من 17 فصل

رواية وما ادراك بالعشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم محمد غريب

المشاهدات
23
كلمة
3,611
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

قبل ثمانية وعشرين عامًا… أصاب أعصابه انهيار قاسٍ، منذ ورد ذلك الاتصال بمكتب شركته من حارس العقار الذي يضع به زوجته الثانية، والذي كان مفاده أن زوجته الشابة عثرت عليها امرأة الحارس فاقدة الوعي بشقتها بعد أن تلقت منها استدعاءً عاجلًا. لم تستجب رحمة للطرق على باب الشقة، مما اضطر الحارس في الأخير لكسر الباب والسماح لزوجته بالدخول، لتجدها على هذه الحالة الخطيرة.

لم يعرف الحارس ماذا يصنع سوى أن يهاتف السيد، وبدوره طلب يحيى في إرسال طبيب العائلة إلى شقة الزوجية السرية، بينما يترك كل شيء من يديه وينطلق من فور إلى هناك. "رحمة! " صاح يحيى وهو يلج إلى الشقة عبر الباب ذي القفل المكسور. أخذ يبحث هنا وهناك مثل المجنون، وبرزت أمامه زوجة الحارس فجأة هاتفة: "الست رحمة هنا في أوضتها يا بيه." ونحت جانبًا مبتعدة عن رواق الغرف تمامًا، ليتوجه يحيى إلى حيث أشارت الأخيرة لمكان زوجته.

اقتحم غرفة النوم والمشاعر المتضاربة تعصف به، اختلج قلبه بنبضة زائدة ما إن رآها تجلس فوق السرير، بآخره، تضم ساقيها إلى صدرها وكتفاها يهتزان بينما تدفن وجهها بين مرفقيها. انتفضت لسماع صوته، وضربته الصدمة حين رفعت وجهها وشاهد تعبير هزّه في الصميم، ذعر خالص لم يسبق له رؤيته قط، ولاحظ جلدها الشاحب وشعرها المتشابك، كانت في حالة من الفوضى. "رحمة! " كرر يحيى بصوت أهدأ وهو يخطو للداخل نحوه. لكنها استوقفته مهاجمة بعدائية:

"خليك مكانك.. اوعى.. اوعى تقرب مني.. ماتقربش مني! تسمر يحيى بمكانه ملتزمًا بأمرها المرتعب، نظر في عينيها الحمراوين الملتين، وقميص نومها القطني المجعد، يبدو أنها كانت تعاني لساعات.. ولكن مما؟ لماذا؟ "طيب إهدي بس! " تمتم برفق رافعًا يداه في بادرة مسالمة. وأخذ يقترب صوبها مستطردًا: "مالك؟ إيه اللي حصل؟ أنا آخر مرة ماشي وكنت كويسة. آه كنتي لسا رافضة تتكلمي معايا. بس ماشوفتكيش في الحالة دي!

بات قريبًا جدًا منها الآن، فتوترت أكثر وهي تتطلع إليه كغزال عالقة في شرك وهو الوحش الذي سيفترسها. كتمت شهقتها حين أخفض جسده وجلس قبالتها على طرف السرير، لم يحاول أن يلمسها، حافظ على المسافة بينهما وهو يقول بهدوء: "قوليلي حاسة بإيه؟ أنا كلمت الدكتور وجاي في الطريق! اتسعت عيناها بمزيد من الهلع عندما صرح بذلك، نبتت الدموع من عينيها في هذه اللحظة وهي تقول من بين نحيبها المرير:

"لأ.. لأ.. أنا مش عايزة حاجة منك.. سيبني أمشي من هنا.. سيبني وأنا بوعدك مش هاتشوفني طول عمرك ولا تسمع عني حتى.. لو حصل غير كده اعمل فيا أي حاجة.. سيبني أمشي أبوس إيدك سيبني أمشي! أجفل يحيى مرتبكًا من الحالة التي آلت إليها أمام عينيه، حدق فيها متأثرًا بشدة وهو يقول بلطف محاولًا التقرب إليها:

"رحمة. هدّي نفسك. إيه اللي بتقوليه ده. أنا عملت إيه أساسًا خلاكي توصلي للحالة دي. انتي بقالك فترة بعيدة عني وأنا سايبك براحتك لحد ما تصفي من ناحيتي لوحدك.. ف مالك بجد؟ مالك!؟ "انت هاتقتله! " رددت بصوت مكتوم عندما أمسك بوجهها أخيرًا. مضت ترتعش تحت لمسته بينما يسألها عابسًا بقوة: "إيه؟ بتقولي إيه أنا مش فاهم حاجة! غمرت الدموع وجهها وبللت يداه وهي تعلن بأسى شديد: "أنا حامل!

