الفصل 20 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
24
كلمة
3,520
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

لاحظ معتز شرودها طوال الطريق ونظرات الحزن التي لاحت داخل عينيها منذ أن ذهبت معهم إلى القاهرة وتعرفت عليه. أخطأتَ، كان عليها الوقوع في حب ذلك الشخص الذي لن تجني من ورائه سوى الآلام. تعاطف معها بشدة، لكن ليس بيده شيء ليساعدها به. تساءل: لما كتب على أولاد جمال أن يعيشوا عذاب الحب المستحيل؟ فسألها بتعاطف: _أمجد عامل إيه دلوقت؟ تطلعت إليه وهى على شرودها: _زي ما هو، مفيش جديد.

_ليلى، انتي لو فضلتِ على حالتك دي قدامهم، أمك مستحيل تهملك، ترجعي تاني وأبوكي وقتها مش هيجي لها. تنهدت بتعب ونظرت من نافذة السيارة. ليهز رأسه بيأس منها. فسألته دون النظر إليه: _جاسر عامل إيه مع سارة؟ أجابها بحيرة: _والله ما أنا عارف إيه قصته معاها بالظبط، بس لو زي ما بيقول إنه رايدها خلاص، ربنا يسعده. _وعمك منصور مجاش؟ هز رأسه بنفي: _لسه ما جاش، بس جدك بيقول إنه ممكن ييجي النهاردة أو بكرة بالكتير. اندهشت ليلى

من عدم مجيئه وعادت تسأله: _معقول يبقى فرح بنته وميجيش! رد معتز بحيرة: _أنا برضه مستغرب، ومش عارف الجوازة دي هتم على إيه، ده إن تمت أصلًا. عادت ليلى إلى المنزل لتجد الجميع يستقبلها بحفاوة، مما جعلها تتناسى أحزانها قليلًا. بدأت في الاندماج معهم. تلفتت حولها وهى تسأل: _أومال فين سارة ومصطفى؟ نزل مصطفى الدرج وهو يقول يجيب بهدوء: _أنا مصطفى، وإنتي أكيد ليلى. أكدت ليلى وهى تنظر إليه بابتسامة:

_أكيد طبعًا، مفيش غيري في البيت ده. تقدم منهم ليقول بمرح: _خلاص مش هتبقي لوحدك، سارة هتكون معاكي على طول. تلفتت حولها: _أومال هي فين؟ أجاب حازم بمزاح: _عاملة عروسة ومكسوفة مننا. وكزته وسيلة في كتفه ونظرت لليلى: _هي فوق في أوضتك، اطلعيلها. استأذنت منهم وصعدت إلى غرفتها وطرقت الباب حتى أذنت لها سارة بالدخول. ولجت ليلى لتجدها جالسة على الفراش في وجوم، مما جعلها توقن بأن هناك خطب ما، فما تراه على ملامحها يؤكد ذلك.

فسألتها بمرح: _سارة، مش كده؟ نظرت سارة إليها ورسمت ابتسامة على وجهها وهي تجيب: _وإنتي أكيد ليلى. رحبت بها بحفاوة ثم جلسوا على الفراش. فتحدثت سارة باعتذار: _معلش بقى، أخدت أوضتك. _عادي ياحبيبتي، ولا يهمك، المهم مبسوطة معانا. لاح الحزن على ملامحها لكنها أجابت بصدق: _ندمانة بس إني معملتش كده من زمان وجيت عشت وسطكم، وقتها كانت حاجات كتير أوي هتتغير. تأكدت ليلى بوجود أمرًا تخفيه بداخلها، مما جعلها تسألها باهتمام:

_يعني انتي وافقتي على جاسر عشان تفضلي معانا، ولا لإنك فعلًا مقتنعة بيه؟ لا تعرف لما شعرت بالراحة تجاهها وكانت تود أن تفيض بما تعانيه، لكنها لم تستطع. فتجيب بإبتسامة لم تصل لعينيها، وهي تقول بصدق: _بصراحة، الاتنين. أولًا لإن جاسر فعلًا أي واحدة تتمناه. هو صحيح عصبي حبتين، شردت بخيالها. _بس راجل يعتمد عليه، تقدري تقولي سند بمعنى الكلمة، حتى لو على حساب نفسه. تذكرت نظراته المبهمة لها، لا تعرف إذا كانت لوم أو عتاب.

