تحميل رواية «ومجبل علي الصعيد» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يت...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رانيا الخولي
كان خالد جالسًا في مكتبه عندما رن جرس الباب. خرج من الغرفة ليجد منال زوجته تتجه لفتحه، فمنعها قائلاً:
_ خليكي انتي، أنا هفتح. ده أكيد منصور.
عادت إلى الغرفة مرة أخرى.
فتح خالد الباب ليجده منصور. فقد اتصل عليه اليوم وأعلمه بمجيئه. يعلم جيدًا سبب تلك الزيارة، لكن لن يخبره بمعرفة ذلك.
_ أهلًا يا منصور، أتفضل.
دلف منصور ليصطحبه خالد إلى غرفة مكتبه وأغلق الباب خلفه وسأله:
_ إيه يابني، في إيه؟ قلقتني.
جلس منصور على الاريكة واضعًا رأسه بين يديه وأجابه بتعب:
_ سارة سابت البيت وقبلت على الصعيد.
رد خالد ببساطة:
_ وأيه المشكلة؟ والله فيها الخير وعملت اللي حضرتك معملتوش بقالك خمسة وعشرين سنة.
هز منصور راسه بسام وقال بحده:
_ أنا بتكلم في إيه وانت بتتكلم في إيه؟! بقولك البنت سافرت وقافلة الزفت الموبايل ومش عارف أوصلها. ولازم ترجع دلوقت عشان جامعتها.
رد خالد بتهكم وهو يجلس قبالته:
_ عشان جامعتها برده ولا أنت اللي رافض مروحها هناك.
لم يجيبه ليتابع خالد:
_ أنا مش عارف انتوا منعنهم ليه، ولادك من حقهم يعرفوا أهلهم ويودوهم. ملهمش هما ذنب في المشاكل اللي بينكم دي، وبعدين تقدر تقولي أنت مقاطعهم ليه؟ أيه اللي حصل منهم عشان تبعد بالشكل ده؟!
لم يريد التطرق في ذلك الحوار وقال متهربًا:
_ أنت ليه بتخرجني من الموضوع الأساسي اللي جايلك فيه.
رد خالد بلهجة حادة:
_ لأن ده هو الموضوع الأساسي اللي لازم نتكلم فيه قبل أى حاجة. نبهتك كتير وقلتلك بلاش تمشي ورا شريف وبنته ومصدقتنيش والآخر سمعت بأذنيك اتفاقهم عليك وأنهم بيدبروا إزاي يخلصوا منكم. مش سمر دي اللي قاطعتهم عشانها؟ مش ده شريف اللي قوى قلبك على أبوك وخلاك تتخلى عنهم في محنتهم؟ تقدر تقلي سايبها على ذمتك ليه بعد ما عرفت حقيقتها؟
تنهد بضيق وهو يجيبه:
_ مش بسهولة كده، لازم انتقم منهم الأول.
_ هتنتقم من مين؟ من أم ولادك وجدهم؟ وتقول لولادك أيه؟
نهض منصور وقد سأم من الخوض في ذلك الحديث:
_ هقولهم حقيقة أمهم؟
رد خالد مأيدًا:
_ تمام. وبالمرة أحكيلهم حقيقة أبوهم.
رد منصور بسخرية:
_ وأنت فاكر أنها معرفتش حاجة؟ زمانهم حكولها على كل شيء من البداية.
نهض خالد ووقف أمامه قائلًا بمصابرة:
_ لأ متخفش، بنتك هناك معززة مكرمة والكل مبسوط بيها.
قطب جبينه بدهشة ليسأله:
_ وأنت عرفت إزاي؟
لن يخبره بأنه من أعطاها العنوان كي لا يشك في الأمر ورد بهدوء:
_ جمال أتصل عليا في الوقت اللي وصلت فيه، وسألني لو كان حد ضايقها لأنها واضح عليها الزعل. أنا من رأيي تسيبها وتسيب مصطفى كمان لحد ما تخلص حربك مع مراتك. هناك هيكونوا في آمان بعيد عن الشر اللي أنتوا فيه. بدل ما سمر وأبوها يلعبوا في عقلهم زي ما لعبت في عقلك، أسمع كلامي وسيبهم.
نعم، محق في كل كلمة. عليهم أن يبعدهم عنها حتى يطمئن عليهم.
وسأله بحيرة:
_ بس هبعت مصطفى إزاي؟ أكيد سمر هتمنع.
اقترح خالد قائلاً:
_ مصطفى رايح يجيب أخته لأن مينفعش ترجع لوحدها، فهمت؟
أومأ برأسه مقررًا إبقاءهم بعيداً عن الحرب التي يخطط لها مع شريف وابنته حتى يسترد حقه كاملًا.
***
عاد جاسر في وقت متأخر ليجد وسيلة تجلس في الردهة تنتظر عودته بقلق بالغ. وعند رؤيته سألته بقلق:
_ جاسر، ايه اللي مأخرك بره البيت لحد دلوجت؟ دي أول مرة تعملها.
جلس جاسر على المقعد وهو ينظر إلى الأعلى مكان غرفتها وقال بهدوء:
_ عادي ياأمي، كنت سهران مع يحيى.
لم تصدق وسيلة حديثه فتسأله بعتاب:
_ كنت سهران مع يحيى ولا مش عايز ترچع البيت؟
أشاح بوجهه بعيدًا عنها فتقترب منه وسيلة وتقول بإستياء:
_ أنا عايزه اعرف مالك ومالها؟ مضيجاك في أيه؟ دي البنت كيف النسمة والكل أتعلج بيها، إشمعنى إنت؟
ألتفت إليها جاسر ليقول بحدة:
_ خابرة ليه؟ لأنها بنت منصور، ومهما تعمل مش هجبلها ولا هجبل وجودها أهنه لإني خابر زين إنها مش سهلة زي ما انتو فاكرين، دي باعتها منصور لغرد أول ما توصله هتظهر على حجيجتها.
تعبت وسيلة من الجدال معه لأنه لن يجدي نفعًا وقالت بتعب:
_ مين اللي ملى دماغك بالكلام ده….
قاطعها جاسر بألم:
_ مش هي دي الحجيجة، مش دي بنت الراجل اللي ساب أبوه في عز محنته وأتخلى عنه؟ مش هو اللي أخد الفلوس وهمل البلد وساب أخوه يتعذب ويشجى عشان يسد ديون الأرض وهو عايش حياته ولا همه شئ، لا وكمان بيطالب بورثه وجدي لساته عايش.
_ أهدى ياولدي وخرج الهم ده من چواك وبلاش تدخل نفسك في حاچه زي دي. دول مهما كان أخوات ومسيرهم يرچعوا لبعض تاني. وصدجني سارة دي غيرهم، هي بجالها يومين معانا مشفناش منها غير كل خير، أرچوك ياولدي بلاش تظلمها.
