وقفت سارة أمام الغرفة بتردد، تعلم جيدًا بأنها تخطئ فيما تفعله وإن علم جاسر لن يرحمها، لكنها تريد أن ترى في عينيه نظرة الانكسار التي لازمتها شهورًا عدة. لذلك عندما طلبت منها ساندي الحضور وافقت دون تردد. طرقت الباب لتفتح لها ساندي وتدعوها للدخول. "اتفضلي يا سارة." دلفت سارة للداخل وياليتها لم تفعل.
فور رؤيته عادت إليها تلك الذكريات الأليمة ليهتز داخلها بوجل، لكنها استطاعت بصعوبة إظهار عكس ذلك ودلفت بقوة وثبات نجحت في إظهاره بوضوح على حركاتها وسكناتها. كان في حالة يرثى لها. ولما لا وهو قد وقع بين براثن جاسر الذي لم تترك مكانًا في وجهه إلا وقد أعطته ما يستحق، فضلًا عما حدث لذراعه من كسور مركبة تحتاج وقتًا طويلاً لتشفى وقد لا تعود لطبيعتها مطلقًا. ما شهدته أثلج صدرها وشفى غليلها منه.
تلاشى الخوف بداخلها عندما لاحظت نظرات الانكسار في عينيه وصوته الذي امتلأ بالخزي وهو يقول: "أهلًا يا سارة، متشكر أوي إنك جيتي." بثبات وهدوء تام تحدثت: "معقول بتشكرني عشان جاية أشمت فيك؟ خفض عينيه بانكسار وهو يقول: "عندك حق، انتي ربنا انتقملك مننا أشد انتقام، أنا بس كنت عايزك تسامحيني وتغفريلي اللي عملته فيكي." انكسارهما والخزي الذي ظهر عليهما جعلها تشتاق أكثر لذلك الذي انتقم لها من ظالميها. فردت بثبات:
"بالعكس، أنا بعتبره جميل عملته معايا عشان أروح لأهلي وأتعرف على جاسر، يمكن لو مكنش ده حصل مكنتش هروح هناك ولا أتعرف عليه، أو يمكن أروح بعد ما يكون فات الأوان ويكون ارتبط بغيري. دي الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أغفرلك اللي حصل. أنا كنت جاية بس عشان أشمت فيكم بس لقيت إنكم حتى متستهلوش إني أشمت." خرجت من الغرفة دون إضافة كلمة أخرى.
لم يكف هاتفها عن الرنين منذ خروجها من الغرفة، فقامت بإخراجه من حقيبتها لتجده جاسر مما جعلها تشعر بالقلق من حدوث شيء ما. وصلتها رسالة منه فتحتها لترى محتواها المتوعد: "افتحي الفون لآجي أكسره على دماغك." ابتسمت بيأس ممن خدعها فقال: "تغير كثيرًا بعد فراقك." واهمًا لا محالة، رن هاتفها مرة أخرى. وما إن فتحت حتى دوى صوته الهادر الذي يكاد يخرق طبلة أذنها مما جعلها تبعد الهاتف عنها بإنزعاج. "انتي فين ياهانم؟
قلبت عينيها بغيظ وقد وضحت أمامها الرؤية بمراقبته لها وقالت بهدوء: "وانت مالك؟ بتسأل بصفتك إيه؟ صاح بها بانفعال: "بصفتي كتير ياهانم ولو عايزة تعرفيها هاجي أعرفهالك، وإذا كان منصور سايبك تدوري زي ما انتي عايزة فانتي ليكي أهل يحكموكي." ضغطت على أسنانها بغيظ وتحدثت بحدة: "وانت بقى اللي هتحكمني؟ تابع هدره: "أيوه هحكمك، لما تروحي تزوري واحد زي ده وبعد اللي عمله فيكي يبقى لازم أحكمك." راقتها غيرته عليها رغم غلاظة
كلماته وواصلت تحديها له: "والله اللي ليه كلمة عليا بعد بابا هو جدي وعمي من بعده يعني مفيش حد تاني له كلمة عليا، ولعلمك أنا مش جاية أزوره زي ما الغفير اللي باعته مـ وصلك، أنا كنت جاية أشوف انتقام ربنا ليا مش أكتر." إزداد غضبه منها وهي تمحو وجوده من حياتها وقال باحتدام: "يظهر إن منصور دلعك بزيادة وأنا بقي اللي هعلمك الأدب وأربيكي من أول وجديد." تابعت إشعال نيران الغضب بداخله قائلة بإستفزاز: "لما يكون ليك صفة."
أشعلت النار بداخله بالفعل وصاح بها: "بصفتي جوزك ياهانم." صححت له بفتور: "تقصد اللي كان جوزي، انت نسيت إنك طلقتني." كان واقفًا على جمر ملتهب وقد أسود كل شيءٍ من حوله من شدة الغضب الذي سيطر عليه، تمتم من بين أسنانه: "متلوعيش معايا وقولي انتي روحتي عنده ليه؟ ردت بنفس فتورها وهي تشير لسيارة أجرة:
"ساندي قالت لي إن أخوها عايز يعتذر، وبصراحة كان نفسي أشوفه وهو مذلول كده، والحمد لله راضيت فضولي وفضولك، وتسمح لي أقفل عشان هركب العربية." لم تمهله فرصة للتحدث وأغلقت الهاتف مما جعله يضغط على الهاتف بيده حتى كاد يكسر الهاتف أو أصابعه أيهما أقرب. كان يهدر بقوة مما جعل أمجد وليلى يستمعون لحديثه رغم المسافة بينهم، ثم وجدوه يدلف الغرفة ويأخذ مفاتيحه وهو يقول باعتذار: "أنا مضطر أستأذن لإني عندي مشوار ضروري."
