ضاع كل شيء واصبحت حبيسة تلك الجدران. ظهر في حياتها لحظات هدمت حلمها الوحيد. ضاع عام من دراستها وربما تكون أعوام كثيرة. وتم تحديد موعد زفافها. طرق بابها ودخل مهران الذي أخذ ينظر إليها بشر. لم تبالي به، فقد ضاع كل شيء وانتهى الأمر. تقدم منها وقال بحدة: "اعملي حسابك الفرح هيكون بعد شهرين من دلوقتي." أشاحت بوجهها بعيدًا عنه دون قول شيء، مما جعل غضبه يشتد أكثر وقال بحدة: "ايه مش عاجبك؟ نهضت حلم وتقدمت منه تسأله بحيرة:
"حاجة واحدة بس هي اللي عايزة اعرفها منك، ايه اللي يجبرك تتجوز واحدة مش طايقاك وبتحب واحد تاني؟ اندهش مهران من جرأتها التي تتحدث بها وقال ببساطة: "لأن العرف عندنا بيقول كده، بيقول أولاً إن البنت لابن عمها. وثانياً إن الورث اللي سابه أبوكي مينفعش يروح للغريب." "طيب لو اتنازلت لك عن حقي كله... ضيق عينيه بشك وقال: "تقصدي إيه بالظبط؟ تحدثت بقوة لم تعهدها من قبل:
"أقصد إني مستعدة اتنازلك عن كل حاجة بمقابل إنك تساعدني أرجع الجامعة تاني." قطب جبينه بغضب شديد ثم قال بغضب: "انتي بقولك إيه، شكلك اتجننتي." أجابته بحدة: "لأ متجننتش، ده حقي. كل اللي بطالب به هو أكمل دراستي وتأجل الفرح بعد الامتحانات. وإني إيه اللي يجبرني أوافق وإني لو اتجوزتك دلوقتي كل حاجة هتكون تحت إيدي.
بس المزرعة والارض اللي وراها باسمي ملهاش دعوة بالورث اللي عند جدي، يعني حتى لو اتجوزتني دول بردك هيكونوا ليا أنا. أما انت لو طاوعتني هيكون الورث وعليهم المزرعة واللي وراها ملكك." التزم الصمت قليلًا يفكر في كلامها ثم نظر إليها قائلًا بشك: "وإيه اللي يضمنلي؟ "تقنع جدي الأول وأرجع الجامعة وبعدين هكتبلك كل حاجة، ها قلت إيه؟ ووعدي ليك ضمان." أخذ يفكر قليلًا ثم قال بفتور: "سيبني أفكر شوية وبعدين أقولك."
أنهى حديثه ثم تركها وغادر. لن يرفض، فهي تعلمه جيدًا يبيع أي شيء مقابل المال. *** اندهش جاسر من سؤالها وقال بحيرة: "تخصدي إيه، مش فاهم؟ "انت خابر زين أنا أقصد إيه." اهتزت نظراته باحراج: "عادي يعني، سوء تفاهم بيحصل بين أي اتنين متجوزين." تقدمت منه أكثر وقالت بتهكم: "متجوزين بردك؟ قطب جبينه بعدم فهم فهو لا يعرف ما ترمي إليه وسألها بحيرة: "بزيادة لكِ الألغاز وقولي يا أمي إيه اللي في دماغك." تظاهرت بالقوة رغم الاحراج
الذي تشعر به وقالت: "متجوزين كيف وهي لسه بنت؟ عقد جاسر حاجبيه مندهشًا من قولها: "يعني إيه، مش فاهم؟ استغربت وسيلة من حيرته: "هو إيه اللي مش فاهمه، إني اللي عايزة أفهم ليه الدكتورة قالت كده." هز جاسر رأسه بانفعال حاول بصعوبة السيطرة عليه: "متتكلمي دغري وجولي إني مفهمش حاجة." نظرت إليه بعدم استيعاب: "هل ينتظر توضيح أكثر من ذلك؟ "فيه إن مراتك لسه بنت متلمستش، وده اللي بسألك عليه. مش انت اللي تسألني؟