تنهد بألم وهو يحاول بصعوبة بالغة السيطرة على حريق قلبه الذي لم يهدئ قط منذ أن علم الحقيقة. نظر إلى والدته وتحدث باعتذار:
_ أني آسف لو كنت انفعلت عليكي بس صدجيني غصب عني.
ربتت وسيلة على صدره وقالت بتفاهم:
_ خابرة ياولدي بس بلاش تجسى عليها دي مهما كان في بيتنا وحتى لو كانت زي ما بيتجول مينفعش نعاملها غير بالخير عشان ردها علينا برده يكون بالخير، فهمت ياولدي.
أمسك يدها ليقبلها بحب ورد بهدوء:
_ حاضر ياأمي هحاول.
ابتسمت له بحب وقالت:
_ طيب يلا بجى اطلع نام لأن الوجت آخر جوى، تصبح على خير.
_ وانتي من أهله.
وقبل أن يتحرك من مكانه أسرعت سارة بالولوج إلى غرفتها وهى لا تصدق ما تسمعه أذناها. هل حقًا ما سمعته حقيقة وأن والدها ليس بتلك المثالية التي كان يخدعهم بها؟ هل حقًا تخلى عن أهله وهم في أشد الحاجة إليه؟ أسئلة كثيرة تود إجابتها لكن من يجيبها؟ وقفت تنظر من الشرفة الدموع تنهمر من عينيها. لقد اكتشفت بعد كل تلك الأعوام أنها داخل كذبه كبيرة سواء من والديها أو صديقتها. فـماذا يخبئ لها القدر أكثر من ذلك.
***
عاد منصور إلى المنزل فيجدها جالسة في الردهة تتلاعب بهاتفها وتهز قدماها دلالةً على عدم الصبر. أغلق الباب بحده كي يعلمها بمجيئه. وعند رؤيته أسرعت إليه تسأله بتوجس:
_ ها، عملت أيه؟
واصل سيره حتى جلس على الأريكة ورد بهدوء:
_ يومين كده وهبعت مصطفى يجيبها.
عقدت حاجبيها بدهشة وتحدثت بحيرة:
_ يعني أيه مصطفى يروح يجيبها؟ وخالد مرحش ليه؟
زفر بضيق ورد بصبر نافذ:
_ خالد مش قاعد تحت أمرك، مشغول الفترة دي ومش هيقدر يسافر. وخللته كلم منصور أدامي وحتى بيقول ان البنت نفسيتها تعبانه.
ردت سمر بحدة:
_ وتعبانه ليه إن شاء الله؟
رد بتهكم:
_ والله بقى ده سؤال تسأليه لنفسك، أيه اللي تاعب نفسية البنت وازاي تسيبيها لحد ما تجيب اخرها وتلجئ لحد غيرك. اومال انتي لزمتك ايه بالظبط.
اندهشت أكثر من طريقته الفظة معاها. لم يعد ذلك الرجل الذي كان دومًا يتمنى رضاها، بل تحول وكأنه شخصٌ آخر لا تعرفه. فردت بمصابرة:
_ انت عارف كويس إن الفترة اللي فاتت كنت مشغوله معاكم فـ الشركة وممكن يكون هو ده اللي ضايقها، أو لأننا منعناها هي وأخوها من السفر للصعيد.
مسح على وجهه متوعدًا لها على أهمالها أيضًا لأولاده وقال بهدوء يتنافى تمامًا عمّ بداخله من غضب:
_ على العموم حصل خير وزي ماقلت يومين ومصطفى يبقى يسافر ويجيبها. وياريت متفتحيش الموضوع ده تاني.
نهض من مقعده بكل هدوء جعلها تود قذفه بما أمامها وتوجه إلى غرفته.
***
دلف صابر غرفة أبنه بعد أن سمح عصام بزيارته. كانت ليلى ملتزمة غرفته لا تتركه سوى ساعات قليلة في المساء إذا لم يكن لديها مناوبة. نهضت من المقعد عندما وجدته يدلف إليه وتحدثت بتعاطف:
_ اتفضل ياعمي.
أقترب صابر منه ليجلس على المقعد ويسألها بحزن:
_ صارحيني يابنتي، هو عامل ايه دلوقت؟
بللت شفتيها التي جفت من شدة التوتر وردت بثبات:
_ الحمد لله أحسن بكتير، وإن شاء الله هيفوق في أسرع وقت.
امسك صابر يده وقال بخوف:
_ بس ده بقاله خمس أيام في غيبوبة، أنا خايف ميفوقش منها.
كيف تطمئنه وهي تريد من يطمئنها؟ فردت بمهنية:
_ طبيعي، لأن في حالته دي الغيبوبة بتستمر من خمس لعشر أيام بس ده بالكتير آوي، وإحنا أملنا في ربنا كبير.
دلف عصام الغرفة ليجد صابر يتحدث معه. تقدم منهم ليطلع على مؤشراته ثم تحدث بأمل:
_ أطمن ياصابر، إبنك الحمد لله بيتحسن ومسألة وقت وإن شاء الله هيفوق.
رد صابر بتمني:
_ يارب.
نظر إلى ليلى وأردف:
_ مش هترتاحي شوية، أنتي عندك عملية بالليل ولازم تكوني مركزه.
خفضت عينيها وردت بهدوء:
_ حاضر بعد أذنكم.
خرجت ليلى من الغرفة متجهه إلى مكتبها. وعند ولوجها رن هاتفها الذي لم يكن سوى حازم أخيها. وعندما أجابته سألها بجدية:
_ ايه ياليلى، مرجعتيش ليه لحد دلوجت؟
جلست على المقعد بإرهاق وأجابته بتعب:
_ مش راجعه النهاردة لأن عندي عملية بالليل.
سألها بشك:
_ عملية بس؟
تنهدت بتعب وردت بثبات:
_ اه ياحبيبي عملية بس. أطمن.
شعر حازم بحماقة كلماته وقال بتفاهم:
_ ماشي ياحبيبتي ربنا يوفقك.
أغلقت ليلى الهاتف ووضعته على المكتب وقد شعرت حقًا بالإرهاق، فهي لا تستطيع النوم بأريحية في المنزل خوفًا وترقبًا من حدوث شئٍ له أثناء غيابها. وإذا كانت لديها مناوبة ليلية فهي تنام على المقعد بجواره بعد انتهائها. خرجت من مكتبها وذهبت لأستراحة الطبيبات كي ترتاح قليلًا قبل ميعاد العملية.
***
في منزل عمران. جلسوا جميعهم في حديقة المنزل من دون جاسر الذي تعلل بالنوم مبكرًا لذهابه صباحًا إلى القاهرة. تحدثت جليلة باشتياق:
_ الجاعدة اشتاجت للغايبين، هما جالوا هيرجعوا ميتى؟
ردت وسيلة وهى تنظر إلى جمال بغيظ:
_ كانوا بيجولوا بعد ١٥ يوم يعني المفروض ينزلوا كمان يومين، بس مـبينش.
