سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه.
انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يترنح في وقفته. حاول الوقوف لكن قدميه أصبحت كالهلام لم تستطع حمله، وقبل أن يسقط أرضًا كانت تلك اليد الداعمة له دائمًا تنتشله من السقوط. فسأله جمال بلهفة: مالك ياحاج؟
لم يستطع عمران التحدث من شدة الصدمة التي تلقاها لتوه، وساعده جمال على الجلوس فوق الأريكة وأسرع بإعطائه كوبًا من الماء الذي تجرعه بظمأ. فيعاود جمال سؤاله بخوف: مالك يا بوي؛ انت زين؟ أبعت أشيعلك الدكتور؟ رد عمران بتعب وقد هدئ تنفسه قليلًا: أنا بخير يا ولدي متجلجش؛ أنا زين. لم يقتنع جمال بكلامه وقد ظهر الشحوب واضحًا عليه، فقال بإصرار: لا أحنا لازمن نروح للدكتور، أنت شكلك تعبان جوي خلينا نطمن.
لم يستطع عمران إخفاء الأمر على ابنه الذي كان وما زال ذراعه الأيمن والداعم له في كل معضلاته، فقال بألم: خلاص يا ولدي مفيش داعي؛ بعد ما كل شئ راح وانتهى. لم يستوعب جمال معنى كلماته وسأله مستفسرًا: بتجول إيه ياحاج، مش فاهم. رد بألم: حامد الخليلي مات امبارح؛ جطاعين الطريج طلعوا عليه عشية وضربوه بالنار وأخدوا الفلوس اللي معاه. رغم الصدمة التي الجمته لثوانٍ معدودة، إلا أنه تحدث بثبات:
فداك الدنيا وكل شيء يابوي، كفاية علينا حسك في الدنيا. تساءل عمران بألم: كيف بس يا ولدي؛ وفرحك اللي بجيله سبوعين، ومشروع أخوك اللي بيحلم بيه من سنين؟! رد جمال بحكمة: فرحي يتأجل ياحاج، وإن كان على منصور أخوي هو عمره ما هيفضل مصلحته عليك، هناخد فلوس المشروع وندفع بيها چزء من رهنية الأرض، ومع الوقت كل حاجة هترجع كيف لول وأحسن كمان.
لم يقتنع عمران بكلام ابنه، فهو يعلم منصور جيدًا لن يتنازل عن حلمه لأجل أحد حتى وإن كان والده. أردف جمال: تعالى معي تروح اوضتك وترتاح على فرشتك وأرمي حمولك كلها عليا؛ وبعون الله هنعدي الأزمة دي زي ما عدّينا كتير غيرها. هز عمران رأسه بيأس: بس المرة دي واعرة جوي. أكد له جمال وهو يمد يده يسنده: هتعدي يابوي، هتعدي. استند عمران على جذعه الذي لم يلين يومًا، ومنذ صغره وهو دائمًا جدار صلب يستند عليه إذا مال ولو قليلًا.
وعند خروجهم من الغرفة تفاجئت جليلة برؤية معشوقها الذي لم يهدئ حبهم مهما مرت الأعوام. تراه الآن وهو خارجًا من مكتبه مستندًا على ولدها، بقلب ملتاع أسرعت إليهم وهي تسأله بخوف: مالك ياحاج؟ نظرت لابنها وأردفت: أبوك ماله يا جمال؟ قال عمران بتعب: متجلجيش يا جلية أنا زين والحمد لله. أمسكت ذراعه الأخرى وساندته حتى صعدت به غرفتهم واستلقى على الفراش بمساعدة ابنه. دثرته جليلة جيدًا ثم نظرت إلى ابنها قائلة:
روح انت يا ولدي وأنا هفضل معاه. نظر جمال إلى أبيه وقال بصوت أجش: إن احتاچتني يابوي فأنا ديمًا في ضهرك، متجلجش من حاجة واصل طول ما أنا عايش. أومأ له بعينيه. فتناول يد أبيه ليقبلها ثم خرج من الغرفة كي يذهب إلى أخيه ويخبره بما حدث. صعدت جليلة على الفراش بجواره وقلبها يأن ألمًا على رؤيته بتلك الحالة.
