الفصل 32 | من 45 فصل

رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
24
كلمة
4,500
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

خرج وائل من الغرفة التي خصصها له حسام وهو يحمل حقيبته عائدًا إلى عمله. ارتبك حسام فورًا عندما رآه، وأخفض الهاتف الذي كان يتحدث به من يده، مما جعل وائل يندهش من فعلته، لكنه لم يبالِ. قال حسام بارتباك: "إيه ده يا وائل، انت ماشي؟ أومأ له وائل: "آه، خلاص الإجازة خلصت ولازم أرجع، متشكر جدًا على وقفتك معايا." ترك هاتفه على الأريكة وحمحم قائلًا:

"على إيه يعني، أنا ما عملتش حاجة، بس أنا من رأيي تحاول كدة تبعد الفترة دي لحد ما الشخص ده ييأس خالص وميدورش عليك تاني." تنهد وائل وقال بقلق: "أنا هعمل كدة فعلًا، مع إني مش عارف هو عايز يأذيني ليه مادام اتجوزها وعرف إنها سليمة، مش فاهم يعني." نظر إليه حسام وتابع بمغزى: "ما هو بردو اللي عملته مش هين، انت ضحكت على مراته أو اللي أصبحت مراته وأوهمتها إنها مغتصبه، فطبيعي لما يكتشف الحقيقة مش هيرحمك." عقد حاجبيه

بعدم فهم وقال بحيرة: "بس المفروض كان عمل كدة قبل ما يعرف إنها بنت، هي أكيد حكتله على كل حاجة قبل الجواز." تقدم منه حسام وهو يحاول إخفاء نظرات الاستهزاء في عينيه: "ومين قالك إنها قالتله؟ مش يمكن خبت عليه وهي بنفسها اتفاجئت إنها بنت وعشان كده صارحته؟ أو يمكن هي اعترفت يوم فرحها وعلى الأساس ده جاي ينتقم منك." هز رأسه بنفي: "لأ، الرسالة بتقول إن جوزها عرف كل حاجة وجاي عشان ينتقم مني."

"مشكلتك يا وائل إنك لعبت مع الناس الغلط. دول مهما كان صعايدة وده شرفهم، واللي انت عملته ده عقابه الوحيد القتل." سرى الخوف بداخله وقال بارتباك: "بس أنا ما اتخيلتش إنها هتعرفهم، قلت هتخاف وتضطر إنها توافق عليا، مش تهرب وتروح لأهلها." زفر بضيق وتابع: "المهم أنا راجع الشغل ومش هرجع غير بعد فترة طويلة، يمكن يكون نسي أو تقبل الموضوع. يلا أشوف وشك بخير."

خرج وائل من الشقة، ليزفر حسام براحة ويعود للأريكة ويعاود الاتصال بها. وما إن أجابته حتى تحدث بخبث: "أيوه ياقلبي، وائل خلاص مشي ومبقاش عندك حجة، هستناكي النهاردة متتأخريش." "………" رد بإصرار: "مش هقبل أي أعذار، وبعدين إحنا هنعمل إيه يعني، كل الحكاية إننا هنقعد مع بعض بحريتنا، لا تقولي حد يشوفنا ولا جوز عمتي شافني ولا حاجة من الوش ده." "………" اتسعت ابتسامته خبثًا: "أيوه كده، تعالى بقى عشان هموت وأشوفك."

أغلق الهاتف وألقاه بسعادة وابتسامة ماكرة مرتسمة على وجهه. *** جلست على المائدة تنظر إلى الطعام بنفور، فقد استيقظت اليوم على ألم حاد في معدتها. سألها جمال بقلق: "مالك يابتي، ما بتاكليش ليه؟ هزت رأسها برفض: "معلش ياعمي، يظهر إني أخدت برد في معدتي وعشان كده مش متحملة أكل." بادرت أمل تراقصت في قلب وسيلة ظنًا منها أنها بشرى لحمل، لكنها كتمتها بداخلها كي تتأكد أولًا. "طيب، هخلي سعدية تعملك أكل خفيف كده عشان متتعبيش."

