الفصل 19 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
23
كلمة
3,120
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

جلست أسفل تلك الشجرة العتيقة التي تفرعت أغصانها بهيئة تخطف الأبصار. وقفت تحاول النظر خارجها، لكن تفرع الأغصان بتلك الهيئة جعلها لا ترى شيئًا خارجها، حتى إنها أحجبت عنها الرؤية. لكنها لم تبالي وجلست تستمتع بهالة النور التي تتسرب من بين أوراقها وتسحر المكان بضياء خافت. لكن فجأة انطفئ الضوء، ورويدًا رويدًا ذبلت الأوراق وتساقطت من أغصانها وعمَّ الظلام المكان. "دكتورة ليلى."

انتفضت ليلى على صوت سهى التي تحثها على الاستيقاظ عندما غفت على مكتبها. رمشت بعينيها تتأكد من وجودها داخل مكتبها وقالت بتعب: "هي الساعة كام دلوقتي؟ أجابت سهى: "الساعة سبعة، طول الليل وإنتي نايمة بالشكل ده. حاولت أصحيكي عشان تنامي على سريرك بس كنتي بترفض." قامت تدلك عنقها الذي تيبس من تلك النومة وسألت سهى: "دخلتي عند أمجد؟ توترت ملامحها مما جعل قلب ليلى يرتعد خوفًا وسألتها بريبة: "أوعى يكون…؟ قاطعتها سهى بنفي:

"لا متقلقيش، بس من امبارح وهو مش طايق حد ورافض إنه ياخد العلاج وعشان كده جيت لحضرتك." تنفست ليلى بعمق ثم تحدثت وهي تنهض من مقعدها: "خلاص هتوضى وأصلي الأول وبعدين أروح له." أومأت سهى برأسها وخرجت.

دلفت ليلى المرحاض. انتهت ليلى من صلاتها وأخذت تتضرع لربها بالشفاء العاجل له. ثم قامت بالنهوض وخرجت من مكتبها لتذهب إليه. طرقت الباب ودخلت الغرفة لتجده مستلقيًا على السرير بوجوم. ابتسمت بداخلها من استيائه وتعنّده فقط لأنها ابتعدت عنه تلك الليلة. فقالت بابتسامة: "صباح الخير." حاول أن يظل على ثباته، لكن كيف يصمد أمام تلك الابتسامة التي تشق طريقها إلى قلبه قبل ثغرها عندما تهل عليها بطلتها التي تربك كيانه. فوجد نفسه

بكل استسلام يجيب باشتياق: "صباح النور." أقتربت منه كي تتابع حالته باهتمام ثم نظرت إليه تسأله: "ممكن أعرف حضرتك مش راضي تاخد العلاج ليه؟ نظر إليها قليلًا ثم سألها: "يهمك آوي؟ سحبت المقعد لتجلس عليه وقالت باستياء: "أنت شايف إيه؟ نظر أمامه وقد عاد الوجوم إلى ملامحه وتحدث بثبوت: "أنا مش شايف حاجة غير إني عايز أخرج من الأوضة دي." "طفل عنيد وعليها التروي معه." "تفرق إيه عن غيرها؟ تجيب سؤاله بسؤال آخر، وهذا حاله معها.

"هتفضلي تردي عليا السؤال بسؤال؟ ضحكت ليلى بخفوت ثم تحدثت بمرح وهي تسأله: "فطرت؟ أجاب بتبرم: "مليش نفس." هزت كتفيها بمرح: "بس أنا جعانة وكلمت سهى تجبلي فطار، أمم تحب تفطر معايا؟ نظر إليها مطولًا ليملأ عينيه من تلك الساحرة التي بابتسامة واحدة منها تجعله يرضخ لعينيها التي تشعل لهيب الشوق بداخله. فسألها بوله: "طلعتيلي منين بس؟ ابتسمت ليلى بخجل وردت بلهجتها: "من مضيفة الحاج عمران، ولا نسيت؟ رد أمجد بهيام:

"أنسى إزاي وأنا من وقتها وأنا ليلي نهاري." حمحمت بإحراج وغيرت مجرى الحديث قائلة: "على فكرة جاسر أخويا فرحه بعد بكرة." انصدم حقًا من ذلك الخبر الذي سيجعله يعاني ما عاناه أمس، فزم شفتيه بضيق: "وطبعًا هتغيبي هناك فترة؟ أرادت التلاعب معه لكنها لم تستطع لتجيب بثبات: "لأ مش فترة ولا حاجة، هما يومين بالظبط ويوم السبت إن شاء الله هكون هنا." لم يتقبل الأمر لكن لن يجبرها على البقاء.