خرج دون أن يستمع إليهم. فقالت ليلى بقلق: "أنا هروح أشوف في إيه." منعه أمجد من التحرك: "لا بلاش تدخلي، أنا دلوقتي مع جدك فـ اللي قاله، وممكن اللي حصل ده يكون سبب لرجوعهم لبعض." ردت بتمني: "يارب يا أمجد، بصراحة الاثنين صعبانين عليا أوي." طمئنها بهدوء: "إن شاء الله هيرجعوا لبعض، بس سيبك من جاسر وخليكي معايا." أشار لها بعينه وهو يغمز لها:
"فاكرة الأوضة اللي جنبنا دي، متيجي نعيد المشهد من تاني، بس هيكون بطريقة مختلفة عن كدة." زمت فمها بغيظ وقالت بحدة: "كلمة زيادة وهقوم من قدامك." قال بخبث وهو ينظر إليها بلوع: "براحتك، بس كلها أسبوع وهيتعاد برضاكي، بس لما تيجي تقربي مني هخطفك في حضني." اشتد غيظها منه وهمت بالنهوض وتركه، لكنه نهض مسرعًا ووقف أمامها يمنعها وقال: "إيه مالك حمقية كدة ليه، هو أنا كنت قلت حاجة عيب." رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بغيظ:
"لا مقلتش حاجة." ابتسم لها بحب وهو ينظر إلى ملامحها التي حفرت داخل قلبه وعقله وبكل كيانه، تلك الحبيبة التي أسرت قلبه وجعلته يسير وفقًا لرغباتها. فقال بوله: "مش عارف انتي عملتي فيا إيه، كل مدى حبك جوايا بيزيد لدرجة إني بقيت مسلوب الإرادة قدامك." ابتسمت بخجل وقد أخذ قلبها يهدر بقوة من كلماته التي وصل صداها لأعماق قلبها فقالت بخجل: "أنا واقفة قدامك وخايفة أكون بحلم." أكد لها بولع: "وأنا كمان خايف أكون بحلم."
ليقاطعهما صوت متهكم: "وأنا بقى اللي جاي أفوقكم من الأحلام دي." عادت سارة إلى المنزل وعاد هاتفها يرن بإزعاج. تجاهلت وصعدت إلى غرفتها. محاولات كثير منه لكنها عاندت وقامت بأغلاق هاتفها ووضعته على المنضدة بعناد. محاولة أخرى منه فوجد هاتفها قيد الأغلاق مما جعله يزداد غضبًا فتمتم متوعدًا: "ماشي، بكرة بالكتير وهطلعه على عينك يا بنت المنياوي." يعاود الاتصال بمصطفى الذي ما إن أجابه حتى تحدث باقتضاب:
"استناني مع أمجد أنا جاي حالًا." ثم أغلق الهاتف وألقاه على المقعد المجاور وبدأ في استرجاع ذكرى قريبة. فتح جاسر باب غرفته ليجد مصطفى أمامه يقول بإحراج: "محتاج مساعدتك، هتساعدني ولا أشوف حد تاني." فهم جاسر مقصده فأشار له بالدخول ليجلس مصطفى وهو بجواره لينظر إليه بشك: "خير، عملت إيه تاني؟ رد مصطفى باحراج: "أنا هربت حلم وهى دلوقتي في طريقها للقاهرة."
مسح جاسر على وجهه يحاول تمالك أعصابه كي لا ينفعل عليه وسأله بجمود يحاول به الحفاظ على ثباته الانفعالي: "تقصد حلم بنت الهواري؟ أومأ له في صمت مما جعل جاسر يضغط على قبضته محاولًا السيطرة أكثر على غضبه مما جعله يتمتم من بين أسنانه: "وديتها فيها؟ حمحم بإحراج وهو يجيب: "مش عارف لسه، أنا كنت عامل حسابي إنها تروح عند أمي بس لقيت إنه أول مكان هيدوروا فيه، هما وصلوا دلوقتي للقاهرة ومش عارف اخليها تروح بيت جدي ولا اعمل إيه."
هز رأسه وهو يحاول تهدئة انفعاله، فما حدث؛ حدث وانتهى: "وانت جاي تسألني بعد الدنيا ما خربت؟ هز كتفه مغمغمًا بضيق: "كنت خايف لتقف قصادي وتمنعني، وأنا دلوقتي بطلب مساعدتك، هتساعدني ولا أشوف حد تاني." تنهد جاسر بيأس: "وناوي على إيه بعد اللي عملته ده؟ "هاخدها ونسافر بره نكمل تعليمنا." هز رأسه قائلًا بصعوبة تحكم: "بما إن المصيبة حصلت وخلاص فغصب عني هساعد." سأله بتوجس: "إزاي؟ فكر قليلًا ثم أخرج هاتفه ليجرى مكالمة وعندما
أجابه تحدث بدون مقدمات: "محتاجين مساعدتك ضروري." رحب قائلًا: "أكيد طبعًا قول." "الأول في بنت في مشكلة واحنا بنحاول نساعدها، هي دلوقتي في القاهرة وعايزين حد نثق فيه تكون عنده الفترة دي لحد ميعاد سفرها." تردد قليلًا ثم تحدث بجدية: "قصة بنت دي تقلق، بس بما إنها تبعك فـ حاضر هساعد باللي أقدر عليه، هي فين دلوقتي؟ نظر جاسر لمصطفى يسأله فأجابه: "خليه يبعت لك العنوان وأنا هكلمهم." "هي في القاهرة دلوقتي، قول العنوان."
