الفصل 31 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
24
كلمة
3,785
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

في اليوم التالي، في منزل سالم. يجلس سالم في مكتبه عندما طرق الباب. دَلَفَت والدة حلم، وقد احمرت عيناها من شدة البكاء على ابنتها الوحيدة وما تعانيه من ظلم على يدهم. تقدمت منه وهي تقول بريبة: _عمي، انت مش ناوي تسامح حلم؟ هي خلاص عرفت غلطها ومهتكرروش تاني واصل. رفع سالم عينيه ليتطلع إليها بقوة وقال بحنق: _وهي فاكرة إن اللي عملته ده ممكن اغفره ولا أعديه؟ نهض من مقعده وأردف بغضب: _بـ عملتها دي مفيش حاچة هتشفعلها عندي.

تقدمت منه أكثر وقالت برجاء: _بس انت اكدة بتضيع مستجبلها وهتخليها… قاطعها سالم بصوته الجهوري: _هي اللي ضيعت مستجبلها بإديها لما وافجت تجف وتتحدت مع الغريب. بس دي غلطتي إني طوعتها من لول وسيبتها تكمل علامها، كان لازمن أزوچها لولد عمها من وجتها. بس جلت اسيبها تدخل الطب عشان اكون جدمت رسالتي معها للاخر. بس هي اللي مصنتش الفرصة دي وضيعتها من ايديها. وتحمد ربها إني مجتلتهاش فيها.

_بس ياعمي، حرام التلات سنين اللي هيضيعوا هدر دول. خليها حتى تنجل في الچامعة اهنه و خلي غفر يودوها ويچبوها، واني أضمنلك إن اللي حُصل ميتكررش تاني. التزم الصمت قليلًا يفكر في كلامها، ثم قال بأمر: _روحي انتي دلوجت، واني هشوف الموضوع ده. خرجت من المكتب وقلبها يتمزق على حال ابنتها وعلى تلك الحياة التي تشبه الموت بقبره. *** استيقظت سارة صباحًا لتتفاجأ بـ من يستلقي بجوارها على الفراش ووجهه قريبًا من وجهها.

تراجعت قليلًا للخلف في ريبة، لكن ملامحه الهادئة التي تتبدل فور استيقاظه جعلتها تطمئن ولو قليلًا. نظرت إليه وعينيها تجوب ملامحه بلوعة. وجهه الحاد الذي يتحول وهو نائمًا ويصبح أكثر لين. عينيه التي تتمنى النظر بداخلها بشوق، ربما ترى فيهما لمحات الحب التي تراها أحيانًا. لكنها تتبدل بثواني قليلة وكأنه يراها ضعفًا. وأحيانًا أخرى تتواجد عندما ينظر إليها برغبة.

ورغم عدم رغبتها هي بذلك بسبب ما حدث معها، إلا إنها لا تستطيع ردعه. فهذا أقل حقوقه، ويكفي أنه رضيًا ببقايا غيره. نظرت إلى فمه القاسي الذي يبدأ قبلاته معها بحنو ولين، لكن بعد ذلك يكون أشد قسوة يجعلها ترتعب منه وتود الفرار. تذكرت آخر قبله بينهم وكم كان حنونًا معها جعل قلبها ينبض بعنف. لكنها تراجعت عندما وجدت يديه تضمها إليه أكثر ولمساته تأخذ منحنى آخر. هي تعترف حقًا بأنها أصبحت متيمةً به وتتمنى ذلك بشوق.

لكنها ليست مستعدة لذلك الآن. اغمضت عينيها فور إن وجدته يتحرك في نومته وتظاهرت بالنوم كي لا تحرجه وتحرج نفسها أمامه. أما هو، فما إن فتح عينيه ورآها أمامه حتى نهض مسرعًا ودلف المرحاض قبل أن تستيقظ وتعلم أنه نام بجوارها. مما جعلها تيقن بأن هناك صراع بداخله ما بين قلبه وعقله، وعليها التحمل قليلًا حتى ترى من الفائز، القلب أم العقل. *** في غرفة مصطفى. دَلَفَت سارة كي توقظه كما طلب منها جمال كي يتناول إفطاره معهم.

