اجتمع الجميع على مائدة الإفطار بسعادة بالغة بوجود مصطفى. كان عمران ينظر إليهم بسعادة غامرة وشعر باكتمال أسرته، ورويدًا رويدًا سيعود كل شئٍ لما كان عليه من قبل. لكن ذلك المحتج له رأيٌ آخر عندما تحدث بتبرم: _وانت چاي عشان تاخد أختك ولا چاي زيارة؟ بوغت مصطفى بسؤاله وكذلك سارة التي تبدلت ملامحها للخوف فتنظر إلى أخيها بتوجس تنتظر رده. _بصراحة بابا كان بعتني الأول عشان أجيبها.
أنقبض قلبها خوفًا ونظرت إلى جاسر تستنجد به لكنه لم يبالي بها وأردف مصطفى: _بس بابا لما لاحظ فرحتي وأد أيه أنا عايز اشوفكم واتعرف عليكم، فاجئني وانا جاي بأني أقعد معاكم زي ما أنا عايز. تراقص الأمل بداخل جليلة بعودته مرة أخرى وسألته بلهفة: _مجالكش انه هييجي؟ أخفض مصطفى عينيه وبهت آثر سؤالها ورد بهدوء: _أكيد طبعًا بس هو مشغول آوي الفترة دي وأكيد بعد ما يخلص شغله هييجي.
هزت جليلة رأسها بعدم تصديق فيرفع جمال ذلك الإحراج عن الجميع قائلاً برباطة جأش: _بكرة ليلى بنتي چاية هي ومعتز وحازم وإن شاء الله هنخليه أحتفال بوچودكم معانا. لم يجد مصطفى الكلمات التي تصف مدى امتنانه لهم وخاصةً عندما ربت جمال على يده وهو يقول بترحاب: _نورت الدار والبلد كلياتها. ابتسم بحب: _منوره بيكم ياعمي. انتهى دوامها وقررت العودة إلى المنزل كي تستعد للسفر.
حملت حقيبتها وهمت بالذهاب لكن حنينها هزمها تلك المرة لتقرر الذهاب إليه كي تودعه قبل رحيلها وكأنها سترحل دون عودة. طرقت الباب قبل دخولها لتتفاجئ بالغرفة فارغة. فينقبض قلبها خوفًا عليه، أسرعت بالخروج وسؤال إحدى الممرضات فأخبرتها أنه في قسم الأشعة. أغمضت عينيها بألم تحاول تهدئة أعصابها التي انهارت إثر تلك الصدمة.
ذهبت إلى قسم الأشعة لتجده مستلقيًا على سرير الأشعة يكاد لا يشعر بشئٍ من حوله، تسارعت وتيرة تنفسها وهي تراه بتلك الحالة. نظرت إلى عصام الذي يباشر الأشعة مع الطبيب المختص بها وسألته بقلق: _دكتور عصام أيه اللي حصل؟ هز عصام رأسه بقلق: _للأسف الحالة مبقتش مستحملة أكتر من كده، كل مدى الحالة بتسوء أكتر. آزاد انقباض قلبها خوفًا وسألته بريبة: _وبعدين؟ _هيفضل في العناية لحد ما نشوف حل.
انتهى الطبيب من عمله وأسرعوا للعودة إلى غرفة العناية. قاموا بوضعه مره أخرى على الأجهزة لتجد أن مؤشرات القلب عنده اصبحت بالفعل بطيئة وهذا لا يبشر بالخير مطلقًا. عاتبت نفسها على صدها له في الصباح، وندمت أشد ندم على فعلتها، ما كان عليها أن تصدمه بتلك الحدة. رن هاتفها فعلمت بهويته الذي لم يكن أحدًا سوى حازم الذي أصبح جاف التعامل معها منذ أن أعترفت له. خرجت من الغرفة لتجيب بثبات زائف: _أيوة ياحازم.