أسرعت سارة بالرفض: "لأ، صدقيني مليش نفس، أنا شوية كده وهبقى آكل حاجة خفيفة." حاول جاسر بصعوبة إخفاء قلقه عليها وقال بثبوت: "تحبي نروح لدكتور؟ نظرت جليلة إلى ليلى التي تتناول طعامها، لكنها في عالم آخر لا تدري شيئًا عما يدور حولها، وقالت: "دكتور ليه، وست الدكاترة كلهم موجودة، ولا إيه ياليلى؟

ما زالت على نفس وضعها، مما جعل الجميع يندهش من الحالة التي أصبحت عليها، وخاصةً جاسر الذي لا يعرف حتى الآن ما حدث هناك وتتهرب من التحدث معه. "ليلى، إنتي زينة؟ انتبهت ليلى أخيرًا على صوت جمال الذي يسألها بقلق ونظرات الجميع المصوبة عليها، وتحدثت بارتباك: "ها.. في حاجة؟ اندهش الجميع من الحالة التي وصلت إليها، وقالت وسيلة بحيرة: "حاجة إيه يابتي، انتي مش معانا خالص." ازدردت لعابها بصعوبة عندما لاحظت نظرات الجميع إليها،

وردت بوجل: "لا، أنا بس كنت بفكر…" انتشلتها سارة من اضطرابها: "تيتا بس بتسألك عن حاجة للمعدة لإني تعبانة شوية." رمشت بعينيها تحاول التحدث بانضباط، وقالت بثبات: "آه، عندي دوا كويس، هطلع أجيبه." همت بالنهوض، لكن سارة منعتها: "لأ، كملي أكلك الأول." "أنا خلاص شبعت، ثواني هجيبه ليكي." صعدت ليلى للأعلى ونظرات الجميع مصوبة إليها، وخاصةً وسيلة التي نظرت إلى جمال لتطمئنها بعينيه. تحدثت سارة:

"طيب، أنا هطلع آخد منها الدوا وأرتاح شوية بعد إذنكم." صعدت سارة خلفها، تتبعها عيون جاسر الذي يحاول بصعوبة إخفاء قلقه عليها. فمنذ ما حدث بينهما، وهي تتجنب التواجد معه. وعاد هو ليستلقي على الأرضية مرة أخرى. دَلفت سارة الغرفة لتجد ليلى تبحث في الدرج عن الدواء حتى عثرت عليه وناولته إياه قائلة: "اتفضلي ياسارة، ده هيريحك." أخذت منها الدواء وجلست بجوارها على الفراش وهى تسألها بقلق: "وبعدين ياليلى، هتفضلي كده لحد امتى؟

ارتسم الحزن على ملامحها وقالت بألم: "لحد ما أطمن عليه وأعرف إنه بقى كويس." "هو مش خلاص عمل العملية واتحسن؟ هزت رأسها بنفي: "لأ، لسه ما فاقش من الغيبوبة، بيفوق ثواني كده ويرجع تاني." "بس أنا مش شايف سبب يخليكي تقلقي بالشكل ده، لإن الموضوع مسألة وقت وهيفوق ويبقى أحسن من الأول. وبعدين انتي خلاص دورك انتهى لحد كده، ويا ريت تنسي الموضوع ده وتعيشي حياتك." تساقطت دموعها بألم وقالت بحزن:

"مش قادرة أشيله لحظة واحدة من تفكيري، ومش قادرة أصدق إنه كان بيضحك عليا الفترة دي كلها." رفعت عينيها إليها وتابعت بأسى: "كل ما افتكره، غصب عني بحن ليه." تساءلت بحيرة: "أنا مش فاهمة ياليلى، لما انتي مش قادرة تصدقي خداعه ليكي، ليه مفضلتش جنبه واستنيتي لما يفوق وواجهتيه بالحقيقة؟ أجابت بألم وهى تمسح عبراتها بظهر يدها:

"الموضوع مش سهل زي ما انتي متخيلة. أمجد قدامه ولا شهرين وأكتر لما يقدر يتكلم ويتناقش زي ما بتقولي، العملية مش سهلة كده. وبعدين أنا وعدت جاسر إني هرجع أول ما العملية تخلص، ومكنش ينفع أقعد معاه أكتر من كده." ربتت سارة على يدها وقالت بتعاطف:

"انتي عملتي اللي عليكي وأكتر كمان، ولحد هنا ودورك انتهى. ولو فعلاً بيحبك هيرجع، ولو خاطب مية واحدة هسيبهم ويرجعلك. يلا قومي اغسلي وشك وأنا هاخد العلاج وأرتاح شوية لأن الألم شديد قوي." سألتها بتوجس: "نسيت أسألك الأول، ليكون في حمل ومينفعش تاخدي العلاج ده؟ انصدمت سارة من قولها، لكنها أخفت بسرعة صدمتها، فالألم ليس بمعدتها فقط، بل أسفل بطنها أيضًا. فأسرعت بالنفي: "لأ..لأ.. مفيش حمل ولا حاجة، أنا هسيبك دلوقتي."