_والسبب الثاني إني عايزة أفضل هنا، ودي الطريقة الوحيدة اللي هتخلي بابا يسيبني معاكم. التمست ليلى الصدق في مشاعرها، فسألتها بتوجس: _مش هتحني في يوم للعيشة في المدينة والأجواء دي؟ هزت رأسها بالنفي وتحدثت: _أنا من النوع اللي بحب الهدوء وأجواء الريف، وجو العيلة والحياة دي. يعني لو فاكرة إني مش هقدر أكمل، فبقولك متقلقيش. ابتسمت ليلى بسرور وربتت على يدها وهي تقول بسعادة:

_طيب، أنا هدخل آخد شاور سريع كده وأطلع أجهز أحلى عروسة، تنور البيت والنجع كله. هزت سارة رأسها بابتسامة عريضة ودلفت ليلى المرحاض. في الأسفل، كان الجميع على قدم وساق لأجل الحنة التي أقامها جمال في حديقة منزله استعدادًا لتلك الليلة. طرق الباب ليفتح جاسر، كعادته، ويتفاجأ به أمامه. لم يبدِ أي رد فعل على ذلك البركان الذي يفور بداخله، خاصةً عندما وجده ينزع نظارته الشمسية وهو يلقي السلام بهدوء: _السلام عليكم، انت أكيد جاسر.

أومأ له جاسر محاولًا التحلي بالصبر حتى يمر ذلك الزفاف وأشار له بالولوج: _وعليكم السلام، أيوة أنا، اتفضل. ولج منصور وبداخله رهبة من ذلك المكان الذي غاب عنه أعوام عديدة. لتسمر مكانه وقد انخفق قلبه وهو يرى والداه أمامه وقد ألجمتهم الصدمة وجعلتهم غير قادرين على النطق وهم يروا فلذة كبدهم بعد طول غياب أرهق كلاهما. كانت لغة النظرات هي السائدة في تلك اللحظة.

نظرات تحمل العتاب لذلك القلب الذي رحل دون حتى وداع، وترك خلفه قلوب تتحرى شوقًا لرؤيته. لذلك العقل الذي سعى خلف الأنانية وحب الذات. ساد الصمت بين الجميع. عمران يحاول بصعوبة بالغة الثبات أمام تلك الرغبة التي تحثه على أن يتناسى كل شيء وينعم بتلك اللحظة التي حلم بها وتمناها بشدة. لكن لن يبادر بذلك حتى يرى مبادرته هو. أما جليلة فقد شعرت بقدميها كالهلام ولم تستطيع الوقوف أكثر من ذلك، لتخونها قوتها الزائفة وتسقط

على المقعد وهي تقول بوله: _ولدي. أسرع الجميع إليها، ولكن تلك المرة يد منصور كانت الأقرب إليها. _أمي، إيش حالك على ركبتيه أمامها وسألها بلهفة: _أمي، إنتي كويسة؟ تساقطت دموعها وهي تنظر إليه بإشتياق وعينيها تمر على ملامحه بلوعة. رفعت يدها لتمريرها على ملامحه وكأنها تتأكد بأن العين لم تخطئ، وها هو ذا قابعًا أمامها بعد تلك الأعوام التي بكتها خفية كي لا تحزن أباه الذي كان أيضًا ما إن تأتيه الفرصة حتى يأن قلبه شوقًا لولده.