"وأنا جيت بقى عشان أفوقكم من الحلم ده." ضحك أمجد وقال بتسويف: "بلاش انت لإنك عملت اللي مـ في حد يقدر يعمله." تحدثت ليلى باستنكار: "ولا كان هيقدر يعمل حاجة من غيري." اتسعت عينا أمجد بعدم استيعاب لما تقول وسألها: "عملتي إيه ياعملي الأسود؟ تحدثت بغرور مصطنع وهي تجلس على المقعد: "ولا حاجة، عرفته طريق سامية اللي حلم بتثق فيه." نظرت إلى مصطفى وتابعت بغيظ: "بس كان ممكن يودي نفسه في داهية بجرأته دي." جلس مصطفى وهو يجيبها:
"على أساس سفرك لليونان مكنش جرأة، بصراحة أحفاد الحاج عمران دول مصيبة، كل واحد فيهم ليه حركة جريئة كده إنما إيه تودي في داهية." اتسعت أعينهما بصدمة وسأله أمجد بحيرة: "وانت عرفت منين؟ قاطعهم دخول جاسر الذي ظهر عليه الهدوء قليلًا بعد تلك العاصفة التي خرج بها: "السلام عليكم." ردوا جميعًا السلام ثم جلس معهم فقالت ليلى: "طيب أسيبكم أنا بقى." ظل أمجد ينظر إليها وهي تذهب حتى نبهه جاسر: "خليك معانا هنا.. هنعمل إيه؟
التفت اليه أمجد قائلاً: "متخافش ياسيدي كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا، بكرة الصبح هيكون المأذون معانا وإن شاء الله يخلصوا ويطلعوا على الطيارة، بس كل واحد فيهم من طريق." سأله مصطفى بقلق: "وفيه إيه لما تروح معايا؟ نظر إلى جاسر وقال بيأس: "تهوره ده هيوديه في داهية، يا ابني انت أكيد هتكون متراقب من وقت ما تخرج من البيت لحد ما تركب الطيارة، ولما يشوفوها معاك مش بعيد يقتلوك ويقتلوها." أيده جاسر:
"مش لوحدهم، كل اللي ساعدهم هيروح معاهم، يعني نهدي كده ونتصرف بحكمة." تحدث أمجد بجدية: "مصطفى الموضوع مش سهل زي مـ انت فاكر فلازم كل خطوة تكون محسوبة ومن غير تهور، اتفقنا؟ أومأ له على مضض: "اتفقنا، بس... قاطعه جاسر بحدة:
"مفيش بس، اللي قولنا عليه يتنفذ بالحرف، مش عايز أقولك إن لو جدك وعمك عرفوا حاجة زي دي هما بنفسهم اللي هيقفوا قصادك ويرجعوا البنت لأهلها، وأنا أول واحد كنت هعمل كده بس لقيت إن خلاص المصيبة حصلت واللي كان كان." أيد أمجد رأيه: "فعلاً جاسر عنده حق، ولولا إني بثق في تصرفاته مكنتش وافقت." رد مصطفى باستنكار لقسوتهم عليه: "بس الكلام ده لو هي عايشة مبسوطة مع أهلها وأنا جيت خطفتها منهم، ده الجحيم أرحم من اللي هي فيه."
وافقه أمجد بتعاطف: "عارفين، وده السبب الوحيد اللي مخلينا واقفين جنبكم، واحنا مش بنطلب منك تسيبها، إحنا بس عايزينك تكون هادي ومتتصرفش بتهور." أومأ لهم: "تمام، اللي تشوفوه." خرج جاسر التذاكر من جيبه وقال بثبات: "وأنا جبت التذاكر، وإن شاء الله الموضوع يعدي على خير." أصبح مصطفى على أتم الاستعداد للسفر، وغدًا في الصباح سيذهب مع جاسر وأمجد إلى القاهرة كي يتم عقد قرانه على حلم ويأخذها ذاهبين إلى الخارج.
ترجل مصطفى، ورغم فرحته الكبيرة بحلم إلا إنه كان يتمنى أن يشاركهم فرحته. دلف الغرفة ليجدهم جالسين بوجوم لحزنهم على فراقه. تقدم منهم ليصافح جده ويقبل يده وهو يقول بأسف: "عارف إن فراقي صعب عليك، بس أوعدك إني هكلمك كل يوم وأطمن عليك." ربت عمران على كتفه ورد بحب: "تروح بألف سلامة يا ولدي ويكفيك شر الطريق." أومأ له بابتسامة ثم تقدم من جليلة التي سبقتها دموعها وقالت بحزن: "خلاص هتفارقنا." ابتسم بحب ودنى منها
يقبل رأسها وقال بثبات: "مين قال كده، إن شاء الله هكلمك كل يوم وفيديو كمان كأني معاكم." ثم دنى من عمه الذي كان ومازال بمثابة أب له وقال بصدق: "بصراحة اتعودت عليك في حياتي، مش عارف إزاي هقعد المدة دي كلها من غيرك." ابتسم جمال بود ليربت على كتفه بقوة: "وانت كمان بعتبرك واحد من ولادي زيك زيهم بالظبط، بس ياريت أول ما تخلص علامك ترجع على طول." ابتسم بحب وقال بتأكيد: "من غير ما تقول، آخر يوم في الامتحانات هرجع على طول."
"إن شاء الله، أنا حولتلك مبلغ بسيط على حسابك تمشي به نفسك لحد ما تستقر." تذكر مصطفى أمر الرسالة التي وصلته أمس وقد ظن أنها من والده فلم ينتبه لاسم المرسل فقال: "بس المبلغ كبير أوي و... قاطعه جمال: "مش كبير ولا حاجة، أنا لسه قايلك انت زيك زي جاسر وطبيعي إني أعمل كده معاه." لم يجد كلمات يصف بها مدى امتنانه له فقال بحب: "متشكر أوي يا عم." نظر إلى وسيلة التي وجد معها حنان لا يوصف: "هتوحشيني أوي."