نظرت جليلة إلى سارة التي تتلاعب بهاتفها بشرود وسألتها:
_ إنتي لساتك بتدرسي بردك؟
انتبهت سارة لسؤالها وأجابت:
_ اه، بس في آخر سنة.
نظرت إلى عمها وأردفت:
_ بعد اذن حضرتك ياعمي لو مش هضايقكم أنا كنت عايزة انقل السنة دي في الجامعة اللي هنا.
أندهش الجميع وقد تأكد ظنهم بأن هناك خطبًا ما جعلها تترك أبيها وتأتي إليهم. فسألها عمران بشك:
_ ومنصور ولدي عارف اللي ناوية تعمليه؟
هزت راسها بنفي دون قول شئ. فقال جمال بجدية:
_ أولًا البيت ده بيتك ونشيلك جوه عنينا، بس مفتكرش إن منصور هيوافج، ولو وافج ولدتك مستحيل تجبل بكده.
ردت سارة بإصرار:
_ ميهمنيش رأيهم، وده قرار أخدته بعد تفكير. أنا من زمان وانا نفسي آجي واعيش معاكم هنا ومش مستعده أسيب البلد بعد ما لقيت الفرصة.
نظرت إلى جدها وتابعت:
_ إلا إذا كنت مش عايزني اقعد معاكم.
رد عمران بصدق:
_ كيف ده؟ دا إن مشلتكيش الارض تشيلك عيونا، ومدام دي رغبتك أني هجف معاكي.
نظر جمال لوالده بعينين حائرتين. هو يعلم جيدًا بأنه لن يوافق على ترك أبنته هنا ولا حتى زوجته. فكيف إذًا يوافقها وهو يعلم علم اليقين بأنهم لن يتركوها له. فأردفت سارة:
_ وأنا هكلم عمو خالد يساعدني في نقل الورق.
رد جمال بإستسلام:
_ اللي تشوفه يابنتي.
تطرقوا جميعًا في حديث أخر وقررت هى فتح هاتفها كي تهاتف خالد لتتفاجئ برسالة من ذلك الشيطان وكان محتواها: ” أفتحي فونك ياإما هحكي لأبوك كل حاجه”. انقبض قلبها خوفًا من كلماته فانسحبت بهدوء دون أن يراها أحد وتسللت إلى الجانب الآخر في حديقة المنزل وقامت بالاتصال عليه ليجيبها مسرعًا:
_ أهلًا باللي سابت البيت وهربت، مش كنتي قلتلي وأنا كنت اخدتك معايا.
صاحت به بقوة زائفة:
_ عايز مني إيه؟
رد وائل بحده:
_ أنا قلتلك حددي ميعاد مع أبوكي واتفاجئت بعدها إنهم بيدوروا عليكي. لو بتفكري تهربي مني فأنتي الخسرانه، يا ترجعي وتوافقي على جوازنا ياأما هروح لأبوك وأقوله إنك غلطتي معايا وجاي أصلح غلطتي، وشوفي بقى أبوكي الصعيدي هيعمل فيكي أيه؟
لم يزيدها حديثه سوى بغض ونفور منه. لن توافق على الارتباط بخائن مثله حتى لو كلفها حياتها. فقالت ببغض:
_ مستحيل أتجوز واحد ندل وخاين زيك استحل شرفي ودمرني بالشكل ده، الاشمئزاز اللي حساه من ناحيتك يخليني أفضل الموت ولا إنك تلمسني تاني. بس انت مش غلطان لوحدك، أنا اللي أستاهل إني وثقت في أختك ودخلت بيتكم.
قامت باغلاق الهاتف وكادت أن تلقى به لولا تلك اليد التي وضعت على فمها تسحبها خلف تلك الشجرة العتيقة في حديقة المنزل. حاولت الإفلات من بين يديه برعب لكنه أحكم قبضته عليها حتى تأكد من خلو المكان وأدارها إليه لتواجه تلك العينين التي تشبه فوهة بركان تقذف حممًا نارية من هول الغضب الذي سيطر عليهم وسألها بفحيح يشبه فحيح الأفعى:
_ اللي سمعته ده صُح؟
انقبض قلبها خوفًا من نظراته التي تكاد تحرقها بلهيبها فلم تستطيع الرد من يده التي وضعها بعنف على فمها فصاح بها بغضب هادر:
_ إنطجي، اللي سمعته دلوجت ده صح؟
زحت رأسها بنفي وقد شعرت بقدميها كالهلام من شدة الخوف، وخاصةً عندما وجدته يردف بتحذير:
_ أكدبي مرة تانية وانا ادفنك مُطرحك وأجولهم غسلت عار منصور بيدي. مين اللي عمل معاكي إكده؟
تساقطت دموعها على يده التي مازالت موضوعه على فمها مما جعله يبعدها وكأنه أصيب بحرق ناري. فتمتد يده إلى عنقها ضاغطًا عليه وهو يقول بحده:
_ جولى لخلص عليكي، مين اللى غلطتى معاه يافاچره؟
لا داعي للكذب، فقد علم وانتهى الأمر. فترد ببكاء وهى تحاول التنفس بصعوبة:
_ والله ماعملت كده برضايا، ده كان غصب عني.
اغتاظ مما تفوهت به وسألها بسخط:
_ كيف يعني؟ خطفك من عالطريج إياك؟
أجهشت أكثر في البكاء وردت بانهيار وهي تتذكر تلك اللحظة:
_ لأ، كنت عندهم وحطلي المنوم في القهوة، فُقت لقيته معايا في الاوضة. أقسملك إن دي الحقيقة.
لم يرق قلبها لدموعها التي تنهمر بغزارة على وجنتيها فـ تحدث باستهزاء وبداخله براكين تغلي:
_ وإنتي إيه اللي وداكي عنديه يا فاچرة؟ طبيعي ماهو ملكيش راجل يسألك رايحة فين وچاية منين، تعملى ما بدالك.
أزاحها من أمامه حتى كادت أن تسقط لولا أن تمسكت بجذع الشجرة فتتدارى خلفها وتجهش في البكاء على حظها العثر الذي يوقعها بين يدي من لا يرحم. أما هو فقد وقف حائرًا لا يعرف ماذا يفعل في تلك المعضلة التي حطت فوق رؤوسهم. ماذا يفعل؟ هل يقتلها ويغسل عارها؟ لكن إذا فعل ذلك ماذا سيكون مصير عائلتهم؟ ستظل وصمة عار في تاريخهم، وقد يلحق الضرر بأخته. نظر إليها بغضب وقام بجذبها من خصلاتها وهو يقول بصوتٍ جهوري:
_ كانت خابر إنك چاية بمصيبة بس محدش صدجني، إني لازم أجتلك وأخلص من عارك.