طرق الباب ودلفت سهى وهي تحمل الإفطار، فتأخذه منها ليلى وتضعه على الطاولة تحت نظراته العاشقة. قربت الطاولة من الفراش وهي تقول بمرح: "يالا بقى لإني فعلًا جعانة جدًا." بدأوا بتناول طعامهم وهو ينظر إليها ويتخيل أنها زوجته ويتناولون طعامهم داخل غرفتهم، أو في حديقة منزله وأطفالهم يمرحون من حولهم. لكنه شيء صعب المنال. تذكر بعدها عنه فتحدث باحتجاج: "مش عارف اليومين دول هيمروا عليا إزاي!

١٧ ساعة غبتيهم عني وكنت هتجنن فما بالك يومين؟! "هيعدوا زي ما عدت التلات شهور اللي بعدنا فيهم." قال باعتراض: "بس دلوقتي غير، أنا دلوقتي محتاجلك حتى في النفس اللي بتنفسه." رغم خجلها الشديد منه إلا إنها قالت بوله: "هتصدقني لو قلتلك إنه نفس إحساسي، بس في إحساس تاني بيخليني أعارض رغبتي دي، هو إني لأول مرة بعمل حاجة من ورا أهلي خاصةً أمي."

"حاولت كتير قوي أسيطر على مشاعري ونجحت في ده أو ضحكت على نفسي وأوهمتها إني نسيت، بس وقت ماـ شوفتك تاني في المستشفى مشاعري رجعت أقوى من الأول." رفعت عينيها إليه فتجد نظراته مبهة لا تعرف ما يدور بخلده، فتابعت بحزن: "حاولت كتير أتغلب عليها بس هي اللي اتغلبت عليا في الآخر واستسلمت ليها." نظر إليها مطولًا ونظراته لها تحمل عتابًا حادًا لمشاعرها التي ندمت على تعلقها به وسأله بتوجس: "ندمانه؟ تفاجئت بكلمته لكنها أجابت بصدق:

"ولا لحظة واحدة." ساد الصمت قليلًا حتى قاطعه أمجد قائلًا بجدية: "ليلى أنا مفيش حاجة بأيدي دلوقتي أقدر أقدمهالك غير إني فعلًا بحبك ولو ربنا طول في عمري هعيشه كله عشانك ومش هضيع ثانية واحدة واحنا بعاد عن بعض، هو ده كل اللي في إيدي حالًا. أنا كمان زيك حاولت أحارب مشاعري كتير بس للأسف رجعت منها خسران واستسلمت في النهاية." أومأت بتفاهم وقد شعرت بأن هناك حرب تدور بداخله وعليها مراعاة ذلك. سألها: "هتسافري امتى؟

"بكرة الصبح إن شاء الله." عاد يسألها: "هتسافري إزاي؟ أجابت باقتضاب: "بالطيارة." رغم الحزن الذي استوطن قلبه إلا إنه تحدث بابتسامة: "هتوحشيني." افتر ثغرها عن ابتسامة ولم تستطع الرد عليه. نهضت لترى الأدوية التي عليه أخذها ولم يجادل معها بل كانت نظراته تحمل الكثير والكثير من العشق والامتنان.

في غرفة أخرى كانت سمر مستلقية على الفراش تنظر إلى سقف الغرفة بضياع. فبين ليلة وضحاها خسرت كل شيء من حولها، حتى والدها الذي كانت تستند عليه أو بالأصح كان الوحيد الذي يهتم لشأنها. وخاصةً عندما لجأ أولادها إلى عائلتهم، فلم يعد هناك سوى ذلك الذي أصبح بيده كل شيء يواصل انتقامه كيفما يشاء. أخطأت عندما فكرت بالتلاعب معه وظنت أن حبه لها سيجعله أعمى دائمًا، وتناست تمامًا أن منصور لا يرحم من يتعدى على أملاكه، كما فعلها من قبل مع أهله.