فهذا حبيبها منذ الصغير ورغم كل الصعوبات التي وقفت تهدد صفوهم، إلا إن عشقهم حارب تلك الصعوبات ببسالة حتى تلاشت وانتصر العشق حينها. مالك ياعمران أحكيلي.. وقف مذهولاً من رده وكأن من أمامه قد تلاشت من قلبه الرحمة. لم يرأف بحالة أبيه ولا ما سيحدث له لو ضاعت تلك الأرض من بين أيديهم. يعلم جيدًا بأنه لا يبالي بأحد، لكن لم يتخيل يومًا أن تصل به الأنانية لدرجة الانحطاط. وكان من أمامه نزعت من قلبه الرحمة.
للدرجة دي محناش فارجين معاك؟! علا صوته قليلاً وهو يتابع: للدرجة دي انت أناني وميهمكش غير مصلحتك وبس؟ استدار منصور حتى يوليه ظهره ورد قائلاً بجحود: أبوك اللي غلط ولازم يتحمل لوحده نتيجة غلطه، قلتله ونبهته إنه لازم يضمن حقه بشيك ولا أي حاجة؛ بس هو مهتمش حتى بكلامي، اهو الراجل مات وريني بقى هيقدر يثبت حقه إزاي. لم يتخيل يومًا أن يكون أخاه بكل تلك الحقارة، يتحدث عن والده وكأنه عدو. وسأله بتوجس: أنت شمتان ف أبوك إياك؟!
نفى منصور قائلاً: أنا مش شمتان ولا حاجة، وبعدين دي مش قصتنا، أنا مستحيل أتخلى عن حلمي لأي سبب من الأسباب، المشروع ده هو اللي هيرفعني لفوق مش أرض وكلام فاضي. لم يصدق جمال ما نطق به لسان أخيه وشعر بأن من يقف أمامه متبجحًا الآن لا ينتمي إليه بقيد أنملة. رآه يخرج من الغرفة وهو يحمل حقيبته مستعدًا للذهاب ويبدو أنه ذهاب دون عودة. فيصيح به جمال: بردك هتمشي وتهملنا؟ رد بإصرار وهو يتابع خروجه: أيوة ومش راجع هنا تاني..
انتهى عمران من سرد ما حدث معه منذ أن اتفق مع رفيق عمره على إنشاء ذلك المشروع الذين حلموا به كثيرًا منذ صغره. لكن يشاء القدر أن ينتهي به الحال مقتولاً من قاطعي الطريق وسرقة ما بحوزته. بعد أن رهن كليهما أراضيهم حتى يستطيع كلاهما توفير المال المطلوب منهم. هي دي كل الحكاية يا جليلة، معرفش أعمل إيه دلوجت. ربتت جليلة على كتفه تحاول تهون الأمر عليه:
إن شاء الله هتتحل وربك مش هيسيبنا واصل، وإن كان على الرهنية أنا هسحب الفلوس اللي بأسمي في البنك ودهبي وكل شيء حداي، وبردك فلوس المشروع بتاع منصور، وإن اتسلفنا جرشين عليهم ونفكوا الرهنية. ابتسم عمران بحزن وقال بيأس: كل اللي بتجولي عليه ده مش هيكفي نص الفلوس حتى. ردت جليلة بتفاؤل وهي تضغط على يده: لو كفت نص الدين يبجا زين جوي، ويعالم يمكن ربنا يفرجها من عنديه. ردد بتمنى: يارب.
طرقات خافتة على باب الغرفة تلاها دخول جمال الذي لم يستطع اخفاء حزنه تلك المرة وقال لوالده: كيفك دلوجت يابوي؟ أيقن عمران من نظرات ابنه بأن منصور لم يوافق على التنازل. فأراد التأكد أكثر: بخير يا ولدي أومال فينه منصور؟ ارتبك جمال ولم يستطع الرد، فعلم حينها أنه رفض إعطاءه المال الذي بحوزته. وسأله بغصة: سافر مش إكده؟ التزم الصمت ولم يستطع البوح بما في داخله، فأردف عمران: ولدي وأنا خابره زين، كل اللي يهمه مصلحته وبس.