"وانت كمان، اتعودت عليك معانا." أكد لها: "هكون معاكم برده، بس خلي بالك من سارة." أكدت له: "سارة جوة قلبي، بس ربنا يهديها وترجع." نظر إلى جاسر وتابع بمغزي: "هترجع إن شاء الله." اهتزت نظرات جاسر وقال بحدة: "خلصت محن ولا لسه؟ وما له: "اه خلصت، هكمل الباقي في المطار مع حازم ومعتز." "وبالمرة تعدي على ليلى في المستشفى." ضحكوا جميعًا: "لأ كفاية المحن اللي هي فيه دلوقتي، يلا ياسيدي."
خرجوا من المنزل ومروا على المشفى وكان أمجد بانتظارهم هناك. في المشفى. جلس أمجد معها في كافتريا المشفى وهو ينظر إليها بغيظ: "عاجبك كده والكل عمال يبصلنا زي اللي أول مرة يشوفوا اتنين مخطوبين؟ ردت هي بغيظ من فعلته: "طبيعي، لإن مجيك أصلًا هنا مينفعش." "بت اتعدلي لاعدلك، انتي بقيتي خطيبتي خلاص وأشوفك في المكان اللي يعجبني." نظر إلى تلك العيون التي تراقبهما وقال: "ولا فيه سبب تاني؟ اتسعت عينيها ذهولًا من حديثه وقالت بحدة:
"إيه سبب تاني ده؟ عاد ينظر إليه بحنق: "اللي قاعد مش شايل عينيه من علينا ده." لم تستطع النظر إلى حيث يشير وقالت بعتاب: "يعني انت جاي عشان كده بس؟ ابتسم لها بحب عندما رأى عبوسها وقال بمرح: "للسببين، وحياتك السبب الأول إنك هتوحشيني والتاني عشان أخليه يفقد الأمل من جواه." يعجبها تصرفه وقالت بجدية: "بس يا أمجد كده مينفعش، احترم مشاعر الناس لإنها حاجة مش بأديهم، إحنا مش هندخل جواهم ونعاتبهم على احاسيسهم." عقد حاجبيه
بغيرة واضحة وسألها بحدة: "ومالك متعاطفة معاه ليه؟ "لإني جربت الاحساس ده وعارفه قد إيه هو مؤلم، بلاش نخلي غيرنا يعيشه، هو خلاص قطع أي أمل من قبل حتى مانتخطب فمكنش ليه لزوم اللي انت عملته ده." تطلعت إليه قليلًا ثم سألها: "انتي شايفة كده؟ لاحظت الضيق الذي يتحدث به وقالت بهدوء: "أنا مش شايفة حاجة، كل اللي بقوله إننا نحترم مشاعر الغير مش أكتر." رن هاتفه ليجد المتصل جاسر فنهض قائلًا بحزم:
"أنا ماشي دلوقتي، بس أي حد هيفكر بخياله إنه ياخدك مني هيكون حسابه عسير معايا." تركها وغادر من المشفى ليجد جاسر ينتظره بالسيارة أمام المشفى. صعد بجوارهم: "السلام عليكم." ردوا جميعًا السلام. فسأله جاسر بشك: "والبرد ده مجاش إلا النهاردة ولا إيه؟ انت امبارح كنت كويس." أومأ له متظاهرًا بالتعب: "اه بالظبط، قومت من النوم لقيتني بعاني من البرد." هز رأسه بشك وسأله: "البرد راح خلاص؟ أومأ له بتأكيد: "اه الحمد لله."
"ربنا يشفيك." نظر إلى مصطفى وسأله: "كلمت ابوك؟ أومأ له بعدم اهتمام: "اه كلمته ووافق، تحسه أصلًا هو مش عارف بيوافق على إيه." ربت جاسر على ساقه: "المهم إنك تكون مع اللي بتحبها، أي حاجة تاني مش مهم." ابتسم له بود وقال بجدية: "خلي بالك من سارة، أنا مقدرش أأمن حد عليها غيرك، سارة اه مندفعة وتفكيرها يمكن يكون غير منطقي بس اللي أنا واثق فيه أنها بتحبك." التزم جاسر الصمت وعينيه تنظر للطريق أمامه بشرود.
"بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." تلك الجملة التي نهى بها المأذون قرانهما تحت فرحه وسعادة من الجميع. كان جاسر ينظر إلى سارة بملامح مبهمة مما جعلها تشعر بالقلق منه. هي تعلم جيدًا تلك النظرات يخفى خلفها توعد عسير. هربت من عينيه ونهضت لتبارك لأخيها ومازال داخلها يرتعد خوفًا من تلك النظرات التي لا ترفق به. نهض أمجد ليهنئ الجميع: "الف مبروك يا جماعة، بس خلاص لازم نمشي دلوقتي عشان ميعاد الطيارة." نهض جاسر أيضًا
وهو يؤيده: "فعلاً مفيش وقت، أنا هاخد سارة وحلم وأخرج من الباب الوراني للعمارة وأسبقكم على هناك وانتوا حصلوني." ارتعد داخل سارة خوفًا وقد تأكدت بأنه ينوي فعل شيء، لكنها استسلمت له وخرجت معه هي وحلم وذهبوا دون نقاش. في المطار. ظل مصطفى يبحث عنها لكنه لم يجدها، اتصل على جاسر وليلى لكن لا أحد منهم يجيب. للنداء الأخير وهي ليس لها وجود هم بالخروج من المطار لولا تلك الرسالة التي جعلته يتصلب في وقفته. ومقبل على الصعيد.