وكأن دلواً من الماء البارد سُكب عليه وتصنم جسده وهو يحاول استيعاب ما سمعته أذناه. فأراد التأكد أكثر فسألها بتيه: "يعني إيه الكلام اللي بتجوليه ده؟ اتسعت عينيها ذهولًا من حديثه: "هو مين اللي يسأل التاني؟ في إيه بينك وبين مراتك يا جاسر؟ صاح بها جاسر بوجع: "ردي عليا يا لول وأكدلي إن الكلام ده صح؟ أجابت وسيلة بحدة: "الدكتورة اللي أكدت لما كشفت عليها وقالت كده." رمش بعينيه يحاول لملمة شتات أمره وتساءل عن معنى ذلك؟
هل تقصد..؟ لكن كيف؟ نظر إلى والدته باستنجاد: "انتي بتجولي إيه؟ الضياع الذي ظهر عليه طعن وهو يتحدث جعل قلبها ينقبض خوفاً عليه. فدنت منه تسأله بقلق: "صارحني يا ولدي وجولي مالك فيك إيه؟ وأوعدك إنه هيفضل سر بينا." حاول أن يبتلع تلك الغصة التي توقفت في حلقه، لكنها ظلت ثابتة حتى كاد يختنق منها. جلس على المقعد عندما شعر بقدميه كالهلام لا تستطيع حمله: "جات متأخر جوي." بقلب ملتاع دنت منه تجلس بجواره وسألته بريبة:
"جولي يا ولدي الحقيقة وريحني." رفع نظره لها بتشتت وقال بألم: "رايدة تعرفي الحقيقة؟ بس لو عرفتيها مش هترضي تبصي في وشي." اهتزت نظراتها بقلق لكنها طمأنته: "مش هيحصل يا ولدي، بس طمني وجول في إيه." *** استطاع أخيرًا فتح عينيه ليغلقهما فورًا إثر ذلك الضوء الذي يملأ الغرفة. سمع صوت يعرفه جيدًا يردد اسمه، مما جعله يصارع كي يرفع جفنيه ويتأكد من وجودها. فتح عينيه بروية لتقع عيناه عليها وهي تنظر إليه بابتسامة وصوتها يناديه:
"أمجد، انت كويس؟ كان يود أن يرفع يده كي يتأكد من وجودها، لكنه شعر بثقل فيها فلم يستطع. حاول نطق اسمها لكن حلقه كان جافاً لم يستطع النطق. يشعر بألم حاد غير محتمل في صدره فنطق اسمها بوهن: "لـ…ـيلـ..ـي." تلك المرة كان الصوت أوضح صوت عصام الذي تحدث بجدية: "أمجد، انت سامعني؟ أومأ بعينيه فالمجهود الذي بذله في نطق اسمها أهدر طاقته. أين هي؟ لقد كان يسمع صوتها ويرى طيفها الخافت. أين ذهبت وتركته؟
تحاول نطق اسمها مرة أخرى لكن لا فائدة، الألم شديد ولا يستطيع التحدث بما يؤلمه، هي وحدها كانت تشعر به دون أن يتفوه بشكوى. رفع إصبعه كأنها إشارة لها بالاقتراب، لكن لا فائدة. تلك المرة كان صوت والده: "أمجد، حمد الله على السلامة يا ابني." صوت أنثوي كان يتقدم منه، يعرفه جيداً. فقط يندهش من تواجده. بعد عناء دام لحظات وضحت الرؤية أمامه. نظرة شاملة لكل الموجودين ولم يرى فيهما طيفها. تحدث بجهد: "ليـ..ـلى." ربت عصام
على يده وقال بابتسامة: "ليلى كويسة، متقلقش، المهم مترهقش نفسك وارتاح." تقدمت منه لتنظر إليه بسعادة: "أمجد حبيبي، حمد الله على السلامة." اندهش من تواجدها وتسلل القلق إلى قلبه وعقله، لكنه لم يستطع التحدث معها. فعاد إلى غفوته ليعود إليها في أحلامه. *** صدمة قوية تلقتها وسيلة في ابنها التي كانت تفتخر به دائماً. كانت تستمع له ليخرجها من صدمة ويلقيها في أخرى أشد وأقوى.
