قبل ثماني وعشرين عامًا…
كانت رحلة شهر العسل عسل فعلًا، كانت أجمل حلم، بل واقع عاشته على الإطلاق، لحظات من الحميمية والرومانسية لا تقدر بثمن. لم تشعر “رحمة” بهذا الاكتمال من قبل، لقد تزوجت من “يحيى البحيري” وهو رجل ثلاثيني يكبرها بستة عشر عامًا على الأقل، لكنها لا ترى أي عوائق ملموسة تحول بينهما، بل العكس. إن زوجها رجل مثالي حقًا، راقٍ، لبق، لطيف. ولكن، هو أيضًا نقيض كل هذا تمامًا بالفراش. أثناء ممارسة الحب، يصير أبعد ما يكون عن التحضر الذي
يبدو عليه. ولكنها تحب هذه شراسته، طريقته البدائية في التعبير عن مشاعره، حماسته التي لا تتحملها أحيانًا. باختصار، هو لم يكن يمارس الحب، بل إنه يتبع غريزته فقط، هكذا قولًا واحدًا. رغم هذا، لا يمكن أن تنكر عليه خبرته في إستمالتها وجعلها طوع بنانه بمنتهى السهولة، كأنه أستاذ يعرف أسرار جسمها، وهي مجرد تلميذة عديمة الخبرة. ولكنها تتعلم بسرعة وتتجاوب معه. لقد بدأت خيوط غرامه تلف قلبها بالفعل.
وكنت تعي جيدًا بأن كل ما تشعر به معه بمثابة مخدّر مآله إلى زوال، وسيُسحب قريبًا بساط السعادة من تحت قدميها، فماذا لو ملّ منها؟ إنه لم يقل قط بأنه يحبها، أو أنه يخطط على الأقل لذلك، وهذا يؤلم جدًا.
عادت “رحمة” إلى أرض الوطن برفقة زوجها، بعد شهر بالتمام والكمال كما وعدها، وأجبرته بحيلتها الأنثوية المجدية بأن يقضي معها الليلة أيضًا، ثم يذهب غدًا إلى بيته، عند زوجته الأولى وولديه. جهزت له عشاءً شهيًا، أصناف من المأكولات التي يفضلها، والأهم، أعدت له نفسها كما يحب بالضبط. -بجد أنا عمري ما دوقت أكل أحلى من اللي بتعمليه. تسلم إيدك! قالها “يحيى” مبديًا إعجابه وهو يلتقم شوكته مجددًا ويتذوق باستمتاع.
تُسند “رحمة” مرفقيها فوق المائدة مريحة ذقنها إليهما، ترمقه بنظرات والهة وهي تقول مبتسمة: -على أساس إنك بتاكل الأكل كله.. انت بتخلّص طبقك بالعافية. أنا كنت بشوف بابا يبفرم السفرة كلها كده!! رفع “يحيى” رأسه وقهقه بانطلاق، فابتهجت وهي تراقبه يضحك من قلبه بهذا الشكل، بينما يهدأ تدريجيًا لينظر لها قائلًا بذات المرح: -طيب بذمتك ينفع تقارنيني بجابر؟ الجسم اللي قدامك ده زي جسم المرحوم؟! احمرّ خدّاها وهي ترنو
إليه بانجذاب مرددة برقة: -لأ طبعًا.. انت مافيش حد زيك.. أنا عمري ما شفت راجل في وسامتك وأناقتك.. ذوقك كمان حلو في كل حاجة… انت كلك حلو! لم تتحمل اعترافاتها وأخفضت رأسها من شدة الخجل، فتساقط شعرها الحريري فوق وجهها، بينما أُخذ “يحيى” بكلامها، رغم إنه سمع مغازلات كثيرًا ومن أجمل النساء خلال سنوات حياته، لكن سماع الإطراء عليه منها هي يختلف تمامًا. تلك الفتاة الصغيرة لا تملك أدنى فكرة عما تفعله به.