رانيا الخولي. الفصل الأخير. انخفق قلبه خوفًا عليها وهو يبحث في كل مكان لكن لا يجد لها أثر. تلاعب الشك بداخله وحاول الاتصال مرارًا وتكرارًا وهم بالعودة والبحث عنها لولا وصل تلك الرسالة التي قرأها بخوف: "المطار متلغم برجالة سالم، اركب الطيارة وإياك تبين حاجة." لم تطمئنه تلك الرسالة بل زاد خوفه وهو يتجه إلى الطائرة بقلب منقبض. صعد إليها وهو يلتفت حوله يبحث عنها بقلبه قبل عينيه.
يخشى من عثورهم عليها ويكون بذلك بعثها للموت بيديه. دلف الطائرة وجلس على مقعده ينظر إلى مكانها الفارغ. أُغلق باب الطائرة وأُغلق معه أي أمل في مجيئه. لأ لن يحدث ويذهب دونها. هم بالنهوض لكنه سمع صوتها الحاني يقول: "مكاني لو سمحت." رفع عينيه إليها ليراها أمامه بعينيها التي أسرته وتحدث بولع: "مكانك مـ انتي استوليتي عليه خلاص، قلبي واسمي وعمري، عايزة إيه تاني." جلست على المقعد المجاور وقالت بابتسامة أرهقت قلبه:
"عايزة كل حاجة تخصك تخصني أنا كمان." تناول يدها يقبلها بعشق جارف: "وأنا كلي ملكك، اعملي اللي انتي عايزاه." اتسعت ابتسامتها وهي تتشبث به أكثر: "أنا مش مصدقة نفسي، حاسة إني جوة حلم." طمئنها بحب: "لأ ياستي مش بتحلمي ولا حاجة، بقيتي مراتي وحبيبتي وعمري كله." انطلقت الطائرة بعد أن بعث برسالة لجاسر يطمئنه فيها مما جعل جاسر يبتسم بانتصار.
ثم نظر إليها وكأنه يتوعد لها مما جعلها ترتبك ثم تهم بالهروب من جواره، لكنه علم ما تنتوي فعله فقام بجذبها من ذراعها وأغلق باب السيارة وهو يقول بتوعد: "بتهربي على فين؟ انتي فكرك اللي حصل ده هيعدي بالساهل." جذبت ذراعها من يده وقالت بحدة تتسلح بها كي تنحي ضعفها: "وانت مالك؟ يخصك في إيه؟ نظر إليها بقوة وغمغم من بين أسنانه: "احفظي لسانك ومتزوديش حسابك معايا، هيبقى لينا كلام كتير بس لما نوصل البلد." اتسعت عينيها
بصدمة من حديثه وقالت بحدة: "ومين قالك إني هرجع معاك؟ انطلق جاسر بسيارته وهو يجيب باتهام: "مش بمزاجك هترجعي غصب عنك، مينفعش أسيبك هنا وتدوري على حل شعرك من غير رقيب." صاحت به غيظًا من اتهامه لها: "أنا مسمحلكش تتكلم عني كده." ضغط على مكابح السيارة حتى جعلها تصرخ بصدمة ثم التفت إليها وعينيه تقدح شررًا وقال بحنق: "لأ هتسمحي واللي هقوله بعد كده تنفذيه، فاهمة ولا لأ." قال كلمته الأخيرة بحدة جعلتها تنتفض بخوف. لكن عنادها
آبي الرضوخ له وقالت بعناد: "لأ مش فاهمة، انت خلاص مبقاش ليك حكم عليا، ولا انت ناسي إنك طلقتني." كانت تتحدث وكأنها تعاتبه على ما فعل مما جعله يندهش من ذلك. ليست هي من طلبت ذلك وأصرت عليه، لما ذلك التذمر إذًا. ظل يتطلع إليها للحظات وقد آلمه اشتياقه لها فقال بهدوء: "لأ مش ناسي، بس أنا خلاص رجعتك." انقبض قلبها خوفًا وعقلها لا يستوعب ما سمعته، فسألته بريبة: "يعني إيه رجعتني؟ ضغط مقود السيارة وانطلق بها وهو يجيب بثبات:
"زي الناسر." رغم سعادتها بذلك الخبر إلا إنها لن تستطيع العودة الآن، لم يأن الأوان بعد عليها الإصرار على البقاء ورفض العودة معه. فقالت بأمر: "نزلني." لم يهتم بما تقول وظلت عينيه مصوبة على الطريق وهي لا تريد الاستسلام فصرخت به: "مش هرجع معاك مهما عملت." لم يبالي بما تقول مما جعلها تزداد عنادًا وقالت بتهديد: "إن موقفتش العربية أنا اللي هوقفه." نظر لها من جانب عينيه يتطلع على غضبها الطفولي ثم عاد ينظر إلى الطريق أمامه.