بكت سارة بألم من شدة قبضته على خصلاتها وقالت بألم:
_ اقسملك انه مكنش برضايا، وجيت هنا أتحمى فيكي.
ما احتقنت الدماء في عروقه وأزاحها من أمامه وقال بغضب عارم:
_ تتحامى فينا ولا تفضحينا؟
_ كنت خابر إن منصور مش هياچي من وراه غير الخراب، بس متخيلتش إنك تعملي فينا إكده. بس هجول ايه، العيب مش عليكي العيب على اللي سايبك تدوري على حل شعرك لحد ما جيبتنا مصيبة.
لم تستطيع البقاء وسماع المزيد من كلماته السامة التي تمزق قلبها بكل قسوة. عادت إلى غرفتها لتغلق الباب خلفها ثم تستند عليه بظهرها وتجهش بالبكاء الذي جعل جسدها يهتز بعنف وهى تحاول كبت شهقاتها. أما هو فقد جلس على الفراش واضعًا رأسه بين يديه يفكر في حل لتلك المعضلة. لن يستطيع التحدث مع جده فلن يتحمل مثل تلك الصدمة. ووالده يكفي ما حدث من والدها لن يحزنه أكثر بفعلتها. ظل يفكر حتى توصل إلى حل أخيرًا. وسيكون بذلك إستطاع هزم منصور وكسره دون أن يعلم أحد. سيأخذها إليها ويلقي بالخبر في وجهه وحينها سيكون بذلك هدئ نيران قلبه المشتعلة بداخله وهو يراه بذلك الخزي وحينها سيكون رد الصاع بصاعين.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رانيا الخولي
خرجت من غرفة العمليات وهى تشعر بالإنهاك. كانت تود أن ترتاح قليلًا، لكنها لم تستطع الذهاب للراحة دون الاطمئنان عليه.
دَلفت الغرفة لتجد الممرضة تبدل له المحاليل وهو على نفس وضعه. تقدمت لتأخذ منها الأدوية وهى تقول بثبات:
_ روحي أنتي ياسهى وأنا هبدل المحاليل.
ردت سهى بتعاطف مع حالتها تلك:
_ بس أنتي شكلك تعبان ومرهقة آوي. روحي انتي ارتاحي وأنا هاخد بالي منه.
ردت ليلى بإصرار وهى تقوم بوضع الأدوية داخل المحلول:
_ لأ أنا هفضل معاه مش هسيبه. روحي أنتي.
أومأت سهى وهى تنظر إليها بتعاطف، فهى شاهدة على ذلك الحب الذي يجمعها به. وتركت لها المحاليل لتقوم بتعليقها. وهى تتضرع لربها بالشفاء له.
بعد خروج الممرضة، انتبهت ليلى على صوت همهمة خافتة. نظرت إليه لتجده يحاول رفع جفنيه بصعوبة بالغة. وكان يجاهد كي يرفع يده ويزيل ذلك العائق الذي وضع على أنفه. لكن يد ليلى منعته من ذلك وأعادت يده مكانها وهى تقول بسعادة:
_ أمجد أنت كويس.
لم يستطع التحدث وأكتفى بإيماءة بسيطة من عينيه التي لم يستطيع فتحها جيدًا. فقامت بمعاينته وابتسامة مشرقة مرتسمة على ثغرها. لاحظها هو برغم التعب الذي انهكه.
قامت بالضغط على الزر لتدلف الممرضة:
_ نعم يا دكتورة.
ردت ليلى بسعادة:
_ بلغي الدكتور عصام إن مستر أمجد فاق.
أومأت الممرضة وأسرعت بالذهاب. لتنظر ليلى إلى أمجد وتقول بفرحة لم تستطيع أخفاءها:
_ حمد لله على السلامة.
شعر بجفاف حاد في حلقه. وهذا ما شعرت بيه ليلى لتقوم بوضع القطنة في الماء ثم تعصرها بالقرب من شفتيه كي ترطب حلقه قليلًا.
دلف عصام الغرفة وقد سعد كثيرًا بذلك الخبر. فتحدث بسعادة وهو يقترب منه ويراقب مؤشراته:
_ حمد لله على السلامة يابطل كل ده نوم.
أغمض عينيه وكأنه يشعر بالألم. فبدأ عصام يسأله بعض الأسئلة وهو يجيبه بعينيه. أما هى فقد كان قلبها ينبض ببهجة لم تشعر مثلها من قبل.
تحدث أمجد بوهن:
_ عايز أخرج من هنا.
رد عصام بهدوء:
_ إن شاء الله. بس الأول لازم نسيبك تحت الملاحظة لحد الصبح تحسبًا لأى ظرف وهنقلك بعدها في اوضه عادية.
لم يستطيع أمجد المجادلة بسبب ضعفه وعاد للنوم مرة أخرى.
نظرت إلى عصام وسألته بقلق:
_ أنا قلقانه ليرجع للغيبوبة تاني.
تنهد عصام براحة وأجابها:
_ لا إطمني هو كويس. بس ده طبيعي لأن الغيبوبة أستمرت فترة طويلة. الصبح هيكون كويس.
خرج عصام ليتركها معه. ولأول مرة تشعر حقًا برغبة شديدة في النوم. لم تستطع تركه واطمأنت لأنه لن يستيقظ قبل الصباح. وما إن جلست على المقعد حتى ضاعت هى أيضًا داخل سباتها.
❈-❈-❈
في الصباح انتفضت ساره من نومها على تلك اليد التي تهزها بحدة. فتحت عينيها بخوف لتجده جاسر ونظرات الاشمئزاز مازالت مرتسمة على وجهه.
اعتدلت في فراشها ليقول بحدة:
_ خمس دجايج وتكوني چاهزة.
اتسعت عينيها خوفًا وترقبًا منه وسألته بتوجس:
_ هنروح فين؟
رد بسأم:
_ هتعرفي، جومي يلا.
نهضت من الفراش وهى تحاول التحلى بالشجاعة:
_ مش هخرج من هنا إلا لما أعرف.
مهما تظاهرت بالشجاعة إلا إن عينيها تظهر عكس ذلك. كانت قسوة نظراته تنذرها من تحديه. لكنها رغم هشاشتها إلا إنها تتمسك بتلك القوة الهشه كي تعرف أولًا ما ينتوي على فعله.
_ جلتلك هتعرفي، ومتخافيش. أنا لو عايز أجـ.ـتلك مفيش حاچة واصل هتمنعني، يعني اطمني.
وافقت على مضد ليخرج هو كي تبدل ملابسها منتظرها أمام الغرفة. خرجت بعد قليل وهى تلبس عباءة. جسمت خصرها قليلًا لكن دون قصد منها. وخصلاتها التي عقدتها للخلف جعلت الدماء تغلى بعروقه. وقال بحدة:
_ إنتي فاكرة إنك هتمشي چاري باللبس ده.