يمد “يحيى” يده ليرفع ذقنها ويجعلها تنظر إليه مجددًا، لكنها تأبى، فيقول بخفوت مبتسمًا: -انتي شايفاني حلو؟ أومأت له ولا تزال مسبلة عينيها، ليبتسم أكثر قائلًا: -طيب مخبيّة عنيكي مني ليه؟ بصيلي! امتثلت “رحمة” لأمره، رفعت بصرها إليه، فآسرتها نظرته الملائكية، بينما يستطرد وقد احتضن جانب وجهها بكفّه الدافئ: -انتي بقى ماتعرفيش أنا شايفك إزاي.. كلمة جميلة مش هاتوصل للوصف اللي أنا عايزه… انتي لسا بتتكسفي مني؟
لم ترد عليه لأنها كانت كذلك بالفعل في هذه اللحظة، فتابع وهو يتراجع بالكرسي الذي يجلس فوقه بضع بوصات: -تعالي! قامت من مكانها مذعنة إليه، بينما يمسك بيدها الآن ولا يزال يجلس، يشدّها صوبه وهي تطيع إرشاداته الصامتة، حتى وجدت نفسها تجلس فوق قدمه، هكذا بقميصها الأسود القصير، وهو في بيجامته الناعمة ذات اللون النبيذي محلولة الأزرار. -قوليلي يا رحمة.. كنتي مرتبطة بحد قبل ما تشوفيني؟ أجفلت من سؤاله، لكنها جاوبت ببلاهة
اتضح الصدق منها على الفور: -لأ.. أبويا قعدني من المدرسة لما خلصت إعدادي.. مالحقتش أفكر في أي حاجة!! غادرت الإبتسامة ثغره الآن وهو يستجوبها بجدية وترتها: -لو مكانش قعدك. كنتي فكرتي يعني؟ هزت رأسها ببطء للجانبين وجاوبته بهدوء:
-أنا كنت هاتخطب مرتين قبل كده.. أبويا كان موافق. بس أنا كنت عاندة ومش عايزة. مع إن اللي طلبوني كانوا جاهزين واللي حواليا غلطوني ولاموني.. بس بردو ماهمنيش.. مافيش حد قابلته ملا عيني وحسيت إني بجد عايزاه… لحد ما شوفتك انت!! بمجرد أن قالت هذا، رن جرس الإنذار بداخلها، تغمض عينيها بقوة وتخفي وجهها بيديها، لا تصدق بأنها اعترفت بذلك أمامه بصوت عالٍ!!!
تشعر به في اللحظة التالية وهو يحاول نزع يديها عن وجهها، تفتحهما بصورة عرضية، لتجده يمرر عينيه على وجهه ويبتسم حتى بانت غمّازاته. -يعني أنا الوحيد اللي مليت عينك؟ يسألها بنعومة. تعض “رحمة” على شفتها بقوة وتحاول الإشاحة عنه بنظرها، لكنه لا يسمح لها، يضحك بقوة وهو يقبض بأصابعه على فكّها، يجبرها على النظر إليه وهو يقول بصوت أجش: -تعرفي لو كنتي قولتي غير كده.. كان هايبقى لك عقاب. عقاب قاسي أوي!
كان وجهها قريبًا من وجهه كثيرًا، وأحسّت بأنفاسه تلامس شفتيها مثلما تفعل أصابعه أحيانًا. يده الأخرى تلتف حول خاصرتها وتضغط حولها بشدة، تحاول ألا ترتجف من تأثير لمسته، بينما يتواصل معها بالعين وترى في نظراته شهوة لا يمكن إخطاؤها. -أخدتي الحباية؟ سألها هامسًا بحدة فوق بشرتها. لتنطفئ كل حماستها إليه في طرفة عين. يشعر بتصلبها بين يديه، فينظر إلى وجهها نظرة متسائلة، يمتد الصمت بينهما للحظات، ثم تقول “رحمة” بجفاء مقتضب:
-آه.. أخدتها! أخذ يداعب كتفها العاري بلطف وهو يقول: -طيب ومالك زعلانة ليه؟ احنا مش اتكلمنا في الموضوع ده. واتفقنا على الشروط كلها يا رحمة! زفرت “رحمة” بسأم وقامت بحركة نزقة من حجره وهي تقول بعصبية: -خلاص. مش لازم تفكرني بغبائي كل شوية.. خليني ناسية أحسن عشان كل ما بفتكر ببقى عايزة أخنق نفسي!!