جمد يحيى من الصدمة.. حقًا… صدمة أعجزته كليًا عن إبداء أي ردة فعل. فقط بقى ينظر إليها ساهمًا بينما تنفعل مجتهة بالبكاء: "أبوس إيدك ماتقولش أنزله. أنا عايزة ابني. انت كنت بتديني حبوب منع الحمل بإيدك. أنا ماخدعتكش وحملت فيه من وراك. ربنا عايز كده. أحلّفك بإيه عشان تسيبلي ابني. أنا مش عايزة غيره. سيبه ليا وأنا مش هالزمك بأي حاجة. هاتطلقني وأنا هاكتبه باسمي. هاخده وهاختفي من حياتك خالص بس ماتحرمنيش منه!

بدا وكأنه لم يكن يستمع لها جيدًا.. كان عقله مشغولًا بالكارثة التي ألقيت عليه. حبلى! زوجته الصغيرة.. رغمًا عن كل الاحتياطات التي اتخذها لعدم وقوع هذا الشيء بالتحديد.. وقع رغم أنفه.. "رحمة" حبلى! "الدكتور وصل يا بيه! انتزعه صوت زوجة الحارس من أفكاره، رفع يديه عن زوجته ونهض على مهل متحاشيًا النظر إليها. التفت نحو زوجة الحارس وقال آمرًا بجمود: "خمس دقايق ودخليه.. وبعدين ممكن تنزلي لو عوزتك هبعت لك."

حنت الأخيرة رأسها باحترام: "أمرك يا بيه." تحرك يحيى على الفور تجاه الخزانة، فتحها ونقب عن لباس مناسب لأجل زوجته حتى تقابل به الطبيب. ثم عاد إليها وأزاح الغطاء من فوق قدميها. "ارفعي إيديكي! " أمرها باقتضاب. أطاعته في الحال ورفعت يديها ليلبسها ثوبًا أكثر احتشامًا من خلال رأسها. سواه فوق جسمها جيدًا، وبسط الغطاء فوقها ثانيةً. ثم ذهب بنفسه ليحضر الطبيب من الخارج.

لحظات ورأته "رحمة" عائدًا برفقة رجل في متوسط العمر، سمح المحيا. ألقى عليها التحية في البداية فلم ترد، ليقول وهو يفتح حقيبته ويشرع بسحب جهاز قياس الضغط أولًا: "قوليلي يا مدام في حاجة معينة بتشتكي منها في الفترة الأخيرة؟ رمشت "رحمة" بتوتر وهي تمد ذراعها إتباعًا لتعليمات الطبيب وقالت بجفاف: "بقالي كام يوم همدانة.. بنام فجأة في أي وقت أو بيغم عليا.. ماعرفش.. وماليش نفس للأكل!

وصمتت قبل أن تخبره بأنها أرسلت في شراء اختبارًا للحمل مع زوجة الحارس، وإن الاختبار أسفر عن نتيجة إيجابية حتى في المرة العاشرة التي كررته فيها. تطلعت إلى زوجها فقط بينما يقيس الطبيب ضغط دمها. "ضغطك واطي جدًا! " تمتم الطبيب عابسًا. "أكيد ده من قلة الأكل.. ريحي من فضلك عشان أكشف عليكي." نظرت "رحمة" إلى "يحيى" وهي لا تعرف كيف تتصرف. ليقبل عليها دون أن يتفوه معها بكلمة، يدفعها بكتفيها حتى استلقت فوق ظهرها.

يرفع لها الثوب حتى صدرها وهو يغطيها من الأسفل بالدثار، كشف فقط عن المنطقة التي أراد الطبيب أن يفحص من خلالها. وجه الأخير سماعته الطبية إلى أسفل منطقة البطن المكشوفة أمامه ليتأكد من شك معين. تذبذبت "رحمة" من برودة القطعة المعدنية ولم تشعر بالراحة أبدًا في هذا الوضع. شعرت بالدموع تفيض من عينيها لا إراديًا فلم تعبأ بمداراتها، إذ علمت مصيرها سلفًا، من سكوته أيقنت بأنها خاسرة لا محالة، وإنه سيجبرها على التضحية بجنينها.