تنظر إليه بعدم استيعاب وكأن من أمامها الآن يروي قصة من وحي الخيال. محال أن يكون ولدها بكل تلك القسوة. ومع من؟ ابنة عمه التي اتخذته درعاً تتحامى فيه، ليكون هو بكل تلك القسوة معها. كيف سولت له نفسه بأن يذيقها الهوان وقد جاءت إليهم تلتمس منهم الأمان. تذكرت نظرات الإنكسار التي كانت ملازمة لعينيها والحزن الذي كان يغلف صوتها. استطاعت أخيرًا التحدث وهي تنظر إليه بخزي:
"ياخسارة تربيتي فيك، انت مستحيل تكون ولدنا اللي ربيناه على الرجولة والشهامة عشان يستقوى على حرمة جات تتحامى فيه ومش أي حرمة دي بت عمه." أغمض عينيه بألم وهي تابعت دون أن ترفق بحالته: "بدل ما تحتويها وتحسسها بالامان اللي فقدته، زدت انت في جسوتك وجبروتك عليها ونسيت انها لجأت لينا احنا عشان نحميها، تجوم انت تتجبر عليها." "انت شاركت معاهم في اللعبة دي واكتر كمان."
"هما أوهموا وانت حكمت وعذبت فيها لحد ما وصلتها للحالة اللي هي فيها دي." "انت زيك زيهم متفرجش عنه كتير." كان يستمع إليها وهو خافضاً رأسه بانكسار. تابعت وسيلة جلده: "كان ذنبها إيه عشان تعذبها أكده؟ هي اتعرضت لحاجة أي واحدة في الدنيا ممكن تتعرض ليها وحقيقة بنسمع عنها كل يوم." "لجأت نفسك مش هتجدر تتحمل وضع زي ده، كنت صارحتنا واحنا اتصرفنا." "والآخر ضربتها وهنتها عشان خافت عليك تضيع مستقبلك في واحد زي ده ونبهت أخته."
"صدقني كل اللي عرفته ده خلاني أتعلق بيها أكتر وأتأكد إنها فعلاً بنت أصول، بس للأسف وقعت في إيدين مبترحمشي وأولهم يدك انت." تحدث بألم وهو يهز رأسه بين يديه: "ارحمني كفاية." تابعت وسيلة عتابها: "وليه انت مرحمتهاش، تفرج انت إيه عن اللي ظلموها على الأجل هما وهموها، إنما إنت هنت وجسيت ومديت إيدك." "مظنش إن اللي عملته ده ممكن حاجة تغفرلك عندها." "تعرف لما عرفت الحقيقة جريت على حضن مين؟
"حضن أبوك لأنه كان أحن عليها من حضنك." "المفروض في الوقت ده تكون في أسعد لحظاتها وهي بتكتشف إنها بريئة، وبدل ما تترمى في حضنك انت رمت همومها وأحزانها في حضن أبوك." رفع جاسر وجهه إليها وقال بألم: "أعمل إيه؟ تنهدت بحيرة: "العمل عمل ربنا، بس روح لها واعتذر لها يمكن تسامحك." "واعمل حسابك إنها دلوقتي مذبوحة، ممكن متسامحش بسهولة، اتحملها مهما عملت." هز رأسه بضياع ثم نهض من مقعده.
فتطلع إلى والدته التي أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ثم خرج من الغرفة. وقف أمام غرفتها يحاول لملمة شتات أمره، لا يعرف ماذا يفعل. كيف ستغفر له ما فعله معها. نظر إلى يده التي امتدت عليها بكل قسوة ثم قبضها بحدة يعاتبها على ما فعلت. طرق بابها وقام بفتحه ليتفاجأ بأن الغرفة فارغة. تقدم من المرحاض وقد انقبض قلبه بخوفٍ وطرقه أيضاً، لكن ما من مجيب.