_ولدي. قبل منصور يدها بحب وهو يقول: _كيفك يا أمي؟ تطلعت إليه بولة وعيناها تجول ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب مهما غيرته السنين: _زينة، ما دام شوفتك يا ولدي. أحتضنته جليلة بكل الشوق الذي أرقها أعوام وأعوام، وكلما جذبته إليها كلما زاد الشوق إليه. التفت ذراعاى منصور حولها لينعم بذاك الدفء الذي افتقده كثيرًا منذ أن رحل. واكتشف أنه هو الخاسر الوحيد من بينهم. ابتعد عنها كي ينظر إلى والده الذي لم تسعفه قدماه على الوقوف،

فمال عليه يقبل يده ورأسه: _كيفك يا بوي؟ لا يعرف عمران لما صوب نظراته إلى جمال وتذكر ما عاناه بسببه، لكن جمال أشار له بعينيه أن يتناسى كل شيء، فأجابه بلهجة، رغم العتاب الذي تحمله، إلا إنها أيضًا تحمل شوقًا وولعًا له: _الحمد لله يا ولدي، زين. نهض منصور من أمام والده ليجد جمال، ذلك الدرع الذي يتحامى به الجميع وأولهم هو.

ابتسامته التي تبث الراحة والطمأنينة في داخل من يراها، فيشعر في تلك اللحظة أنه مهما علا وكبر، سيظل دائمًا ذلك الصغير الذي يأخذ أخاه دائمًا درعًا له. لم يتغير، بل زاده الشيب صلابة وقوة، وكلما كبر كلما زاد وقارًا وشدة. كانت تلك اللحظة بينهم خاصةً بحديث القلوب، فيبادر ذلك القلب الصافي باحتضانه وهو يتحدث بصدق: _نورت النجع يا خوي. أجابه منصور وهو يحتضنه بشوق: _منورة بناسه. توجه بنظره إلى جاسر الذي يرمقه بجمود وتحدث:

_ازيك يا جاسر. أومأ له بجمود وتحدث بثبات: _أهلًا بيك في نجعنا. أحم حم جمال بإحراج من رعونة ابنه وقال برجاحة: _تعالى، لما أعرفك على الباقي. لم يختلف حال توأمه عن حال جاسر وأبيهم، يقدمهم له. أما مصطفى فقد صافحه ببرود لم يعهده به من قبل. فسأله: _أومال أختك فين؟ أجابت وسيلة هذه المرة: _فوق مع ليلى في أوضتها. أومأ لهم ثم جلسوا جميعهم، إلا جاسر الذي استأذن منهم كي يرى العمال بالخارج.

خرجت ليلى من المرحاض وهي تحاول تجاهل اشتياقها له وقلقها عليه، فحتى الآن لم تهاتفه مرة واحدة. خرجت لتجد سارة كما تركتها جالسة على الفراش في وجوم. يبدو أن حالها ليس بأفضل حال منه. تظاهرت ليلى بالمرح وهي تقول: _إيه ياعروسة، هتفضلي قاعدة كده؟ رفعت عينيها لتنظر إليها وقالت: _أعمل إيه؟ اندهشت ليلى وجلست بجوارها على الفراش:

_النهاردة حنتك يابنتي، وكلها ساعتين بالكتير وهتلاقي البيت مليان ناس جاية تبارك، ولو شافوكي بالحالة دي هيقولوا إننا خاطفينك. لم تستطع الثبات أكثر من ذلك وبدأت العبرات تتجمع داخل مقلتيها. لم تتحدث ليلى، بل جذبت رأسها داخل أحضانها وربتت على رأسها بحنو.

أما سارة فقد كانت تبكي بشدة على كل شيء، على صدمتها في والديها وتخليهم عنها في أكثر الأوقات احتياجًا لهما، وعلى صديقتها التي غدرت بها وتركتها لأخيها ليستحل عرضها على زوجٍ فرضته الأيام عليها، مجبرةً عليه ومجبراً عليها. أزاحت ليلى خصلاتها عن وجهها وتطلعت بها تسألها ببريئة: _مالك ياسارة؟ احكي وأنا أوعدك إنه هيفضل سر بيني وبينك. أغمضت عينيها بشدة، وددت لو لم تمتلك الجرأة لتقص عليها ما حدث، لكنها حقًا لن تستطيع.