نهضت بصمت وخرجت من الغرفة تسأل عن والدها ليخبرها الجميع بأنه تم تسليم جثمانه إلى زوجها. إذاً فقد رحل حتى دون أن تودعه. خرجت من المشفى لا تعي بشيء مما يحدث، لأول مرة تشعر بالوحدة وكأنها لا تملك من الدنيا سوى ذاتها. لأول مرة تشعر بحنين جارف إلى أولادها وخاصةً مصطفى الذي تشعر بصدق حبه لها عكس تلك التي لا يهمها شيءٍ سوى البحث عن أهلها. وعندما أتتها الفرصة أسرعت إليهم وتشبثت بهم دون الالتفات خلفها، كما والدها لكن بطريقة أخرى، أو بالأصح بدون غدر.

انتهى كل شيء ولم يعد هناك ما يبقيها داخل منزله. عادت إلى المنزل لتجد الجميع على قدم وساق لأجل استقبال العزاء. ابتسمت بسخرية ودلفت إلى الداخل لا تستمع لأحد ممن يقومون بتعازيها وكأن عقلها توقف عن كل شيء. انتهى منصور من مراسم الدفن ثم عاد إلى منزله ليخبره الأمن بعودتها. صعد إلى الغرفة ليجدها تحضر حقائبها فدنى منها قائلًا: "بتعملي إيه؟ واصلت سمر لم أشياءها دون النظر إليه وقالت بهدوء: "زي ما أنت شايف بلم هدومي."

عقد حاجبيه متسائلًا: "ليه؟ أغلقت الحقيبة ونظرت إليه لتجيب بهدوء: "خلاص معدش ليا مكان هنا." "والناس اللي جاية عشان تعزي؟ نظرت إليه وتحدثت بسخرية: "هو ده كل اللي همك! على العموم العز هيكون في بيت بابا مش في بيت الراجل اللي موته بحسرته، بس هقول إيه؛ اللي باع أهله مش هيبيع حماه." تقدم منها ممسكًا ذراعها بحدة وقال من بين أسنانه: "أنا هراعي حالتك ومش هحاسبك على كلامك ده بس كلمة زيادة وأقسم لك حسابي هيكون عسير."

ابتسمت بتهكم وهي تقول: "خلاص مبقاش عندي حاجة أخاف عليها، بابا ومات من غير حتى ما أودعه وولادي اللي تعبت لحد ما شوفتهم مشيوا ومسألوش فيا، خلاص مبقاش ليا وجود في البيت ده." حملت الحقائب وهمت بالذهاب لتتوقف مكانها عندما سمعته يقول: "لو خرجتي من البيت ده مش هترجعيه تاني." ألتفت إليه وقالت بتحدي: "ومين قالك إني هرجع تاني؟ أنا لما بمشي عمري ما بتلفت ورايا." التزمت الصمت قليلًا: "زيك بالظبط."

وخرجت من الغرفة ومن المنزل بأكمله دون عودة. في منزل عاصم. تلاعب الشك بداخله عندما علموا بأمر زواجه من ابنة منصور وأيقن عاصم بأن حفيده ينوي الانتقام من عمه بابنته، ولهذا قرر أن يتحدث إليه في هذا الشأن، لن يتركه ليكون نسخة أخرى من منصور. فتحدث وليد بشك: "جلبي بيجولي إن في إنّ في الجوازة دي، أكيد جاسر ناوي على حاجة." عاصم فمه بحيرة وتحدث بشك:

"نفس تفكيري يا ولدي، جاسر ابن أختك مش من النوع اللي بيعمل حاجة قبل ما يفكر فيها مرة واتنين، وجوازه من بنت منصور اللي يطيق العمى ولا يطيجه يؤكد فعلًا أنه ناوي على حاجة، وخصوصًا أنه متسرع قوي في الجواز منها." "على العموم إني شيعت له وهو زمانه جاي ونشوف إيه الحكاية بالظبط." لم ينهي حديثه حتى سمع طرق على الباب ودخول جاسر. تقدم ليلقي عليهم السلام وجلس بجوار جده: "خير يا جدي؟ خالي قال إنك عايزني ضروري." نظر عاصم إلى وليد:

"سيبني معاه شوية." أومأ وليد بتفاهم وخرج من المنزل. ثم توجه بنظره إلى جاسر وسأله باستياء: "إيه حكايتك يا ولد جمال، وإيه اللي في دماغك بالظبط؟ أبعد جاسر بصره عن مرمى عين عاصم الذي يعلم ما يدور بخلده من نظرة واحدة داخل عينيه. فيسأله بدهشة مصطنعة: "تقصد إيه يا جدي مش فاهم." يخطئ في شكه بل أيقن الآن: "قصدي أنت خابره زين مفيش داعي تلاوع معايا، مهما تحاول تخبي على الكل بس بتيجي قدامي ومتكدر."