خرجت سارة من الغرفة وكلمات ليلى تتردد في أذنها، فلم تنتبه لنفسها وهي تنزل الدرج، لا ترى أمامها من شدة الخوف، ولم تنتبه لجاسر الذي يصعد وهو يتحدث في هاتفه. لتصطدم به وكادت أن تسقط على الدرج لولا يده التي تمسكت بها ومنعتها من السقوط، ليسقط هاتفه هو على الدرج فيتهشم عند آخرها. اعتدلت سارة وأبعدت نفسها عنه قليلاً وهي تقول بأسف: "أنا آسفة، معلش ما أخدتش بالي وأنا نازلة." نظر إلى هاتفه الذي سقط وتحطم وهو يجري مكالمة هامة،

وقال بثبات: "حصل خير." ترجل حتى وصل للهاتف والتقطه ليحاول فتحه، لكن لا فائدة. شعرت بالاستياء من نفسها، فعرضت عليه: "طيب، أنا هجيبلك الجهاز بتاعي لحد ما تصلح فونك." وقبل أن تجد منه ردًا، كانت تصعد إلى غرفتهم وتخرج هاتفها من الخزانة واخرجت منه الشريحة، وقبل أن تخرج، وجدته يدلف الغرفة وهو يحاول فتحه، لكن لا فائدة. تقدمت منه تناوله هاتفها: "اتفضل خده، أنا مش محتاجه."

أخذه منها بعد تردد لضرورة هذه المكالمة التي كان يجريها، و قام بتبديل الشريحة، وتركته هي ودلفت إلى المرحاض. فتح جاسر الهاتف ليجد العديد من الرسائل الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي، وهم بتبديلهم، لكن لفت نظره رسالة خاصة، فقام بفتحها ليجد محتواها: "متشكر جدًا ياسارة إنك نبهتيني قبل جوزك ما يلاقييني، مع إن مقهور جدًا إنك سبتيني واتجوزتي غيري."

بدا لعينه كل شيء أسود، واشتعلت عينيه بنيران غضب تكاد تحرق كل ما حوله. رفع عينيه إليها وهو يراها تخرج من المرحاض ولم ينتبه لعلامات الألم البادية عليها. فتقدم منها كفهد يقترب من فريسته، ورفع الهاتف أمام عينيها وهو يريها الرسالة ويقول من بين أسنانه: "بقى كنتي بتستغفليني الفترة دي كلها؟ اتسعت عينيها بخوف عندما علمت بهوية المرسل، وحاولت الدفاع عن نفسها، لكن صفعة قوية سقطت على وجهها كادت أن تطيح بها أرضًا.

"بقى انتي يا… اللي بعتيله الرسالة وعرفتيه إني رايحله؟ صفعة أخرى أشد من الأولى جعلتها تصرخ من شدتها، وقالت بنفي: "محصلش والله…" قاطعتها ضربة أخرى وصوته الهادر يقول: "متجيبيش اسم ربنا على لسانك يا…" صرخت بألم وهي تقول بإصرار: "أقسم لك فعلاً إني…" قاطعها بجذبها من خصلاتها وقال من بين أسنانه: "كيف ده وهو بيشكرك إنك نبهتيه؟

بس العيب مش عليكي، العيب على اللي قال يلم عارك ويديكي اسمه وشرفه، وانتي خاينة ومصنتيش اللي عملته معاكي وبتطعنيني في ضهري." تحدثت بنحيب: "صدقني، أنا عملت كده عشان خفت عليك…" صرخت عندما اشتدت قبضته على شعرها وقال بصرامة: "قلت اخرسي، كان لازم أعرف من الأول إن منصور عمره ما هيربي تربية زينة، بس الحج عليا إني ما رميتكيش ليه من البداية وشيلت مصيبتك لوحدي."