ابتعدت عنها قليلًا وهي تمسح دموعها: _صدقيني، مفيش حاجة، بس أنا ما تخيلتش إنهم هيتخلوا عني في الوقت ده، أنا فعلًا محتاجاهم. ربتت على يدها وهي تقول بتعاطف: _معلش، محدش عالم بظروفهم، وبعدين معتز قالي إن باباكي جاي النهاردة وأكيد مامتك معاه، متقلقيش. يلا بقى قومي خدي شاور لحد ما أجهز لك الفستان اللي هتلبسيه. لم تنهض سارة، فقامت ليلى بجذبها: _يالا بقى، مفيش وقت. ابتسمت لها بامتنان ودلفت المرحاض.

بعد وقت قصير خرجت سارة من المرحاض فوجدت ليلى تخرج الملابس من الخزانة فسألتها بحيرة: _فيه إيه يابنتي؟ ردت ليلى بغيظ وهي تواصل بحثها: _بدور على فستان بدل فستان العزا اللي انتوا شارينه ده. ظلت تواصل البحث حتى عثرت عليه في أحد الحقائب، فأخرجته بسعادة وهي تقول: _أخيرًا لقيته. قامت بفرده على طول الفراش لتنبهر سارة بروعته وبلونه الأوف وايت الساحر. _قولي بقى إيه رأيك؟ هدأ انبهارها عندما لاحظت أنه عاري الأكتاف والذراعين:

_الفستان ده جميل جدًا، بس عريان أوي، وممكن عمو وجاسر ميوفقوش. _من الجهة دي اطمني، مفيش حد من الرجالة بيدخل عند العروسة إلا جاسر، ووقتها نخلي شال جنبك لو هتتكسفي منه. قالت بتردد: _بس… قاطعتها ليلى بإصرار: _مفيش بس، الفستان طويل ومش مبين غير الأكتاف ومحلولة إن شاء الله، أنا أصلًا كنت اشتريته أون لاين لأنه عجبني وقلت أخليه لأي مناسبة وجات خلاص أحلى مناسبة. تطلعت سارة إليها بامتنان وقالت بحب:

_أنا عشت طول عمري أتمنى أخت، والحمد لله لقيتها أخيرًا. ابتسمت لها بود وقالت بصدق: _بس إحنا أصلًا أخوات من زمان وخلاص اتلاقينا. أنا هكويه بسرعة، وانتي اختاري حاجة على ذوقك ليا لحد ما أخلص. أومأت برأسها ونظرت إلى الملابس الموضوعة على الفراش وأخذت تختار منها. في المشفى، جلس فارس بجوار أمجد يتحدث معه عن أمور العمل وما توصلوا إليه، فشعر بأمجد شاردًا وفي عالم آخر. فتحدث بخبث: _اللي واخد عقلك؟ نظر إليه أمجد ليسأله:

_هو مين اللي واخد عقلي؟ رفع حاجبيه وهو يجيب بمكر: _طبيب القلوب اللي هرب من مصر من غير وداع. شرد أمجد وقد لاح الحزن على ملامحه وهو يقول: _فراق أيام وعمل فينا كده، ياترى بقى هي هتعمل إيه بفراق العمر كله؟ ألمه رؤية اليأس في عين صديقه وقال بثقة: _إن شاء الله مش هيكون فيه فراق وهتعيش معاها العمر كله. ابتسم بحزن وهو يقول بصوت يأس:

_ما أظنش، أنا حاسس إن النهاية قربت، وعشان كده رفضت إني أشوفها قبل ما تمشي، كنت خايف تكون آخر مرة. تحدث فارس بتفاؤل: _إن شاء الله مش هتكون آخر مرة، ليلى بنت حلال وتستاهل إنك تقاوم عشانها. تنهد أمجد بتعب: _هي تستاهل أكتر من كده بكتير، بس للأسف دي حاجة مش بإيدي. دخل والده ليتطلع إليه بسعادة بعد أن فارق غرفة العناية وتم نقله في غرفة عادية بعدما أصر على تركها. _عامل إيه دلوقت يا أمجد؟ أجاب أمجد بابتسامة لوالده:

_بخير يا بابا، الحمد لله. جلس على المقعد بجواره: _يستاهل الحمد، أومال فين دكتورة ليلى؟ مش شايفها النهاردة. _سافرت الصعيد عشان فرح أخوها. تذكر صابر أمر دعوتهم: _آه صحيح، دا جمال اتصل عشان يدعينا بس اعتذر. قال أمجد بعتاب: _ليه بس يابابا، كان لازم تروح. ربت صابر على كتفه قائلاً: _تتعوض إن شاء الله وتبقى الفرحة فرحتين. آمن فارس: _يارب يا عمي ونشوف أخت ليها وتبقى تلاتة. ضحكوا جميعًا إثر دخول عصام الذي سألهم:

_بتضحكوا على إيه؟ ضحكوني معاكم. قال صابر: _بنقوله شد حيلك عشان نخطبلك لاحسن العروسة تطير من إيدينا. تابع عصام فحصه وقال بثقة: _لا من الجهة دي أطمن، أنا ضمنتها. نظر إلى أمجد وتابع بمكر: _ولا إيه يا أمجد؟ رد فارس بمكر: _شكله مالي إيده عـ الآخره. اقترح صابر: _طيب إيه رأيك نروح نخطبها دلوقتي وبعد العملية يبقى نعمل الفرح؟ نظر لعصام وسأله: _هي هتخرج إمتى؟

زم عصام فمه ونظر لصابر بعتاب، فما يقوله هو المستحيل بحد ذاته، ويبدو أن أمجد يعلم حالته جيدًا إذ أجاب والده: _لأ يابابا، مينفعش اللي انت بتقوله ده، هنروح نقولهم إيه؟ هحجز بنتكم لحد ما أشوف ابني هيموت ولا يعيش، إن عاش خير وبركة، وإن مات مش خسرانين حاجة! اهتزت نظرات صابر، فهو لم يفكر بتلك الطريقة، هو نظر للموضوع من جهة أنه رجل صعيدي ولا يقبل علاقة ابنه مع ليلى التي يعرف أهلها جيدًا ويريد أن تكون علاقتهم في النور.

_أنا مفكرتش كده، كل الحكاية إني عايز علاقتكم تكون في النور ومن غير ما تحس بتأنيب ضمير إنك بتـ... قاطعه أمجد بثبات: _بس إحنا مفيش علاقة بينا في الضلمة عشان نخليها في النور، كل الحكاية علاقة دكتورة بالمريض بتاعها، آه بحبها وأتمناها تكون شريكة حياتي، بس مش وأنا راقد على السرير؛ ومش وأنا داخل بيتهم متسند. إن شاء الله لو ربنا كتب لي عمر هدخل البيت من بابه وأنا ماشي على رجلي. تحدث عصام بجدية:

_كفاية كده يا جماعة وخلوه يرتاح شوية. نظر إلى أمجد وأردف: _ياريت متفكرش في أي حاجة غير صحتك. أومأ أمجد بصمت ثم خرجوا جميعًا من الغرفة. دلف منصور غرفته ليجدها كما هي منذ تركها، لم يتغير بها شيء. مكتبه والكتب التي تركها عليه. فراشه وكأنه تركه أمس. خزانته، ملابسه التي تركها بها قبل سفره. وقف ينظر إلى أربعة جدران شاهدوا آخر لقاء مع أخيه عندما طالبه بتلك النقود. وكم كان غـ…