يعلم علم اليقين أنه لن يتركه حتى يعلم السبب الحقيقي لزواجه منها وهذا لن يحدث. لن يبوح بما يعذبه ويأرق مضجعه فقال بثبات: "لو بتشك فيا زي أبوي وجدي يبقي الأفضل أن أنسحب بهدوء. أنت خابر زين إني أكبر من كده بكتير." "أومال تفسر إيه جوازك منها بالسرعة دي." تنهد جاسر بتعب ورد بثبات:

"للمرة التالتة بقولها بتزوجها عن اقتناع ولشخصها مليش دعوة بأبوها وهي موافقة واريده أنها تعيش معانا هنا، إني مخدتش حد بذنب التاني وإن كان أبوها غلط زمان فهي ملهاش ذنب في كل ده، وياريت يا جدي تقفل على الموضوع ده لإني تعبت منه." شعر بالصدق في حديثه وقرر عدم التطرق في الحديث به مرة أخرى: "هصدقك لأني خابر زين أنك متكدر تكذب عليا مع إني واثق إن في حاجة مخبيها بس هسيبك براحتك لحد ما تيجي أنت وتجول."

أومأ برأسه دون قول شيء. فغير عاصم مجرى الحديث وسأله: "هتعمل إيه مع عمك لما يجي؟ أجاب جاسر بهدوء أعصاب: "الموضوع ده في إيدي أبويا وجدي إني مليش دخل بيه." "كيف يعني! مش هتطلبها منه؟ رد بنفس الهدوء الذي يخفي داخله نيران مشتعلة: "لأ، أبويا هو اللي هيطلبها مش إني." هز عاصم رأسه بيأس ثم تحدث بجدية: "شوف يا جاسر إني مش هكلمك بصفتي جدك لا؛ إني هكلمك بصفتي عقلك اللي أنت لاغيه وبتتصرف بطيش."

"لو كنت فاكر إن بعد ما تتزوجها منصور هيخرج من حياتها فتبقي غلطان، منصور هيبقي معاك في كل لحظة، لأنه أبوها ووجت ما ياجي البلد ويسلم على أبوه وأمه كل حاجة هتتنسي وأولهم أبوك هينسى كل حاجة وهيفتح دراعاته ليه." "وشوي شوي الماية هتعود لمجاريها وتلاقي منصور قدامك على طول، وياترى بقى على بعضك ليه ده هتجدر تتعايش معاه؟ زم جاسر فمه بضيق لأنه يعلم بصحة حديثه. فور أن يعود إليهم سيتلاشى استيائهم منه، وسيبقى فقط عتاب القلوب.

"زي ما جلتلك أنا مليش صالح بيه، وإن كان على بنته عمري ما هقدر أمنعها عن أهلها مهما حصل، وياريت محدش يتكلم معايا في الموضوع ده تاني؟ أومأ عاصم برأسه: "اللي تشوفه يا ولدي وربنا يعملك اللي فيه الصالح." في غرفة سارة. جلس مصطفى بجوارها وقد آلمه اختفائها بهذا الشكل، هل حقًا كما أخبرته بأن حالتها تلك بسبب صدمتها بأبيهم أم أن هناك سببًا آخر. تحدثها بجدية: "بردوا مش عايزة تقولي الحقيقة؟ نظرت إليه بحيرة وسألته:

"حقيقة إيه مش فاهمة؟ أكد لها بثبات: "لأ فاهمة وعارفة كويس أنا أقصد أي، ومتحاوليش تقنعيني بغير كده لأنه واضح قوي عليكي، ده مش شكل عروسة فرحها بعد بكرة، إنتي حتى مدخلتيش أوضتك وشفتيها وكل ما يسألوكي عن رأيك في حاجة تقولي كويسة وخلاص، في إيه يا سارة أنا مبنمش من خوفي عليكي." بللت شفتيها التي جفت من شدة التوتر وأجابت بابتسامة باهتة: "صدقني يا مصطفى أنا كويسة متقلقش عليا، أنا بس متوترة من الحياة الجديدة اللي داخلة عليها."