نظرت إلى العباءة ولم تجد بها شئ فقالت:
_ دي عباية وبتتلبس في البلد عادي.
أشار لها ببغض على شعرها وقال أمرًا:
_ ادخلي البسي طرحة وأتحشمى كيف الخلق.
ازدردت مرارة كلماته وقالت بحزن:
_ حاضر.
كانت الساعة السادسة صباحًا عندما خرجوا من المنزل وأمرها بركوب السيارة. كان ينتابها خوفٌ شديد لكنها لم تبالي. إن أراد قتـ.ـلها فليفعل إذًا وستكون مرحبه بذلك. لكن ما إن اتخذ الطريق المتجه إلى القاهرة حتى انقبض قلبها خوفًا وسألته بريبة:
_ أنت موديني فين؟
لم يجيبها والتزم الصمت. فعادت تسألها بإنفعال:
_ رد عليا موديني فين؟
أغتاظ من انفعالها عليه وقال بسخط:
_ عالي صوتك عليا تاني وأني أرميكي للديابة أهنه.
تلاشى الخوف من داخلها فلم تعد تُعني بشئ بعد الآن. فصاحت به:
_ عايزة أعرف انت موديني فين.
رد جاسر بإمتعاض وهو ينقل بصره بينها وبين الطريق أمامه:
_ هرميكي لمنصور.
اتسعت عيناها ذهولًا مما نطق بها لتهز رأسها بعدم أستيعاب وقالت برفض:
_ مستحيل أرجع القاهرة لو فيها موتي.
ازداد سخطة عليها ليجيب بغضب:
_ مش بكيفك، مصيبته وهو اللي يشيلها إحنا ملناش صالح بيه.
لن تعود إلى القاهرة وتظل تحت رحمة ذلك الشيطان. لن يحدث. وإذا أصروا على ذلك في ستكون أكثر من مرحبة بذلك الموت الذي يريحها من ذلك العذاب الذي كتب عليها.
وبدون تردد قامت بفتح السيارة لتلقي نفسها خارجها.
❈-❈-❈
أستيقظ أمجد من سباته ليجد نفسه مازال داخل غرفة العناية ليزداد سأمه. هم بالنهوض لكنه لم يستطيع فهو لم يسترد عافيته بعد. هم بالضغط على الزر لكنه تراجع عندما رآها نائمة على المقعد.
تراخت ملامحه وأخذ ينظر إليها بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من الأشتياق. نعم يشتاق لتلك التي لم تخرج من مخيلته منذ ان رآها للمرة الأولى. لم تخلوا أحلامه منها بل ظلت تجول بأحلامه حتى أرهقته باشتياق لا يرحم. وتساءل: ما اتيتى وراء قلب لن تأخذي منه سوى الآلم.
أخرجه من شروده سهى التى دلفت كي تباشر عملها. وما إن همت بالتحدث حتى أشار لها بالصمت. نظرت إلى ليلى التي تنام على المقعد وقالت بصوت خافت:
_ ميعاد العلاج حضرتك.
أومأ لها قائلاً:
_ ياريت من غير صوت عشان متقلقها.
قامت الممرضة بوضع المحاليل وهي تحاول كتم ابتسامتها. فهى شاهدة على كل شئ وخاصةً معاناتها منذ أن آتى للمشفى.
بعد الأنتهاء نظرت إليه وقالت بدهاء:
_ على فكرة الدكتورة ليلى مسبتش حضرتك لحظة واحدة.
أنهت جملتها وخرجت من الغرفة وهى ترفع يديها بمرح تدعوا أن تجد مثل ذلك الحب.
ظل ينظر إليها رغم رغبته الشديدة في العودة إلى النوم. حتى رآى ملامحها تنكمش وترمش بأهدابها. فعلم أنها تتألم بسبب تلك الوضعية الغير مريحة. أغمض عينيه مسرعًا كي لا يشعرها بالحرج. عندما رآها تعتدل فتصدر منها آهه خفيفة وقد تيبست عضلاتها.
نظرت إلى المنضدة فلم تجد الأدوية. فعلت أن أحد الممرضات قد وضعتها لها. قتربت منه لتمسك بيده كي تجس نبضه. وعند تلك النقطة لم يستطيع التظاهر بالنوم أكثر من ذلك ليرفع جفنه ناظرًا إلى ملامحها عن قرب لتزداد وتيرة دقاته.
نظرت إليها لتجده ينظر إليها بابتسامة. لترتبك هى وتحاول التحدث بثبات:
_ حمد لله على السلامة.
رد أمجد بإمتنان وعينيه تلتهم ملامحها:
_ الله يسلمك، معلش بتعبك معايا.
ردت بإبتسامة رغم خجلها منه:
_ لا تعب ولا حاجه المهم تتحسن وتبقى كويس.
اختفت ابتسامته ويحل محلها اليأس:
_ تحسن أيه بقى مـ خلاص.
آلمها نظرة اليأس التي احتلت عينيه مما جعل قلبها يأن آلمًا عليه. وقالت بتفاؤل:
_ أنا ظني بالله خير وإن شاء الله هنلاقي المتبرع بأسرع وقت.
هز رأسه بنفي وأردف:
_ مش عايز أعلق نفسي بأمل كاذب وخصوصًا إني عارف حالتي كويس.
تنهدت ليلى وتحدثت بحكمة:
_ العلم والطب مش بيعترفوا بالمستحيل. لأنهم لو اعترفوا بيه مش هيكون فيه تقدم وهنفضل محلك سر. أما ناس كتير آوي ربنا نجاهم في وقت متأخر جدًا. وناس كتير خرجت من الموت بإعجوبة. يعني كل دي أقدار بإيد ربنا، هو اللي قادر على كل شيء.
رد أمجد بإيمان:
_ ونعم بالله.
نظرت في ساعتها وقالت بأسف:
_ أنا مطرة أمشي دلوقت لأن لو أخرت اكتر من كده هلاقي حازم جايلي المستشفى.
ابتسم أمجد عندما تذكر ذلك التوأم وسألها:
_ هما جوم معاكي؟
أومأت له:
_ اه هما هنا في كلية حقوق وأنا اللي جيت معاهم، بعد أذنك.
همت بالخروج لكنه اوقفها بلهفه وكأن روحه ستفارقه معها:
_ ليلى.
التفتت إليه لتجده يرمقها بنظرات رجاء وأكمل:
_ متتأخريش.
أومأت بأبتسامة أرهقت قلبه وخرجت من الغرفة بسعادة لا توصف.
❈-❈-❈
همت ليلى بألقاء نفسها خارج السيارة لكن يده أمسكت بها بإحكام وأوقف السيارة بسرعة حتى جعلها تصدر صريرًا قويًا حتى كادت أن تنقلب. فصاح بها بغضب:
_ انتي أتجننتي.