انفتح الباب فجأة ودلف منه جمال الذي سمع صرخاتها وصوته الهادر ليغضب بشدة وهو يرى ذلك المشهد أمامه وصاح به: "انت بتعمل إيه يامخبول انت؟! تقدم منهم كي يأخذها منه، لكن جاسر منعه بغضب: "محدش يدخل بيني وبين مرتي." انصدم جمال من الغضب الذي يراه على ملامح ابنه وهدر به: "انت اتجننت؟ إياك، سيبها بقولك." دَلفت وسيلة أيضًا على صوته ورأت ابنها بحالة لم ترى مثلها من قبل وجاذبًا زوجته من خصلاتها: "في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟

نظرت إليها سارة باستغاثة جعلت قلب جمال ينتفض، وتقدم من ابنه يجذبها من خلفه، لكن جاسر لم يكن بوعيه وصاح في والده: "قلت محدش يدخل." اتسعت عينا جمال من هيئة ابنه وكأنه تحول لشخص آخر، يرفع صوته لأول مرة عليه: "انت بتعلي صوتك عليا؟ الغضب أعمى بصيرته فلم ينتبه لما يقول: "وهيعلى أكتر من كده لو دخلتوا."

صفعة أخرى، لكن تلك المرة كانت من نصيب جاسر لينصدم من فعلة والده التي لم يفعلها من قبل، وزادت صدمته عندما جذب سارة من يده لتحتمي به، لكنه سلمها لوسيلة التي احتضنتها بحب وخوف. وقال جمال باحتدام: "اللي يمد يده على مرته مبيقاش راجل، يبجى حرمة زيها، وكان لازم تاخد الضربة دي عشان تفوق لحالك." تلوت سارة بين يدي وسيلة من شدة الألم الذي لم يعد يحتمل، وانتبهوا على صرخاتها وهي تضع يدها على بطنها. وسألتها وسيلة بخوف:

"مالك يابتي؟ لم يعد الألم يحتمل، فصرخت بوجع: "الحقيني ياماما، مش قادرة." أسرع إليها جمال يسندها مع وسيلة التي نظرت إليه لتقول بتوجس: "لتكون حامل و…."

لم يستمع جاسر لشيء بعدها من هول الصدمة التي تلقاها، وكأن صدمة واحدة لا تكفي. لم يتخيل شيئًا كهذا ولم يكن في الحسبان. يرى دخول ليلى وخروج الجميع بها وهو لا يعي شيئًا مما يحدث. الدنيا تلتف به ثم تضيق عليه حتى أصبح تنفسه ضعيف. كان يجاهد ليأخذ أنفاسًا رتيبة وكأن الهواء انعدم من الغرفة. سقط على المقعد خلفه وشعر بأن عينيه أصبحت ترى شيئًا قاتمًا من حوله. الذي فعله بنفسه؟ لما وثق بها وصدقها؟

لما عشق من قامت بذبحه بكل ذلك البرود؟ ماذا سيفعل إذا اكتشف حقًا أنها حامل؟ وضع وجهه بين يديه مغمضًا عينيه بشدة. لا يستطيع تحمل كل تلك الصدمات. *** كانت مستلقية على سرير الكشف تتلوى من الألم والطبيبة تقوم بعمل السونار، فسألتها وسيلة بخوف: "طمنيني يادكتورة." أزمت الطبيبة شفتيها وقالت: "أنا مش شايفة حمل قدامي، بس ممكن الألم ده يكون انقباضات في الرحم." نظرت إلى سارة وسألتها: "ممكن أكشف عليكي؟

رن هاتف ليلى مما جعلها تستأذن وتخرج من الغرفة. بعد الانتهاء، جلست الطبيبة على مكتبها وساعدت وسيلة ليلى على النهوض وجلسوا أمامه. نظرت إلى كلاهما وبالأخص سارة التي يظهر على وجهها آثار عنف واضح، وسألتها: "انتي متجوزة بقالك قد إيه؟ كادت وسيلة أن تجيب، لكن الطبيبة منعتها: "عايزة أسمعها هي، لإنها أكيد فهماني." ردت سارة بتعب: "شهرين." اندهشت الطبيبة من البساطة التي تتحدث بها، وعادت أسألتها: "في علاقة بينك وبين جوزك؟

لم تفهم كلاهما ما ترمي إليه الطبيبة، وسألته وسيلة بحيرة: "أمال إحنا جايين نسأل على حمل ليه؟ قالت بعدم استيعاب: "حمل إيه اللي بتتكلموا عنه، وهي لسه بنت أصلًا." اتسعت عيونهم بصدمة حتى ألجمتهم لحظات، ونظرت وسيلة إلى سارة ومنها إلى الطبيبة وسألته بريبة: "إنتي بتقولي إيه؟ أكدت لهم: "بقول اللي أنا شيفاه، إنها بنت، وهنا العيب عند ابنك مش عندها."

