الفصل 25 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
22
كلمة
3,328
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

وقف منصور أمامها ينظر إليها باشتياق وعينيه تدقق في ملامحها الجميلة وقال: _مبروك ياحبيبتي. رغم شعور الخزي الذي تشعر بها تجاهه إلا أنها حقًا أشتاقت أيضًا إليه فردت بمصابرة: _الله يبارك فيك يابابا. تقدم منها ليقبل جبينها بشوق ثم نظر إليها قائلًا: _مش مصدق إن بنوتي الصغيرة كبرت واتجوزت وخلاص هتبعد عني، بس أنا اديتك للي هيصونك وهيشيلك جوه عينيه. صحيح هو قفل شوية ومدب بس أنا واثق أنه فعلًا بيحبك.

هزت رأسها بتأكيد مزيف منها لذلك الحب المزعوم الذي يتحدث الجميع عنه. لم يعرف أحد أنه في الحقيقة حب مزيف أجاد إتقانه كي لا يعلم أحد منهم بحقيقة الأمر. حتى إخفاءه ليس بدافع خوفه عليها بل خوفًا من معرفة جده ويؤثر ذلك على صحته. انتبهت على صوت والدها: _حبيبتي أنا مُطر انزل واسيبك وإن شاء الله في أول فرصة هجيلك على طول. ذهب منصور وأغلقت الباب خلفه لتعود إلى الغرفة التي ستشهد على مآسيها منذ اليوم.

تفاجئ عمران وهو ينهض من فراشة بطرق الباب ودخول جاسر عليه: _صباح الخير ياچدي. اندهشت جليلة التي تساعد جده على النهوض وسألته بدهشة: _جاسر ياولدي أيه اللي جومك من چامب مرتك بدري أكدة. حاول أن يداري الوجع الذي آلم به ورد بثبات: _عادة بجى ومش عايزين نجطعها. تقدم من جده وساعده على النهوض فقال عمران بعتاب: _مكنش ينفع ياولدي تسيبها أكدة، وبعدين أنا مش تعبان للدرچة دي. قبل جاسر يده ورد بصدق:

_ربنا يديك الصحة وطولت العمر، احنا عايشين في البيت بحسك إنت وچدتي، ربنا يديمكم في حياتنا. خرج جاسر من الغرفة وهو يساعد جده على السير ليتفاجئ بها تنزل الدرج وتنظر إليه بعتاب. أما نظراته لها فكانت تعبر تعبير قاتل على عدم طاعتها له. تقدمت منهم ليبتسم لها عمران ويسألها: _وانتي بجى جايمة تساعدي مين؟ قبلت سارة يده بحب وأجابت: _انا قلت نفطر كلنا مع بعض قبل ما يسافرو. اتحدثت جلية: _زين مـ عملتي تعالي ياغالية.

جلسوا جميعهم على المائدة يترأسها عمران الذي تحسنت صحته كثيرًا بعد عودة الجميع. في منزل الشرقاوي، كانت حلم تنزل الدرج وهي تحمل حقيبتها بجوار والدتها التي أخذت توصيها ألا تعرض نفسها لغضبهم كما تفعل كل مرة. كان جدها يجلس على رأس الطاولة بجبروت لا ترى مثله من قبل. مات أولاده لكنه لم ينكسر بل إزداد تجبره وسطوته على كل من حوله. وصنع من مهران نسخة اخرى منه. تقدمت منه بوجل لتقبل يده: _صباح الخير يا چدي. أشار لها بعينيه:

_أجعدي. نظرت إلى والدتها التي ظهر الخوف عليها ثم جلس على المقعد وهى تقول بريبة: _نعم ياچدي. نظر إليها بقوة وهو يقول: _اللي حصل امبارح ده اني هخليه يعدي من غير عقاب وهجول بأنها صاحبتك وحبيتي تچامليها بما إن فرحك جربر. رفع إصبعها في وجهها وأردف بتحذير جعل الدنيا تلتف من حولها: _بس لما حصل وخرچتي من البيت تاني بدون علمنا إنتي خابرة زي اني هعمل أيه؟ فاهمة ولا لا.

قال كلمته الأخير بصوت جهورى جعلها تنتفض في مقعدها وأومأت برأسها دون النطق بشئ. فتابع حديثه: _اتفضلي دلوجت عشان ميعاد الطيارة واعملي حسابك، زي ما في هنا رجيب هناك بردك فيه وبيوصلني كل أخبارك. إزردرأت تلك الغصة التي انحشرت في جوفها وحملت حقيبتها وخرجت من المنزل لتجد السيارة في انتظارها. انطلقت إلى وجهتها ولم تجف دموعها لحظة واحدة حتى وصلت إلى المطار. ……….