حاولت ليلى جذب ذراعها من يده وقالت بإنهيار:
_ أنا كده ولا كده ميته، سيبني اخلص من العذاب ده وأرتاح.
لم يرق قلبه لها ورد بحنق:
_ رايدة تموتي حالك يبجى بعيد عنينا، أني هوديكي لمنصور وهو يتصرف فيكي.
نظرت إليه بسخط من جبروته. فهو ليس شبيها لوالدها في الملامح فقط بل بقسوة القلب أيضًا. مما جعلها تجذب ذراعها من يده وترجلت من السيارة تحاول الهرب منه. لن تعود إلى القاهرة حتى لو تركت نفسها لتلك الذئاب. فهي ستكون رحيمة بها عن تلك الذئاب البشرية التي تود نهشها.
ضرب جاسر المقود بقبضته وهو يسب ذلك اليوم الذي آتت إليهم فيه. وينزل مسرعًا خلفها حتى وصل إليها. حاول الإفلات منه لكنه أحكم قبضته عليها وقال ببغض:
_ هتاچي معاي غصب عنيكي.
هزت رأسها وهي تقول بانهيار:
_ مستحيل أرجع هناك، لو رجعت مش هيسيبنى وأنا مستحيل اتجوزه. أرجوك بلاش ترجعني ليه وأنا هعيش معاكم وكأني مش موجودة بس أرجوك مترجعنيش ليهم.
هم بمعارضتها لكنها أمسكت بيده وهى تجثو على ركبتيها وتقول بتوسل:
_ أرجوك مترجعنيش ليهم. بابا لو عرف هيخليني أتجوزه غصب عني وأنا الموت عندي أهون، أرجوك.
رابط الدم بينهما جعله يرضخ لتوسلاتها حتى وجد نفسه يرد بهدوء:
_ طيب اركبي وبعدين نتكلم.
ظلت على إصرارها وقالت بتوسل:
_ أبوس إيدك بلاش ترجعني.
نظر إلى دموعها التي تنهمر بغزارة وحالتها التي تشبه من يقاد الى الموت. فأومأ لها وهو يقول بثبات:
_ خلاص مش هوديكي لمنصور وهنروح لچدك.
نظرت له بشك ليأكد هو يحسها على النهوض:
_ هنرچع متخافيش.
سارت معه حتى وصلوا إلى السيارة وأمرها بالصعود إليها وصعد هو بجوارها وانطلق بها عائدًا إلى المنزل.
❈-❈-❈
شعرت وسيلة بالقلق عندما لم تجد سارة في غرفتهابحثت عنها في أرجاء المنزل لكن لا أثر لها. زاد خوفها أكثر ظنًا منها بأن جاسر أجبرها على الذهاب أو أن يكون أخذها عنوة ليعيدها إلى والدها.
_ وسيلة واجقفة عندك بتعملي أيه؟
كان ذلك جمال الذي وجدها تقف أمام باب المنزل ويبدو عليها القلق. تفتتت إليه وسيلة لتجيبه بخوف:
_ سارة بنت اخوك ملهاش آثر في الدار وخايفة يكون جاسر زعلها وخلاها تهملنا.
قطب جبينه بدهشة وتحدثت بحيرة:
_ وأيه اللي هيخليها تمشي من غير ما تجولنا، تلجاه بتتمشي شوية وراچعه تاني.
هزت رأسها بنفي وقالت:
_ لأ دي بتخاف تطلع بره الدار وحديها، إزاي هتخرج لحالها ومن غير ما تعرفينا.
تلاعب الشك بداخله وأخرج هاتفه كي يحدث جاسر لكنه توقف عندما وجد سيارته تدلف من بوابة المنزل. دقق النظر بداخلها فيجد سارة جالسة بجواره لتتنهد وسيلة براحة وتقول:
_ الحمد لله رجعت.
ترجل جمال تلك الدرجتين وهو ينظر بحدة لجاسر الذي نزل من السيارة وهى معه. فأمر وسيلة أن تأخذ سارة وتدلف إلى الداخل. ولم تجادل سارة بل ذهبت مع وسيلة دون أن ترفع بصرها بأحد.
تقدم جمال منه ثم سأله:
_ كنتوا فين؟
أرتبك جاسر قليلًا ثم أجابه بهدوء:
_ كنت باخد رأيها في حاچة أكده.
ضيق جمال عينيه وسأله بتوجس:
_ حاچة أيه اللي تخليك تاخدها من البيت بدري أكده ومن غير علمي.
زم شفتيه قليلًا وكأنه يجد صعوبة كبيرة في التحدث ورد بهدوء:
_ كنت بطلب يدها.
عقد جمال حاجبيه بعدم أستيعاب لما يقول وسأله بدهشة:
_ يعني أيه مش فاهم.
عم الصمت قليلًا وجمال يريد أن يخترق تفكير ولده الذي أجاب بثبات:
_ يعني أني رايدها وعايز اتجوزها.
هز جمال رأسه بصمت. فليس هذا المكان المناسب للخوض في هذه الأمور. كما أنه يشك بخطبٍ ما وخصوصًا حالتها التي ترجلت بها من السيارة.
_ اتفضل جوه في المكتب خلينا نعرف أيه الحكاية. مينفعش الكلام أهنه.
دلف جاسر مع والده إلى المكتب كي يتحدث معه في ذلك الأمر وهو يشعر بثقل يجثم على قلبه. لكن عليه فعل ذلك إذا أراد أن ينتقم حقًا من عمه.
❈-❈-❈
خرجت ليلى من الغرفة فتصادف عصام في طريقها إلى الغرفة فسألها باهتمام:
_ ها ياليلى أمجد أخباره أيه؟
ردت ليلى بملامح مشرقة:
_ الحمد لله أحسن بكتير.
نظر إلى حقيبة يدها وسألها:
_ أنتي مروحة؟
_ اه مروحة لإني مطبقة من أمبارح.
ابتسم لها بامتنان وقال:
_ طيب احتمال أمجد يسافر اليونان في أى وقت هتسافري معانا وتحضري العملية ولا أيه.
انحسر الدم عن وجهها عند ذكر أمر العملية وقالت بقلق:
_ مش عارفه بابا هيوافق ولا لأ.
أومأ بتفاهم:
_ غريبة يعنى الرضا اللى شايفه دلوقت مع انك مكنتش متشجع خالص لموضوع العملية ده.
ابتسم أمجد وهو يجيبه بشرود:
_ لأن بقى عندى دافع يخليني أتمسك بالحياة، وإني لازم أقاوم عشانه.
ابتسم عصام برضا وقال بتأييد:
_ عايز أقولك إن الدافع ده كان بيموت حرفيًا وهو عاجز أدامك وهو مش عارف يعمل ايه. مكنتش بتسيبك غير ساعات بسيطة وترجع تاني. فعلًا تستاهل إنك تقاوم عشانها.
