الفصل 21 | من 21 فصل

رواية وما معني الحب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ايه السيد

المشاهدات
18
كلمة
4,457
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

“أنا السبب” عقب سعد باستفهام: –السبب في إيه؟! وما أن استوعب عقلها ما حدث وأخذتها الذكريات لنقطة بعيدة تتذكر طفولتهما وصداقتهما في الصغر، لعبهما ومزاحهما حين كانا طفلان تملأ البراءة قلوبهما لا يحملون أعباء الحياة، حين كان أقصى عبأ لهما أن يوافقا والديهما على لعبهما معًا، بدأت بالإنهيار من أثر الصدمه. هل سيموت؟ هل سيغادر الدنيا لدار البقاء!!! مر شريط الذكريات أمام عينيها سريعًا، لم تشعر بنفسها حين صرخت بهستريه قائله:

–أنا السبب… أنا السبب… حدق بها سعد قائلًا باستفهام: –اهدي كده وفهميني فيه إيه!!!! أخذت نفسًا عميقًا تحاول تهدئة حالها وقالت: –فهد عمل حادثة وبين الحياة والموت بسببي. انبجرت باكية، فضمها سعد يحاول تهدئتها وهو يقول: –اهدي. زاد من ضمها قائلًا: –مش إنتِ السبب، متحمليش نفسك ذنب مرتكبتهوش. ودفعته بعيدًا عنها وهي تقول: –وإنت كمان سبب في حالته دي… ابعد عني… أردفت بنبرة حادة ومرتفعة: –فهد عمل حادثة بسببي أنا وإنت.

شهقت ووضعت يدها على فمها. اقترب ليضمها مجددًا، فدفعته قائلة: –ياريتني ما اتجوزتك! تخيل أنها تقول هكذا لأنها كانت تحب فهد أو كانت تتمنى الزواج منه، فرجع خطوتين للخلف. لكن حين رأى بكائها اقترب منها مرة أخرى، فدفعته بقوة وهتفت بحده: –إنت مبتفهمش، قولتلك ابعد عني. ابتعد عنها ووقف ينظر لها لفترة، لكن سرعان ما غادر وتركها تبكي لحالها. بحث عن مروى وأرسل لها لتكون جوارها. *** وفي مركز الشرطة. هتف المحقق قائلًا:

–أختك اعترفت بكل حاجة يا فؤاد. لم ينبس فؤاد بكلمة ونكس رأسه لأسفل قائلًا: –أنا موقفي إيه في القضية؟ –تستر على جريمة وخطف هدير، إنت ليك قضية لوحدك يا فؤاد! ابتسم بسخرية قائلًا: –يعني برده خسرت ومعاذ اللي انتصر زي كل مرة. تجمّدت ملامحه وأردف بدموع: –كنت عارف إن مصيري في يوم هاخد جزائي. ***

تبعه سيف حتى وصل لمخبئه في منطقة بعيدة عن السكان. تنهد بارتياح، فيبدو أن القضية على وشك أن تنفض. هاتف المفوض ليحكي له كافة التفاصيل ويطلب منه قوة للقبض على رأفت وجابر ومن معهما. ارتجل من سيارته وسار ناحية المكان ليتفقده بدون أن يراه أحد. فوجد أمامه الكثير من الحراس، فأيقن أنه على الطريق الصحيح. عاد مرة أخرى لسيارته وجلس ينتظر قدوم قوات الأمن. وفي خلال ربع ساعة وصلت القوات وبدأوا بالتسلل للداخل. ***

وبالداخل صوب رياض مسدسه لمقدمة رأس زياد قائلًا: –ملوش لازمة تعيشوا أكتر من كدا. ازدرد زياد ريقه بتوتر وأغلق عينيه مستسلمًا. أما منير فهتف بتوسل: –سيبنا نعيش ومش هنجيب سيرتكم، هنهرب لأي مكان. هز رياض رأسه باعتراض قائلًا: –مينفعش. جهز سلاحه وهو على رأس زياد قائلًا: –اتشاهد على روحك.