(تبدلت ملامحها للحزن وهي تردف) "غير كمان إني متخيلتش إني أتجوز وبابا وماما بعاد عني، صحيح هما طول عمرهم بعاد بس مش في لحظة زي دي." ربت مصطفى على يدها وقال بحنو: "معلش يا حبيبتي أكيد ماما هتيجي معاه أنا صحيح بكلمها بلاقي فونها مقفول بس أنا واثق أنها هتيجي." أراد تلطيف الجو قليلًا وسألها: "متيجي افرجك على أوضتك، بصراحة الأوضة تحفة." ردت برفض:

"طنط وسيلة وتيتة نبهين عليا مدخلش الأوضة نهائي إلا يوم الدخلة، عوايد الصعيد بقى نعمل إيه." ضحك كلاهما فيقول مصطفى بحسد: "تعرفي إني بحسدك إنك هتفضلي معاهم، إنما أنا مجبر إني أرجع، على الأقل عشان الدراسة." سألته بريبة: "أفهم من كده إنك مش هتيجي تزورني؟ نفى مصطفى ظنها: "لأ طبعًا من قال كده! ده مش بعيد أقضي الإجازة هنا بحجة إني مش قادر أفارق توأمي، وبعدين متقلقيش هبقى أكلمك كل يوم." "إن شاء الله." تذكر مصطفى

أمر دراستها وسألها بجدية: "آه بالحق هتعملي إيه في دراستك؟ "عمو كلم دكتور خالد وهو قاله أنه هيساعدنا في النقل وربنا يسهل." نهض مصطفى وهو يقول بحب: "طيب أسيبك بقى وروح أنام لأن الليلة اللي فاتت دي عنيه مغمضتش، تصبحي على خير يا حبيبتي." "وأنت من أهله." خرج مصطفى وقررت هي الجلوس في حديقة المنزل كي تريح أعصابها قليلًا.

التزمت ليلى بالوعد التي قطعته له بأن تذهب دون أن تودعه، فاكثر ما يبغضه هو لحظات الوداع حتى ولو كان لأيام معدودة. جلست في مقعدها في الطائرة شاردة الذهن، والقلق ينهش قلبها خوفًا عليه بلا رحمة. ماذا إذا عادت ولم تجده؟ ماذا إذا تعرض لنوبة أخرى وهي ليست بجواره؟

هي تعلم جيدًا بأنه لن يكون وحيدًا، لكن وجودها معه يختلف. ولولا ذلك الزفاف ما تركته مهما حدث. شهر مر عليهم وهم معًا لا يبتعدون عن بعضهم البعض سوى ساعات قليلة إما وقت الراحة أو وقت دخولها غرفة العمليات ثم تعود إليه سريعًا. تُقبل على الصعيد تاركة قلبها معه.

عكس الذي يقبع في أحد المقاعد بنفس الطائرة مُقبل على الصعيد بغرور وعنفوان وهو يرأس شركة بذلك الحجم. لم يفشل كما ظنوا به، ولم يهزم بل استطاع القضاء على أعدائه بكل سهولة وبلمح البصر كان يتربع على عرشها. ولولا أن أحد أعدائه أم أولاده لكان قضى عليها هي الأخرى دون أن يرف له طرف، لكنه مقيد بأولاده. أحكم قبضته عليها فلن تستطيع الغدر به بعد الآن.

وطئت الطائرة أرض الصعيد لينزل كلاهما متجاورين ولا يعرف أحدهما الآخر. هي وجدت معتز ينتظرها بالسيارة فاستلقت معه بعقل شارد. أما هو فقد فضل السير قليلًا في شوارعها التي اشتاق لها ولنسماتها التي عطرته هي بنسائم حب. وتركها هو برياح غدر. لم يعود ليبقى، فرغم حبه الشديد لبلدته إلا إنه لا يحبذ البقاء فيه. ليس مكانه ولا عالمه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...