لكنها وجدته مستيقظًا ويقف أمام المرآة يمشط خصلاته. لا تعرف لما عادت إليها تلك الذكريات الأليمة واهتز جسدها عندما تخيلته وائل حينما استيقظت من غفوتها فوجدته أمامها في نفس الهيئة. وخاصةً عندما تطلع إليها مصطفى، فامتثل أمامها المشهد مرة أخرى وتمد ذراعيها دون إرادة تحمي جسدها وقد زادت رعشته. مما جعل مصطفى يسرع إليها يسألها بخوف: _مالك ياسارة؟

وما إن إقترب منها يلمسها حتى انتهى ثباتها ووجدها تنهار بين يديه وتصرخ به تبعده عنها، وصرخاتها ترج المكان من حولها. فزع وارتعب عليها وهو يحاول بصعوبة السيطرة على حركاتها. أحاطها بذراعيه كي يتحكم في حركاتها التي تعافر وكأن هناك من يهاجمها وتدافع هي عن نفسها. جلس بها على الارضية كي يتحكم أكثر، لكن لا فائدة. انتبه الجميع إلى صرخاتها فأسرعوا إليها ليجدها. جاسر بين يدي أخيه تعافر. مُنى منها بلهفة ليأخذها من

يده بقلب ملتاع وسأله بحدة: _ايه اللي حُصل؟ عملتلها ايه؟ نظر إليه مصطفى بغضب وسأله بانفعال: _قولي انت ايه اللي حصل وصلها للانهيار ده. تطلع إليها جمال بقلق وقال لوسيلة: _اندهي لـ ليلى بسرعة. ثم نظر إلى جاسر: _وانت خدها على اوضتها بسرعة. أومأ جاسر ليحملها بين يديه بلهفة ثم دلف بها غرفتهم. وقد هدئت حركتها قليلًا لكنها مازالت تعافر. ووضعها على الفراش بروية وحدثها بصوتٍ خافت: _متخافيش، أني چامبك.

أمرهم جمال بالخروج من الغرفة عندما دلفت ليلى وبقى معها وسيلة وجليلة التي شحب وجهها خوفًا على حفيدتها. وعندما رأتها ليلى بتلك الحالة، نظرت إلى جاسر وسألته بدهشة: _ايه اللي حصل وصلها للحالة ديه؟ تَجَسَّرَ جاسر ظنًا منه أن ما حدث لها نتيجة ما قاله لها أمس، فلم يجد ردًا عليها. فتأكد شك مصطفى وتحدث بانفعال: _مـ ترد ساكت ليه؟ تحدث جمال بلهجة حادة لا تقبل نقاش: _جلت كلكم تطلعوا برة، يلا جدامي.

زم مصطفى فمه وهو ينظر إلى جاسر بنظرات حادة وخرجوا من الغرفة. نظر جمال إليهم وتحدث بحدة: _ايه اللي حُصل؟ رمش جاسر بعينيه وقال بتسويف: _مفيش، احنا نزلنا الصبح جدامك ومكنش فيه حاچة وانت بنفسك طلبت منها انها تصحيه وبعدها حصل اللي حصل. نظر إلى مصطفى وتابع: _وانت؟ كان مصطفى يتطلع إلى جاسر الذي يتمزق من داخله خوفًا عليها ورد باحتدام:

_انا اتفاجئت بيها داخلة الاوضة وانا ادام المرايا واول ما بصتلها لقيتها بتتنفض جامد وانتو شفتوا الباقي. شرد جاسر في حديثه وتذكر عندما اخبرته بما حدث وأنها استيقظت لتجده واقفًا أمام المرآة. هل تخيلت لوهلة أن المشهد يعاد أمامها بعد حديثه معها تلك الليلة. شعر بغصة حادة في قلبه. ونظر إلى والده الذي يتطلع إليه بشك ثم أخفض عينيه بألم يتهرب من نظراته. في الداخل. ارتخى جسدها بعد تلك الإبرة التي حقناها بها ليلى.

وسألتها جليلة بخوف: _مالها يابنتي؟ ردت ليلى بثبوت وهى ترفع الغطاء عليها: _متقليش يا جدتي، هى زينة بس ده إرهاق مش اكتر. لم تقتنع وسيلة بحديثها وازداد شكها، لكنه لم يصبح يقين بعد. عليها أولًا التحدث مع ولدها ومعرفة كل شيء. _سيبيها ترتاح دلوجت ولما تفوج هتبجى زينة إن شاء الله. تحدثت وسيلة برفض: _لا مش هجدر اسيبها بحالتها دي لوحدها. قالت جليلة بإصرار: _انا هبجى معاها بس روحوا طمنوا چدكم لأنه لساته في اوضته.