ازدادت حدة انقباضت قلبه وخرج مسرعاً ليدلف غرفة سارة دون استئذان ليجدها مستلقية على فراشها وفي عالم آخر. نهضت مندهشة من فعلته وسألته بريبة: "في إيه يا جاسر؟ سألها بتوجس: "انتي شوفتي سارة؟ هزت رأسها بنفي وقالت: "من وقت رجعنا مشوفتهاش." تلجأها… لم يستمع للباقي وخرج مسرعاً يبحث عنها في كل الغرف لكن لا فائدة. خرج مسرعاً للباب الرئيسي يسأل أحد الرجال المكلفين بحراسة المنزل: "هي مرتي خرجت دلوقت؟ أومأ الرجل:
"آيوة يا بيه، مشيت من نص ساعة، حتى لما سألتها مردتش علي." مستحيل أن تفعل ذلك، لم تتركه، لن يستطيع العيش من دونها. أدلف مسرعاً ليأخذ سيارته وانطلق بها إلى محطة القطار الذي شعر بمدى بعدها حتى شعر بأن السيارة ثابتة لا تتحرك. كان يناجيها أن تعود، سيجثو أمامها ويطلب منها العفو، لكن لا تفعل به ذلك. فل تنتقم منه كما تريد، لكن لا ترحل وتتركه في عذابٍ لا يرحم. فل تعود وتكويه بنارها ولن يشكو.
وإن أراد أن تذيقه العذاب الذي تجرعته فلتفعل ولن يأنف. بعدها عنه هو الموت بحد ذاته، فالموت بعذابها أرحم بكثير من الموت ببعدها. تباطأت سيارته وهو يسمع صوت القطار المنطلق من البلدة وأخذ ينظر إليه بدمعة سقطت على وجنته وهو يراه ينطلق آخذاً معه أعز الأحباب. كانت جالسة في القطار ترتدي نظارة سوداء تخفي بها عينيها التي لم تكف لحظة واحدة عن البكاء. تبكي على كل شيء، على تلك الخدعة التي أتقنوها عليها ببراعة.
وعلى قلبٍ نبض بعشق رجلٍ قاسي تحملت منه الكثير. تذكرت كل إهانته لها، نعتها بالخاطئة، تزوجها غصباً كي ينتشل أهله من الفضيحة وليس شهامة منه. منعها من جامعتها حتى لم يهتم بنقل أوراقها. سجنها في المنزل ولم تخرج منه منذ مجيئه. لن ترحم ولن تغفر ولن تظل بذلك الضعف بعد الآن. ستخرج من حياته ولن تعود. *** وقف في ذلك الخلاء مستنداً بظهره على السيارة وينظر للفراغ الذي أمامه بوجوم.
لكن قلبه الذي ينزف دماً ويصرخ ألماً على فراقها يعاتبه بقسوة ولا يرفق به. لم يتخيل يوماً أن يكون بُعدها قاسياً لتلك الدرجة. رن هاتفه أو بالاصح هاتفها. أخرجه من جيبه ليجد المتصل والدته. فلم يستطع الرد عليها. انتظر لحظات حتى يأست والدته ثم دفعه شوقه ليتطلع إلى الصور المحفوظة به ويملي عينيه من صورتها.
وقع نظره على صورة التقطت لها في الجامعة وقد كان نسمات عليلة تتلاعب بخصلاتها التي يعشقها ويرى بعينيه المشتاقة أجمل ابتسامة محاها هو بغلظته. وضع أنامله على شاشة الهاتف يتلمس صورتها وتلك الابتسامة التي تشق ثغرها بسحرٍ آخذ يسري في القلوب. وكأنها التقطت عن عمد كي يجعله يخرج من جوفه آه آه ألم لم يعلم بها سوى خالقه. الألم يمزق قلبه دون رحمة ويطالبه بالاسراع إليه.