في الطائرة، جلست ليلى تنتظر صعودها الطائرة حتى وجدتها تدلف للداخل. أشارت لها بالتقدم لتجلس بجوارها وتسألها بقلق: _انتي اخرتي كدة ليه انا قلت إنك مش هتيجي. جلست حلم بجوارها واجابت بتأييد: _اني فعلًا مكنتش هاچي نهائي بعد مـ مهران شافني وانتو بتوصلوني امبارح، وكان يوم منيل. اندهشت ليلى وسألتها: _هو اللي كان واجف جدام الباب ده مهران ابن عمك؟ أومأت بصمت فقالت ليلى بأسف: _حجك عليا لو كنت اعرف مكنتش خليت مصطفى يوصلك.

ابتسمت حلم بحزن وقالت: _خلاص اللي حصل حصل وهو ده اللي انا عايشة فيه. كانوا يتحدثون ومصطفى خلفهم يسمع كل شئ. قرر التمسك بها وانتشالها من جحيمهم حتى لو اطُر لخطفها. بعد قليل أشار لـ ليلى أنا يبدلو أماكنهم. حاولت ليلى الرفض لكنها وافقت تحت إصراره. كانت حلم تنظر من نافذة السيارة بشرود عندما شعرت بحركة بجوارها. تفاجئت عندما وجدته هو من يجلس بجوارها اتسعت عينيها بخوف شديد وقالت: _انت بتعمل ايه اهنه؟ أجاب مصطفى ببساطة:

_راجع القاهرة وانتي؟ ظلت تتلفت حولها بخوف وقالت برجاء: _أرچوك الله يكرمك جوم لو حد وعيلنا دلوجت هنروح في داهية. أجاب بأريحية: _متقلقيش محدش في البلد يعرفني وبعدين ده مكاني أصله مش باص هو هتحددي من يقعد جامبك. تحدثت بغيظ: _انت شكلك ناوي على موتي، ابعد عني وخايك في حالك. أجاب بمزاح وهو يقلد لهجتها: _اخليني في حالي كيف وانتي بجيتي كل حالي. إزداد غيظها منها فنهضت لتتركه لكنه منعها:

_ارجوكي اسمعيني هما كلمتين بس وهسيبك براحتك. نظرت إليه بشك فأكد: _صدقيني هما كلمتين. جلست تستمع إليه على مضد حتى تحدث: _حلم صدقيني انا اخد الموضوع جد وعايز اتجوزك. ابتسمت بسخرية ثم تحدثت بتهكم: _بالبساطة دي؟ ضايقته بتهكمها عليه ثم تحدث بجدية: _انا عارف عنك كل حاجة…… قاطعته بحدة:

_انت متعرفش أي حاچة واصل لإنك لو تعرف مكنتش جلتلي الكلام ده، مكنتش فكرت حتى انك تجعد چاري إكدة بكل سهولة. ابعدي عني وابعد حالك عني لإن اللي انت بتجوله ده مش هنچني من وراه غير الموت. تركها تنهض من جواره وهو يفكر في كل كلمة نطقت بها.

عادوا جميعًا إلى القاهرة لكن كلًا إلى وجهته. عاد منصور إلى شركته. ومصطفى الذي أخذ ينظر في أثرها حتى استلقت السيارة التي كانت بانتظارها. عاد إلى منزله ليندهش عندما لم يجد والدته في المنزل فظن أنها في العمل وبدأ هو في مراجعة ما فاته تلك الأيام التي ابتعادهم عن دراسته.

أما ليلى فقد تركت حقيبتها داخل الغرفة وقامت بأخذ حمام سريع وأسرعت إلى المشفى. طرقت الباب لتدلف بعدها عندما سمح لها بالولوج. فوجدته مستيقظًا في فراشه وقد ازداد شحوبه عن ذي قبل فتبسمت في وجهه وهي تقول بسعادة: _صدقت في وعدي ولا لأ؟ تبخر استياءه منها على تركها له كل هذه المدة وقال بنفي: _لا. قطبت جبينها بعدم فهم وسألته وهى تتقدم لتجلس على المقعد بجواره: _إزاي بقى؟ أنا وعدتك اني هرجع يوم السبت الصبح واديني رجعت. صحح لها:

_بس احنا بقينا الضهر يعني مش الصبح زي مـ وعدتي. تظاهرت ليلى بالغضب: _تصدق أنا غلطانه إني سايبة فرح أخويا عشانك وبردوا زعلانة. ابتسم وهو يقول باشتياق: _وحشتينى. ارتبكت ليلى وغيرت مجرى الحديث: _ممكن اعرف ايه اللي عملته ده؟ عقد حاجبيه متسائلًا: _عملت ايه؟ تحدثت بعتاب: _رفضت تاخد العلاج واصرت تخرج من العناية. تنهد أمجد وقال بتعب:

_انتي عارفة كويس إني مش بحب جو العناية ده بس بستحمله لما تكوني معايا، انتي عارفه إن وجودك بيهون عليا حاجات كتير آوي، ولما بتغيبي كل حاجة بتبقى صعبه مهما كانت سهولته. تورّد وجهها رغم الخجل الذي يعتريه وخاصةً عندما أردف: _الحياة من غيرك صعبة آوي. لاح الحزن على ملامحها وقالت وهى تنظر داخل عينيه لأول مرة بأسى:

_أنا كمان كنت زيك، واللي تعبني اكتر إني مكنتش قادرة اعبر عن اللي جوايا. بضحك وبهزر بس كان جوايا ليك أشتياق ولهفة عمري مـ حسيتهم قبل كدة. حاولت اتأقلم واتوه بس لما سهى كلمتني وقالتلي إنك رافض تاخد العلاج، كنت زي العاجزة وانا متكتفه ومش قادرة اعمل حاجة، والأدهى لما رفضت تكلمني فـ الفون…. قاطعها بعذاب:

_صوتك مكنش بيرحمني وبيخليني اشتقتلك اكتر وعشان كدة رفضت اكلمك، حتى المكالمة الوحيدة اللي كانت بينا تعبتنى اوى وعشان كده قفلت على طول ورفضت اكررها. ليلى انتي الوحيدة اللي بتديني دافع للمقاومة اوعي تبعدي تاني. أومأت له بابتسامة جعلت تماسكه يتلاشى وقال بكمد: _نفسي اعيش عشان اعوضك عن المآسي اللي عيشاها بسببي، مش هخليكي تبعدي لحظة واحدة بس بعيد عن حضني. شعرت بأن حديثه يأخذ مجرى آخر فتطرقت إلى حديث آخر

وقبل أن تتحدث سبقها هو: _عارف هتهربي بأيه؛ أكيد مفطرتش! لا ياحبيبتي فطرت من بدري واخذت العلاج. نظرت إليه بشك ليأكد هو: _حقيقي فطرت، بصراحة بعتولي ممرضة جديدة بس ايه حاجة من الآخر ولما جابت الفطار غصب عنى مقدرتش أرفض لها طلب وخصوصًا إنها كانت مستعدة تأكلني بأديها. زمت فمها بغيظ وتحدثت بتعنيف: _تصدق انا غلطانه إني فضلت من غير فطار عشان افطر معاك؟! رفع حاجبيه متسائلًا بعدم تصديق:

_عايزة تفهميني يعني إنك ماكلتش حاجة كدة ولا كدة في الطيارة أو قبل ما تركبي حتى. تظاهرة بالتفكير: _أمممم يعني ساندويتش اتنين مش أكتر يعني. ضحك أمجد وقال: _بالهنا والشفا المهم احكيلي العريس اخباره أيه؟ تعرفي كان نفسي أحضر فرحه اوي. _عارفة لإني لقيتهم بيتكلموا عن باباك أنه اعتذر وقالهم إنك مسافر وهو صعب يسيب الشركة. تحدث بتمني: _كان نفسي يبقى الفرحة فرحتين. طررق الباب ودلف عصام الذي ما إن رآها حتى رحب بها بشدة:

_ازيك ياليلى حمد لله على السلامة، اخبارك ايه؟ أجابت بابتسامة مجاملة: _الحمد لله بخير. نظر إلى أمجد وتحدث برجاحة: _اظن كدة معندكش مانع ترجع العناية. بالمعارضة لكنه منعه بحزم: _مش هسمح بأى تهاون بعد كدة، تواجدك في العناية ضروري الفترة دي. نظرات الرجاء التي رمقته بها جعلته يرضخ كعادته ووافق مجبرًا. دلفت الخادمة غرفة مصطفى لتسأله عن غدائه: _لأ مش هاكل دلوقت خليه لما ماما ترجع. اندهشت الخادمة وقالت:

_بس مدام سمر عايشة في بيت باباها من وقت العزا. قطب جبينه بعدم استيعاب: _عزا مين؟ ارتبكت الخادمة عندما شعرت بجهله عمّ حدث فصاح بها عندما التزمت الصمت: _مـ تردي، عزا مين؟ ارتدت للخلف بخوف عندما لاحظت انفعاله وقالت بارتباك: _جدك حضرتك تعيش انت. اتسعت عينه ذهولًا مما نطقت به الخادمة وقال بصدمة: _انتي بتقولي ايه؟ وامتى الكلام ده؟ _من أربع أيام.