واستدارت متجهة إلى الرواق المؤدي للغرف، شعرت بخطواته الصماء تتبعها، وشهقت فور تخطيها عتبة باب غرفة النوم، عندما أحاطت قبضته معصمها بقوة، يشدّها مثل دمية ليسند ظهرها إلى الباب ويحاصرها هناك بجسده الضخم. تنظر إليه باضطراب، ترى ذلك التعبير الجاد على وجهه الذي رأته من قبل بأول يوم من شهر العسل، لم يعجبها وقتذاك، ولا يعجبها الآن. -انتي هاترجعي تنكدي علينا تاني يا رحمة! غمغم بصوت خفيض، وتابع بنفاذ صبر:
-أنا مش كل شوية هاعيد كلامي في الموضوع ده. المفروض إنك واحدة ناضجة وبتفهمي الكلمة من أول مرة. ليه مصممة تضايقيني!؟ شعرت بالدموع تنبت في عينيها، بينما تهتزت نبرات صوتها تحت وطأة عاطفة لم تقوى على قمعها وهي تخبره: -مش قادرة أصدق إني مش هبقى أم.. أنا مش عارفة إزاي طاوعتك.. وانت لحد دلوقتي ماقولتليش سبب مقنع. لو سمحت أنا من حقي أعرف السبب الحقيقي.. ريحني وقولّي!!
يرمقها لثوانٍ كأنما يفكر في طريقة لإنهاء الجدال، لكنه غيّر رأيه الآن وهو يشيح بوجهه عنها ويتنهد ممررًا أصابعه ببطء خلال خصيلات شعره متوسطة الطول، اختفت قبضته التي أمسكت بمعصمها، بينما يعاود النظر إليها ويفصح لها أخيرًا بهدوء:
-بعد ما اتجوزت مراتي فريال المهدي. وخلّفت منها في العلن ابني وبنتي.. بعد موت أبويا أنا ورثت شغله وأكبر حصة في ممتلكات عيلتي باسمي بعد ما اشتريت أغلبها من أخويا. بقى معروف مين اللي هايورث أصول العيلة اللي أنا كملتها. ابني عثمان هيكمل من بعدي.. مقدرش أجيب له وريث تاني حتى مش هايكون شقيقه يقسم معاه!! عقدت “رحمة” حاجبيها بشدة معلّقة على كلماته باستنكار شديد: -انت مفكر إني عايزة أخلف منك عشان طمعانة فيك؟ أنا آ…
-الموضوع مش كده! قاطعها بغلظة، وأردف محتدًا وهو يشير بسبابته:
-انتي مش فاهمة الحياة في مجتمعنا ماشية إزاي. الورث ده مش مجرد وسيلة للرفاهية وإننا نعيش حياتنا بنصرف فلوس بس وأي حاجة تخطر على بالنا نعملها.. أيوة ده بيحصل بس مش بيكون الهدف الأساسي.. الورث بيكون واجهة في المقام الأول.. قيمة الفرد عندنا بتتقاس بحجم اللي بيملكه. دي صلاحية أنا مش ناوي أسحبها من عثمان.. مش هاكرر غلطة أبويا لما وزّع التركة عليا أنا وأخويا في حياته وكانت النتيجة استهتار رفعت وإهداره لجزء كبير من ثروة
العيلة. لو ماكنتش وقفت له في الوقت المناسب واشتريت منه نصيبه كان اسم عيلة البحيري ده زمانه نزل في الحضيض من بدري أوي.. أنا بربي ابني على المسؤولية من دلوقتي. لسا في المدرسة ورغم كده بنزله معايا يتعرف على مكانه في الشركة وبحضره كويس لليوم اللي هايستلم فيه كل حاجة والأهم.. بعرفه إن دوره يزوّد على اللي هاياخده مش ينقّص. ف انتي بتطلبي مني أخلف بوعدي لابني. غير إني هاطلع في نظره أب خاين لأنه مش هايفهم ظروف جوازنا مهما
شرحت له.. صورتي هاتتحرق في نظره للأبد!!
-وإيه هي ظروف جوازنا يا يحيى؟ ارتد وجهه مجفلًا لسؤالها، لتستطرد مقتربة منه بإلحاح: -اشرح لي أنا على الأقل.. أنا لسا ماعرفش لحد اللحظة دي انت اتجوزتني ليه أصلًا.. ممكن أكون عجبتك مثلًا.. بس خليني أسألك السؤال المهم.. مهم بالنسبة لي أكتر… انت حبتني!؟ كزّ “يحيى” على أسنانه ورد عليها بتحفظ صلب: -أنا شوفتك مرتين قبل الجواز. وقضيت معاكي شهر بعد الجواز.. شهر واحد.. سؤالك مش منطقي يا رحمة ومالوش إجابة عندي.