بالطبع لن يسمح لها بحمل طفلًا منه. من هي لتنجب له أولاد؟ إنها مجرد فتاة فقيرة جاهلة.. مهما فعلت لن ترقى لمستواه المادي أو الاجتماعي.. خاسرة بكل المقاييس. "مبروك يا يحيى بيه المدام حامل! " قالها الطبيب بإشراق ما إن قبض على النبض الطفيف للجنين برحم أمه. هال "رحمة" أن تستمع إلى تأكيد الخبر، مما جعل داخلها ينهار أكثر وتبدأ بالبكاء بصوت عالٍ الآن، لم تعد قادرة على كتم بؤسها ومعاناتها عند هذا الحد.

ارتبك الطبيب لاستشعاره ذلك التوتر الشديد بالأجواء من حوله، بدأ يجمع أدواته في الحال. وغامر بإلقاء تهنئة على "رحمة".. لكنها أبدًا لم ترد. ليسارع "يحيى" باصطحاب صديقه الطبيب للخارج وهو يتحدث إليه بشأن حالة زوجته الصحية. تركها وحيدة لبضعة دقائق لم تنقطع خلالها عن البكاء ولا لحظة واحدة. شعرت بالمرتبة تنخفض بجوارها حيث كانت تدفن وجهها في الوسادة لتكتم صوت عويلها الطفولي. انتفضت حين شعرت بلمسة يده على

ظهرها يعقبها صوته القوي: "رحمة.. بطلي عياط.. من فضلك بطلي عياط عشان تعرفي تسمعيني! كلماته لم تفعل شيئًا سوى أن زادت في بكائها، فتأفف بسأم ومد يداه ليقلبها نحوه. شدها من رسغيها لتجلس أمامه، ثم لف ذراعيه حولها وضمه إليها، جعلها ذلك تبكي أكثر. أمضى "يحيى" الدقائق التالية على هذا النحو، صامتًا يحاول تهدئتها بينما تفرغ ما في صدرها على صدره هو لدرجة أن قميصه تبلل بشدة من قطرات دموعها. "خلاص خلصتي؟ لازم نتكلم يا رحمة."

كان يضم وجهها في صدره، أحس برغبتها الحثيثة بالابتعاد عنه، فلم يستبقها رغماً عنها. أفلتها ببطء، لتتراجع عنه وقد كفت تمامًا عن البكاء. نظرت له بأعين حمراء منتفخة وقالت بلهجة متصلبة:

"أنا هاعمل إللي انت عايزه.. هانزل الحمل.. بس بعدها كل واحد فينا في طريق.. أنا مستحيل أكمل معاك وانت على إيدك دم ابني لو هاتموتني مش هاعيش معاك ثانية بعدها.. أنا موافقة نعملها وفي أسرع وقت.. بعدين مش عايزة أسمع منك غير كلمة الطلاق.. وبس.. مش عايزة منك أي حاجة.. الطلاق وبس! "هاتقولي حاجة تاني ولا خلاص كده؟ " تساءل "يحيى" بفتور. نظرت له بعداء ولم تعلق، فتنهد قائلًا: "مين قال إني عايزك تنزلي الحمل يا رحمة؟

أنا آه ماكنتش عايزك تحملي. بس خلاص حصل.. وأنا استحالة أفرط في حتة مني." حدقت فيه مفغرة فاها الآن، اتسمت تعابير وجهه بالجدية وهو يتابع: "إللي في بطنك ده مش ابنك لوحدك. ده ابني أنا كمان. وأنا أقدر أتحمل مسؤوليته من وهو لسا في بطنك لحد ما يخرج للدنيا ويكبر كمان." أجفلت "رحمة" وهي تقول بتلعثم: "بس.. بس. انت قلت مش عايز أولاد تاني. مش عايز ابن يشارك ابنك ويقسم معاه ورثه! "صلبي! " قالها "يحيى" بحزم،

وأكمل بنفس اللهجة الشديدة: "لو جه ولد الاتنين هايبقوا صلبي.. الاتنين ولادي. خلاص بقى أمر واقع. زي ما قولتي يا رحمة.. ربنا عايز كده." هزت رأسها مرددة: "أنا مش مصدقة! ابتسم بانهزام واضح وقال: "لأ صدقي.. أنا مش هافرت في ابني إللي منك مهما حصل.. لو كنت أعرف إن جوازي منك نتيجته حمل ماكنتش اتجوزتك. وكل احتياطاتي فشلت للأسف.. ورغم كل ده أنا متمسك بالطفل ده.. سواء ولد أو بنت. مافيش حاجة وحشة ممكن تمسهم طول ما أنا عايش."