أسرع مصطفى بالخروج من غرفته منتويًا الذهاب إليه. لما لم تخبره، لما أخفى عليه والده ذلك الخبر. أسئلة كثيرة تدور بخلده ويريد إجابة. عاد الاثنان إلى غرفتهم بعد إصرار من جليلة ليغلق باب العذاب خلفه كما يطلق عليه. كان يشعر برغبة شديدة في النوم، فقد بات ليالي ساهدًا لا يستطيع النوم. نظر إلى الفراش برغبة ملحة في الاستلقاء عليه وشعرت هى بذلك فتحدثت بجدية: _تقدر تنام على السرير براحتك وانا هذاكر شوية.

أومأ لها واستلقى على الفراش ليغمض عينيه على صورتها وهى تتناول كتابها وتجلس على المقعد لتبدأ في مراجعته. كانت تنظر إلى كلمات الكتاب وكأنها نسيت أبجديته واخذتها عيناها إليه وهو نائم بكل هدوء على فراشه. دققّت لأول مرة في ملامحه التي تشبه إلى حد كبير ملامح أبيها، لكن ملامحه هو أكثر رعونة وشدة. عينيه الرمادية التي تتحول لسوداء عندما يغضب. وخصلاته التي تحتار في وصف لونها مزيج من الأسود والبُنيْ معًا. تاهت في ملامحه وتساءلت. ماذا لو نجحت في خطتها الأولى وجاءت إليهم وتعرفت عليه وهي نقائها وقبل أن يحدث ما حدث؟

شعرت هى أيضًا برغبتها في النوم لكنها لا تعرف أين تنام. فكرت أن تنام هي على الأرضية لكنها تعلم جيدًا أنها لن تستطيع النوم هكذا. استلقت على الفراش بجواره بعد تردد كثير عندما أقنعت نفسها بأنها ستستيقظ قبله ولن يشعر بها. كان يوليها ظهره لهذا استطاعت النوم بسهولة دون قلق. أسرعت سمر بالخروج من غرفتها أثر صوت طرقات عنيفة على الباب. ذهبت الخادمة لتفتح لكنها أوقفتها: _استني انتي انا هفتح.

نزلت الدرج وذهبت لتفتح لتتفاجئ بمصطفى أمامها ومن هيئته شعرت بأنه قد علم ما حدث. نظرت إليه باشتياق وهى تردد اسمه بشوق: _مصطفى. ……. جلس مصطفى بجوارها على الأريكة بعد أن عادوا من سيارة جده، فحدثها بعتاب: _ليه ياماما مقولتليش؟ إزاي جدي يموت ويدفن من غير مـ اعرف. ربتت سمر على ساقه وهي تقول بروية: _محبتش اكسر فرحتكم، وبعدين انا نفسي ملحقتش أودعها. احتار مصطفى وسألها: _بس انا كنت سايبه كويس أيه اللي حصل؟

ها قد جاءت فرصتها ولن تضيعها. شرحت له ما حدث منذ البداية حتى تلك اللحظة وإندهشت هي عندما شعرت بأنه لم يبدي أي رد فعل فسألته بتوجس: _سكت ليه؟ تنهد مصطفى: _عايزاني اقول أيه؟ _في ايه مالك. ابتسم بسخرية وهو يقول: _في إني عرفت كل حاجة. ضيقت عينيها بعدم استيعاب: _تقصد أيه؟ نظر إليها بقوة وهو يقول: _انتي فاهمة كويس انا اقصد ايه. اهتزت نظراتها وقالت بتلعثم: _أنا كنت بعيد تمامًا عن الموضوع.