لكن لن يستطيع الوقوف أمامها الآن، سيتركها تهدأ وبعدها سيذهب إليها ويطلب العفو مراراً. *** عادت ساندي إلى شقة والده والدموع تنهمر من عينيها. لم تستطع العودة إلى منزل عمتها بعد ما حدث. انسحبت بخزي من شقته وجاءت إلى هنا كي تبكي بانهيار. ما كان عليها الذهاب إلى منزله، لكن هذه عدالة القدر لما فعلته في صديقتها. طرقات حادة على الباب جعلتها تنتفض بخوف، لكن عندما زاد الإصرار تقدمت من الباب بريبة وتساءلت: "مين؟
رد الطارق باقتضاب: "افتحي." لم تستطع التهرب بل قررت المواجهة كي تعتذر منها آلاف المرات، ربما ذلك يشفع لها ولو قليلاً فقد ذاقت مرارته وكان هذا أشد عقاب. فتحت الباب لتجد سارة أمامها تنظر إليها بعتاب حارق مما جعلها تخفض عينيها وقالت بخزي: "ادخلي ياسارة." لم تخطُ خطوة واحدة داخل ذلك المنزل، لكنها قالت باحتدام: "ليه؟ أغمضت عينيها بألم من عتابها الذي مزق داخلها لتكمل سارة عتابها: "أنا كنت بعتبرك أختي، ليه عملتي فيا كده؟
مسحت ساندي دمعة حارة سقطت على وجنتها وقالت بألم: "ادخلي نتكلم جوة." صرخت بها سارة بوجع: "مش هدخل." أشارت لها بيدها أن تهدئ: "خلاص بس ارجوكي أهدي." صرخت مرة أخرى: "قوليلي على حاجة واحدة بس تخليكي تعملي فيا كده." ازدردت لعابها بصعوبة والألم يفعم قلبها لتجيب عليها: "محدش منا اذاكي، كل الحكاية إني وائل أوهمك عشان تقبلي تتجوزيه بعد ما ياس من إقناعك."
"بس أقسم لك إني ما سمحت له إنه يشوفك حتى، أنا اللي عملت كل حاجة وأنا اللي قلعتك الهدوم وغطيتك وفضلت جنبك ولما لقيتك بتفوقي خرجت بسرعة ودخلته هو، وأكيد اتأكدتي بنفسك بما إنك اتجوزتي." لم يزيدها كلماتها سوى مرارة وازدراء شعرت بهم تجاهها. ابتسمت بتهكم: "لا كتر خيرك حافظتي عليا." تحول تهكمها لعتاب قاسٍ: "بس كسرتيني وذللتيني وخلتيني أتحمل اللي مفيش واحدة تقدر تتحمل وأنا بطعن كل لحظة في كرامتي والشرفي.
لما تلاقي جوزك كل ما يقرب منك يبصلك باشمئزاز ويحسسك دايماً إنك خاطية، دمرتيني وكسرتيني، منك لله." ابتسمت بوجع وهي تقول: "متقلقيش ربنا أخد لك حقك يا سارة وانتقم مني ومن أخوكي." سقطت دموعها بألم وتابعت: "بس أنا بقى حقيقي وكان بمزاجي. دلوقتي بس حسيت بيكي وباللي عملته وعرفت إن غيرتي منك ما أخدتش من وراها غير الدمار ليا أنا مش انتي." عقدت سارة حاجبيها بدهشة لتأكد لها: "أيوة كنت بغير منك، كانت نظرات الكل ليكي كلها إعجاب.
أغلب الشباب في الجامعة كانوا بيتمنوا نظرة منك، واحنا داخلين المحاضرة بلاقي عيونهم كلها بتتمنى تقعدي جانبه وفي منهم اللي كان بيفضيلك مكان عشان تكوني جنبه مع إنك كنتي دايماً حازمة في تعاملك معاهم." "عشان كده لما لقيت اهتمام من صاحب وائل جريت وراه واتخدعت بوهم الحب، كنت بخاف أزعله وهو عرف يدخلي من المكان ده لحد ما سلمت له نفسي بإرادتي." رفعت عينيها لتطلع إليها بندم: "دلوقتي بس جربت الإحساس ده وعيشت فيه.