عاد اليأس يزحف إلى قلبه مرة أخرى وهو يقول:
_ وده اللي زود خوفي أكتر، خايف العملية تفشل أو بمعنى آخر ملقيش متبرع وتعيش اللي فاضلي من حياتي في ألم وعذاب.
_ بس الكلام ده متأخر آوى. هي بالفعل حبتك أفعالها وخوفها وكل حاجة أدامي بتأكد حبها ليك. حارب وقاوم عشانها يمكن ربنا بعتهالك في الوقت المناسب عشان تكون دافع ليك.
تنهد أمجد بتعب وقال:
_ بلاش نسبق الأحداث وخلينا نشوف أيه اللي هيحصل.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رانيا الخولي
وقف جاسر أمام أبيه الذي يخترق عينيه بنظراته، يود أن يعلم ما يدور بداخله.
وسأله برجاء:
_ احكيلي بجى إيه اللي حصل بالظبط؟ وإيه اللي نزل عليك مرة واحدة خلاك تطلبها أكده؟
حاول التحلي بالثبات أمامه ورد بهدوء:
_ مفيش حاجة حصلت. كل الحكاية إنها دخلت جَلبي من وقت ما شفتها. وعشان أكده كنت بهاجمها عشان أهاجم مشاعري. وأنت خابر السبب التاني زين. ولما لقيتها خارجة تتمشى شوية، طلبت منها إني أتمشى معاها ونتحدث شوية. ولقيتها زينة زي ما حكيتوا عنها. ولما فاتحتها في الموضوع لقيتها هي كمان بتبادلني نفس المشاعر. وعشان أكده طلبتها للزواج.
حاول جمال الثبات وألا ينفعل عليه، فهو لا يستخدم الغضب في التعامل مع أولاده، وخاصةً هو.
وسأله بهدوء يتنافى تمامًا عمّا بداخله من غضب:
_ وزينة بنت خالك، ناوي تعمل إيه معاها؟
تنسى تمامًا أمر زينة، كما يتلاشاها دائمًا، فتظاهر بالحزن قائلًا:
_ أنت خابر زين إن عمري ما حبيتها ووافقتكم لإني في الوقت ده مكنتش أعرف يعني إيه حب. ولما عرفته قررت إني أتمسك بيه. لأن سعادتي هتكون معاها هي مش مع زينة.
شعر جمال بمدى صدقه، مما جعله يحتار أكثر. فإن هذا الزواج مرفوض من جهات كثيرة، وأولهم منصور. كما إنه أعطى كلمة لوليد ولن يستطيع التراجع عنها تحت أي مسمى.
شعر جاسر بما يدور بخلده، فرفع عنه الحرج قائلًا:
_ لو بتفكر في خالى وجدي أني ملزوم إني أصلح غلطي، وخابر زين كيف أقنعهم. وإن كان على زينة، هتكون أسعد واحدة بفسخ الخطوبة دي.
جلس جمال على الأريكة ومازال شاردًا في تفكيره. يفكر في الأمر من كل الجهات.
من جهة هي ابنة أخيه الوحيد الذي رحل دون عودة، وسيكون ذلك الزواج دافعًا له للعودة إليهم.
ومن جهة أخرى وليد صديق عمره الذي لم يتخلى عنه كما فعل أخيه.
ومن جهة ثالثة صدق مشاعر والده الذي ذاق مرار العشق، وإن لم يساندها سيقضي عمره في مرارة لن يتحملها.
فسأله بحيرة:
_ أنت خابر لو أصريت على رأيك ده ممكن يخسرنا جدك وخالك. وأنا لو هختار بين الاتنين بيجي أتخلى عن الموضوع أفضل.
هو حقًا يحتار مثله، لكن الأمر أخطر بكثير من مجاملات والتزام بوعود.
تقدم من والده وقال برزانة:
_ أنا خابر كل ده زين. بس صدقني زينة عمرها ما حبتني. وإن كان على خالي، فهو كل اللي يهمه سعادة بنته وسعادتها عمرها ما هتكون معايا. أنا هروح النهاردة لچدي وأتحدثت معاه. وهو كل اللي يهمه سعادتنا.
مازال جمال على حيرته، وكذلك جاسر الذي يعاتب ذلك القدر الذي أوقعها في طريقه.
فتابع قائلًا:
_ متجلقش يابوي أني هحل الموضوع ده.
رد جمال بحيرة:
_ تحله كيف بس؟
طمأنه قائلًا:
_ هتعرف.
***
عادت ليلى إلى المنزل بسعادة، لكن يشوبها القلق. تفكر جيدًا في أمر السفر، لكن هل سيوافق والدها على ذلك؟ مأكد لا، فهو وافق بأعجوبة. ولولا وجود حازم ومعتز ما كان ليقبل بالعمل خارج البلدة. وإذا علم جاسر بأنها تود السفر لأجله، فلن يرحمها. ويرغمها على العودة للبلدة.
ظلت داخل غرفتها لا تعرف ماذا تفعل. هي حقًا تود الذهاب معه، لن تتحمل ذهابه دونه. ماذا إذا رفض والدها؟ هل سترضخ لرفضه؟ أم تحاول إقناعه بكل الطرق؟
وبعد تفكير عميق قررت الذهاب لعمل جواز السفر كي تستغل الوقت. ستذهب إلى البلدة بعد يومين وتتحدث معه. إذا وافق ستكون على أتم الاستعداد للسفر معه.
وبالفعل، وقبل أن تبدل ملابسها، أسرعت بالذهاب إلى قسم جوازات السفر والعمل عليه بأسرع وقت.
***
لم تصدق وسيلة كلمة واحدة مما قاله جاسر لوالده. وشعرت بوجود خطب ما. هي تعلم جيدًا حقيقة مشاعره لابنة خاله، وكذلك هي. لكن كيف يتعلق بمن كان يهاجمها دائمًا ويرفض وجودها معهم تحت سقفٍ واحد؟
فقال عمران بحيرة:
_ بس إحنا لو وافقنا على طلبه هنخسر عاصم وولده. صحيح الموضوع كان مجرد كلام، بس إحنا ادينا كلمتنا. إزاي هنتراجع فيها؟
تحدثت جليلة بروية:
_ عندك حق. وكمان الموضوع مش بالساهل أكده. لازمن نفكر زين.
نظر جمال إلى وسيلة وسألها بجدية:
_ أنتي اتحدثت معاها؟
هزت وسيلة رأسها بالإيجاب وقالت:
_ بتجول إنها موافقة، وإنها اتعلقت بيه غصب عنيها. وبصراحة حسيتها صادقة في كلامها.
ازدادت حيرة عمران وأصبح عاجزًا، لا يعرف أيكسر بخاطر أحفاده أم يحزن صديق عمره.
