في غرفة مصطفى كان يحضر ملابسه داخل الحقيبة بسعادة لا توصف كي يستعد للسفر، فقد استطاع أخيرًا وبعد عناء الذهاب إليهم. دلف منصور الغرفة ليجد أبنه بتلك السعادة، ليندهش من تعلقه بهم رغم أنه لم يراهم ولا يعرف عنهم شيئًا، فأيقظ بداخله ذلك الاشتياق الذي أرق مضجعه أعوامًا كثيرة. لكنها استطاعت بسهولة القضاء على ما تبقى بداخله من حنين لهم ولبلدته. تقدم منه ليقول بابتسامة: _كان لازم يعني تسافر بالليل كده؟ أغلق
مصطفى الحقيبة ورد بهدوء: _أنت عارف إني بحب سفر الليل، بيبقى مريح أكتر. _للدرجة فرحان إنك هتروح الصعيد؟ أقترب مصطفى من والده أكثر وقال برزانة: _القصة مش قصة صعيد أو غيره، بس أنا نفسي أشوف أهلي وأتعرف عليهم، مهما حصل بينكم من خلافات، فإحنا ملناش علاقة بيها. أومأ منصور بتفاهم وقد ازداد الاشتياق بداخله، فتحدث بلين: _على فكرة لو عايز تقعد معاهم أسبوع ولا أكتر أنا معنديش مانع. رفع مصطفى حاجبه بدهشة وتحدث بسرور: _عايز أوي.
وضع منصور يده على كتفه وقال بإبتسامة: _خلاص، اقعد زي ما أنت عايز، بس وقت ما أتصل عليكم تيجوا على طول. أومأ مصطفى برأسه: _إن شاء الله. فخرج منصور من الغرفة متجهًا إلى غرفته كي يبدأ بمسلسل جديد يعيد به ثقتها، ليجدها مستلقية على الفراش تتلاعب بهاتفها. بإبتسامة باهتة دارى بها مكره، اقترب منها منصور ليأخذه ويضعه على المنضدة ويجلس بجوارها تحت دهشتها من تصرفه وقال بخبث:
_البيت خلاص فضي علينا، أيه رأيك ناخد إجازة ونروح نقضي يومين في السخنة؟ قطبت جبينها بحيرة وتحدثت بدهشة: _هو مصطفى مش هيجيب أخته وييجي على طول؟ تناول منصور خصلة بين يديه يتلاعب بها وقال بمكر: _تؤ، مش هينفع يروح وييجي في نفس اليوم، هو أنا قولتله يبات ويبقى ييجوا بعد يومين. همت بالمعارضة لكنه وضع أنامله على فمها يمنعها وقال بشاعرية: _أنا اللي طلبت منه كده عشان نفضل لوحدنا شوية. نظرت له بشك وقالت: _من إمتى الكلام ده؟
قرب وجهه أكثر من وجهها وقال بمكر: _من زمان، وأنتي عارفه كده كويس، بس إنتي اللي انشغلتي عني. شعرت بحرارة أنفاسه على عنقها مما جعلها تنزوي قليلًا وقالت: _أنا منشغلتش، أنت اللي بقيت قاسي أوي. قبل جانب عنقها وقال بتروي: _حقك عليا، كنت مضغوط بسبب الصفقة، بس خلاص الصفقة تمت والعيال مش في البيت وإحنا لوحدينا، نستغل ده ولا إيه؟ استطاع خداعها بكلماته مما جعلها تتجاوب للمساته وسألته بثبوت: _لسه بتحبني؟
ضغط منصور على قبضته كي يستطيع أخراج كلماته الزائفة بسلاسة: _أكيد طبعًا، هو أنا لو مش بحبك كنت عيشتك معايا للنهارده. خرجت كلماته الأخيرة دون إرادة منه، وعندما لاحظ الشك في عينيها صحح قائلًا: _هو إيه اللي يجمع الزوجين غير الحب؟ ولو مفيش حب أكيد مفيش حياة مشتركة بينهم. تساءلت: _الأولاد مثلًا. عندما تحدث تلك المرة كانت الرغبة هي المسيطرة، فخرجت الكلمات بسلاسة ويسر: _سبب ضعيف، بس الأقوى هو الحب.