انعطف بسيارته ليأخذ طريقه للصعيد مما جعلها تنظر إلى زر الفتح بجواره فاندفعت مسرعة تضغط عليه دون أن يستطيع منعها منشغلًا بالمقود الذي اهتز من فعلتها وقال بغضب: "بتعملي إيه؟ فتحت باب السيارة وقالت بتهديد: "وقف العربية." اندهش جاسر من إصرارها على عدم العودة وتذكر موقف مشابه لهما، لكن كانت تتوسله كي لا يعيدها إلى القاهرة، وهي الآن تعيدها لكن تلك المرة تريد العودة إليه. توقف بالسيارة على جانب الطريق
ثم نظر إليها ليقول بهدوء: "اتفضلي إنزلي." بدون تردد ترجلت من السيارة ونزلت منها تحت نظراته القاتلة، وأخذ ينظر إليها بغضب وهي تشير إلى إحدى سيارات الأجرة التي توقفت أمامها، وقبل أن تقترب منه اندفع هو وتقدم منها يجذبها بعنف من ذراعها ويقول بحنق: "انتي فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ حاولت الإفلات منه وهي تقول بقوة: "أوعى سيبني أنا مش هرجع معاك." صاح بها بهدر: "هترجعي غصب عنك." ترجل السائق من سيارته عندما رأى
تهجمه عليها وتحدث بتهديد: "انت هتسيبها ولا اتصرف معاك." نظر إليه جاسر بغضب وقال بهدر: "خليك في حالك وشوف رايح فين." بغضبه وصوته الهادر جعل الرجل المتظاهر بالقوة يرتد سريعًا عندما لاحظ أيضًا لهجته الصعيدية. وصعد سيارته وانطلق بها. نظرت إليه بغضب شديد وقالت بحدة: "انت عايز مني إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملته فيه؟ نيران تشتعل بداخله لكن عليه أن يهدئها قليلًا حتى تعود معه فقال بخشونة: "هترجعي معايا من سكات ولا أجبرك؟ أجابت
بعناد وهي تزم فمها بغيظ: "مش هرجع وأعلى ما في خيلك اركبه." ضاق به ذرعًا من عنادها وهم بالتقدم منها لكنها أسرعت بالهرب من أمامه. اندهش للحظات من فعلتها لكنه انتبه لنفسه فأسرع إليها حتى دنى منها يوقفها لكنها صرخت بغضب وهي تحاول الإفلات منه: "سيبني بقولك مش هرجع معاك." عاد يجذبها إلى السيارة وهي تعافر معه وتضربه بقبضتها الضعيفة لكنه لم يتأثر. فتح السيارة وألقاها داخلها بغضب مما جعل الغيظ يشتعل أكثر بداخلها.
أخذ مقعده متوليًا القيادة وانطلق بها في وجوم تام حتى وصل بها إلى البلدة. ظلت على وجومها ولم تتحرك من مكانها، فقال لها بأمر: "إنزلي." لم تجبه وظلت على ثباتها مما جعله يترجل من السيارة متلفًا لجهتها وفتح الباب وجذبها منها رغم تمنعها وهي تقول برفض: "قلت لك مش هنزل." رد بحدة: "وأنا قلت لك مش بمزاجك." أخرجها عنوة من السيارة وجذبها إلى داخل المنزل لينصدم الجميع مما يرون. نهض جمال ووسيلة كي يعرفوا ما
يحدث لكن جاسر تحدث بحزم: "محدش يتدخل بيني." لم يجادله جمال لعلمه بحالة ابنه فقال بهدوء: "طيب براحتها." ذهلت سارة من حديث عمها وقالت برجاء: "انت هتسيبني ليه؟ حاول جمال اخفاء ابتسامته وهو يقول: "متخافيش ميقدرش يعملك حاجة وأنا موجود." نظرت لجدها تستنجد بها وقبل أن تتفوه بحرف، جذبتها إلى الأعلى ودلف بها غرفتهم مغلقًا الباب خلفه بحدة. تقدم منها بخطوات لترتد هي للخلف وقد ازدردت لعابها بخوف وقالت بتخذير واهن:
"لو قربت مني هصرخ وأفضحك." انصدمت عندما سمعته يقول بلهجة حازمة: "ممكن أعرف انتي بتعملي كده ليه؟ اهتزت نظراتها وشعرت بعينيه الحادة تخترق داخلها فقالت بصوت مرتبك: "بعمل إيه أنا، كل الحكاية إني مش عايزة أعيش معاك بعد اللي عملته." رفع حاجبيه متسائلًا: "أنا عملت إيه؟ رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول الثبات أمامه وقالت بحدة:
"تقصد معملتش إيه، لو كنت فاكر إن بالطريقة دي هتجبرني أعيش معاك تبقى غلطان، أنا هروح لجدي وأخليه يحميني منك." لمحة واحدة إلى عينيها أظهرت له مدى التشتت والضياع التي تشعر به. تقدم منها خطوة وقد لانت ملامحه وهو يسألها بلهجة بثت الاطمئنان بداخلها: "مخبية عني إيه؟ ارتبكت نظراتها واشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقالت باحتدام: "مفيش حاجة عشان أخبيها."
رفع يده إلى وجهها كي يجعلها تنظر إليه وقد ظهر على وجهها عذاب لم يراه عليها من قبل مما جعله يشعر بالقلق عليها وقال بلوعة: "قولي وأوعدك إن مهما حكيتي مفيش حاجة هتتغير." تشتت نظراتها والحزن المرتسم بداخلهما جعله يوقن بأن هناك سبب قوى دفعها لفعل ذلك كما أخبره مصطفى: "سارة أنا بحبك وعايز أبدأ حياتي معاكي، مش هقدر أتحمل تبعدي عني أكتر من كده."
تساقطت دمعة حارة على وجنتها آلمت قلبه فقام بمسحها بإبهامه وتطلع إليها بكل الحب الذي يحمله لها وهو يقول بصوت هادئ بث الآمان بداخلها: "طول ما أنا جنبك متخافيش من حاجة، قولي وريحي قلبي." هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها وقالت بأسف: "لو كان ينفع كنت قلت من الأول." أومأ لها بتفاهم فيكفي بأنه علم بوجود سبب لما قالته فتحدث بعشق: "مش هضغط عليكي وهسيبك لحد ما تيجي تحكي بنفسك." أومأت له بألم وهو ابتسم لها بحب ومسح
دموعها بابهامه وتحدث بشوق: "خليكي واثقة إني عمري مـ هغير مهما كان السبب اللي مخبياه، ودموعك دي مش عايز أشوفها تاني لإنها بتقتلـ.ـلني." ابتسمت عينيها ودق قلبها بعنف يجبرها على الرضوخ لعشقه الآخذ لكنها تخشى عليه من قسوة والدها. فهمت بالاعتراض لكنه وضع يده على شفتيها يمنعها من الاعتراض وقال بوله: "مش عايز أي اعتراض، كفاية بعد لحد كده، ولو على العقاب أنا بعترف إني اتعاقبت بما فيه الكفاية." "ارجوكي حني عليا وكفاية بقى."