إنه مُخطئ.. لقد جاوب بالفعل! ونفذ سهم الألم إلى قلبها، فكرة أن ما تشعر به تجاهه ليس مهمًا أو حقيقيًا بالنسبة له تؤلمها، تؤلم كل عِرق ينبض بجسدها، في رأسها، في قلبها، في أحشائها، في روحها. كانت تظن بأنها قادرة على الوصول إلى قلبه بأنوثتها، بدهائها، إن لم يكن بخفة ظلّها.. الآن أدركت مدى سذاجتها. -يعني مش مش بتحبني؟ رددت “رحمة” السؤال وكأنها تقرر افتراضًا.
عبس “يحيى” وضاق صدره عندما أطلّت الدموع من عينيها ونزلت على خديها، فتحت فاها تلقي عليه سؤالًا آخر يائس: -ولا حتى في أمل.. إنك تحبني في يوم من الأيام؟ أطبق فمه بشدة، يرفض الإجابة وفي نفس الوقت يجهل الطريقة التي يسكتها بها، لتكمل هي ببؤس متزايد: -أصل أنا.. بدأت أتعود عليك.. أصلي خايفة التعوّد ده يقلب معايا بحب… أنا خايفة أوي!!!
أفلت نشيجًا حارًا من بين شفتيها، لتجهش بالبكاء وهي تستند إلى الجدار خلفها، تكره ضعفها الذي يتغلب عليها عندما يكون الأمر متعلقًا به. أحسّت بيداه تمسكان به فجأة، وأبصرت من خلال دموعها صورته مشوّشة وهو يقترب منها نافثًا أنفاس لاهبة وهو يهمس لها بخشونة: -أنا جوايا مشاعر ليكي.. مابعرفش أعبّر عنها إلا بطريقة واحدة بس! وعلى الأقل لم يكذب في هذه، وعرفَت “رحمة” الليلة ما هي بالنسبة إليه.
حين دنا بفمه من فمها وقبّلها بشدة، أغمضت عينيها وسمحت له أن يفعل ما يريد، الحقيقة إنها كانت بحاجة ماسة لتشعر بأنه ملكًا لها بأي طريقة، لترى كم هي يائسة حقًا، طفت مشاعرها كلها على السطح، هي التي لم تعتد كبت أي شيء تشعر به، وهي تجذبه إليها، وهي تمرر يديها في شعره، وهي تتذوقه وتشعر بأنفاسه تختلط بأنفاسها، لم يتركها الليلة إلا وقد أخذ كل ما حدث لها من خوف وأذى وألقاه بعيدًا، ولكن هذا لن يدوم.. صحيح؟
جرعة الحب هذه وهمية، لحظية، عندما فتحت عينيها في وقت لاحق، كان الغسق بالكاد قد بزغ، فورًا مرت يدها على الناحية الأخرى من السرير، لكنها كانت فارغة! انتفض قلبها في صدرها، جلست في الحال وهي تنظر حولها، وجمدت للحظة عندما رأته يقف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه الناصع، حيث بدا وكأنه يتجهز ليغادر. -أنا آسف على الدوشة! نظرت انعكاسه بالمرآة، وقد كان ينظر إليها بدوره مبتسمًا وهو يستطرد بصوته الهادئ:
-حاولت أتحرك بهدوء على قد ما أقدر عشان ماصحكيش.. كملي نوم أنا مش مطول. -رايح فين؟ سألته بشحوب وهي تتشبث بالملاءة حول جسمها. التقط “يحيى” ربطة عنقه وموضعها حول ياقته ليعقدها وهو يرد عليها باقتضاب: -في البيت عارفين إني المفروض أرجع النهاردة بعد الفجر. تحديدًا دلوقتي لازم أكون نزلت من الطيارة.. يدوب مسافة السكة أكون عندهم. ابتلعت ريقها الجاف بتوتر وهي تقول بلا تفكير: -هاتسيبني لوحدي!؟
سحب سترته من المشجب القريب وارتداها بسهولة وهو يستدير ماضيًا نحوها، جلس قبالتها على طرف السرير، لوهلة أنعشتها رائحته التي هي مزيج من النعناع ومستخلصات خشب الغار والخزامى، طمأنتها طلّته الآسرة أيضًا وأحبت تصفيفة شعره المعتادة، وبقيت مصغية إليه وهو يقول مادًا يده ليحوي وجهها بلمسة حانية: -انتي عارفة من إمبارح إني لازم أرجع عشان أشوف عيلتي. وكمان أنا أخدت إجازة كبيرة. في شغل كتير مستني. مش هقدر أتأخر أكتر من كده.