هزت جليلة رأسها بحزن من ذلك الذي لم ولن يتغير مهما حدث. فقال جمال بثقة: متجلجش يابوي وزي ما جلتلك سيب كل حاجة عليا، وأنا جدها إن شاء الله. نظرت جليلة إلى ولدها الذي يحاول بصعوبة اخفاء حزنه لتقول بثقة: جدها يا ولدي وخابرة إن الحمل تجيل عليك، بس إن شاء الله ربنا هيخلف عليك بالزين ويجبر بخاطرك. خرج جمال من منزله متجهًا إلى منزل محبوبته. عليه أن يخبرها بكل شيء ويترك لها حرية الاختيار.
إذا أرادت أن تبتعد فلن يلومها على ذلك، فهو لا يعرف حتى الآن ما يخبئه له القدر. لكن بوادره تخبره بأنها أيام عسيرة، وربما لا ترحم. وصل إلى منزلها فيجد والدها وأخيها في المنزل. وعندما رأوه رحبوا به بسعة: أهلًا بولد الغالي. قالها والدها وصديق أبيه عند ولوجه للمنزل مما جعل الكلمات التي نوى قولها تنحشر في حلقه فتأبى الخروج. جلسوا جميعًا في مضيفة المنزل وجمال يحاول بصعوبة بالغة انتقاء الكلمات التي سيلقيها عليهم.
فتحدث بإحراج: لو سمحت ياعمي كنت رايد أتحدت معاك في موضوع مهم ولازم وسيلة تكون موچودة. شعر عاصم بالقلق وسأله بتوجس: جلجتني يا ولد عمران خير. رد بإحراج أشد: معلش زي ما جولتلك لازمن تكون موجودة لأن الكلام ده يخصها بردك. نظر عاصم إلى ولده وأمره باستدعائها. فآتت على الفور. تقدمت منهم ولأول مرة ينقبض قلبها عند رؤيتها لملامحه التي لا تبشر بخير مطلقًا. السلام عليكم.
رد الجميع السلام، ثم أمرها والدها بالجلوس معهم ونظر إلى جمال قائلاً: أهي چات جول بجى اللي عنديك. ازدرأ ريقه بصعوبة وما زال يهرب بعينيه بعيدًا عن محيط عينيها التي تنظر إليه بتساؤل. وقال بثبات زائف: أنا رايد أكون صريح معاكم وخبركم باللي حُصل، وبعدها هسيبلكم حرية الاختيار، ولو رفضتم مجدرش ألومك وهعملكم اللي رايدينه. ٱانقبض قلبها أكثر وأرادت أن تخرج الجميع وتبقى معه وحدها حتى تعرف ما يود قوله.
لكن وليد أخيها سبقها قائلاً: متجول في إيه من غير مجدمات. بدأ جمال بسرد كل شيء حتى أردف في النهاية: وأنا چاي دلوجت عشان أجولكم إني بعفيكم من الچوازه دي لأن الأيام الچاية دي هتكون صعبة جوي وحرام أظلمها معاي. ساد الصمت قليلًا بين الجميع وكلٌ ينظر للأمر بمنظور آخر. حتى تحدث عاصم باستياء: ردي مش هيكون ليك يا ولد عمران ده هيكون لأبوك اللي عتابي ليه هيكون جاسي جوي. حاول جمال التحدث لكنه منعه قائلًا: جلت ولا كلمة.