خرجوا وتركوا جليلة معها التى بدأت تتلوا آيات الله وهى تضع يدها على رأسها حتى وجدت تنفسها ينتظم. خرجت ليلى ليسأله الجميع بلهفة إلا هو التزم الصمت ولم يتحرك من مكانها. جابتهم ليلى بثبات: _اهدوا ياچماعة، مفيش حاچة. هي بس اعصابها تعبت شوية من اللي حصل امبارح واول مـ تفوج هتبجى زينة. نظرت إلى جاسر وتابعت: _ياريت ياجاسر تخليك چمبها، هي اكيد محتچالك. أومأ لها على نفس صمته وقال جمال بمغزى: _ادخل لمرتك وخليك چامبه.

دلف جاسر ليجد جليلة جالسة على الفراش بجوارها. فدنا منها قائلًا: _روحي انتي عشان چدي واني هفضل معاها. شعرت جليلة بأنه يود البقاء معها وحدهم فاومأت بتفاهم: _حاضر ياضي عيني، ربنا يجومهالك بالسلامة. نهضت وخرجت من الغرفة ودنى جاسر منها يستلقي بجوارها ويمسك بيدها التي أصبحت باردة كالثلج. وتطلع لوجهها الذي يعشقه من أول وهلة. قرر البوح بما يجول بخاطره علمًا بأنها لن تسمعه.

سيعترف بما يؤرقه ويجعله ساهدًا طوال الليل فيتحدث بخفوت وهو يمسك يدها بتملك عاشق. _جوايا كلام كتير رايد اجوله وخابر زين إنك مسمعنيش وده اللي هيخليني اتحدت براحتي. اني بعشجك من اول مـ عيني شافتك لما فتحتلك الباب ووجتها فتحت قلبي معاه. كنت بهاچمك في كل كلمة بس انا كنت بهاچم مشاعري اللي كانت بتزيد في كل كلمة بسمعها منيكي وكل وحركة مش مقصودة.

لما عينيك كانت بتيجي في عيني كان قلبي بيدج ومع كل دجة كانت بيجولك بحبك، بس كنت ديمًا بهاچمه وبمشي ورا عجلي. إن أبوكي هيفضل بينتنا. لما سمعتك بتتحدتي في التليفون وعرفت الحجيجة كأنك طعنتيني بسكينة تلمة حاسس بطعنتها لحد النهاردة. خابر إنك مظلومة ونفسي ابدأ معاكي من چديد بس كل مـ اجرب منيكي افتكر اللي حصلك وبيبجى نفسى انتجم منه اشد انتجام. بس فلت مني المرة دي، بس وحياتك لدفعه تمن عملته دي غالي جوي، كله باوانه.

أغمض عينيه لينام بجوارها كي يشاركها حتى ولو غفوتها. *** جلس الجميع في الردهة ويبدو عليهم الآسى بعد ما حدث لـ سارة. كان مصطفى جالسًا متكأ على مرفقه خافضًا رأسه. حزنًا على ما يحدث له ولتوأمه. منذ أن قرر كلاهما الذهاب إلى الصعيد وهم في دوامة من الألم. كلما ظنوا أنهم خارجين منها تأجذبهم أكثر إلى أعماقها. حقيقة والديهم، زواجها المفاجئ من جاسر الذي يعلم جيدًا بأن هناك غردٍ ما وراءه.

وبعدها موت جدهم ويليها ما يحدث له وآخرهم ما حدث لها. انتبه على صوت جده وهو يسأل ليلى: _هى هتفضل أكدة كتير؟ هزت راسها بنفي: _لا ياچدي، ساعة بالكتير وهتفوج وهتكون احسن من لول، هى بس تلجاها خافت على مصطفى مش أكتر. لم يقتنع مصطفى بحديثها وقال بجدية: _أنا من رأيي اخدها القاهرة تغير جو شوية وبعدين تبقي ترجع. ردت جليلة برفض: _لا ياولدي، مينفعش دلوجت دي لساتها عروسة. تحدث باستياء:

_عادي هتسافر تغير جو يومين كدة وهترجع وبعدين عدا عليهم اكتر من شهر مفيهاش حاجة لما تبعد يومين. تحدث عمران باستنكار: _مينفعش دلوجت وهى كمان بالحالة دي، واول مـ تتحسن أني هخلي جاسر ياخدها ويسافروا يومين أكدة. متجلجش عليها بس المهم دلوجت لازمن تهمل البلد ومتچيش اهنه إلا لما اسمح بـ اكدة، فاهم ولا لأ. أشاح مصطفى بوجهه ورد باقتضاب: _فاهم. نظر إلى معتز وحازم وقال بحزم: _تخلوا عينيكم عليه وتاچيني أخباره أول بأول، فاهمين؟

أومأ كلاهما: _فاهمين ياچدي. *** ومضات خافتة، وضحكات تتردد صداها في أذنه تحسه على الاستيقاظ من تلك الغفوة التي دامت لأيام. أصوات آتية من البعيد يحاول تمييز صوتها بينهم لكن لا فائدة. فعاد إلى سباته مرة أخرى. فتحت عينيها لتجده مستلقيًا بجوارها ويمسك بيدها بين يديه بتملك. كانت عيناها تجوب ملامحه بلوعة وكأنها تطبع ملامحه داخلها كي تكون سلواها عندما يحين وقت الفراق. قادم لا محالة، لكن الأمر مسألة وقت.

لن تجبره على العيش مع بقايا أنثى وتظلمه بتلك الوحشية. ويكفي أنها أثقلت كاهله بخطيئة غيره وتحملها هو بشهامة. أو بالأصح، احتوى تلك الطامة التي كانت ستسقط على رؤوس الجميع بخزي وعار يوشم بها تلك العائلة مدى الحياة. تذكرت عندما دلفت غرفة مصطفى ورأته يقف أمام المرأة بنفس الهيئة حتى ملابسه كانت هبيه له فخيل إليها أنه هو وتمثل المشهد أمامها. كانت تحيط جسدها بذراعيها تحميها وكأنها بتلك الطريقة ستمنع ما كتب عليها.

صرخت بما أوتيت من قوة كي يسمعها. كانت تناچيه هو كي ينقذها، كي يحميها، وعندما شعرت بنفسها بين ذراعيه فالتمست الأمان بين ذراعيه. ظنت لوهلة أنه أنقذها، لكن كيف السبيل لإنقاذ روحٍ فارقت الجسد ولن تعود. لكن ما ذنبها هي؟ لكن أيضًا ما ذنبه هو؟ كتب عليهم أن يذوق عشقهم العذاب وعليهم التحمل. استيقظ هو أيضًا، لكن تلك المرة لم تدعي النوم بل ظلت على وضعها.

تلاقت الأعين وبدأت لغة النظرات وما افضلها من لغة، لا تستطيع الزيف ولا الكذب. نظراته كلها حب لكن مغلفةً بالعتاب، هكذا هي حياتهم ولن تتغير. تعلم علم اليقين أنه يعشقها، لكن عشق واهن. ولم تدري عن عشقه شيئًا، فقد عشقها حتى هوى قلبه بعشقه. ولكنه ينتظر حتى ينتقم لها وبعدها سيأتي إليها فاردًا جناحيه يحتويها بدفئ يذيب به الجليد الذي وقف حائلًا بينهما. فـ لتنتظر قليلًا. رمشت بعينيها لتعتدل قائله بصوت مبحوح قليلًا

من شدة صرخاتها: _هي الساعة كام؟ اعتدل أيضًا وسألها باهتمام: _كيفك دلوجت؟ ردت بابتسامة مجاملة لم تصل لعينيها: _الحمد لله احسن. نظر في ساعته ليجدها الثانية ظهرًا فنهض قائلًا: _احنا اخرنا جوي عليهم وزمانهم جلجانين. نهضت هي أيضًا من الفراش وقبل أن تتحرك خطوة واحدة سمعت طرقًا خافتًا على الباب. همت بالذهاب لفتحه لكنه منعها: _خليكي انتي، انى هفتح. فتح جاسر الباب ليجد مصطفى يقف ينظر إليه بجمود ويسأله بفتور: _سارة صحيت؟

أومأ له جاسر ليدلف مصطفى ويخرج هو كي يتركه معها وحدهم. تقدم مصطفى منها وسألها باهتمام: _حبيبتي، انتي كويسة؟ ابتسمت سارة لتطمئنه ودنت منه تحتضنه بحب: _طول مـ انت في حياتي لازم اكون كويسة. حاوطها مصطفى بذراعيه وتحدث بصدق: _أنا اللي حاسس نفسي محظوظ إنك اختي وفي حياتي بنت قمر زيك. باعدها عنه قليلًا كي ينظر إليها وأردف:

_انتي مش بس اختي؛ انتي اختي وبنتي وحبيبتي وكل دنيتي، عشنا حياتنا كلها مع بعض وبنعوض بعض عن غيابهم. أنا موجود ياسارة، احنا بعدنا اه بس متفرقناش، وهفضل سند وضهر ليكي طول ما انا عايش. لو حد في يوم داسلك على طرف قولي وانا اخدلك حقك منه. أومأت له دون قول شيء، لن تجازف به وتخبره ما حدث، لن تجازف بأعز اثنين على قلبها. فأردف هو:

_أنا مسافر دلوقت وهصدق ان اللي حصلك ده بسبب اللي حصل امبارح. بس أنا بقولها تاني، أنا أخوكي وفي ضهرك لو احتجتيني في ظرف ساعة هكون عندك. اه قبل مـ ماما عايزة تكلمك. تبدلت ملامحها للحزن وشعرت بحنين جارف إليها. فقال مصطفى بتعاطف: _صدقيني ماما اتغيرت وعايزة فعلًا تكلمك. ازدردت لعابها بصعوبة وقالت بثبوت: _معلش يا مصطفى، أنا مش عايزة اتواصل مع اى حد الفترة دي. أنا اول مـ احس اني مهيئة هكلمها على طول بس بلاش دلوقت. أومأ لها:

_خلاص، متضغطيش على نفسك. ضمها إليه مرة أخرى وخرجوا من الغرفة. سعد الجميع برؤيتها وذهب مصطفى الذي أوهمهم انه تناسى الأمر، لكنه لن يستسلم، بل مجرد هدنة حتى يطمئن الجميع وتعود هي إلى جامعتها وعندها سينفذ خطته. أما ليلى التي لم تعد تستطيع أخفاء آلامها وتتهرب من الجميع متحججة بمداولة دروسها. آلام قلبها لم تعد تحتمل وعينيها لا تكف عن النحيب.

حاول اخوانها التحدث معها لمعرفة ما توصلت إليه معه، لكنها تتهرب إما بالنوم أو المذاكرة. حتى والدتها لم تستطيع التحدث معها. وجمال وزوجته الذين أصبحوا يقضون لياليهم ساهدين من قلقٍ ينهش قلوبهم على اولادهم. وعمران الظن ظن الجميع بأنه لا يعرف شيئًا عمّ يدور حوله، لكنه يعلم كل شىء، فقط ينتظر الوقت المناسب. أما جاسر فقد كان مستلقيًا على الفراش ينظر إليها وهي جالسة في شرفة غرفتهم تبكي وتنتحب ظنًا منها أنه لا يراه.

لكنه يراها بقلبه قبل عينيه والذي يتمزق ألمًا عليها. فدموعها التي تنزل بغزارة تكوية بلا شفقة ولا رحمة. كان يود الذهاب إليها ويحتويها بذراعيه ويسحب آلامها إليه، لكن لن يستطيع الان. عليها فقط التحمل قليلًا وحينها لن يبعده عنها شيئًا. *** نفس الأصوات ونفس الالام. ومحاولاته الفاشلة في البحث عن صوتها، عن عطرها الآخذ الذي لم يعد له وجود. حاول رفع جفنيه كي يبحث عنها بين الوجوه، لكنه لم يستطيع.

شعر بلمسة لكنها لا تنتمي للمستها التي تجعل قلبه يرتج بعنف. إذًا، لا عودة لي بدونك. ليستسلم ثانيةً مرحبًا بذلك الظلام الذي يأخذه إلى أحلامه ينعم فيه بدفئها. بعد مرور يومين كانت سارة تقف مع وسيلة في المطبخ بسعادة لمشاركتها في عمل بعض الاطعمة التي يعشقها جاسر. _أنا هجولك تعملي ايه وانتي تنفذي عشان لما يرچع بالسلامة اجوله انك انتي اللي عملتيه بيدك. أومأت سارة بسعادة: _طيب، وان طلع مش حلو نلبسه لسعدية.