رد حازم من الجانب الآخر: _هتاچي ولا هنعدي عليكي في المستشفى؟ مسحت دمعه تدحرجت على وجنتها وردت بهدوء: _لأ سافروا أنتوا أنا مش هسافر. أندهش حازم وسألها بجدية: _يعني أيه الكلام ده؟ واللي مستنيينك هناك دول أجولهم أيه؟ أخذت نفس عميق تهدئ به حزنها وأجابت بإصرار: _مش هينفع أرجع معاكم، في حالات هنا مش هينفع اسيبها. سألها حازم بشدة: _مين هما بجى الحالات دي؟ نظرت ليلى إلى الممرضة التي خرجت من الغرفة وقالت:
_حالات تعبانه ياحازم. إزداد الشك بداخله وقال بحدة: _أجولك أنا هچيكي بنفسي أشوف الحالات دي. اغلق الهاتف قبل أن تعارضه مما جعلها تغمض عينيها بريبة خشيةً من عناده. عادت إلى الداخل لتجد عصام ممسكًا بهاتفه يشير لها بالبقاء معه وخرج من الغرفة. تقدمت منه وهى تتحلى بقوة زائفة لكن ما أن جلست بجواره حتى تلاشت قوتها وانهارت في البكاء. وتساءلت إلى متى ستظل بذلك العذاب؟ هم حازم بالخروج من المنزل بعد أن أغلق
هاتفه لكن معتز منعه بحده: _أنت في أيه؟ أيه حكايتك بالظبط معاها؟ من وقت ما صرحتنا بموضعها وأنت واقفل لها على الغلطة، أيه اللي في دماغك بالظبط. تهرب حازم من الإجابة وهو يهاجمه بالرد: _انت اللي يومين جضتهم أهنه خلوك تنسى عوايدنا وإننا صعايدة ومينفعش نسكت على اللي بيحصل ده. تحدث معتز بإنفعال: _هى معملتش حاچة تتعدى عوايدنا عشان تعاملها بالشكل ده، هى بتتعامل معاه كمريض وأظن واحد في حالته مش هيكون واعي لعشج وغيره.
أختنا وخبرينها زين وعارفين تربيتها عمرها ما هتكون موضع شك. رد حازم بوجل وهو يجلس على المقعد: _مهما كان ثقتنا فيها بس ده ميخلناش نوافج على اللي بتعمله ده. ارتبك وهو يضيف: _وكمان أني خايف عليها تتعلج بيه أكتر من أكده والآخر تتعذب بفراجه. علم معتز سبب تعنده معها والذي أيقن بأنه نابع من خوفه عليها كي لا تمر بما مر به هو وسأله بتعاطف: _انت لساتك بتفكر فيه؟ نفى حازم بحدة: _انا مـ بفكرش بحدا. جلس معتز قبالته وقال بجدية:
_لأ لساتك بتفكر فيها وبلاش عناد جصادي انا بالذات لأنك لو داريت عن الدنيا كلها مستحيل تخيل عليا. تنهد حازم بأسى وقال: _مش هينفع نتكلموا فى حاچة منتهي أمره. انهض من مقعده وهو يتابع بإصرار: _اني رايح أجيب أختك جبل مـ العشج يتملك منيها وتعيش عمرها كله في عذاب. لم يمنعه معتز علمًا بحالته وتركه يغادر. في منزل عاصم.
لم تصدق زينا ما تسمعه أذنها عندما أخبرتها والدتها بما حدث، هل حقًا انحل ذلك الحبل الذي كان ملتفًا حول عنقهم، وأصبح كل واحدٍ منهم على سجيته؟ هى تعلم علم اليقين بأنه لا يكترث لها. لكن ذلك أيضًا لن يقرب المسافات الطويلة التي كتبت عليهم. وسيظل جاسر بينهم ولن يستطيع أحد فعل شئ، فليصبروا قليلًا لربما تتبدل الأحوال بينهم ويستطيعوا حينها الإقتراب وعودة الأمور لما كانت عليه قبل أن يفاجئها زوج عمتها بذلك الطلب. في غرفة سارة.