أغمضت وسيلة عينيها قهرًا على ولدها، ولم تنتبه لتلك التي كادت تجن من هول الصدمة، حتى إنها تناست آلامها وكل شيء، فأخذت تهز رأسها بعدم استيعاب لما يحدث. هل كانت داخل لعبة حقيرة من ذلك الكريه حتى يجبرها على الزواج منه وجعلها تلقي نفسها بين يدي من لا يرحم؟ لم تستطع البقاء لحظة واحدة. نهضت ولم تعِ بآلامها وخرجت من الغرفة مسرعة. اندهشت ليلى من خروجها بتلك الهيئة، تلاها خروج والدتها وهي تناديها. أسرعت خلفهم تسأل والدتها:

"خير يا أمي، إيه اللي حصل؟ اندهش جمال الذي كان واقفًا أمام السيارة منتظر اتصالهم، ليجد سارة تخرج من المشفى بتلك الحالة. أسرع إليها يسألها، ليتفاجئ بها تلقي نفسها في أحضانه وتبكي بانهيار. لم يفهم شيء مما يحدث، مما جعل قلبه ينقبض خوفًا عليها. فيسألها بلهفة: "سارة، انت…"

لم تدعه يكمل جملته وشددت من احتضانها له أكثر وكأنها تلتمس منه الأمان. وهذا ما شعر به ليحتضنها بحب أبوي، مربتًا على ظهره. لم يفهم شيء مما يحدث عندما وجد ليلى ووسيلة يخرجون أيضًا من المكان ويبدو على وجوههم الدهشة. نظر إلى ابنة أخيه التي تبكي بانهيار وإلى زوجته وابنته الذين يقتربون منهم بقلق. كان نحيبها يمزق القلوب وهي تكتشف أنها داخل لعبة كادت تقضي على حياته، دمروا أحلامها حتى أوصلوها حد الهوان، ذل وانكسار. شاركوا جميعًا في تدميرها، وشارك هو أيضًا في ذلك. لن تغفر أو تسامح بعد الآن.

انتبهت على صوت ليلى التي سألتهم بريبة: "إيه اللي حصل؟ تحدث جمال بقلق: "انتوا اللي فيه إيه؟ الدكتورة قالت إيه وصلها للحالة دي؟ لم تعرف وسيلة بماذا تجيب، فقالت بتحير: "مش وقته، خلينا نروح الأول."

ساندها جمال حتى جلست داخل السيارة لترمي رأسها على ظهر المقعد بضياع، وجلست ليلى بجوارها لا تفهم. وحدها وسيلة التي كانت تنظر إليها بين الحين والآخر بتشتت. جمال الذي تمزق قلبه وهو ينظر إليها من مرآة السيارة ولا يعرف ما بها. ماذا حدث حتى جعل ابنه يعاملها بذلك العنف؟ ماذا أخبرتها الطبيبة حتى جعلتها بتلك الحالة؟ ضغط على مقود السيارة بعجز وشعر أن المسافة للمنزل أصبحت بعيدة. أما سارة، فقد كانت تبكي بصمت، يبكي الورود. ***

ما زال على نفس حالته جالسًا على المقعد بضياع، لا يعرف ماذا يفعل. يشعر بطعنة حادة في قلبه، فقد قهرته حقًا بفعلتها. ذهب ليثأر لها ممن ظلمها كما كان اعتقاده، وهي بكل غدر تهاتفه وتنبهه خوفًا عليه. أمسك الهاتف يبحث به عن رسائل أخرى ليتفاجئ برسالتها لأخته. ازدادت وتيرة تنفسه وهي يقرأ محتوى الرسالة ليتسمر مكانه من شدة الصدمة. إذاً هي لم تهاتفه، لم تخبره خوفاً عليه كما اتهمها، بل كان لأجله هو، خوفًا عليه هو. وماذا فعل بالمقابل؟