لم يمهلها فرصة للرد عليه وقام بجذبها وتقبيلها رغبة، لكنها خالية من أي حب. في منزل عاصم دلف ياسمين غرفتها كي تتحدث مع وليد في أمر ابنته. تعلم جيدًا أنه سيعارض بشدة، لكن عليها التحدث معه ربما تقنعه. وضعت كوب القهوة على المنضدة وجلست بجانبه وهى تقول: _وليد، كنت رايدة أتحدت وياك في موضوع مهم. اعتدل وليد في فراشه ونظر إليها بانتباه: _خير يا ياسمين، في حاجة؟ أومأت برأسها وقالت: _بصراحة أنا عايزة أكلمك في موضوع زينة وجاسر.
عقد حاجبيه متسائلًا: _مالهم؟ في إيه؟ ترددت كثيرًا قبل أن تخبرها عن حديثها معها وختمت قائلة: _وبصراحة عندها حق؛ جاسر ابن أختك طبعه شديد قوي، مش هينفع مع بنتنا؛ دي زينة بتعيط من النسمة، إزاي هتعرف تتعامل مع جاسر بشدته دي؟ أيد وليد رأيها، لكن لن يستطيع فعل شيء، فهو يخشى إحزان أخته، فتحدث بحيرة: _أنا معاكي في كل ده، بس إني مش عايز أزعل وسيلة ولا جمال، وإن كان على طباعه أكيد هيتغير بعد الجواز. زمت شفتيها بضيق:
_يعني مفيش فايدة؟ تنهد بحيرة لأنه يعرف جيدًا أن ابنته لن تتحمل، وخاصةً عندما لاحظ فتورهم، وقال: _مش عارف أقولك إيه، بس هحاول أفتح الموضوع مع وسيلة وأشوف رأيها. في المشفى كان صابر في قمة سعادته وهو جالس مع ابنه في غرفة عادية بعد أن تم نقله من العناية المركزة. عارض عصام كثيرًا، لكنه أصر على ذلك. وعندما لاحظ صابر غياب ليلى، تساءل: _أومال فين الدكتورة اللي كانت متواجدة معاه على طول؟ مش شايفها يعني؟
رد عصام بمكر وهو ينظر إلى أمجد الذي تتبدل ملامحه فور سماع أي شيء عنها: _راحت ترتاح شوية، بصراحة ابنك تعبها قوي الفترة اللي فاتت دي، حتى وهو في الصعيد. قطب صابر جبينه بدهشة وسأل أمجد: _هي من الصعيد؟ أومأ أمجد قائلاً: _دي تبقى حفيدة عمران المنشاوي اللي كنت عندهم. _بنت جمال ولا منصور؟ لم يعرف أمجد شيئًا عن منصور، لهذا جاوب بتأكيد: _بنت جمال. أكمل عصام مكره:
_بصراحة بنت ممتازة؛ جميلة، أخلاق عالية، ودكتورة شاطرة وبنت ناس، كنت بفكر أخطبها لابني بس النصيب. علم صابر بأنه يشاكس ابنه الذي تبدلت ملامحه، ليس لغيره كما توقع، إنما لحزن أوجع قلبه هو، فينظر إلى عصام بعتاب ليرد عليه الآخر بنظرة يؤكد فيها أنه يقصدها، وخاصةً عندما تابع: _أصل بصراحة في دكتور زميلها فاتحني أنه عايز يتقدم لها، وقررت أكلمها في الموضوع أول ما تيجي. قاطع حديثه أمجد الذي قال بحده:
_لو سمحت يا بابا، عايز أرتاح شوية. أومأ صابر بتفاهم: _حاضر يا حبيبي. نهض من مقعده ونظر إلى عصام بعتاب وخرجوا من الغرفة. فور خروجهم، نظر صابر إلى عصام وتحدث بخشونة: _مكنش ينفع الكلام اللي قولته ده يا عصام. رد عصام بهدوء:
_لأ ينفع، ده جزء من العلاج، هي دي اللي هتخلي أمجد يقاوم. أنت متعرفش ابنك قبل ما يعرفها كان مستسلم إزاي. إنما لما شافها اتغيرت كل حاجة جواه. صحيح لسه يائس من الحياة، بس بيتمنى يعيش عشانها، وعشان كده كل ما ألاقيه بييأس بفوقه بيها. زاد الحزن بداخله أكثر على ابنه وسأله بقلق: _الدكتور اللي كلمتني عنه مردش عليك؟ زم عصام فمه وقال: _للأسف، كل الحالات اللي بيقابلها غير متوافقة معاه، بس ما علينا بالدعاء. في منزل عاصم