جلس مصطفى بجوارها وسألها بعتاب: _ايه ياسارة اللي خلاكي عملتي كده وجيتى لوحدك؟ ياستي على الأقل كنتي عرفيني يمكن كنت اتجننت انا كمان وروحت معاكي. لا تعرف ليلى بماذا تخبره، هو حقًا شقيقها ومنبع أسرارها لكن تعلم أيضًا بأنه لن يقبل بما حدث ولن يمر الأمر مرور الكرام وربما يتصدى لذلك الشخص ويدمر مستقبله. رسمت ابتسامه لم تصل لعينيها وردت بهدوء: _خفت لبابا يعرف زي المرة اللي فاتت فقلت افاجئهم أحسن واحطهم ادام الأمر الواقع.
_طيب والمحاضرات اللي سبتها دي؟ ساد الصمت قليلًا حتى تحدثت: _تعرف أيه أكتر حاجه بندم عليها؟ ضيق عينيه متسائلًا لتجيبه بألم: _اني معملتش كده من زمان. تنهدت بألم وأردفت: _للأسف ماما ضحكت علينا لما فهمتنا أنهم ظلموا بابا وأخدوا حقه، والحقيقة أنها العكس تمامًا. عقد حاجبيه مندهشًا وتساءل: _إزاي؟
قصت عليه كل ما حدث منذ أن وطئت قدماها داخل المنزل حتى تلك اللحظة، وكأن مصطفى أصيب بالصدمة مما سمعه الآن وقد اظهرت حقائق عجيبة لم يكن يتخيلها. _إنتي بتقولي إيه ياليلى؟ ردت بتأكيد: _للأسف دي الحقيقة ولحد النهارده بيكمل خيانته ليهم، وده خلاني أتمسك بيهم أكتر وأصر إني أفضل هنا. _ودراستك؟! ردت بلهجة لا تقبل نقاش: _هنقل هنا في الجامعة ومش هرجع تاني. خفضت عينيها وهى تكمل: _وفي حاجه بردوا، إن جاسر أتقدملي وأنا وافقت.
انصدم مصطفى مما قالت لكنه تحدث برجاحة وهو يسألها: _إزاي مش فاهم. يعني إيه هتكملى هنا؟ وأيه اللي يخليكي ترتبطي بواحد لسه شيفاه من أسبوعين وأقل كمان. حاولت الثبات وألا تظهر التعاسة التي عرفت طريقها إلى قلبها وأجابت بصدق: _يمكن جاسر باين عليه أنه شديد وعصبي بس صدقني النوع اللي زي ده بيداري حنانه وطيبة عشان مينجرحش زي ما أبوه أنجرح. لأن اللي شافه عمك محدش أبدًا يقدر يتحمله. عارض مصطفى حديثها:
_بس مش معنى كده إنك ترتبطي بيه، أنا شايف أن الجوازة دي متنفعش خالص ده غير طبعًا رأي ماما في الموضوع ده، مستحيل توافق. نعم محق في كل كلمة نطق بها لكن عليها أن ترضى بواقعها الذي فرضه القدر عليها لتقول بإصرار: _أنا خلاص عرفتهم إني موافقة ومش هتراجع. شعر مصطفى أن هناك سببًا آخر وراء ذلك لكنه لم يريد الضغط عليها الآن فـ حالتها لا تسمح بالاستفسار عن أي شئ. في غرفة أمجد. ظلت ليلى قابعة بجواره لا تستطيع مفارقته لحظة واحدة.
تخشى إذا تركته تعود ولا تجده كما حدث اليوم. حتى عندما سمعت الآذان قررت الصلاة في الغرفة كي تظل قريبة منه. انهت صلاتها وانتبهت على صوت همهمه تصدر منه. نهضت وأسرعت إليه بلهفة وشوق وهى تسأله: _أمجد أنت سامعني؟ لم تجد منه ردًا سوى تلك الهمهمة الخافتة. قامت بجس نبضه والنظر للمؤشر لتجد الحالة كما هى. فتعاود سؤاله بلوعة: _أمجد لو سمعني حرك إيديك. ولم يمضي ثانية واحدة حتى وجدت يده تتحرك ببطئ على الفراش.