خرج عاصم دون قول شيء وترك جمال الذي لا يعرف ماذا يفعل الآن ينسحب بهدوء أم يبقى أمام تلك التي تنظر إليه بعتاب أقسى مما يتحمل. تحدث وليد بثبات: طيب أنا هسيبكم دجيجتين وراجع تاني. خرج وليد تاركًا الاثنين في حيرة من أمرهما. تهربت الكلمات منه وكأنه تلاشت منه أبجدية الكلمات. حتى قاطعت هي ذلك الصمت بعتاب: للدرجة شايفني جليلة الأصل يا جمال؟ أصابته الكلمة في مقتل ليرد مسرعًا:
حشى لله يابنت الناس، كل الحكاية إني مش رايد أظلمك معاى واني معرفش الأيام اللي چاية دي هتكون كيف وعشان أكده جلت أخبرك بكل شئ. تابعت عتابها: وانت لما تبعد عني جبل فرحنا بإسبوعين ده مش ظلم بردك؟ قالتها بلوم جعلته يستاء من نفسه، لم يفكر في ذلك الأمر، كل ما جال بخاطره هو انقاذها من براثين الفقر الذي سيعاني منهم في الأيام المقبلة. فيرد بنفي:
أنا مقصدش واصل اللي فهمتيه، بس كان لازمن أخبرك بكل حاجة غير كمان أنا معدش حيلتي حاجة واصل اجدمهالك، ولا حتى مصاريف الفرح. تابعت بلوم أشد أرادت به إيلامه كما آلمها: يعني عادي أكده تتخلى عني تسيبني لغيرك. تحول الحزن إلى غيرة قاتلة عند ذكر تلك الكلمة، لكنه تحكم في غيرته وتحدث باقتضاب: جلتلك. غصب عني ومش بيدي. هم بالإنصراف لكنها وقفت أمامه تمنعه وقالت بحكمة:
أنا بحبك يا جمال ومعاك مهما تكون ظروفك، هكون سند ليك؛ الحضن اللي ترمي فيه همومك، الجلب اللي هيحس بيك لو جلت آه وأنت بعيد عنيده اكتر وجت محتاچني فيه، مستحيل أتخلى عنيك واصل مهما حُصل. تهرب بعينيه منها وقد لامست بكلماتها قلبه العاشق لها وتحدث بألم: خايف عليكي من اللي چاى. ردت بنفي: بخاف عليكي من بعدي، مش ده كلامك ليا، ليه دلوقت خايف عليا من جربك. لاحت ابتسامة صافية على محياه مما جعلها تبتسم بدورها وأردفت بصدق:
الحياة من غيرك ملهاش طعم ولا عازه يبجى إزاى عايزني أفارج الروح اللي متعلجه بروحي. تاهت الكلمات بين شفتيه واكتفى بالنظر لتلك العينين التي تشبه صفاء شمس الشروق. فيفيق كلاهما من تلك الفقاعة الوردية على صوت وليد أخيها: معلش يا چمال بس الحاچ مشيعلك تاچي دلوجت. حمحم جمال بإحراج وأومأ له ليخرج دون قول شيء. بعد خروج عاصم من منزله ذهب مسرعًا إلى صديقه الذي أخفى عليه ذلك الأمر.
لقد أخبره بشأن تلك الصفقة لكن رفض المشاركة بها وحاول اثناءه عن ذلك لكنه صمم كي يساعد ولديه. دلف إلى المنزل يسأل عنه فتخبره الخادمة بأنه قد تعب قليلًا وهو الآن في غرفته. قال عاصم بإصرار: جوليلوا إني رايده ضروري ولازم اجابله. صعدت أم حسين لغرفته لتطرق الباب فتفتح جليلة وتسألها: خير يا أم حسين أنا مش جيلالك أنه عايز يرتاح. ردت أم حسين: الحاج عاصم تحت ومصر أنه يجابله. سمعوا صوت عمران الذي تحدث بتعب:
دخليه المكتب وأنا چاي دلوجت. أنصرفت أم حسين وتدلف جليلة فتجده ينهض من الفراش بتعب. حاولت منعه لكنه أصر قائلاً: أكيد ابنك خبره بكل شئ لأنه جال هيأجل چوازته. ساعدته بارتداء جلبابه ونزل للأسفل وهو يحاول الثبات أمام صديقه الذي وقف ينظر إليه بعتاب. فأشار له بالولوج إلى غرفة المكتب ليتحدث عاصم بعتاب: أيه اللي حُصل ياخوي. سقط قناع الثبات أمام صديقه وبئر أسراره ليرتمي على الأريكة وهو يقول بألم:
وكأن صدمة واحدة مش كفاية چاتني التانية بعدها طولي. جلس عاصم بجواره ليسأله بحيرة: كيف ده أحكيلي. تنهد بألم وتابع: أكيد چمال ولدي حكالك كل شئ بس اللي جهرني هو منصور ابني اللي رفض يجف جانبي في محنتي ورفض يعطيني الفلوس اللي أخدها واللي عمل كل ده عشان أحجج له حلمه، أخد الفلوس واتخلى عنينا وهمل البلد وسافر. لم تكن حالته تسمح بالعتاب مما جعل عاصم يقول بدعم:
أحنا عشنا عمرنا كله نجف جانب بعضينا، ياما وجعت وملجتش غير يدك اللي بتساعدني أجف على رچلي من تاني، ويوم انت ما تجع هتلاجي يدي وضهري سندينك. حاول عمران الاعتراض لكن عاصم منعه بحزم: ألغي أي كلام دلوجت، أهم حاجة أننا نلحج الأرض جبل ما تضيع منينا وبعدين يبجى نتحاسب. لم يزده حديث عاصم سوى مرارة وحزن آلَم قلبه عندما قارن حديثه وموقفه معه بحديث ابنه. طرق الباب ويدلف حينها جمال الذي ما أن رآه عاصم حتى تحدث بلوم:
كمان باعتلي ابنك يرچع في كلمته اللي أدهاني جبل الفرح بسبوعين؟! عيب عليك جوي. تفاجئ عمران مما يقول ونظر إلى جمال الذي تهرب بعينيه بعيدًا عن عين أبيه وسأله بسخط: صُح الكلام ده؟ لأول مرة يشعر جمال بحماقة تسرعه وتحدث باقتضاب: الموضوع مش أكده يابوى. تحامل عمران على نفسه وهمّ واقفًا رغم تعبه وسأله بأنفعال: أومال إيه؟ حاول ان يتحدث بثبات وألا يشعر أحدهما بالضعف الذي يكتسحه الآن:
كل الحكاية إني خيرتها لأن الأيام الچاية هتكون عسيرة جوي وأني خايف أظلمها معاي، دي كل الحكاية. لم يريد عاصم توبيخه أكثر من ذلك لعلمه بصدق حديثه ومدى تعلقه بابنته. وإن كان تسرع بقول تلك الكلمات التي تحدث بها من خلف قلبه فعليه أن يكون لينًا قليلًا معه ليقول بجدية: اللي جولته ده يزعل يا ولدي، بنتنا بنت أصول تعيش مع چوزها على الحلوة والمرة. الفرح إن شاء الله هيتم في ميعاده، ومش رايد حديت تاني في الموضوع ده.
بس المهم لول إننا نفك رهنية الأرض. الدهب اللي جيبته لبنتي ده حجك. حاول عمران الرفض لكنه لم يمهله فرصة للحديث ليتابع بحزم: الدهب ده دهبكم وبعد ما تتفك الأزمة دي يبجى تعوضه المهم إننا نعدي المحنة دي كل واحد فينا يتصرف من جباله ونجهزوا أي مبلغ ونبعته للحاج عتمان. تقدم من جمال وتابع بلوم قبل ذهابه: الكلام اللي جلته ده حسابه واعر جوي بس بعدين، يالا أسيبكم دلوجت ونتجابل بعد صلاة العشا.
بعد انصرافه اخفض جمال عينيه أمام نظرات أبيه العاتبة وتحدث بارتباك: أنا خابر زين إني غلطت بس كان لازمن أعرف رد فعلها لما تعرف الحجيجة. كلمات واهية تحدث بها كي يتجنب تعنيف والده له. وهو فعل ذلك كي يسمع منها تلك الكلمات التي أطربت قلبه وجعلت الصعب لينًا. وكان والده يعلم ذلك علم اليقين فيقول بتفاهم: قبل يد والده وهو يقول بحب: ربنا يخليك لينا يابوى.
ابتسم عمران رغم الألم الذي احتل قلبه بفعلة منصور الذي أخذ مبلغًا كان بوسعه تغطية قدر كبير من الرهنية. لكن عليه الدعاء له بالنجاح حتى يشعر بأن ماله لم يضيع هدرًا. ظل ينظر إلى الحقيبة التي وضعها على المقعد بجواره وفي داخله صراع لا يرحم. بين الوقوف بجوار والده وبين تحقيق ما سعى كثيرًا لتحقيقه. الآن حلمه بين يديه لما يفرط به ولأجل ما لا يغني ولا يسمن من جوع. عادات وتقاليد عفى عليها الزمن لكنهم حتى الآن متشبثين بها.
أوقف السيارة على جانب الطريق يحاول بصعوبة الوصول لقرار. أمامه طريقان إما المضى قدمًا وتحقيق حلمه؛ وإما العودة لوالده كي ينقذه من تلك المحنة. شتان بين الاثنين حتى قرر في النهاية…… ياترى منصور هيرجع لأبوه ويتخلى عن حلمه ولا هيختار حلمه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!