أسندت خدها الآن إلى كفه تستمد منه الدفء قدر استطاعتها وهي تقول عابسة: -أنا هاعمل إيه وأنت مش موجود؟ لازم أعمل إيه وأنا لوحدي!!؟ ابتسم بخفة مدركًا مقصدها، وقال برفق:
-أنا مش هاغيب عنك كتير.. يومين تلاتة بالكتير وهاتلاقيني هنا عندك.. وبعدين أنا سايبك هنا وأنا مطمن عليكي. مافيش حاجة ناقصاكي. حارس العمارة موصيه يبعت لك مراته كل يوم الصبح تشوف طلباتك. وكمان معاكي أرقامي. لو احتاجتي أي حاجة. أو لو في حاجة حصلت هاتكلميني وهكون عندك فورًا.. ماتخافيش يا رحمة. أنا جنبك وقريب منك علطول. وقطع المسافة بينهما مائلًا تجاهها ليمنحها قبلات سريعة على شفتيها، ثم ينهض على عجالة قائلًا:
-يلا أنا هانزل دلوقتي.. خدي بالك من نفسك.. وما تخافيش من أي حاجة انتي في آمن وأهدى مكان في الإسكندرية كلها. هنا مش زي كرموز! وألقى عليها نظرة لطيفة أخيرة.. ثم استدار جارًا حقيبة السفر خاصتها ورائه وغادر!! لقد غادر حقًا، وقع خطواته اختفى، صارت بمفردها وقد تركها مع المزيد من الحيرة والقلق، جاهلة ماذا تصنع حقًا في غيابه.. وعاجزة حتى على العودة للنوم. ***
واتته الأخبار أولًا بأول منذ ليلة الأمس، لقد وصل شقيق زوجته ومعه ابنة عمه إلى الوطن في ساعة متأخرة من الليل، ورغم إنه قد عرض عليهما النزول في ضيافته هنا بقصر العائلة، إلا إن “فادي” أبدى رفضه وأصر على المكوث بشقته الفاخرة التي جهزها قبيل هجرته للمرة الثانية.
لم يعبأ “عثمان” كثيرًا لتعنت صهره، واتفقا أن يذهب “فادي” في الصباح لرؤية أخته بالمشفى بينما يبقى “عثمان” بالمنزل ليمنحهما مساحة كافية على انفراد، وقد كانت فرصة مناسبة لكي يقضي بعض الوقت مع صغاره الذين يفتقدون الأب والأم معًا.
استيقظ “عثمان” باكرًا صبيحة عطلة الصغار، جمعهم بحديقة القصر حول طاولة قام بإعطاء أوامره لتجهيزها بأطيب وأزكى أنواع الحلوى المفضلة لكل منهم، جلست الصغيرة “فريدة” في حجر أبيها، بينما يطعمها بيده قطعة من كعكة الشوكولاتة التي تحبها كثيرًا. -أنا بقول كفاية سكريات بقى ولا إيه! اقترح “عثمان” ممرًا ناظريه على وجوه صغاره الثلاثة. ابتسم وهو يرى الحلوى تلطخ أفواههم وكأنهم عادوا أطفال.