وقف جاسر أمام منزل جده مترددًا، لا يعرف ماذا يفعل. هل يجازف ويحزن خاله؟ أم يلقي بتعقله عرض الحائط وينفذ ما انتواه من البداية بأن يلقيها له. لكن هو أيضًا مجبر على ذلك، فالأمر ليس بالهين، هي ترفض العودة لوالدها وهو يخشى من معرفة أحد بالأمر، لن يتحمل جده صدمة أخرى منه، ومن المستحيل أن يقص على خاله ما حدث وسبب فراقه عن ابنته. كان جده محقًا فيما قال، الأمر أصعب بكثير مما تخيل. هم بالانصراف لولا فتح الباب وخروج عمر
ابن خاله الذي سأله بدهشة: _جاسر؟! واقف أكده ليه؟ اتفضل جوه. ابتسم جاسر بخروج عمر مما جعله يستسلم للأمر الواقع وقال بتشوش: _هو خالي موجود؟ أكد عمر: _آه موجود، اتفضل. دلف جاسر وقد زادت ضربات قلبه حدة وهو يصادف جده يجلس في الردهة: _أهلًا جاسر، تعالى. تقدم جاسر من جده التي تعجبت من هيئته وسألته: _مالك أكده؟ في حاجة حصلت؟ ازدرد ريقه بصعوبة وجلس أمامه لا يعرف ماذا يفعل. عاد عاصم يسأله بقلق: _في إيه يا جاسر؟ جلجتني.
واستطاع بصعوبة أن يلملم شتات أمره وقال باضطراب: _جدي، أنا كنت رايد أتكلم معاك في موضوع أكده. قطب عاصم جبينه: _خير يا ولدي؟ تردد كثيرًا قبل أن ينطقها ليقول بالأخير: _كنت عايز أقولك إني مجبر أتزوج بنت عمي، وياريت محدش يسألني ليه. لم يساوره الشك إزاء أي أمر سوى أنه يود الانتقام من عمه بها، لتتبدل ملامحه للشدة وهو يقول: _ومن ميتى إحنا بناخد الولاد بذنب أهلهم؟ همس جاسر بمقاطعته لكنه أكمل بحدة:
_بتحاول تكدب عليا لإني عارفك زين، وعارف قد إيه أنت بتكره منصور ونفسك تاجيلك الفرصة عشان تردله اللي عمله مع أبوك وجدك. بس صدقني الطريق ده محدش هيرجع منه خسران غيرك. استاء من نفسه، ما الذي يجبره على وضع نفسه أمام ذلك الاتهام، هو لا ينكر إن به القليل من الحقيقة وهو أن ينتقم من منصور بحرمانه منها، لكن السبب الأهم هو ما لا أحد يعرفه سواه.
_الموضوع مش أكده خالص، بس أنت خابر زين إن ارتباطي بزينة كان عن طريقكم أنتم، لا هي حبتني ولا أنا شايفها قدامي غير ليلى أختي، وصدقني الانتقام اللي بتقول عليه ده مش هيجي، كل الحكاية إني رايدها مش أكتر من كده. تنهد عاصم بتعب ثم تحدث بروية:
_شوف يا جاسر، أنت أول فرحتي، أول حفيد شلته بين إيديا وأخد قلبي من وجتها، خابر زين إنك عمرك ما كدبت عليا، زي ما خابر إنك مبتعترفش بالحب أصلًا. صدقك وأقول إنك حبيتها، بس يكون في علمك إن منصور هيفضل بيناتكم، وكل ما تبصلها هتفتكر كرهك لأبوها. فكر زين يا ولدي، وإن كان على زينة، هي فاتحتني امبارح أنها شايفاك زي أخوها، ولو صبرت شوية كنت هفاتحك فيها. دلف وليد ليسمع كلمة والده الأخيرة: _هو إيه يا بوي اللي هتفاتحه فيه؟
نظر جاسر لجده كي يرفع عن أثنيهم الحرج، ليتحدث عاصم بثبات: _تعالي يا ولدي، كنت عايزك في موضوع مهم. جلس وليد بجوارهم وتساءل: _خير يا بوي؟ تنهد عاصم ونظر إلى جاسر وقال: _كنت بعت لجاسر عشان أفاتحه في موضوع زينة. عقد وليد حاجبيه بدهشة وسأل والده وهو ينظر إلى جاسر: _مالها زينة؟ أراد عاصم أن يحفظ ماء الوجه بالنسبة للجميع وقال بجدية:
_زينة اتحدت معايا امبارح أنها عايزة تلغي خطوبتها بجاسر، ولما كلمته لقيته متفاهم وقال لي إن كل شيء قسمة ونصيب. شعر وليد بالحرج من موقفه وقال: _صدقني يا جاسر... قاطع جاسر حديثه كي يرفع الحرج عنه وهو يقول برصانة: _متقولش حاجة يا خالي، زينة هتفضل زي أختي ومفيش حاجة هتتغير. نهض ليهنئهم بالخروج: _أستأذن لأني عندي مشوار ضروري لازم أروحه.