أنكر، لا لم يخطئ بشيء، كل ما في الأمر أنه تمسك بحلمه ليس أكثر ولا أقل. نعم لم يخطئ، وأكبر دليل على ذلك نجاحه ونجاح أخيه أيضًا. تعب قليلًا لكنه كُفئ بعدها. هكذا أخمد ضميره الذي عاد يستيقظ من جديد. فرغ حقيبته ودلف المرحاض ليقف أسفل المياه. وتذكر كلماته معها عندما أخبرها بذهابه لزفاف ابنتهم. فلاش باك. بعد انتهاء العزاء، طرق منصور باب غرفتها ليجدها جالسة على المقعد بوجوم. فتقدم منها ليتحدث بجدية:

_أنا مضطر أسافر البلد عشان فرح سارة، هتيجي معايا ولا لأ؟ لم يزيدها كلماته سوى ازدراء من ذلك الشخص الذي لا يهتم بأحد إلا بما يريد هو. فسألته بهدوء: _انت عرفتهم بوفاة بابا؟ رد ببساطة: _لأ، لإن مينفعش أقول لهم، وهي حنتها بكرة. نظرت إليه باشمئزاز، لا تجد الكلمات التي تصف مدى الخزي الذي تشعر به تجاهه: _وانت مستني أروح معاك أحضر فرح بنتي اللي أنا مش موافقة عليه، وكمان وبابا متتكملش تلات أيام؟ تحولت ملامحها إلى بغض وكراهية:

_انت إيه يا أخي، معندكش دم؟ زم منصور فمه بغضب وهدر بها بتحذير: _احفظي لسانك يا إما... قاطعته سمر بحدة: _يا إما إيه! هتعمل إيه أكتر من اللي عملته؟ أنا مخنتكش يا أستاذ، أنا بس كنت بأمن نفسي، لأنك ملكش أمان. كل ما كنت أشوف قسوتك على أهلك كنت بخاف منك أكتر، وعشان كده كان لازم أأمن نفسي من غدرك. انت فاكر إنك مصدق إن جوازة بنتك لابن أخوك مالكش غرد منها؟

لأ، أنا واثقة كويس، وكويس أوي كمان، إن موافقتك دي وراها مصلحة، عشان توصل بيك الحقارة إنك تدخل بنتك فـ... صفعة قوية سقطت على وجهها كادت أن تسقطها أرضًا، لكن يده التي جذبتها من خصلاتها منعتها من السقوط، وقال بفحيح كفحيح الأفعى: _أنا ساكت من بدري ومراعي حالتك، بس إنها توصل لإهانتي، فأنا أدفنك زي ما دفنت أبوكي، وزي ما قولتي مليش عزيز ولا غالي بعد مصلحتي. بنتك أنا ببعدها عنك عشان مش عايزها تبقى نسخة تانية مني ومنك.

أما بالنسبة للمصلحة اللي من ورا الجوازة دي، فيكفي أنها هتعيش في نفس المستوى اللي عايشة فيه، وكمان من إنسان مش هيطمع فيها وهيصونها. أنا مسافر الصبح، عايزة تيجي معايا اتفضلي، مش عايزة يبقى براحتك. أزاحها من أمامه حتى سقطت على المقعد خلفها. وخرج منصور صافقًا الباب خلفه بحدة. باك. عاد منصور على صوت الباب فأغلق صنبور المياه وارتدى ملابسه وخرج من المرحاض ليفتحه. فيجد مصطفى واقفًا ينظر إليه بعتاب واضح: _تعالى يا مصطفى.

دلف مصطفى الغرفة منتويًا التحدث مع أبيه فيما عرفه، أشار له منصور بالجلوس وجلس بجواره ليربت على ساقه قائلاً: _انبسطت في الصعيد؟ أومأ مصطفى برأسه دون قول شيء، وكأنه متردد هل يصارحه بما سمعه؟ لكنه يخشى أن يكون سببًا في إلغاء الزواج، مما جعله يتراجع ورد بإقتضاب: _أكيد. اندهش منصور من وجومه وسأله بقلق: _مالك، في حاجة مزعلاك؟ الهدوء الذي يتحدث به جعله لا يستطيع الصمود أكثر من ذلك و……

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...