ابتسمت بسعادة كبيرة لكن ساعدتها تلاشت عندما طرق الباب ووجدت الممرضة تدلف قائله: _دكتورة ليلى، اخوا حضرتك بره وعايزك ضروري. أومأت برأسها وهى تقول: _طيب روحي قوليله إني جايه. قامت بوضع بعض الأدوية داخل المحلول. همت بالذهاب لكن يده أمسكت يدها بضعف تمنعها من المغادرة، أو ربما تكون لمست رجاء بألا تتركه لتعود ابتسامتها اخرى وهي تقول: _متقلقش هرجع تاني. تراخت يده عنها وتخرج من الغرفة متجهه إلى مكتبها حيث ينتظرها حازم.
وعندما رآها تحدث بجدية: _يالا يا ليلى لأن القطر بقيله ساعة ويطلع. ردت ليلى بثقة: _أنا كلمت بابا وعرفته إني مش هقدر انزل الأجازة دي. رد حازم باحتجاج: _وعرفته السبب الحقيقي ولا أعرفه أنا؟ رد ليلى بهدوء: _لأ ياحازم مقولتش ولو عايز تقول أنا مش همنعك، بس خليك واثق وقتها إني عمري ما هسامحك. زم حازم فمه بغيظ وشعر بأنه أصبح مكبل بسبب تهديدها له وقال بتبرم: _ده تهديد ولا ايه مش فاهم. تقدمت منه ليلى وقالت برباطة جأش:
_اطمن ياحازم أنت عارفني كويس وواثق إني عمري ما هعمل حاجه تغضب ربنا ولا تزعل بابا مني، بالنسبة لأمجد أنا فعلًا حبيته وهو كمان بس محدش من صرح للتاني بمشاعره، وعشان تكون عارف أنا مش هتنازل عن الحب ده لأى سبب من الأسباب، ومش هتخلى عنه وهفضل سند ليه لحد ما يقف على رجليه من تانى. قربت منه أكثر لتردف بألم:
_أرجوك ياحازم خليك أنت كمان سند ليا لحد ما نلاقي المتبرع وصدقني وقتها هبعد مجبره لأن دوري إني أوقفه على رجليه من تانى، وبعدها مش هيكون في سبب لتواجدي معاه، وبالنسبه لخطواته هو اللي هيخطيها لوحده. لم يستطيع حازم الوقف أمام ذلك العشق الذي أعترف به بكل وضوح وقال بمثابرة: _حاضر ياليلى هسكت وهسيبك وهديكي ثقة أكبر بس لو رجعتي موجوعه مش هقدر أعملك حاجة. أومأت بعينيها ثم تركها وغادر.
عادت ليلى إليه لتجده قد عاد لسباته تقدمت منه بشغف وجلست على المقعد بجواره وقالت بهيام: _إن شاء الله مفيش حاجة هتقدر تبعدني عنك غير الموت، حتى الموت هفضل أحارب معاك لحد ما تتغلب عليه بإذن الله. في منزل منصور. دلف منصور مكتبه بعد أن تأكد من نومها وقام بإخراج الملف من مكتبة وابتسم بتشفي وهو يرى امضتهم على أوراق التنازل. امسكت هاتفه واتصل على المحامي الذي ما إن أجابه حتى تحدث بقوة:
_الصبح الأوراق هتكون عندك عايزك تخلص الأجراءات بأسرع وقت. _تمام يافندم. أغلق الهاتف وابتسامة نصر مرتسمة على فمه وهو يقول بتوعد: _إن مـ رجعتكم للشحاته تاني مبقاش أنا منصور عمران. دلت ساندي غرفة أخيها لتجده يغلق حقيبته ويستعد للذهاب فقالت بامتعاض: _بردوا هتسافر من غير ما تعرف البنت راحت فين؟ رد وائل باستهزاء: _هتكون راحت فين يعني، أكيد عند حد من قرايبها، بس المهم اول ما تشوفيها تكلميني فورًا. ردت ساندي بقلق:
_أنا خايفة الموضوع ده يتعرف ووقتها مش هيرحمونا. أجابها بثقة وهو يحمل حقيبته يستعد للذهاب: _قُلتلك متقلقيش هترجع هترجع مـ عندهاش حل تاني. يالا خلي بالك من نفسك وسلمي على عمتي. _الله يسلمك ياحبيبي. خرج وائل وأغلقت هى الباب خلفه وعادت إلى الداخل تجلس على الاريكة وتمسك بهاتفها وابتسامة سعادة مرتسمة على وجهها عندما أجابها: _حبيبة قلبي وحشتيني موت. وردت ساندي بدلال: _لو كنت وحشتك بصحيح مكنتش فضلت المدة دي كلها متكلمنيش.