قاطعته اشتباكات بالخارج وأصوات رصاص، فاخفض سلاحه واتجه للنافذة ينظر منها. فوجد الشرطة قد حاوطت المكان. هربت الدماء من وجهه وأطرافه وخرج الجميع يجهزون أسلحتهم. فك وثاق منير وزياد وأعطاهما سلاحًا قائلًا: –لو عرفتوا تحموا نفسكم من الشرطة اهربوا. وانظر رياض لعمه وهتف بنبرة حادة: –الشرطة دي أكيد جاية وراك يا عمي… أردف رياض بنفس الحدة وبغضب: –قولتلك بلاش تروح لعمي عوض، هنروح في داهية كلنا بسببك. عقب رأفت قائلًا:

–جهزوا نفسكم، هنهرب من الباب الخلفي و… وقبل أن ينتهي من جملته قاطعه سيف الذي تسلل للداخل من النافذة الخلفية ودخل مع مجموعة من عناصر الشرطة. وانتشروا بالمكان وصوب كل منهم سلاحه على واحد من الموجودين. هتف سيف بسخرية: –دا الحبايب متجمعين…. دوختونا وراكم يا رجاله. أردف سيف وهو ينظر لجابر الذي رفع يديه لأعلى كناية عن الاستسلام: –مش قولتلك يا دكتور جابر النهاية بتكون واحدة في كل الروايات. عقب جابر بحسرة:

–فعلًا يا حضرة الظابط النهاية بتكون واضحة في كل الروايات بس إحنا اللي بنكابر. صاحت منار ببكاء: –أنا مليش دعوة يا باشا دول خطفوني. جز سيف على أسنانه قائلًا بنبرة حادة: –إنتِ بالذات يا منار حسابك تقيل أوي. وإلى هنا تنتهي صفحة الظلم وحصد كل منهن الشوك الذي زرعه، وحاسبهم القضاء بقانون الدنيا. ولكن هناك حساب آخر أشق وأخزى، وعند الله تجتمع الخصوم.

“حكمت المحكمة حضوريًا على المتهمة فاتن جابر بالسجن ١٠ أعوام لأنها قاصر تم تخفيف الحكم عنها… أما فؤاد فحُكم عليه بالحبس ١٥ عام مع الشغل والنفاذ. وعلى باقي الأفراد بالإعدام شنقًا.” وهذا أبسط عقاب على قتلهم أرواح الأبرياء بغير وجه حق. *** تسللت منى على أطراف أصابعها لتروعه. كان منشغلًا على جهاز الابتوب. انحنت تقرأ عنوان ما يكتب دون أن يشعر بوجودها، فقد كان شاردًا. هتفت قائله بصوت مسموع: –وما معنى الحب؟

ابتسم عندما لاحظ وجودها ونظر لها مجيبًا: –ابتلاء يستدعي الصبر. ابتسمت قائلة: –غلط طبعًا… أردفت بإحساس مرهف وصوت مليء بالمشاعر: –الحب عمره ما كان ابتلاء، الحب ده أجمل إحساس ممكن نحس بيه. تنفست بارتياح مردفةً: –الحب ده زي شجرة لازم نسقيها بالاحتواء والإهتمام والإحترام والمودة والرحمة عشان تثمر وتكبر. حركت سبابتها يمينًا ويسارًا قائلة: –مش بس بين الزوجين، لكن بين الأخوات والأصحاب والأهل. الحب هو الحياة يا مصطفى.