-لأ يا بابي بليز أنا لسا ما أكلتش من الدوناتس ده!! صرخت “فريدة” معترضة. نظر إليها “عثمان” متأملًا في لون بؤبؤ عينيها الواسعين، حيث جمعت الطفلة ألوان عيون كلًا من جدها “يحيى البحيري” الرماديتين، وعيون أمها “سمر” الخضراوين مثل حجر العقيق، كانت عيني “فريدة” مثل طفرة لم يشهد لا مثيل. مسح “عثمان” على شعر صغيرته العسلي وقال بهدوء:
-سمر مش قاعدة وشايفة اللي بيحصل ده. كانت بدلتنا كلنا.. أنا بس حبيت أرفه عنكوا شوية مش أكتر. لازم نحترم كلام أمكوا حتى وهي مش موجودة. كفاية كده. -هي ماما هاترجع إمتى؟ التفت “عثمان” إلى سؤال ابنه، رأى حزن عميق يجلل ملامحه، فقال بابتسامة خفيفة: -قريب يا يحيى.. قريب. عبس “يحيى” بوهن وهو يقول منفعلًا: -إمتى؟ أنا عايز أشوفها. وانت مانع أي حد فينا يروح لها.. ليه يا بابا!؟ تنهد “عثمان” وخاطبه برفق:
-هاتشوفها يا يحيى. اهدى بس.. أمك كويسة مافيهاش حاجة. -طيب ليه مارجعتش معانا؟ ليه سبتها في المستشفى؟ -أنا مش قلت لك إن خالك فادي رجع امبارح.. هو زمانه دلوقتي عند سمر في المستشفى.. هايجيبها ويرجع بيها على هنا. أوعدك النهارده هاتشوف أمك. ولو لا هذا الوعد ما سكن الصبي حقًا، لكن هناك من تململ مضطربًا لتلك التصريحات، لاحظ “عثمان” الوجوم الذي كسا وجه “ملك” واضطراب جسمها. نظر إليها متسائلًا: -وانتي كمان يا ملك فيكي إيه؟
لم تستطع الفتاة إخفاء الرجفة في صوتها وهي تسأله بشحوب: -فادي خلاص رجع؟ -أيوه. رجع من امبارح. -يعني.. يعني لما يسافر تاني هاياخدني معاه زي ما قال؟ -قلت لك مايقدرش ينقلك من مكانك طول ما أنا عايز كده. وأنا مافيش حاجة تهمني غير راحتك انتي. اللي انتي عايزاه هاعمله يا ملك. عايزة تفضلي هنا معانا محدش هايقدر يلمسك. عايزة تمشي مع فادي مش هامنعك.. فاهماني؟ أومأت له ببطء. لم يكاد “عثمان” يلتقط أنفاسه بعد، جاءت إحدى مستخدمات
القصر تخبره بشكل عاجل: -عثمان بيه.. الضيفة اللي جت لحضرتك امبارح واقفة برا عند الأمن. طالبة تشوف حضرتك. تحفزت خلاياه مرة واحدة وهو ينطق اسمها بخفوت: -شمس! *** لا تعرف كيف كان الحال ليكون لو لم تكن لديه تلك الإعاقة الجزئية بذراعه المبتورة، إنه يعتمد بدلًا منه على آخر صناعي حديث الطراز، لا يفرق كثيرًا عن الحقيقي، لكنه يبدو اصطناعيًا لمن يدقق النظر في طرفه.
إذن كيف يدرك النساء تلك الحقيقة ويواصلن النظر إليه على هذا النحو، إنه حرفيًا محط نظرات الإعجاب أينما راح وغدى، لعله لا ينتبه لذلك، لكنها لا تخطئ ملاحظاتها أبدًا، ودائمًا ما تظهر العداء علانية لأي امرأة تمد عينيها إليه، فورًا تكشر عن أنيابها وتتعلق بذراعه السليمة بأكثر مبدية ملكيتها له.
إنه زوجها هي، لها وحدها، لو كان أخبرها أحد بأنها سوف تقع في حب رجل مثل “فادي حفظي” يومًا ما ما كانت لتصدق، بل كانت لتسخر وتقسم ألا يحدث، لكنه حدث، والآن هي غارقة في عشقه حتى أذنيها، أجل هي نفسها “هالة البحيري” أعاد زوجها تعريفها على الغرام والعشق من جديد على يديه هو.
مشيت “هالة” معه جنبًا إلى جنب، متأبطة ذراعه وهما يبلغا بوابة المشفى الخصوصي، طبقًا لأوامر “عثمان” سمح لهما الطبيب على الفور لرؤية “سمر”.. طرق “فادي” بابها مرتان.. وفتحه في الثالثة مادًا رأسه بحذر. وقعت عيناه عليها في الحال، إذ كانت تجلس أمام النافذة بثوب المشفى، ساهمة، كئيبة، تحيط ضمادة رفيعة بأم رأسها، دلف إليها تتبعه زوجته وهو يهتف بلهفة: -سمـر…
ارتعدت فرائصها لدى سماع صوت أخيها، وثبت من مكانها وهي تستدير لتراه، لقد جاء أخيرًا، وفجأة لم تعد تتحكم بنفسها ولا تعرف كيف انهالت مدامعها بلحظة وهي تمد ذراعيها نحوه نائحة: -فـادي.. أخويا!! وصل إليها خلال ثوانٍ معدودة، مد ذراعه السليمة واجتذبها من رسغها لتستقر بحضنه، ضمها بشدة وهي تحيط بخصره باكية في طيّات قميصه بحرقة، بقيت “هالة” في الخلف تراقب في صمت، بينما أخذ “فادي” يهدئها ويهدهدها لقرابة النصف ساعة.