وبعده هو عمل كدة لإنه عارف إن أخوه ادها وهيقدر يخرج من المشكلة دي بسهولة. إنما بقى لو كان دفع الفلوس اللي معاه مكنش هيقدر يعمل حاجة ولا يقدر يوصل للمستوى ده. تحدث مصطفى بحدة: _بس دول اهله وكان لازم يقف جانبهم، كان لازم يبقى ضهر وسند زي مـ عمي عمل، إنما هو كان اناني وانتي شجعتيه على كدة. أجابت بنفي:

_لا هو اللي كان جاي وعينيه بتطلب مني أشجعه على ده، انا مكنتش معاهم وعمك بيطلب منه الفلوس. مكنتش معاه لما سابهم في أزمتهم وفي مرض أبوه ومشيه. وهو صحيح اخد رأيي وانا قلتله ده مستقبلك ولازم تفكر فيه كويس، وده اللي حصل لا اكتر ولا اقل. جدال عقيم لن يخرج منه بشئ. فقال بجمود: _وانا كمان قررت اشوف مستقبلي وهخلص السنة دي واسافر اكمل دراستي بره. قطبت جبينها بعدم فهم وسألته: _يعني ايه الكلام ده؟ أجاب ببساطة:

_زي ما سمعتي، انا هروح البيت اجيب شنطتي وآجي اعيش معاكي لأن أصولي تمنعني إني أسيبك تعيشي لوحدك. ثم تركها وغادر.

أستيقظ جاسر ليفتح عينيه بتثاقل وقد وجد الغرفة تسبح في ظلام دامس إلا من إضاءة خافتة من الشرفة. رفع جفنيه أكثر ليتفاجئ بوجهها في مد بصره وقد أحجبت خصلاتها جزء كبير منه. تفاجئ بفعلتها لكنه لا ينكر سعادته بذلك. مهما عاند او انكر إلا إنه يعلم جيدًا أنه عاشق حتى النخاع. وكم جابه شوقه الذي يحسه على طوي صفحات الماضي وبدأ صفحة اخرى بيضاء، لكن عقله يرفض ذلك.

دقق النظر في محياها ويده التي تحركت دون إرادة منه ليرفع خصلاتها التي احجبت وجهها عنها. اخذ يتطلع إليها بأريحية ويحفر ملامحها في عقله ربما يلين ولو قليلاً. نزلت يديها إلى شفتيها التي استبغت بحمرة طبيعية دون زيف، نعم يعترف لنفسه بأنها لا تتصنع ولا تزيف، واضحة كوضوح الشمس أمامه. حارب شوقه الذي يأخذه لتذوق تلك الشفاه برغبة ملحة، لكن عقله يأبى الرضوخ لمشاعره. اكتفى بأن مرر إصبعه على شفتيها الرخوة ليشعر بنعومتها مما جعل تحكمه يزداد صعوبة.

ارتدت يده سريعًا عندما وجدها ترمش بعينيها فأسرع هو بتغميض عينيه متظاهرًا بالنوم كي لا يخرجها. فتحت عينيها بتثاقل لتندهش من ظلام الغرفة. أسرعت بالنظر إلى جاسر لتتنهد براحة عندما وجدته مازال نايمًا. نهضت بريبة ثم نظرت في ساعة يدها لوحدها السابعة مساءًا. كيف استطاعوا النوم كل هذه المدة. لكنها حمدت ربها بأنه لم يستيقظ ويجدها بجواره على الفراش. همت بالولوج إلى المرحاض لكنها سمعت طرق خافت على الباب. ذهبت لتفتح لوحدها

وسيلة التي قالت باحراج: _معلش يا سارة اني جلجتكم بس جبتلكم لجنة تاكلوها، انتو مـ اكلتوش حاچة طول النهار. رد جاسر وهو ينهض من فراشه: _خلي الوكيل تحت ياامي هننزل نتعشا معاكم. _كيف ده يا ولدي… قاطعها بلهجة لا تقبل نقاش: _مفيش حاچة اتغيرت ياأمي قلتلك هنزل اتعشا معاكم. نظرت إلى سارة كي تقنعه لكنها أيضًا أيدته: _أنا بردوا عايزة اتعشا معاكم. ردت باستسلام: _اللي تشفوه. خرجت من الغرفة واغلقت الباب خلفها. أما جاسر فتحدث بجدية:

_اللي هجوله دلوجت يتنفذ بالحرف. حياتنا قبل الچواز زي بعده، مفيش حاچة اتغيرت… قاطعته سارة بجمود: _من غير مـ تقول انا فاهمه ومش محتاجة اللى يعرفني. دول مش أهلك لوحدك، ومش انت بس اللى بتحبهم. انا حاربت كتير اوي عشان اوصلهم. شعر بأنه قد تمادى في قسوته عليها. تركها ودلف المرحاض صافقًا الباب خلفه بحدة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...