ألمتها صراحته بشأن شرط زواجه منها، ما أكد لها أن هذا الزواج يقام على غرض واحد فقط هي تعرفه جيدًا، ولكن هناك شيء يهمها أكثر الآن، وأحست بأن وعده بالإبقاء على الجنين كافيًا لها بل ويفيض. لم تعد تريد شيئ بعد الآن.. تريد عائلتها.. عائلتها الخاصة فقط. *** الوقت الحاضر. لم تتحسن حالته المزاجية حتى بخروج والدته وأخته من غرفة عمه.

صحيح هدأت ثورة السيدة فريال وتركت صفيّة تصطحبها إلى جناحها في هدوء، لكنه حتى اللحظة لم يستطع نسيان وجهها وأثناء مرورها أمامه. إن لم يكن مخطئًا، وإن كان يعرف أمه ويحفظها كما يظن، فإنها تمر بوقت عصيب، بل هي مكروبة بشدة، والأمر يتخطى ما اقترفه أبيه بحقها. أنّى له أن يعرف الحقيقة إذن؟ يحتاج أن يعرفها بشكل عاجل.. وإلا سيتعثر عليه المضي بحياته وهو يرى أمه تسوء حالتها على هذا النحو يومًا بعد يوم.

لا شيء أهم من أمه.. هي الأولوية بحياته.. وإن كانت تعرف هذا سيتوجب عليها طمأنته أو التحدث إليه. كيف يجعلها تفعل ذلك الآن؟ هو بحاجة ماسة لهذا أو سيفقد عقله. "أنا هامشي! التقطت أذنه صوتها، حيث كان يقف يحدق من خلف زجاج نافذة مكتبه الشفافة. قطرات الندى تترك آثارًا تدعو للتأمل هناك، ربما شتت عقله قليلًا، حتى التمس وجودها. استدار ليواجهها عابس الوجه، رآها تقف عند أعتاب الباب المزدوج، وقد ارتدت معطفها تحضرًا للرحيل.

"هاتخرجي في البرد ده؟ " دمدم عثمان بلهجة حادة، وتابع: "خليكي هنا الليلة دي. في نوّة برا والمطرة لسا هاتشد. الطريق مش أمان." أخذت سمر تفرك كفيها متمتمة بشيء من التوتر: "ما انت قلت هاتخلي السواق يوصلني.. أنا هاجي تاني بكرة وهاقضي النهار كله مع الولاد. بكرة اجازتهم وأنا وعدت فريدة." تأفف عثمان بنفاذ صبر وقال بعصبية طفيفة:

"سمر.. أنا آخر حاجة عايزها دلوقتي إني أضايقك. اسمعي الكلام. هنا بيتك بردو. وبصراحة أنا مش هاضم بياتك لوحدك في البيت القديم. الحارة دي سمعتها مابقتش تمام زي الأول أصلًا." شعرت بالمأزق الذي تعمد أن يضعها به، ولكنها فكرت بسرعة لتخرج منه، فقالت بلهجة حيادية عساها تخدعه: "خلاص هاروح عند فادي!

كانت تتجنب النظر إليه مباشرةً، ولكنها لمحت شيئًا بطرف عينها، كان يغلي من الغضب حرفيًا، بدا ذلك على اهتزازات جسده والاحمرار الذي طفى على سطح بشرته البرونزية.

لهثت الآن حين تنبهت لخطواته السريعة نحوها، لتكون أمامه خلال ثوانٍ قليلة، حمدت الله إنه لم يمد يده إليها ولم يحاول لمسها بأي شكل، فهذا الرجل الذي بالكاد تعرفت عليه لديها انطباع عنه لا يمكن أن تنساه، تهوره وتصميمه، هذا الرجل يفعل حقًا ما يريد، ولا يلين إلا بإرادة منه فقط. "يعني بيت فادي ولا بيت جوزك؟ " سألها عثمان من بين أسنانه المطبقة بشدة.

يجب أن تمنع نفسها من الرمش الآن حتى يستشف منها خوفًا، وبجهد يحسب لها سيطرت على أعصابها المهزوزة بشدة ونظرت إليه، في عينيه مباشرةً وهي تقول بثبات واهٍ: "أكيد انت مش ناسي.. لما جيتلي البيت القديم واتكلمنا واتفقنا.. ده كان اتفاقنا... "اتفاقنا! " قاطعها بسبة نابية أجحظت عيناها من الصدمة. ليخطو نحوها خطوة أكبر فلا يبقى بينهما سوى سنتيمترات قليلة، ثم يقول بحدة:

"انتي مش هاتخرجي من هنا. وتنسي خالص إن ليكي بيت تاني غير البيت ده. أخوكي مهاودك عشان القصة كلها على هواه. الشيء الوحيد اللي يهمه في كل ده إنه يضايقني أنا بالذات مش بيساندك زي ما انتي فاكرة. هو ده أخوكي فادي. أناني مابيفكرش إلا في نفسه. حتى لو أنا المقصود من وجهة نظره مش شايف ولادك المحرومين منك. لسا قلبه أسود وشايل ومش هايتغير!!