حتى انتهى بهما المطاف جالسين هناك قرب النافذة حيث كانت تجلس قبل مجيئه، لا تزال “سمر” متعلقة بأحضانه، يربت على كتفها ويقبّل رأسها متمتمًا بحنو: -سلامتك يا حبيبتي.. الحمدلله إنك بخير.. الحمدلله إني اطمنت عليكي.. ماتخافيش يا سمر انتي كويسة. أخيرًا تملكتها الشجاعة لتبتعد عنه قليلًا، نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت بعتاب: -انت كنت فين كل ده يا فادي؟ إزاي ماتبقاش جنبي في ساعتها. أنا فتحت عيني لاقيت ناس غريبة حواليا…
وقطبت حاجبيها منتبهة لمظهره الأكثر نضجًا، وجهه صار أنحف، ملامحه تتسم بحدية تنافي طبيعته البشوشة المتسامحة، حتى لحيته نامية بكثافة على صدغيه، و.. رباه! لقد تناثرت بعد الشعيرات الرمادية الطفيفة جدًا عليها، هذا الشخص يبدو كأخيها فعلًا، ولكن مختلف، ذاك “فادي” أنضج من الآخر الذي تعرفه.. أين “فادي” الذي كان معها بالأمس القريب؟ أين أخيها الطالب الجامعي اليافع!!؟ -انتي صحيح مش فاكرة أي حاجة يا سمر!
سألها “فادي” بلطف مبديًا تعاطفه معها. وأشار خلفه ناحية زوجته وهو يتابع: -مش فاكرة هالة طيب. مراتي.. تعالي يا هالة. تطلعت “سمر” إلى المرأة التي يشير لها أخوها كونها زوجته، كانت جميلة وراقية إلى حد كبير، ذكرتها بالرجل الذي استيقظت ووجدته بوجهها مدعيًا بأنه زوجها!!!! وقفت “هالة” الآن ملاصقة لزوجها، ابتسمت في وجه “سمر” قائلة برقتها المعهودة: -إزيك يا سمر. ألف سلامة عليكي يا حبيبتي.. كده تخضّينا عليكي؟
ازدادت ريبة “سمر”.. اشتد بها الكرب وهي تعاود النظر إلى أخيها.. سحّت الدموع فوق خديها وهي تهز رأسها للجانبين مغمغمة: -فادي.. أنا مش عارفة حاجة.. مش فاكرة أي حاجة.. أنا مـ آ ا… وصمتت فجأةً، حين امتدت يدها لتمسك بيده، يده الاصطناعية، إنها أكثر صلابة، باردة، غريبة!
أطرقت “سمر” برأسها مدققة النظر في يده التي تقبض عليها بكلتا يديها، وهالها ما رأت، إنها يد، لكنها قطعًا ليست يد أخيها، وتأكدت بالأكثر عندما لم تصنع معها أي ردة فعل. -انت مال إيدك!!؟ رددت من بين أنفاسها. تطلعت إليه من جديد، فرأت الوجوم أبلغ من أي إجابة قد يتفوّه بها، كتمت شهقتها مكممة فاها بكفّيها، وانهمرت الدموع أكثر من عينيها وهي تنظر إليه مصدومة، مفجوعة بالحقائق التي أُلقيت بوجهها بهذه القسوة.
ويا ليتها حقائق تستطيع تقبلها.. إنها كوارث. ***
استقبلها “عثمان” هذه المرة بحجرة مكتبه، والتي كانت لأبيه من قبله، الآن وهي تظهر أمامه ثانيةً، لا يمكنه إلا أن يرى أخته بالفعل، إنها لا تشبه شقيقته “صفية”.. “صفية” عبارة عن استنساخ مطابق لأمه، هو لكن “شمس”.. “شمس” تشبه أبيه، ربما تشبهه هو أيضًا، يشعر بنداء الدم يصرخ بعروقه مع كل خطوة تخطيها نحوه، لعله يحقد على أبيه وعلى تلك المرأة التي فضّلها على أمه لدرجة زواجه منها، لكنه لا يستطيع أن يحقد على تلك الفتاة.
بل إنه يقرّ بانتمائها إليه، مهما حدث، وبغض الطرف عن أي افتراضات حساسة، إنها أخته الآن، شاء من شاء وأبى من أبى. -عثمان! نطقت اسمه بشكل جميل.