خرج من المنزل وقد أُزيل ذلك الحمل الذي أجثم على صدره، والآن عليه المواجهة الكبرى وهي منصور. في اليوم التالي في المشفى نهض أمجد من الفراش بمساعدة فارس صديقه، لكنه لم يستطع السير على قدمه فقد تورمت بشكل يدعو للقلق، فقال فارس بمصابرة: _معلش يا أمجد، أتحمل شوية، الدكتور عصام أصر إنك تمشي ولو دقيقتين بس. حقًا لم يستطع، ليعود إلى الفراش مرة أخرى وقد شعر بالإنهاك من تلك الخطوة. _حقيقي مش قادر.
استسلم فارس وساعده على الاستلقاء. فسمعوا طرق الباب، فسمح فارس بالولوج، فدخلت ليلى، التي ما إن رآها حتى أشرق وجهه بابتسامة وديعة وقال بترحيب: _أهلًا دكتورة ليلى، اتفضلي. شعرت ليلى بالإحراج لوجود شخص آخر، فيرفع عنها فارس ذلك الإحراج وقال: _طيب، أنا هروح أشوف عمي وأرجعلك. أومأ له أمجد، وما إن اقترب من الباب حتى التفت، غمز له بعينيه، جعل أمجد يضحك مرغمًا. نظرت ليلى خلفها لتجده قد خرج وأغلق الباب خلفه، فتساءلت:
_بتضحك على إيه؟ رد أمجد بمرح: _ولا حاجة، المهم أخرتي كده ليه؟ زاد احراجها وردت باضطراب: _بس أنا ماخرتش. نظرت إلى ساعة يدها وتابعت: _الساعة دلوقتي تسعة. أكد قائلًا وهو يلتهم ملامحها بعينيه: _بردوا آخرتي. قررت التعامل معه بمهنية كي تجعله يخفي تلك الابتسامة التي ترهقها، فتقربت منه كي تنظر إلى التقرير الذي أعده الدكتور عصام صباحًا وقالت بروية: _الحمد لله، بقينا أحسن بكتير. رد أمجد بامتنان: _ده بفضلك إنتي يا ليلى.
اهتزت نظراتها عندما نطق اسمها بتلك الشفافية، وكأنه معتاد على ذلك. لما كل كلمة تخرج من فمه لها تربك كيانها بذلك الشكل، فشعرت بأن وجودها معه خطر لا محالة. لملمت شتات أمرها وتعللت قائلة: _أنا عندي مناوبة دلوقتي ولازم أمشي. وقبل أن تهم بالمغادرة، أمسك رسغها يمنعها قائلاً: _ليلى، استني. جذبت ليلى يدها بسرعة لتنظر إليه بقوة وتقول بخشونة: _إيه اللي عملته ده؟ اغتاظ من تصرفه ورد معتذرًا: _أنا آسف، معلش، اتصرفت بعفوية، بس...