عبست مستغربة ما يقوله.. لم تفهم على وجه التحديد ماذا يقصد ولماذا قد يكن له أخيها أي بغضاء! لكنها ردت عليه متخطية المهم لأجل الأهم: "لازم تقدر إني حقيقي متلخبطة.. أنا مش مستوعبة لسا أي حاجة! بدا جليًا لها كم المجهود الذي يبذله حتى لا يفقد أعصابه، مسح عثمان على وجهه متمتمًا شيئًا لم تسمعه، ثم عاود النظر إليها وقال بعد برهة بصوت هادئ:

"سمر.. هاتيلي ألف دكتور. بردو مش هاقتنع إنك نسيتيني.. انتي استحالة تنسيني. كل اللي عيشناه لا يمكن يتنسي. انتي مراتي. خلفتي مني مرتين. قصاد الناس كلها انتي مراتي. كل حاجة تشهد. بصي في وشوش عيالك. بصي في عينيا أنا.. بصي على صورنا في كل مكان حواليكي! وأشار لها على طول ذراعه، إلى مجموعة من الصور المؤطرة موزعة بإتقان على جدران غرفة المكتب، وفوق المكتب نفسه إطار يجمعه بعائلته الصغيرة مع زوجته وشقيقتها الصغرى.

حملقت "سمر" في الصور وهي تشعر بمزيد من التخبط، ثم نظرت إليه عاجزة عن الرد. ليقول بصرامة: "آخر كلامي.. مافيش خروج من البيت ده. انتي هاتقعدي هنا في بيتك معايا ومع ولادك. وها تنامي في سريرك. جنبي! ليست لديها فكرة كيف لم تحاول الهرب من أمامه حتى الآن، ولكنها بقيت راسخة بمكانها وهي ترد عليه بغضب وقد أثار حفيظتها: "انت ماتقدرش تجبرني على كده.. ولا تقدر تحبسني في بيتك غصب عني أنا مش هاسمحلَك!

ضحك فجأة فأجفلها، ضحكة قصيرة عدلت مزاجه السوداوي، ثم قال ببروده الشهير: "مبدئيًا أنا أقدر أجبرك تعملي أي حاجة أنا عايزها. بس ده مش أسلوبي وانتِ عارفة. معاكي انتي بالأخص بحس بمتعة ماتتوصفش وانتِ بتعملي إللي أنا عايزه بإرادتك حتى لو مش على مزاجك.. تاني حاجة بقى أنا مش هاحبسك. إطلاقًا. بس هاخيّرك." قطبت في تساؤل دون أن تتكلم، فأردف متنهدًا:

"قدامك حل من الاتنين تشوفي إيه فيهم هايريحك أكتر. الأول إنك تعقلي كده وتوافقي ترجعي لبيتك وولادك وتعيشي معانا زي ما كنتي معززة مكرمة.. الثاني إنك تخرجي وترجعي للحارة والبيت القديم تاني وتعيشي على راحتك. بس قسمًا عظمًا يا سمر. لو رجليكي خطت برا عتبة البيت ده الليلة دي أو قررتي ترجعي البيت القديم في أي وقت من الأوقات. ساعتها لا هاتبقي مراتي. ولا هايبقى ليكي عندي عيال. حتى ملك أنا ضامنها مليون في المية. هي كمان لو وقفتي على شعر راسك مش هاتعرفي تاخديها مني. لا دلوقتي.. ولا حتى لو رجعت لك الذاكرة… القرار ليكي!

ورماها بنظرة فوقية، ثم مر من جوارها إلى خارج المكتب، لكنه توقف قبل أن يبلغ العتبة تمامًا وأدار نصف جسده فقط ناحيتها قائلًا: "أنا طالع أريح في أوضتي. أوضتنا.. في حالة قررتي تقعدي وناسية مكانها اسألي حد من الخدم وهايدلّك.. بالإذن يا بيبي! وتركها وذهب. ذهب حقًا.. بهذه البساطة تشعر بأنها مجردة من أي دفاعات ضده. مرة أخرى لا تعرف كيف.. عزلاء!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...