أومأت له بابتسامة وبنظرات عشق يراها لأول مرة في عينيها مما جعلت الدماء تهدر بقوة في عروقه واقترب منها أكثر ليرفع وجهها إليه ليملي عينيه من قسمات وجهها الهادئ وقال بوله: "بحبك." اتسعت ابتسامتها بخجل واخفضت وجهها ليرفعه لمرمى عينيه ويقول بلوعة: "بلاش تبعديهم عني خليهم ديمًا قدامي." هزت رأسها بإيماءة خافتة وقد تاهت نظراته في ملامحها حتى استقرت على ثغرها المهلك لقلبه وقد اشتاق لملمسهم الرخو وتذوق شهدهم.
لمس عليه بإبهامه وهو يتطلع إليهم برغبة وقال بتحشرج: "وحشتيني آوي." مال عليها ليأخذهم في قبلة فقد فيها تحكمه في مشاعره وكأنه يغوص في بحور العشق وكلما يستمتع بحلاوته كلما يغوص به أكثر وأكثر. لم تقاوم ولم ترفض بل كانت أكثر من مرحبة بتلك المشاعر التي اختبرتها على يده هو. وأخذ يقبلها بلهفة وشوق جعلها تستسلم ليديه التي حاوطتها بعشق متملك ولم يترك لها فرصة للتراجع. في غرفة جمال. دلتفت وسيلة خلفه وهي تقول بقلق:
"أنا خايفة ابنك يعمل حاجة تزعلها تاني." جلس جمال على المقعد وقال بثقة: "متخافيش جاسر اتعلم الأدب على ايديها ومش هيقدر يعمل حاجة تضايقها تاني." لم تقتنع بحديثه وجلست على المقعد بجواره وهي تقول بريبة: "انت مش شايف شكله كان عامل إزاي." هز رأسه بغيظ: "اه شفت، أنا الفترة دي شفت كتير من ابنك تاني مرة يتحداني بعد مـ كان مبيقدرش يرفع عينيه في." تمتمت وسيلة بتعاطف:
"غصب عنه برده، الفترة اللي فاتت دي كانت قاسية عليه أوي، ربنا يهديهم ويصلح حالهم." في غرفة جاسر. كانت تتوسد صدره تستمع لدقات قلبه الرتيبة بسعادة بالغة، فهذا مسكنها ولن تبعد عنه مهما حدث، لن تضحي بسعادة معه لأجل أحد، ومن اخطأ فعليه تحمل نتيجته. رفعت رأسها لتنظر إليه وتحدثت بهمس: "جاسر انت نمت." أجابها وهو مازال مغمض العينين: "تؤ، بس سيبك تسمعي دقات قلبي اللي بتقولك أحلى كلام."
ابتسمت بخجل من كلماته المعسولة والتي لم يكف عنها منذ رجوعهم فسألته بلوع: "بس أنا مفهمتش حاجة، شكلي كدة مليش في لغة القلوب." فتح عينيه لينظر إليها ثم اعتدل ليستلقي على جانبه كي ينظر إلى ملامحها التي يعشقها وتحدث بوله: "بيقول إنه بيحبك وإنك أجمل حاجة حصلت في حياته، بيعترفلك بأنك الروح اللي رجعت ليه الحياة بعد ما كان زاهدها ومش منتظر منها حاجة." "انتي النفس اللي بيخليني عايش ومن غيرك أموت."
وضعت يدها على فمه تمنعه من قسوة تلك الكلمة. وقالت بخوف: "أوعى تقول الكلمة دي تاني لإنها قاسية أوي." تحولت نظراته لعتاب وهو يسألها: "ولما هي قاسية كده ليه سيبتيني أوموت من غيرك." لاح الحزن في عينيها وأخفضتها بألم وهي تتذكر قسوة الماضي: "للأسف يا جاسر إحنا اتعرفنا على بعض في أوقات صعبة أوي، وكل حاجة حوالينا كانت واقفة ضدنا." "كرهك لبابا بماضيه؛ والمشكلة اللي كنت فيها وخاصةً لما اتهمتني بإني جاية أدري مصيبتي عندكم."
حاول جاسر ان يمنعها لكنها أصرت: "ارجوك سيبني أخرج اللي جوايا." "أنا أولًا مكنش ليا أصحاب، ساندي الوحيدة اللي فرضت نفسها عليا وللأسف بقينا أصدقاء." "أخوها لما بيرجع من السفر كان بيعدي عليها في الجامعة ياخدها." "لما شافني معاها طلب يتقدملي بس كنت برفض." "آخر ما زهق عمل اللي عمله ده وأوهمني إنه لمسني." سحنت الغيرة بداخله عندما تذكر هذا الأمر لكنه ظل صامتًا يستمع بصبر وروية:
"في الوقت ده مكنش قدامي حل غير إني أموت نفسي لإني مكنتش هتحمل وجوده في حياتي وخاصةً بعد اللي حصل." "كنت خلاص هرمي نفسي في النيل بس حاجة جوايا فكرتني بيكم وبتشدني لي بشكل عجيب." "كنت جاية اتحامى فيكم لإني لو فضلت وبابا عرف كان هيجبرني اتجوزه." "محستش بنفسي غير وأنا بركب القطر وسافرت ليكم." "ممكنتش عارفة هتقبلوني إزاي بس لما فتحت لي انت الباب قلبي انقبض بخوف." "وبعدها شفت مقابلتكم ليا وحبكم اللي مش شكت فيه لحظة واحدة."