رفعت إحدى حاجبيها قائلة: –إنت إزاي مختار عنوان مش عارف معناه؟ نظر لها قائلًا بجدية: –ما أنا قولتلك المعنى من وجهة نظري، الحب ده لعنة ومعاناة بتصيب الإنسان. لوى فمه لأسفل مردفًا: –الحب هو الضعف، إحساس كده بيقلب كيان الإنسان. سند رأسه على الكرسي مردفًا: –الحب هو الخوف، يعني تبقى خايف طول الوقت إنك تفقد الشخص اللي بتحبه. سواء كان أبوك أمك زوجتك ابنك، باختصار الحب ده ابتلاء. ابتسمت قائلة:

–يا ترى بقى خلصت الحكاية اللي بقالك خمس شهور بتكتب فيها؟ ابتسم ورد قائلًا: –خلصت الحكاية. لوى شفتيه لأسفل بحيرة وقال: –بس تعرفي إن في البداية كنت أنا البطل وطبعًا إنتِ البطلة. ابتسم مردفًا: –فجأة اتقلبت الموازين وسيف وسعد احتلوها ومعاهم مروى وناهد. ضحكت ثم ارتسمت الجدية على ملامحها قائلة: –هما بصراحة عانوا كتير أوي، ربنا يعوضهم خير. زفر بارتياح وعقب قائلًا: –يارب. تجعدت ملامحه وزم شفتيه بحيرة قائلًا:

–بس فيه ورقة لسه مفقودة عشان الرواية تكمل. عقدت ملامحها باستفهام، فأغلق جهاز الابتوب وقال: –يلا بينا نجهز عشان نروح الحفلة، يمكن ألاقي الورقة المفقودة هناك. ابتسمت وكادت تغادر لولا أن شعرت بحركة الجنين في بطنها المكتورة أمامها، فتاوهت قائلة: –ابنك مبهدلني، مش بيبطل ضرب في بطني. انحنى نحو بطنها ورفع سبابته محذرًا: –واد يا ياسين متتعبش ماما يا واد، كلها ٤ شهور وتنور حياتنا.

لمس بطنها بحنان وقبلها، ثم وقف ينظر لوجهها قائلًا: –إنتِ متأكدة إن اللي في بطنك ده ولد؟ –الدكتورة قالت ولد، لكن العلم عند الله. بتسأل ليه؟ –أصل مناخيرك مكبرتش ومازلتِ مسمسمة. نظر لها وأردف بابتسامة: –أنا أمي دائمًا تقول الحامل في بنت مسمسمة والحامل في ولد متخرشمة. ضحكت منى على جملته وقالت: –أما ماما رقيه عليها جمل! وضع سبابته على شفتيه بتفكير وقال: –بس تصدقي حلوة الجملة دي، ابقي فكرتيني أكتبها في الحكاية.

استدار يأخذ مفكرته وقلمه من على المكتب وهو يقول: –ولا تفكريني ليه، أنا هكتب عشان منساش. كتب وهو ينطق: “الحامل في بنت مسمسمة والحامل في ولد متخرشمة.” ضحكت على كلامه وفعله، فهو هكذا منذ خمس شهور حين تخطر لها فكرة بدونها في مفكرته كي لا ينساها. تركته لتذهب غرفتها وتتجهز للحفلة التي أعدها الدكتور عوض احتفالًا بزواج بناته ومعافاته هو وزوجته. ***

وفي ڤيلا الدكتور عوض التي اشتراها منذ أقل من شهر، زينها مهندس الديكور بطريقة رائعة استعدادًا للحفل المسائي. كان عوض يمر مع زوجته على العمال ليباشر العمل بنفسه ويطمئن على الزينة والبوفيه. كانت الڤيلا تضم جناح كامل لناهد وزوجها وآخر لمروى وزوجها.