_مكنش ينفع طول مـ وائل هنا وخلاص وائل مشي وكده ولا كده انا فضيلك ياجميل. تحولته لهجته بخبث وهو يتابع: _مش ناوية بقى تيجي عندي الشقة؟ ردت ساندي بجدية: _لأ طبعًا انت عارف رأيي في الموضوع ده. ترجع مسرعًا: _خلاص ياستي انا بقول هنبقى براحتنا وبعدين انتي هتروحي عند عمتك ومش هنعرف نتكلم براحتنا. أيدت ساندي رأيه وهى تقول بحيرة: _عندك حق بس متقلقش انا هحاول أكلمك وانا في الجامعة. تظل تتحدث معه حتى شعرت بتأخر الوقت وقالت:
_أقفل بقى عشان أخرت آوى على عمتي. _ماشي ياحبيبتى بس لو اخرتي عليا ومعرفتيش تكلميني يبقى لازم نتقابل. _هشوف الاول يالا باى. اغلقت الهاتف وقامت بتبديل ملابسها وخرجت هى الأخرى. في غرفة جمال. خرج من المرحاض ليجدها جالسة على الفراش ومازالت على وجومها منذ أن علمت بعدم مجيئ ليلى. تنهد بحيرة. ماذا يفعل أمام هذين الأثنين الذي يبقى مسلوب الإرادة أمامهم، هى ترجته أن يتركها لأجل عملها.
وهى تعاقبه أشد عقاب على موافقته لها بتجاهله. وآااه من ذلك التجاهل الذي يجعله بسهولة يرضخ لكل ما تريد. ابتسم وهو يتقدم منها ليجلس بجوارها وقبل رأسها بحب وهو يقول: _لساتك زعلانه؟ نظرت إليه بعتاب وهمت بالإبتعاد لكن نظرات العشق التي يرمقها بها جعلتها تظل مكانها وخاصةً ابتسامته التي تضئ ظلمتها وأردف قائلاً: _إنتي خابرة زين إنك لما بتزعلي الدنيا كلها بضيق علي. ردت وسيلة بعتاب: _اضحك عليا زي عوايدك. ضحك جمال
وهو يقربها منه ويأكد بحب: _ولو مضحكتش عليكي انتي اضحك على مين؟ وبعدين إنتي بتسمي حبي ليك ده ضحك؟ ده عشج متملك من الجلب وخلاه مش شايف غيرك. وعشان إكده مش بجدر على زعلك واصل. إزداد عتابها أكثر: _وعشان إكده راضتها هي ومهمكش زعلي. هز جمال رأسه بتعب من الجدال معها في هذا الأمر وقال بجدية: _ياوسيلة بنتك بقيت دكتورة ومهنتها هى اللي بتحكمها، بلاش نضغط عليها ونسيبها بحريتها. تحدثت وسيلة بقلق:
_بس ياجمال البنت بجد وحشتني وجلبي جلجان عليها، ديمًا بحلم أنها مهمومة وفـ ضيق. احتواها جمال بين ذراعيه وقال يطمئنها: _متجلجيش، ليلى من يومها ميتخافش عليها. وهى طمنتني وجالت إن اليومين دول هتقضيهم في المستشفى وأني كلمت الدكتور عصام وهو واخد باله منيها، اطمني بجى وخليكي مع أبوها اللي زعلتيه دلوج. ابتسمت له بحب لتضع رأسها على صدره العريض وقالت بولع: _لا عشت ولا كنت عشان ازعل حبيب الجلب مني.