"وقتها ندمت إني معملتش كده من زمان وجيت غصب عنهم وبدأت أحملهم الذنب لدرجة إني مكنتش عايزة أشوفهم تاني." "وجيت انت عرفت كل حاجة." "منكرش إني في البداية كنت مش بطيقك بس لما طلبت تتجوزني وتكتم الموضوع عليَّ قوي في نظري." "وكنت بعذرك لما تكلمني بحدة أو تقسى عليا لإنك مكنش ليك ذنب تتحمل نتيجة غيرك." "بس أكتر حاجة كانت بتجرحني لما كنت بتقرب مني وبعدها تبعدني عنك بمنتهى القسوة." قاطعها جاسر بإصرار ولم يعد يستطيع تحمل الحزن
والانكسار الذي غلف صوتها: "كفاية لحد كده لإن الباقي أنا عارفه كويس." "سارة اللي فات خلاص راح وانتهى وكل اللي عايزك تعرفيه إني كنت ببعدك عني لإني مش مستعد إني أقرب منك واللي ظلمك عايش حياته عادي، كان لازم انتقملك منه الأول وبعدها كنت هرجعلك واعترف لك بحبي زي ما حصل في القاهرة." "خلينا ننسى اللي فات ونبدأ حياتنا من غير أوجاع." أومأت له لكنها تذكرت أمر والدها فقالت بتشتت: "بس في حاجة عايزة أطلبها منك."
قطب جبينه متسائلًا فتابعت برجاء: "أرجوك بلاش بابا يعرف إننا رجعنا لبعض." تأكد ظنه وعلم بأنه السبب الرئيسي خلف عنادها فقال بتعجب: "هو أصلًا محسش بغيابك عشان يسأل، أنا بقيت مستغرب في كتب الكتاب النهاردة كأنه واحد غريب جاي يقوم بدور الوكيل ويمشي على طول، يمكن أمك اللي كانت مهتمية أكتر وباين عليها القلق." "إنما هو تحس إنه في عالم تاني." اخفضت عينيها بحزن مما جعله ينهره نفسه على اندفاعه بالحديث فرفع
وجهها بأنامله وقال بحب: "من النهاردة أنا هكون جوزك وأبوكي وأخوكي وأمك لو حبيتي كمان." ضحكت سارة مما جعله يسرح بها وقال بولع: "مش عارف انت عملتي فيا إيه؟ من أول مرة شفتك فيها وأنا مبقتش ملك نفسي." تحولت نبرته بتوعد: "بس وديني لطلعه على عينيك." حاولت الأفلات منه لكنه جذبها إليه ليدخلها في عالمه الخاص. في غرفة ليلى. محاولات للاتصال بها لا تكل وهي ترد برسالة مقتضبة بأنها مشغولة. لكنه لم يمل وعاود الاتصال مرةً وتكرارًا
حتى أشفق عليه وردت بفتور: "نعم." اغتاظ من ردها ورد بحدة: "إيه نعم دي إن شاء الله، ماتتدلع لي عدل." ردت بعناد: "والله ده اللي عندي." "كل ده عشان إيه؟ ردت بعتاب حاد: "اسأل نفسك." "سألتها ومعرفتش، قولي بقى إيه اللي زعلك؟ ردت بغيظ: "عشان كنت فاكرة إن حضرتك جاي المستشفى عشان وحشتك وعايز تشوفني قبل ما تسافر، لقيت جاي تستهزئ بمشاعر غيرك." اشتعلت الغيرة بداخله وقال بانفعال: "وانتي مالك شاغلة نفسك بيه ليه؟ اغتاظت
أكثر من اتهامه وقالت بحدة: "أنا مش شاغلة نفسي بيه أو بغيرة بستنهد بضيق." "إحنا هنقضي المكالمة في خناق." ردت باستنكار: "انت اللي بتتخانق مش أنا." أومأ لها بغيظ: "ماشي ياستي حقك عليا، بس أنا برده جيت عشان وحشتيني." ابتسمت بحب وقالت بثبات: "مش مصدقة." رد بصدق: "لأ صدقي أنا فعلًا كنت جاي عشانك بس لما لقيته في الكافتيريا عرفته على طول من نظراته وعشان كده اضايقت."
"ماشي هصدقك، قولي بقى عملتوا إيه النهاردة، كان نفسي أعيش معاكم المغامرة دي." في الصباح. خرجت وسيلة من غرفته وهي تنتوي الذهاب إليهم كي تطمئن عليهم. خرج خلفها جمال وقد اندهش عندما وجدها تقترب من غرفتهم وقال بدهشة: "انتي رايحة فين؟ استدارت إليه وردت بقلق: "هشوفهم عموا إيه، أنا خايفة تكون انهارت تاني." "مينفعش، قولنا محدش يدخل بينهم."
لم تقتنع بحديثه وهمت بطرق الباب لكنها توقفت عندما سمعت ضحكة جاسر التي لم تطرق أذنها منذ وقت طويل مما جعلها تبتسم بسعادة غامرة. فيقول جاسر بسعادة أيضًا: "ارتحتي كده، يعني منكده عليا طول الليل بسببهم وهما مقضينها ضحك." نظرت إليه بفرحة: "الحمد لله، أنا هروح أعملهم فطار محصلش." تركته ليسير هو خلفها يسألها: "وأنا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!