وعند مروى، كان تجلس في الحمام تقضم أظافرها وتضرب قدميها بالأرض في توتر تنتظر نتيجة تحليل الحمل بالجهاز المنزلي. وحين ظهرت شرطتين قفزت فرحًا، وسرعان ما هدّأت حالها ووضعت يدها على بطنها، فهي الآن حامل وكل حركة بحساب. خرجت مسرعة تبحث عن سيف الذي كان يغط في سبات عميق. أيقظته بطبع قبلات ناعمة على أنحاء وجهه. ففتح عينيه ومط ذراعه وهو يسألها: –إيه يا حبيبي العشا أذنت ولا إيه؟

لم ترد عليه، فنظر لها. كانت تمسح الدموع التي تفر من مقلتيها. اعتدل من رقدته حين رأى دموعها وقال بملامح جادة: –مالك يا مروى بتعيطي ليه؟ ازداد بكائها وهي تقول: –أنا بحبك أوي يا سيف. كانت تمسح دموع عينيها بكفها ببراءة، فبدت كالأطفال. ضمها قائلًا: –وبتعيطي ليه يا روح قلب سيف؟ خرجت من حضنه وصوبت جهاز اختبار الحمل نصب عينيه وهي تقول: –إنت إديتني أجمل هدية… بقى فيه حتة منك جوايا.

أخذ الجهاز من يدها، حدق به ثم بدل نظره بينها وبين الجهاز. كاد يطير فرحًا، ضمها مجددًا بحب وهو يقول: –إنتِ حامل؟ أخرجها من حضنه مردفًا: –إنتِ حامل يا مروى. أومأت رأسها بتأكيد، فضمها مجددًا وقال: –أنا هبقى بابا. ابتسمت بسعادة قائلة: –هتبقى أحن وأجمل بابا في الدنيا. هب واقفًا بحماس وقال: –لأ، أنا هخرج دلوقتي أقول للناس كلها إني هبقى بابا. مسكته من يده وهي تضحك وقالت: –إلبس الأول عشان العشا قربت تأذن والحفلة هتبدأ.

عقب بابتسامة عذبة ارتسمت على وجهه من شدة فرحته: –بس قبل ما ألبس هكلم ماما أقولها وسعد كمان. ارتسمت الجدية على ملامحها قائلة: –هو سعد هييجي من السفر امتى؟ أجاب قائلًا: –أكيد هييجي بالليل، كان بيقول خلاص معدش هيروح مطروح ونقل شغله هنا تاني. أومات رأسها بتفهم وقالت: –أنا أصلًا مش فاهمة هما ليه ينقلوا شغله مطروح وهو من اسكندرية. لوى شفتيه لأسفل بحيرة وقال: –مش عارف والله. غير الموضوع قائلًا: –أتصل بقى على ماما أبشرها.

وحمل هاتفه يطلب والدته ويبشرها بالأخبار السارة. ***

وفي غرفة ناهد تجلس بوجه عابس، فحالتها لم تتغير منذ خمسة أشهر إلا للأسوأ وكل يوم تبتعد عن سعد أكثر. فمنذ أن علمت بموت فهد وهي تبني حواجز بينهما. كانت تؤنب حالها دائمًا على وفاته حتى علمت منذ أيام أن موته كان بسبب تعاطيه لجرعة زائدة من المخدرات. وأما عن حالها مع سعد فلا تذكر أنها نادته باسمه ولو مرة واحدة، لا تذكر أنها حاولت ولو مرة واحدة أن تجذبه إليها. أما هو فقد حاول معها أكثر من مرة لكنها حمقاء لم تُحسن التصرف

ودمرت علاقتهما. وكانت النتيجة أن نقل عمله لمرسى مطروح وتركها لحالها. كان يأتي لها كل أسبوعين مرة ومن غبائها كانت تقضي هذا اليوم بغرفتها كي لا تراه، وإن رآها صدفة لا تنظر إليه ولا تخاطبه. تنهدت بحزن فهي المسؤولة الأولى عن تلك الفجوة. فكيف يمر عليها خمسة أشهر ولا يرى زوجها خصلة واحدة من شعرها!