أهانها وصفعها أمام الجميع، حتى عندما تألمت لم يهتم لها وتركها لوالده. انقبض قلبه بخوف. نهض مسرعًا وقرر الذهاب إليها. يكفي ما حدث حتى الآن. سيمحي الماضي ويمزق صفحاته. سيبدأ بصفحة أخرى بيضاء ويزهرها بعشقه. لن يؤذيها بعد الآن وسيعتذر لها أمام الجميع معترفًا بخطئه. وقبل أن يخطو خطوة واحدة خارج المنزل، وجد سيارة والده تدلف من البوابة الخارجية. نزل الدرج وتقدم من السيارة التي توقفت أمامه. ترجل جمال منها متجاهلاً وقوفه وفتح

الباب ليساعد سارة على الخروج منها، ووجدها تنزل منها وتخبئ وجهها في صدر والده وكأنها تحتمي منه. نحاه جمال بذراعه كي يستطيع المرور بها، وأخذ ينظر إليها وهي تبتعد للداخل وتلاها مرور أخته ووالدته التي نظرت إليه بعتاب وتركوه وحيدًا. لم يدري أحد ما يعانيه قلبه. آآه، دلف خلفهم وصعدوا بها إلى غرفتهم ووضعها جمال على الفراش بحنان أبوي لم تراه من والدها. جلس على الفراش

بجوارها وقال بابتسامة: "حاولي تنامي شوية وهتقومي تلاقيني محضّرة لك مفاجأة زينة جوي." أومأت له بعينيها لعدم قدرتها على التحدث وأغمضت عينيها كي تتظاهر بالنوم. أخذ جمال وسيلة وليلى وخرج بهم من الغرفة. فوجد جاسر واقفًا بجوار الغرفة ساندًا بظهره على الحائط. كان الندم ظاهرًا عليه، وهم بتعنيفه، لكن وسيلة منعته: "بلاش دلوقتي، إني عايزاك في حاجة أهم."

أطاعها جمال وذهب معها إلى غرفتهم وأغلقت الباب خلفها. وقفت وسيلة أمامه لا تعرف ماذا تفعل، هل تخبره بسر ولده أم تكتم بداخلها حتى تتفاقم المشكلة بينهما. أما هو، فقد كان ينتظر حديثها وذلك الأمر الهام الذي جعلته يترك كل شيء ويصعد إليها. فسألها بصبر نافذ: "متجولي يا وسيلة، البنت فيها إيه؟ ازدردت ريقها بصعوبة ورفعت وجهها إليه فوجدته ينظر إليها ينتظر حديثها. أربكها أكثر، لكن عليها التحلي بالشجاعة والتحدث معه. فقالت بارتباك:

"سارة زينة الحمد لله، مفيهاش حاجة." ارتاح قلبه قليلًا ثم سألها: "أومال كانت مالها بتعيط ليه؟ هزت نظراتها وشعرت بأن الكلمات وقفت في حلقها لا تستطيع الخروج. أغمض عينيه بيأس: "أستغفر الله العظيم، إني نازل ولما تقرري يبقى نادي عليا." هم بالذهاب، لكنها امسكت يده تمنعه من المغادرة وقالت: "خلاص خلاص، هتكلم." عاد إلى وضعه، وهى قررت الاعتراف كي يجدوا حلًا لتلك المعضلة، وتحدثت بارتباك: "جـ… جاسر ابنك…"

قطب جبينه بقلق وهو يسألها: "ماله جاسر، أوى يكون عمل حاجة…" قاطعته مسرعة: "لأ، متخافش، بس الدكتورة النهاردة جالت يعني…" صاح بها جمال: "ما تخلصي يا وسيلة وجولي في إيه." أغمضت عينيها تستجمع شجاعتها وقالت بإحراج: "اصل الدكتورة جالت إن بنت أخوك…" انتفض جمال في وقفته وخشى أن يكون بها شيء وسألها بخوف: "مالها بنت أخوي، انتي مش جولتي إنها زينة؟ أكدت مسرعة: "أيوه، هي زينة، بس…" ترددت قليلًا

قبل أن تقول: "بس اللي عرفته من الدكتورة إنها.. يعني لسه بنت." لم يستوعب معنى حديثها وسألها بعدم استيعاب: "بنت إزاي مش فاهم." خفضت عينيها بإحراج وتابعت: "بنت يعني بنت يا جمال، يعني ابنك ملمسهاش." رمش بعينيه وعقله يرفض تصديق ما سمعه الآن وسألها بريبة: "يعني إيه بردك مش فاهم." لم تجبه وسيلة، مما أكد ما لا يستوعبه عقله. هل من الممكن أن يكون ولده… رفض تصديق ذلك، لكن ما معنى أن يظل معها كل تلك المدة وما زالت كما هي؟!