بس غصب عني، ده من خوفي على بنتنا. تحولت نظراته لمكر وسألها بولع: _لساتك بتعشجيني كيف لول. بعدت رأسها عنه قليلًا كي تنظر إلى عينيه التي تهيم بها عشقًا وأجابت بعشق: _وكيف محبكش وأنت مالك الجلب والروح، كل مدى حبك في جلبي بيزيد وبحس انك كيف الهوا اللي بتنفسه لو أتمنع أموت. _بعد الشر عنيكي من الموت. قرب وجهه منها كي يقبل ثغرها الذي دائمًا يسعى للأرتواء منه حد الشبع لكنه لم يشبع يومًا ويظل دائمًا متلهف للإرتواء منه.
أما هى فمستسلمه لغزوه بكل ترحاب وكأنها تريد أيضًا الأرتواء من عشقه حتى التشبع. رفع أمجد جفنيه بصعوبة شديدة وقد شعر بثقل يجثم على صدره جعل تنفسه شديد الصعوبة. حرك يده كي يزيل جهاز التنفس لكن يد حانية منعته من ذلك وصوتها الذي يبث الاطمئنان بداخله يمنعه من ذلك. وأعادت يده إلى موضعه. تمكن أخيرًا من رفع جفنه كي ينظر إليها ويرى وجهها الذي يعشقه. لكن التنفس أصبح أصعب بكثير، حاول التحدث لكن العائق يمنعه من ذلك.
حرك عينيه بصعوبة تجاهها فيجد ابتسامتها التى تنير ظلمته مرتسمة على محياها. فتحدث بوهن: _لسه معايا؟ أومأت برأسها وهى تقول بتأكيد: _هفضل معاك العمر كله، بس انت قاوم. ابتسم بحزن وهى يسألها: _هو فين العمر ده؟ أجابته بأمل وهي تحثه على المقاومة: _موجود وإن شاء الله هتلاقي المتبرع وهتعمل العملية وتبقى أحسن من الأول. هز رأسه بنفي وأردف: _انا بسمع الكلام ده بقالي اكتر من ست شهور فخلاص مبقاش بيديني أمل زي الأول.
حاولت كبت عبراتها من النزول وقالت بروية: _صدقني انا متباشرة وظني في الله خير وهنلاقي المتبرع بأقصى سرعة، وهتشوف. ازدرد ريقه بصعوبة وشعر بجفاف حاد في جوفه فشعرت هى بذلك وقامت بملئ الكوب ومساعدته على الارتواء. اكتفت برشفة قليلة وأعادت الكوب إلى موضعه وقالت: _كفاية كده. نظر إليها طويلًا ثم سألها: _طلعتيلي مني، أنا كنت صابر وراضي بقدري جيتي إنتي ضيعتي الرضا ده وخلتيني أتمسك بالحياة اللي مش مكتوب. ليرغم الحزن
بداخلها إنها تحدثت بمرح: _كنت داخله أشوف الحرامي اللي دخل بيت عمران المنشاوي، ومش عارفه لحد النهارده انا كنت داخله أعمله ايه؟ ابتسم أمجد وأجاب بمزاح: _كنتي داخله عشان تخطفي قلبي مش تنقذيه. رغم الحياء الذي شعرت به جراء كلماته إلا إنها أجابت بصدق: _بالعكس انا دخلت عشان تخطف أنت قلبي وتهد الجدار اللي بنيته حوالين قلبي بنظرة واحدة. نظر إليها أمجد مطولًا وكأنه يعاتبها على ظهورها في حياته التي لا أمل منها وقال بكمد:
_الكلام لو سمعته في وضع غير اللي أنا فيه ده كان زماني أسعد واحد في الدنيا، بس للأسف بسمعه وأنا بتألم إني معنديش العمر اللي أقدر أسعدك فيه. أكدت بحبولاحظت هى ذلك. فقالت بثبات: _كفاية كلام لحد كده وأرتاح. _متسبنيش. أومأت بحب: _عمري مـ هسيبك. اغمض عينيه وعاد لسباته وعادت هى لأحزانها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!