فهي لا تعامله كأخيها بل كرجل أجنبي عنها. قاطعها طرقات على باب الغرفة، فتحت فكانت أختها مروى التي دخلت وأغلقت الباب خلفها. نظرت لناهد قائلة: –أنا حامل. ضمتها ناهد بسعادة وهي تقول: –مبروك يا روحي. أخرجتها من حضنها ثم لمست بطنها بحب مردفة: –ربنا يكملك على خير يا حبيبتي، هتبقي مامي قمر. تنهدت مروى بسعادة وهي تقول: –نفسي أوي إنتِ كمان تكوني حامل. اختفت الابتسامة من وجه ناهد وتلعثمت قائلة: –لأ أصل… مش الشهر ده يعني.

ضمتها مروى وقالت: –إن شاء الله يبقى الشهر الجاي وتلحقيني. ابتسمت ناهد ابتسامة صفراء وقالت: –إن شاء الله.

غادرت مروى لتستعد للحفلة. وأخرجت ناهد ملابسها لتستعد هي الأخرى. لا تدري لمَ تقوس فمها لأسفل وسالت الدموع من عينيها، فمنى حامل وهدى أيضًا ومروى فاجأتها بحملها. أما هي فأكبرهم سنًا ولم يكتمل زواجها بعد. متزوجة لكن على الورق فقط. هي لا تغار منهم لكنها تغبطهم. مسحت دموعها وعزمت أن تعترف الليلة بحبها لسعد مهما كلفها ذلك. مسحت دموعها وتنفست بعمق ثم بدأت بارتداء ملابسها. ***

وأثناء الحفل الهادئ الذي ضم عائلتهم وبعض من أصدقاء عوض، جلسن الفتيات مع بعضهن. كانت مروى في قمة سعادتها بحملها وأخبرتهن جميعًا. كان جميعهن سعداء إلا اثنتان هما ناهد وهدير. اقتربت هدى من هدير وهمست قائلة: –إنتِ مش كويسة، احكيلي مالك؟ عقبت هدير بمراوغة: –مفيش حاجة بس مضغوطة عشان ثانوية عامة، ما إنتِ عارفة! أصرت هدى. وقالت وهي تحدق بها: –لأ فيكِ حاجة تانية. حاولت هدير ادعاء المرح قائلة:

–يابنتي مفيش غير المذاكرة، مضغوطة أوي ادعيلي. غيرت هدير الموضوع لتنتهي من زن أختها قائلة: –وإنتِ هتولدي امتى؟ –لسه بدري، تخيلي بعد كل الفتره دي لسه باقيلي خمس شهور كاملين! ضحكت هدير قائلة بمرح: –معلش، هانت هيعدوا في خمس شهور عادي. لكزتها هدى في كتفها قائلة: –عقبالك يختي، بس بعد الامتحانات عشان الحمل ده مرار الطافح.

قامت هدى من جوارها لتجلس بجانب منى وتركتها تبحث عن معاذ بعينيها. وحين وجدته حدقت به. فنظر لها وغمز بعينه وهو يبتسم لها. ابتسمت لكن تنهدت بحزن، فلا تعلم ما مصير علاقتهما. فلم يأخذ معاذ أي خطوة تجاهها لكنه يعامله بمودة. لم يعترف لها بحبه لكن كل تصرفاته تؤكد حبه لها، لكنه لم ينطقها صراحة. وهي لم ولن تبادر بأي خطوة، فكرامتها فوق كل شيء، ستنتظر حتى يبدأ هو ولو بالخطوة الأولى وهي ستكمل باقي الخطوات الفاصلة بينهما.

على جانب آخر، حين وصل سعد إلى الحفل كانت ناهد ترمقه بشوق. تحاول اختلاس النظر إليه لتشبع من ملامحه. كان يتابعها بطرف عينه ويتابع نظراتها. التفت ينظر لها وتلاقت أعينهما للحظات كأنهما يعاتبان بعضهما على الهجر. أدارت وجهها للاتجاه الآخر وظلت طوال الحفل على هذا الحال تنظر له خلسة وهو يتابعها. انتهى الحفل وعاد كل منهم لبيته. كلٌ قد استقرت حياته برفقة من يريد إلا ناهد وهدير. ***