هل هذا سبب نظرة الانكسار التي يراها دائمًا بعينيها؟ هل ذلك أيضًا سببًا في ذلك الشجار الذي يسمعه كل ليلة في غرفتهم؟ انتبه على صوت وسيلة: "إني جلتلك بس عشان تتحدت انت معاه وتشوف إيه الحكاية بالظبط." ارتمى جمال على المقعد وقد اسودت الدنيا أمامه وعقله لا يستوعب ما عرفه الآن. أسند جبهته على يده ورد بفتور: "ياريتك ما كنتي جولتيلي." جلست وسيلة على المقعد بجواره وتحدثت بحزن: "لازم أقولك عشان تتحدت معاه."

رفع وجهه إليها وقال بحزن: "أجوله إيه؟ أجوله إني عرفت إنك عاجز، ولا أجوله إن سرك اتعرف والدكتورة جالتها صريحة." تذكر أمرًا هامًا وسألها بريبة: "بس الدكتورة عرفت كيف؟ حمحمت بإحراج وقالت: "كانت بتعملها أشعة تشوف الوجع ده من إيه." تلاعب الشك بداخله ظنًا منه أن سارة تقصد معرفة الطبيبة بذلك، وعاد يسألها: "وليه سارة وافقت تعملها الأشعة وهي خابرة إن الطريقة دي هتعرف الدكتورة؟ احتارت وسيلة أيضًا وتذكرت ملامح سارة

التي ظهرت عليها الصدمة: "مش عارفه، بس أنا حسيتها اتصدمت لما الدكتورة جالت كده. روحي اتكلم معاه وشوف إيه الحكاية." نهض جمال وهو يقول بحدة: "حكاية إيه بس! حكاية إيه غير إن ابنك مش طبيعي، وياترى ضربه ليها النهارده كان سببه إيه؟ "يمكن يعني…." قاطعه بعذاب: "مفيش يمكن، واحد متزوج بقاله أكتر من شهر وبنوم عليهم باب واحد وبيناموا على سرير واحد وزي ما بتجولي بيحبها يبقى إيه اللي هيمنعه غير ده؟! "اتكلم معاه واعرف."

تنهد بضيق شديد ثم سألها: "طيب متكلمتيش معاها ليه؟ ممكن تكون هي اللي رافضة إنه يجرب منها." "أجولها إيه بس؟ وبعدين الصدمة خلتني مش عارفة أجول ولا أعلم إيه." هز رأسه بحيرة: "أكيد ده السبب." نظر إليها وتابع: "أني من رأيي انتي اللي تتحدتي وياهم، مش هقدر أشوف نظرة انكسار في عينيه." "بس إني مش هقدر أتحدت وياه في حاجة زي دي." "حديثك معاه انتي أسهل بكتير مني، اعرفي بس السبب وإني هتحدت معاه."

خرج من الغرفة صافقًا الباب خلفه بحدة، لا يعلم إلى أين. *** هم جاسر بالولوج إليها بعد خروجهم، لكن ليلى منعته: "سيبها دلوقتي، ولما تهدى يبقى ادخلها." أوجعتها نظراته، لكن عليها أن تكون حازمة معه كي لا يعيدها مرة أخرى، فسألها بخوف: "هي الدكتورة جالت إيه؟ هزت كتفيها: "مش عارفه، أنا جاني فون مهم وخرجت أرد عليه، بس الدكتورة كانت بتقول إن مفيش حمل ولا حاجة."

أشرق وجهه بسعادة، لكنه لم يبدها أمام أخته التي تركته وعادت إلى مخبئها كما تطلق عليه وسيلة. رآى والده يخرج من الغرفة، فاخفض عينيه بأسف جعل قلب جمال ينتفض بألم عليه. فتركه وخرج من المنزل بأكمله. خرجت وسيلة لتجده واقفًا أمام غرفتها، فتقدمت منه لتقول بتعاطف: "تعالى يا جاسر، رايدة أتحدت معاك في كلمتين." أومأ لها وذهب معها إلى الغرفة، ليجدها تقف أمامه وتسأله: "أيه اللي بينك وبين بنت عمك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...