توقف عن تكملة حديثه. غضب تقبل منه حديثًا وهي بذلك العبوس، فأكمل: _كنت عايز أقولك ابعتي الدكتور عصام عشان عايزة ضروري. أومأت بصمت وخرجت من الغرفة وهي تتحسس مكان يده على رسغها. علمت أنه كان يود قول شيء لكنه تراجع خوفًا من رد فعلها بعد ما حدث، نعم، ذلك أفضل كي لا يتمادى معها. كلما تقدم ذلك القطار من تلك البلدة، كلما رق قلبه شوقًا لرؤياها. يتمنى الوصول إلى بلدته بأسرع وقت، حتى شعر بأن القطار ثابت لا يتزحزح.
لو أخبرته بذهابها، لم يكن يتوانى لحظة واحدة عن الذهاب معها، فقد كان ذلك اتفاقهم حتى تم اكتشاف أمرهم. ها قد وصل القطار، وها هو ذا يقف على أعتابها، تلفح وجهه نسماتها النقية.. يتحرى شوقًا لرؤية من دمرت والدته صورته الوردية، لكن عبثًا، لم يصدق كلمة واحدة مما قيل. في غرفة جاسر طرقت وسيلة الباب لتدخل بعد أن سمح لها جاسر، وكان جالسًا على الأريكة شاردًا كعادته، فتقدمت منه تجلس بجواره وتسأله بجدية: _عملت إيه مع بنت خالك؟
تنهد جاسر بتعب ورد بهدوء: _اطمني يا أمي، خلصت كل حاجة مع جدي، واللي انتي متعرفوش أنها هي كمان فاتحت جدي في الموضوع، يعني كده ولا كده الجوازة ما كانتش هتكمل. تنهدت وسيلة براحة وعادت تسأله: _وعمك منصور هتعمل معاه إيه؟ ضغط على أسنانه بحدة لكي يهدئ من حدته وقال بعناد: _أنا طلبتها من جدي وهو وافق، وده اللي يهمني. همت بالحديث لكنها منعها قائلًا بشدة:
_قولت أهم حاجة رأي جدي وده اللي يهمني، عايزين تقولوه انتوا حرين، لكن أنا لاء. هزت رأسها بيأس منه ومن عناده، من قال أنه يشبه منصور فقط في ملامحه، بل وعناده أيضًا. فقالت باستسلام: _طيب، قوم أفطر لوحدكم معاهم وشوف هتوصلوا لإيه. نهض جاسر ونزل معها للأسفل. ليسمع طرقات أخرى على الباب. نظر إلى والدته وقال: _روحي إنتي يا أمي، وأنا هشوف مين. فتح جاسر الباب ليرى ذلك الشاب أمامه وتلك الحقيبة التي يحملها، وسأله:
_مش ده بيت الحاج عمران المنشاوي؟ أكد مصيبة أخرى من مصائبه، فرد جاسر بسؤال: _وأنت مصطفى مش كده؟ أكد مصطفى تكهنه: _بالظبط. أشار له جاسر بالولوج، وقد جلسوا جميعًا على مائدة الإفطار منتظرين عودة جاسر. تفاجئت سارة بمجيء مصطفى لتنهض مقتربة منه بسعادة: _مصطفى! نظر الجميع ناحيته، فعلموا فور احتضانه لها أنه مصطفى أخيها.
ارتمت سارة في أحضانه وهي تقاوم البكاء، فلم يفترقوا يومًا عن بعضهم البعض إلا عند مجيئها، وكان الجميع ينظر إليهم ببهجة؛ سوى ذلك الذي ينظر إليهم بسخرية. ابتعدت عنه قليلًا كي تنظر إليه وقالت بعتاب: _وأنتي أكتر يا حبيبتي، بس إنتي اللي سبتيني وجيتي لوحدك. _تعالي يا ولدي. نظر مصطفى إلى عمران الذي علم فور رؤيته بأنه جده عمران الذي لم يكف خالد عن المدح فيه، وتقدم منه ليقبل يده باحترام: _إزاي حضرتك يا جدي؟
_زين يا ولدي بشوفتك، تعالى. نظر إلى جليلة التي ألجمتها الفرحة وقال: _أنتي جدتي جليلة؟ أومأت له بسعادة، فيتقدم منها لتحتضنه بشغف وكأنها تحتضن وليدها الغائب. _أيوه يا ضي عيني. بدأ أول لقاء له معهم بفرحة ظاهرة على الجميع، فينظر إلى أخته التي عادت الدماء لوجهها فور رؤيته، لتومأ له بأنهم كذلك. لكن كان لذلك المحتج رأي آخر...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!