وفي شقة معاذ وهدير كانت تجلس على مكتبها ترتدي بيجامتها الشتوية وترفع شعرها لأعلى. أقبل معاذ إليها وسألها قائلًا: –دودو أكلتِ كويس هناك؟ أومأت رأسها بالإيجاب وشغلت حالها بترتيب كتبها على المكتب حتى تهرب من نظراته. سحب الكرسي وجلس جوارها سند كوعه على المكتب ونظر لها قائلًا: –مالك يا دودو؟ أجابت في سرعة دون أن تنظر إليه: –مفيش حاجة، أنا تمام. عقد بين حاجبيها وسألها مجددًا: –لأ فيه حاجة… ممكن تتكلمي معايا بصراحة يا هدى؟

هتفت بنفاذ صبر ونبرة حادة: –يوووه ما قولتلك مفيش حاجة. رد بنفس نبرة صوتها: –لأ فيه يا هدير، إنتِ جاية متغيرة من هناك. أردف بنبرة هادئة متسائلًا: –حد قالك حاجة زعلتك؟ تنهدت بعمق وزفرت بقوة قائلة: –ممكن أعرف إيه مصير علاقتنا يا معاذ؟ اعتدل في جلسته ومسح ذقنه بتوتر، فقد فهم ما يُنغصها. أردف قائلًا بجدية: –أنا مش ناوي أجبرك على حاجة، عايزه تكملي معايا هنكمل، عايزه العكس برده مش هجبرك. ردت بتلقائية: –إنت غبي. ابتسم

ببلاهة ورد بنفس التلقائية: –إنتِ بتشتمي ليه يا بت؟ أكملت توبيخه قائلة: –ومبتفهمش ومستفز جدًا. أسدل عينيه وقال بهيام: –شتمة الحبيب زي أكل الزبيب. ضربته على كتفه بقوة وهي تقول: –لأ ده ضرب الحبيب مش شتمة الحبيب، وأنا بقى هاكلك شوية زبيب دلوقتي حلوين.

بدأت تضربه على كتفه وبطنه وعلى صدره وهو مستسلم ولا يمد يده عليها. ركض أمامها حين سحبت سلك الشاحن وركضت خلفه. مسك منها السلك يحاول أخذه من يدها وهي تحاول تسليكه منه لتضربه. ركض أمامها مجددًا وهو يقول بضحكة: –خلاص بقى يا هدير، البتاع ده بيلسع. أقبلت نحوه مجددًا وضربته واحدة على ذراعه وهي تقول: –دي عشان غبي ومستفز.

ركض أمامها حين لاحظ إصرارها على ضربه. تعرقلت هدير بطرف السجادة ووقعت أرضًا، فتعرقل هو الآخر بقدمها ووقع عليها. التقت أعينهما للحظات وكأن هناك جاذبية تدفعه نحوها. سحب منها سلك الشاحن وقال: –بحبك يا مجنونة. ابتسمت له قائلة: –وأنا بعشقك. وبعدها لم يدرك حاله وأخذها معه لعالمه الخاص. ***

كانت ناهد تنوي أن تتحدث معه وتسأله لماذا تجاهلها كل تلك المدة. دخلت غرفتها وارتدت فستان طويل كان باللون الأبيض، تركت شعرها منسدلًا لأسفل ظهرها ووضعت بعض مساحيق التجميل على وجهها. شعرت بلسعة البرودة تلمس ذراعيها لكن أصرت على إكمال مهمتها لأخرها. كان قلبها يدق بعنف، وضعت يدها عليه تحاول تهدئته. كانت بقمة إحراجها وزينها حيائها بحمرة الخجل التي ظهرت على وجنتيها، فكانت جميلة حد الفتنة لا يستطيع أقوى الرجال مقاومة جمالها الطاغي.