كانت تبتسم له بحلاوة، ناعمة وجذابة، وأنيقة كدأب أفراد عائلتها وإن كان لديه بعض التحفظات التي حتمًا سيخبرها عنها قريبًا، فهو لا يقبل أن تظهر أخته بمظهر فاضح أمام أعين الجميع، تلك الكنزة المكشوفة الضيقة تبرز جزء من بطنها، وذاك السروال القصير بالكاد يغطي فخذيها، إنها حقًا بلا رقابة.. حياتها تخلو من الرجال.. لكنه يعرف كيف يتولى أمرها جيدًا بدءًا من الساعة. -اختفيتي فين بقالك يومين؟
تفاجأت “شمس” بالحدة التي طرح بها سؤاله، كانت تقف قبالته الآن، بمنتصف الغرفة الفسيحة، وحدهما فقط. رفعت حاجبها وهي تجاوبه بتلعثم: -آ أنا. حسيت إن الظروف مش مناسبة.. عرفت بحادثة مراتك.. قلت أمشي وأبقى أرجع لك تاني! صمتت تراقب ردة فعله، لكن لا شيء.. غير الصرامة التي جللت نظراته وتعابيره. ابتسمت مرة أخرى وهي تقول بأريحية واضحة: -باين من لهجتك معايا إنك اتأكدت.. عرفت إني أختك حقيقي.. مش كده؟ ضيّق عينيه وهو يقول لاويًا
ثغره بلمحة تهكمية: -لو ماكنتش متأكد ماكنتيش هاتقفي قدامي تاني.. وكنتي هاتتحاسبي على كدبتك. أومأت قائلة بنفس الابتسامة: -وانت دلوقتي واثق إني مش كدابة. هز رأسه وقال بثبات: -لأ.. مش كدابة يا شمس! اتسعت ابتسامتها أكثر لنطقه لأسمها بهذه الحميمية وكأنه معتاد على مناداتها، وكأنه لا يراها تهديدًا له، ذلك الطابع منحها أملًا في التقرب إليه، فقالت وهي ترمقه بقوة: -إيه اللي هايحصل يا عثمان؟
بعد ما عرفت حقيقتي.. أنا مش جاية عشان حاجة. مش بطلب منك أي حاجة! كان يعرف هذا سلفًا من الوصية التي تركها أبيه، فسألها رغم ذلك ليعرف دوافعها منها هي: -أومال انتي جاية ليه يا شمس؟ واشمعنا دلوقتي بالذات؟ أجابته على الفور دون تردد: -جيت عشانك انت يا عثمان. تغضن جبينه بعبسة أضفت عليه جاذبية، بينما يردد بتعجب: -عشاني أنا!؟ اقتربت منه خطوة وهي ترد عليه بصدق بائن:
-أيوه عشانك انت.. انت اخويا الوحيد.. أنا عشت طول عمري نفسي يكون لي أخ.. ولما عرفت إنك أخويا كنت هاتجنن وأشوفك بس. لما شوفتك بقى نفسي أقرب منك وأعرفك بيا.. بس كنت واعدة بابا.. مقدرتش أحافظ على الوعد ده كتير.. وأديني واقفة قدامك أهو… أنا جيت عشان أخويا.. أنا محتاجة وجودك جنبي.. مش عايزة أحس إني عايشة لوحدي.. عايزة عيلتي!! وصمتت لعجزها عن التعبير أكثر، لتقول بعد لحظة ودون تفكير: -أنا ممكن أحضنك؟
ارتد وجهه للخلف متفاجئًا بطلبها، لكنها ألحت بيأس واضح: أجفل عدة مرات وقد هزت دفاعاته لوهلة، ولا يعرف ما الذي دفعه ليذعن لها بهذه السلاسة مباعدًا ذراعاه بالكاد، بمجرد أن لمست موافقته، ارتمت بين أحضانه مطوقة عنقه بشدة، لولا عضلاته القوية التي تحمي جسده لأختنق من شدة ضغطها عليه.
في البادئ لم يعرف كيف يرد على تصرفها، لكنه وجد جسده يتفاعل معها غريزيًا، فيرفع يد ليضعها فوق مؤخرة رأسها، والأخرى يربت بها على كتفها بلطف أخرق بعض الشيء. إنها محقة.. الأمر برمته لا يزال غريبًا عليه! ينفتح باب المكتب في هذه اللحظة.. فترصد عينيه من وراء أخته الظهور المباغت لأمه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!