ربنا انتقم مني وأخد لك حقك." تراجعت عما كانت تنوي فعله معها وتركتها في عذابها الذي تعلم جيداً مدى قسوته وآلامه. تركتها ورحلت لتعود كما كانت. ابتسمت بألم: "لكن كيف وذلك وقد تحطم كل شيءٍ بداخلها، وأصبحت فتاة أخرى لم ترحمها الحياة." تذكرت عندما مرت من هنا بعد استيقاظها ونظرت لذلك السور الذي تقدمت منه تنوي الانتحـ.ـار لولا أن تذكرت أن لها أهلاً وعليها الفرار من الموت إليهم.
تقدمت من السور تنظر إلى المياه التي كانت أرحم لها من الخزي الذي عاشته. تساقطت دموعها بغزارة وهي تتذكره واندهشت من ذلك القلب الذي مازال ينبض بعشقه رغم ما فعلها به. أخذت شهيقاً عميقاً كي تهدئ به من روعها، لكنها لم تعد تتحمل. أثقلت الهموم عليها بعد ما علمت الحقيقة وياليتها لم تعلم. *** جالسًا في مكتبه يحاول العثور على حل لتلك المعضلة. فـ الشركة أصبحت في الانخفاض بسبب تلك الصفقة الخاسرة التي أقحم نفسه داخلها.
وأصبح كل شيء يتلاشى من حوله. لا يوجد سوى الوحيد التي تلازمه أينما ذهب. عليه التصرف كي لا يشمت به الأعداء. انزعج من تلك الطرقات التي لم تيأس فنهض يبحث عن أحد من الخدم فتذكر بأنه سمح لهم بالذهاب. فتح الباب ليتفاجأ بـ سارة تقف أمامه لكن وحيدة. ابتسم لها بسعادة وهو يحتضنها: "سارة، إزيك ياحبيبتي عامله إيه؟ لم تشعر سارة بحرارة الحنان الذي تشعر به في أحضان عمها مما جعلها تتسمر مكانها ولا تبادله الاحتضان.
مما جعله يبتعد عنها بتوجس: "انتي كويسة؟ دلف سارة إلى الداخل وهي ترد بفتور: "آه كويسة." سألها بدهشة: "انتي جاية لوحدك ولا إيه؟ التفتت إليه لتجيب باقتضاب: "آه جاية لوحدي." أغلق الباب ليشير لها بالجلوس حتى يستفهم منها عما حدث: "وإزاي جاسر يسيبك تسافري لوحدك؟ قاطعته بثبوت: "أنا جاية لحضرتك عشان تكلم عمي وتتفقوا على الطلاق." الجمته الصدمة لثواني لكنه انتبه لها وسألها بريبة: "تطلقي يعني إيه؟ ردت بجمود:
"يعني زي الناس، أنا سبت البلد وجيالك عشان تتفق مع عمي." شعر منصور بالغضب ظناً منه أن أحداً منهم قام بجرحها أو إهانتها وسألها بحدة: "عمل إيه ابن جمال خليكي تطلبي طلب زي ده وانتوا لسه مكملتوش حاجة؟ استاءت من طريقته في ذكر عمها وقالت: "ابن جمال؟ تنهدت بتعب منه وقالت: "ابن جمال معملش معايا غير كل خير، كلهم بلا استثناء كانوا بيعملوني بكل حب اللي للأسف كنت مفتقدته معاك انت وماما." "حسيت لأول مرة بجو العيلة والحب والتفاهم."
"ورغم اللي عملته فيهم الا ان عمي كان بيعملني زي ليلى ويمكن أكتر كمان." اتسعت عينيه بصدمة وسألها بحدة: "هو اللي حكالك؟ هزت رأسها بنفي وقالت بحزن: "للأسف لأ، محدش منهم اتكلم معايا ولا حتى حسسني بأي شيء بس سمعت الحوار بالصدفة." "كان عمي بينبه على ابنه إنه ميعرفنيش أي حاجة عن الموضوع وهدده بالعقاب لو لمح لي حتى." تساقطت دموعها باشتياق وتابعت: "عايز تعرف أنا ابن جمال عمل معايا إيه؟ هزت رأسها بألم وأجابت:
"ابن جمال سترني، ابن جمال جاه على نفسه وحماني من العار." قطعت حديثها عندما لاحظت الذهول على وجه والدها لتتابع: "متخافش أنا زي ما أنا بس كانت لعبة سخيفة من كد حقير عشان يجبرني اتجوزه." "هربت منه ليهم بدل ما أهرب منه ليك انت." "اتحاميت فيهم وهما احتضنوني وعوضوني." "وجاسر ده اللي عرض يتجوزني عشان يحميني من الفضيحة." "وانتوا عايشين هنا ولا على بالكم." "حتى لما عمي طلبني منك جيت زيك زي الغريب ومشيت بردوا زي الغريب."