على جانب آخر، كان يجلس على الأريكة يقرأ كتابًا. وقفت أمامه قائلة: –عايزة أتكلم معاك. أغلق الكتاب من يده ونظر لها بجمود قائلًا: –اتفضلي، سامع حضرتك. استفزتها كلمة حضرتك واندفعت قائلة: –لو سمحت، أنا… زَمت شفتيها بغضب وقالت: –إحنا لازم نسيب بعض. فتح كتابه مجددًا ورد بجمود: –ماشي، اللي يريحك. شوفي عايزة إيه وأنا أعملهولك. اندفعت أكثر وقالت: –عايزة أطلق.

وعندما سمعت الكلمة التي قالتها كأن فمها يتحدث دون التحكم به، خرجت الكلمة من فمها وطعنت قلبها. فكانت بمثابة من يقتل حاله بدون وعي، كمن يضرب حاله بسيفه لينهي حياته. هي لا تتخيل حياتها بدونه لكنها مندفعة وحمقاء. زاد هو حدة الموقف، فلم يرفع عينه عن الكتاب وقال: –بكرة هنفذلك اللي طلبتيه. حاولت ادعاء القوة أكثر وهي تقول: –وأنا هدخل ألم هدومي وهمشي الصبح.

وقفت لحظات تنتظر رده فلم يرد عليها وانصرفت من أمامه مهرولة كي لا تنهار بالبكاء أمامه. دخلت غرفتها وصفعت الباب خلفها بهدوء. وضعت يدها على قلبها ونظرت لنفسها في المرآة وهي تبكي وتوبخ حالها قائلة: –غبية…. غبية، خلاص خسرته نهائي. شهقت ببكاء وهي تقول: –مَعدش بيحبني، هيطلقني خلاص. جلست على طرف السرير وانفجرت بالبكاء. وبعد دقيقة استجمعت شجاعتها ومسحت دموعها، ووقفت أمام المرآة تهندم حالها لتخرج إليه وتحاول مرة أخرى.

من ناحية أخرى، أغلق الكتاب ووضعه جانبًا. ابتسم بانتصار. فلأول مرة تتزين له. انتظر هذا اليوم منذ وقت طويل وقد حان وقت اجتماعهما سويًا. زفر بقوة وقرر أن ينتظرها قليلًا، فحتمًا ستخرج إليه مجددًا. سمع صوت فتح غرفتها، فحمل كتابه مجددًا ونظر به يدعي اللامبالاة. وقفت أمامه ولم تتحدث، فرفع عينيه ينظر لها قائلًا: –فيه حاجة؟ هزت رأسها بالنفي ولم تعقب، فأغلق الكتاب وسألها: –بتعيطي ليه؟ مسحت عينها وقالت بثقة زائفة:

–مبعيطش، فيه حاجة دخلت في عيني. رقمها بمكر وهو يقول: –أنا مسافر الصبح. أدمعت عيناها وسرعان ما مسحت دمعتها قائلة بقلق: –خلاص نويت تطلقني! وقف أمامها وحدق بها قائلًا بهدوء: –إنتِ اللي طلبتِ يا ناهد. رمقته بغيظ وقالت وهي تهم أن تغادر: –ماشي. كان يرمقها بابتسامة ماكرة وينتظر رد فعلها القادم. لم تغادر والتفت تنظر إليه مرة أخرى. زمت شفتيها ثم قالت: –بس أنا مش عايزة أطلق. أراد مناكفتها، فهتف قائلًا بجدية زائفة:

–مينفعش ترجعي في كلامك، خلاص الموضوع انتهى. كاد أن يغادر، فنكست رأسها لأسفل وارتفعت شهقاتها. وضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقاتها المتتالية. وقف مكانه يرمقها بابتسامة ماكرة. لم ترفع رأسها ولأول مرة تنطق اسمه وتناديه قائلة: –سعد. مسحت دموعها وأغلقت عينيها قائلة بصوت باكٍ وبرجاء: –متسبنيش يا سعد. تراقص قلبه فرحًا. لم تعطيه فرصة للكلام وأقبلت نحوه. نظرت بعينيه قائلة: –أنا آسفة. والله أنا بحبك ومش هعرف أعيش من غيرك.