نظرت إليها سعدية بامتعاض: _واه، وعلى ايه ياست سارة، سيبيني اني اعمله أحسن. ضحكت سارة ووسيلة وقالت وهى تحيط سعدية بمزاح: _ده انتى الخير والبركة ياسوسو، هو الاكل بيحلى الا من إيديك. نظرت إليها وسيلة بغيظ فتابعت بمرح: _بعد أكل ماما وسيلة طبعًا. تحدثت سعدية بامتنان: _ربنا يباركلنا فيكي ياست سارة ويرزجك بالخلف الصالح إن شاء الله.

تبدلت ملامحها للحزن وشعرت بها وسيلة ليعاود القلق يزحف إلى قلبها، وخاصةً عندما وجدتها تعاود مرحها لكن بحزن واضح. عاد جاسر لتنتبه له وسيلة وقالت بابتسامة: _چوزك رچع ياجلبي، روحي شوفيه لول وبعدين كملي الوكل. أومأت سارة وخرجت من المطبخ لتصعد خلفه كما طلبت منها وسيلة. دَلَفَت الغرفة لتجده جالسًا عالفراش ويبدو عليه الألم. شعرت بالقلق عليه ودنت منه تسأله بقلق: _انت كويس؟ وضع يده على الجرح الذي لم يلتئم حتى الآن وقال بثبوت:

_الچرح ده تاعبني جوي. سألته باحراج: _ممكن اشوفه؟ أومأ له وقام بالكشف عنه لتجده توهج باحمرار شديد. فقالت بقلق: _الجرح شكله ملتهب أوي، ثواني هقول لـ ليلى تيجي تشوفه. همت بالذهاب لكنه امسك يدها يمنعها وقال بهدوء: _لأ، بلاش تجلجيها، داوية انتي. تحدثت باعتراض: _بس الجرح فعلًا ملتهب. قاطعها بامتعاض: _نفذي اللي جلتلك عليه ياإما بلاش خالص. همت بالنهوض لكنها منعته: _خلاص، غير هدومك لحد ما أجيب الشنطة.

أومأ لها ودلف المرحاض يبدل ملابسه ويخرج بعد قليل وهو عاري الصدر والجرح يبدو عليه الالتهاب. جلس على الفراش وتقدمت لتجلس بجواره وتبدأ بعملها. كان يتألم من يدها فتعتذر بتعاطف. ولم تعرف أن بنظرة واحدة منها تجعله يتوه في بحورهما ولا يشعر بشيء سوى قلبه الذي يدق بعنف لها ولأجلها. عادت المشاعر لتقوم بدورها وبدأت الدماء تهدر بعروقه لذلك التقارب بينهما.

وانتهى ثباته الزائف عندما رفعت عينيها إليه وتقابلت النظرات التي لم يعد باستطاعتها إخفاء عشقهم أكثر من ذلك. ساد الصمت لكن العيون تحدثت بما لم تتحدث به الشفاة. أمسك بوجهها يرفعه إليها عندما أخفضت عينيها تهرب من نظراته. وكانت دقات قلبه تهدر بقوة ويتطلع إلى سكون ملامحها التي ظهر التشتت عليه. دنى بشفتيه من شفتيها الرخوة ليشعر بنعومتها مما جعل قلب تزداد وتيرته وتهدر الدماء أكثر بعروقه.

كانت قلبه هادئة لوهلة لتزداد وتصبح أشد ضراوة ثم أصبحت عنيفة عندما تذكر ماضيها. شعرت بالخوف منه وحاولت الابتعاد لكنها احكم قبضته حولها. حاولت الابتعاد لكن احكم قبضته حولها وهو يجابه عقله الذي يجبره على الابتعاد. ازدادت ضراوة قبلاته حتى أصبحت أشد عنفًا وهي تحاول الافلات منه. يحاول اتباع مشاعره ومحو عقله الذي يجبره على الابتعاد.

يرغبها ويريدها ولكن علقه لا يتركه هنيئًا بها حتى ازاحها ليبعدها عنه بعنف فسقطت على الفراش حتى كاد راسها ان يرتطم في العارضة لولا أن حامتها الوسادة. وقف ليصيح بها بغضب هادر: _اطلعي برة. اتسعت عينيها ذهولًا من اهانته لها التي اصبحت لا تحتمل، وخاصةً عندما عادها بصوت جهوري: _جلت اطلعي برة. نهضت من الفراش واسرعت بالخروج من الغرفة. أما هو فارتمى على المقعد بتعب شديد ويخفي وجهه بين يديه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...