"حتى أمي اللي المفروض بعيد عن كل الحوارات دي رفضت تحضر فرحي وسابتني لوحدي." "بس أنا مش بلوم عليها لأن دول مش أهلها، عمرها ما شافتهم ولا داقت حنانهم." "والأمر من كل ده أنها مخنتش أبوها ولا اتخلت عنه بالعكس كانت بتاخد منك وتديله والنوع اللي بار بأهله متخافش منه." "للأسف أنا رجعت عشان مجبرة، كان عليا مكنتش هرجع أبداً." ظهر الغضب على وجه جمال وهو يستمع لما قالت ثم دنا منها ليمسك ذراعها بحدة وسألها بانفعال:
"سيبك من الكلام الفارغ ده وقولي مين اللي عمل فيكي كده." سحبت سارة ذراعها من يد أبيها وردت بثبوت: "مفيش داعي لأن خلاص ربنا انتقم لي منه والحمد لله إني طلعت سليمة." "بعد إذنك." تركته في صدمته التي لم يفوق منها حتى الآن وصعدت إلى غرفتها لتغلق الباب خلفها وتستند عليه بظهرها وتسمح لنفسها بالانهيار. *** عاد جاسر إلى غرفته بعد وقت متأخر من الليل كي لا يرى أحدًا ويسأله عما حدث.
دلف الغرفة وارتمى على الفراش وأخذ ينظر إلى جانبها منه. يتخيلها نائمة بجواره وبالفعل يراها تنظر إليه نظرة عاتبة. مد يده ليمحو دمعة حارة سقطت على وجنتها لكنها اختفت من أمامه فور أن طرقت وسيلة ودلفت إليها. أوجعها قلبها عليه وهي تراه بتلك الحالة. تقدمت منه وهو على نفس وضعه وجلست بجانبه لتقول بألم: "اللي انت بتعمله ده عمره ما هيرجعها." تحدث بثبوت: "عايزاني أعمل إيه؟
"تروح لها يا ولدي وتطلب منها تسامحك، وهي بتحبك وأكيد هتسامح." هز رأسه بنفي: "عمرها ما هتسامحني." ردت بتأكيد: "اللي يحب ميكرهش." ابتسم بتهكم: "ومين جالك إنها بتحبني، مستحيل تحبني وأنا كنت بهينها في كل كلمة وفي كل حركة." "كان كل ما أحس إن مشاعري بتضعف، ألاقيني بقسى عليها لدرجة الإهانة." "وهي عمرها ما احتجت ولا رفضت معاملتي معها، وده اللي قهرني." "روح لها يا قلبي، وإن رفضت أنا وأبوك هنروح لها وأكيد مش هتحرجنا."
"هسيبك تنام دلوقتي والصبح تروح لها وتطلب منها تسامحك." أومأ بعينيه لتتركه وسيلة بحالته التي وإن دلت على شيء فأنها تدل على مدى الضياع الذي يشعر به. *** استيقظت سارة لتجد نفسها نائمة على الأرضية كما كانت. شعرت بألم شديد في رأسها من شدة البكاء فدلف المرحاض لتاخذ حمام دافئ ربما يهدئ ذلك الألم. خرجت من الغرفة لترى والدتها وهي تتظاهر بالثبات، عليها ألا تبدي ضعفها أمام أحد. وجدت والدها يخرج من غرفته.