ازداد بكائها مردفة: –لو سبتني ممكن أموت. وضع يده على فمها يردعها عن قولها قائلًا: –بعد الشر عليكي. أردف وهو ينظر بعينيها: –تعبتيني أوي يا ناهد. ضمها بحب وبادلته قائلة: –بحبك من أول يوم اتقابلنا فيه. وفي هذه المرة لم يتكلم، بل شرح لها حبه بطريقته الخاصة. *** وبعد مرور عامين. –فين فردة الشراب الأبيض يا هدير؟ زفرت بحنق وقالت: –معاذ، أنا متفقة معاك متسألنيش عن حاجتين، إيه هما؟ عقب بنفاذ صبر:

–فردة الشراب والمعالق الصغيرة. عقبت بابتسامة انتصار: –بس كدا، جاوب بقى على نفسك. جلست تعبث بهاتفها فسألها: –فين هاجر؟ زفرت بقوة قائلة: –هاجر نايمة، سيبني بقى أستمتع بالهدوء ده قبل ما تصحى. هتف بحدة مصطنعة: –تستمتعي إيه!! قومي ياما البسي هنتأخر على افتتاح الشركة. عدل ياقته بغرور وقال: –يعني ينفع مدير الشركة يروح افتتاح شركته آخر واحد. نفخت بحنق وقامت تتجهز وهي تقول: –أنا كان مالي ومال الجواز والحوارات دي. صرخت

ابنتهما بالبكاء فصاح هدير: –روح شوف بنتك على ما ألبس. تمتم بكلمات غير مفهومة تدل على مدى غضبه، فقالت بنبرة مرتفعة: –سمعاك يا معاذ. رد بابتسامة صفراء: –حبيبة قلبي، بقول إنتِ أحلى واحدة في الدنيا يا حياتي. حمل ابنته ونظر لها بحب وهو يقول: –قلب بابا يا ناس. جلس يداعب ابنته لفترة وتأخرت هدير، فصاح مناديًا عليها: –يلا يا دكتورة هنتأخر. وقفت أمامه وهتفت بحنق قائلة:

–بس متقولش دكتورة، إنت السبب إني أدخل صيدلة يعني أخر المشوار، حد يقولي عاوز فرشة أسنان يا أبلة… هشتغل بياعة بسببك يا معاذ. ضحك معاذ قائلًا: –بس شدي حيلك كده وأنا هفتحلك شركة أدوية وأبعدك عن فرش الأسنان خالص. مدت يدها لتحمل ابنتها من بين يديه وهي تقول: –يلا اتأخرنا يا عم المدبر. *** وصلا للشركة. نظر مصطفى للحضور وقال بصوت مرتفع: –سمع هوووووس، المدير وصل.

بدأ الجمع بالتصفير والتصفيق، ومعاذ مبتسمًا بفرحة فقد حقق حلمه وفتح شركته. كاميرات المراقبة كما يريد. كانت ناهد تحمل ابنها وتنظر لسعد الذي يحمل ابنته، فقد رزقهما الله بتوأم. ومروى تحمل ابنها الذي يشبه سيف كثيرًا وتنظر لسيف بحب وهو يقف جوارها ويضع ذراعه على كتفها بحب. وهدى التي تقف بجوار أحمد الذي يحمل ابنتهما الصغيرة. غمرت السعادة قلوب الجميع. اقترب مصطفى من منى وهمس في إذنها قائلًا: –وبكده تكون الحكاية خلصت.

نظرت له منى بحب ورددت اسم الرواية قائلة: –وما معنى الحب؟ –ابتلاء يستدعي الصبر. اتسعت ضحكتها قائلة: –مصمم برده. رفع يده لأعلى قائلًا بابتسامة عذبة: –صدقيني ملهوش معنى تاني. ثم نظر لكم وغمز بعينيه متسائلًا: –ولا إيه رأيكم؟ ما معنى الحب؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...