بداخله أسئلة كثيرة لكن ليس الآن، سيتركها حتى تهدأ قليلاً ثم سيتحدث معها عما حدث. أما الآن هو مشغول بأمور الشركة التي على وشك الضياع من بين يديه. "صباح الخير." ردت بفتور: "صباح النور، ماما صحيت؟ حمحم بإحراج لأنه يعلم أنها لا تعلم شيئاً مما حدث: "ماما زعلت شوية وقاعدة في بيت جدك." قطبت جبينها بعدم فهم ثم سألته: "ومصطفى؟ "معاها، أنا مستعجل دلوقتي ولما أرجع هنتكلم مع بعض." أومأت له وظلت تنظر إليه حتى خرج من المنزل.
عادت إلى غرفتها كي تبدل ملابسها وتذهب إليهم. كما أن عليها الذهاب إلى الجامعة كي تستطيع تجميع ما فاتها. أبدلت ملابسها وهمت بفتح الباب والخروج منه لتتفاجئ به أمامها. كانت لرؤيته بتلك الحالة تأثيراً سيئاً على قلبها، لكنها لم تبدِ ذلك وتظاهرت بقوة زائفة وهي تتحدث بجمود: "بابا مش موجود." وهمت بغلق الباب لكنها منعها من ذلك ودلف إليها ليقول برجاء: "بس إني جايلك انتي وارجوكي اسمعيني." بقوة زائفة تحدثت:
"خلص الكلام بينا ومفيش دلوقتي غير الطلاق." انتفض قلبه بين أضلعه من سماع تلك الكلمة وقال برفض: "انتي بتطلبي المستحيل، أنا جاي أقولك ارجعي وأنا…." قاطعته بألم: "انت؟ انت إيه عايز تعمل إيه تاني بعد اللي عملته فيا؟ "إهانة وذل وضرب، فاضل إيه تاني عايز تعمله؟ أغمض عينيه بألم شديد يخفي ذلك الألم المرتسم بهم وقال: "سارة…." قاطعته لتقول بوجع: "سارة!
انت عارف أنا أول مرة بسمع اسمي منك، كنت بتتكلم على طول كأنك بتكلم حيطة ولا سرير وده لو اتكلمت أصلاً." "مستحيل أرجع للذل ده تاني." تحدث برجاء: "هعوضك بس ارجعي معايا، إني مقدرش أعيش من غيرك." هزت رأسها برفض: "تعرف لو كنت سمعت الكلمة دي قبل ما يحصل اللي حصل كنت هبقى أسعد واحدة في الدنيا ويمكن كانت حاجات كتير أوي اتغيرت، بس للأسف جيت متأخر." "جيت بعد ما اتأكدت إني سليمة متلمستش ولا عارة زي ما كنت بتعاملني."
"حتى لما كنت بتقرب مني كنت بشوف في عينيك رغبة مش حب." "كنت بسيبك رغم إني ببقى رافضة حاجة زي دي بس كنت عايزة اسمح أي لمسة لحد قبلك." "كنت بضغطي على نفسي واتحمل وانت في الآخر بكل جبروت تزقني وتبص لي باشمئزاز كأني واحدة من الشارع." "اخرج من حياتي وسيبني، معدش ليك مكان فيها." هي محقة في كل كلمة. عليه الانسحاب الآن كي لا تنهار أعصابها التي تتظاهر فيها بالقوة والثبات.
ألقى إليها نظرة رجاء أخيرة لتشيح بوجهها بعيدًا عنه كي لا يرى تلك الدموع التي تجمعت في عينيها. استدار هو أيضاً ليمضي تاركاً إياها تنظر في أثره بحزن ودموع تنهمر إلى أن خرج من البوابة الرئيسية واختفى تماماً. وقفت تنظر إليه وهو يعافر كي ينهي هذا التمرين الشاق لتهز رأسها بيأس منه: "حبيبي كفاية كده، انت بقيت ترهق نفسك أوي." توقف أمجد عن التمرين وأخذ منشفة يجفف بها عرقه وقال بانهاك: "ده تحدي ولازم أكسبه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!