فقال جمال بيأس:
_ هنعملوا إيه دلوقت؟
رد عمران باضطراب:
_ والله العمل عمل ربنا. خليني أجعد معاه وأعرف إيه اللي في دماغه بالظبط. وبعدين متنساش منصور أخوك. مظنش إنه هيوافق بالساهل أكده.
ردت جليلة باستياء:
_ ليه يعني؟ هو هيلاقي لبنته أحسن منه؟ إياك. زينة الشباب وأي بنت تتمناه.
تحدث عمران بفتور:
_ روحوا أنتوا وأبعتولي جاسر. أتحدث وياه وحدينا.
خرج الجميع، ولم يمضي الكثير ودلف جاسر إلى جده وهو يقول بإحراج:
_ نعم يا جدي؟
أشار له عمران بالجلوس:
_ أجعد يا ولدي.
جلس جاسر بجواره، وأخذ عمران ينظر إليه بملامحه التي تشبه كثيرًا لعمّه. وتحدث بتبصر:
_ شوف يا جاسر، من يوم ما اتولدت وشيلتك بين إيديا حسيت بإن الروح عادت ليا من تاني بعد ما فارقتني بفراقه وبخذلانه لي. وكل ما تكبر كل ما ملامحك بتميل لهلكن ما أخدتش شئ من طباعها. وده اللي افتكرته لحد ما سمعت اللي سمعته النهاردة.
عقد جاسر حاجبيه مستفهمًا عن قوله، ليتابع عمران بحزم:
_ إيه اللي في دماغك يا ولد جمال؟
ظل جاسر على ثباته كي لا يشك بشيء، ورد برزانة:
_ مفيش حاجة يا چدي غير إني حبيتها. حاولت كتير أتصدى لمشاعري دي، بس معرفتش. لحد ما استسلمت في الآخر وأعترفت بحبي ليها.
كان عمران ينظر إلى عينيه يستشف صدق حديثه. وجاسر يثبت نظراته كي لا يُكشف أمامه.
ويقول عمران بشك:
_ لحقت تعشقها في أسبوع واحد؟!
عند تلك النقطة اهتزت نظراته، وكأن قناع الثبات سقط عند سماع تلك الكلمة. وقال بريبة:
_ هو دا اللي حصلت.
تنهد عمران وهو يعود بظهره للوراء قائلًا بتسويف:
_ والمطلوب يا ولدي؟
ازدرد ريقه بصعوبة وقال برجاحة:
_ عايز أتزوجها.
رفع حاجبيه مؤيدًا:
_ خابر. بس اللي هتعمل إيه مع جدك وخالك في الكلمة اللي اتربطنا فيها. وإزاي هتجدر تجابل عمك منصور وتطلبها منه وأنت مطايجش اسمه حتى، فهمني؟
احتدمت نظراته عند ذكر اسم منصور، ورد بإنفعال:
_ أني بطلبها من اللي أكبر مني.
رد عمران بخشونة:
_ وده ميدنيش الحق إني أزوّج بنته بدون موافقتها.
طبق جاسر فمه دلالة على عدم تحكمه في أعصابه، مما جعل عمران يتابع:
_ عرفت بجى إن الموضوع مش سهل زي ما أنت فاكر؟
قطب جاسر وجهه وسأله بحدة:
_ يعني إيه يا چدي؟ أني بجولك إني رايدها. ليه مش عايز تقف معايا؟
تحامل عمران على نفسه ونهض مستندًا على عصاه وقال بشدة:
_ إني مجلتش إني برفض أو مش معاك. بس الموضوع محتاج شوية صبر وعجل نفكروا بيه. وأهم من كل ده بنت خالك اللي هتجرحها، وهي ملهاش ذنب في كل ده.
_ ومين جالك أنها قبلاني من أساسه! هي مرغمة عليا وأني خابر أكده زين.
كان جاسر يتحدث وبداخله عذاب لا يرحم، وكأنه كتب عليه أن يُرغم على من لا أهل بذلك.
وضع عمران يده على كتفه وقال بتعاطف:
_ أصبر يا ولدي، وأني أوعدك إني هقف معاك. بس لازم نحل الموضوع الأول مع خالك.
أومأ جاسر مرغمًا، فليس بيده شيء.
***
عادت ليلى إلى المنزل بعد أن أنهت الإجراءات، فوجدت معتز يفرغ الأكياس على المائدة. فقال بإبتسامة:
_ تعالي ياليلى، حماتك بتحبك.
أغلقت الباب خلفها وتقدمت منه:
_ كنت صبرت شوية وكنت هعملكم أكل.
رد بمرح وقد أنتهى من وضع الأطباق:
_ لا بلاش، أنتي أكل المطاعم أرحم بكتير. وبعدين كلها يومين وهنرجع البلد ناكل من أيدين وسيلة.
لاحظ معتز عبوسها فتقدم منها يسألها بقلق:
_ خير ياليلى، مالك؟ انتي لساتك حزينة عليه؟
جلست على مقعد المائدة وقالت بحزن:
_ لأ، هو الحمد لله فاق النهاردة.
_ اومال مالك؟
ترددت قليلًا قبل أن تخبره بعرض الدكتور عصام لها بالسفر لحضور العملية.
ساد الصمت قليلًا ومعتز يفكر في الأمر.
وقالت ليلى بحزن:
_ وطبعًا أبوك عمره ما هيوافق على السفر مهما جلتله.
رد معتز بتأييد:
_ بصراحة هيبجى عنده حق. أنا نفسي هرفض سفرك معاه. وما فيش أي حاجة بتربطكم ببعض. هتروحي معاه بصفتك إيه؟
ردت بإطراق:
_ بصفتي دكتورة وحضور عملية زي دي هتتسجل في تاريخي. ومع دكتور كبير زي ده.
خرج حازم من غرفته وقد استمع لحديثهم فتقدم منهم قائلًا:
_ مش هينفع.
نظرت إليه ليلى وهي تقول برجاء:
_ ليه بس؟ أنا دكتورة والقسم اللي أنا دخلته ده هيجبرني على السفر وحضور مؤتمرات.
جلس حازم على المقعد وبدأ بتناول طعامه وهو يقول ببرود:
_ مستحيل أبوكي يوافق على حاجة زي دي. دا يعتبر وافق بإعجوبة على شغلك أهنه. ولولا إننا معاكي ما كان هيوافق.
نظرت إلى معتز تستنجد به، فيهز كتفه بقلة حيلة.
فيتابع حازم:
_ متحاوليش. أنا عارف اللي فيها.
أيد معتز رأيه:
_ وأنا رأيي من رأيه. بس كلميه بردك يمكن يوافق.
نهضت لتدلف غرفتها، فيسألها حازم:
_ على فين؟ مـ تاكلي معانا لولاه؟
هزت رأسها برفض:
_ مليش نفس.
جلس معتز على المقعد ليتناول طعامه، فيقول حازم بامتعاض:
_ عاجبك أكده؟ جلتلك لازمن نتعامل في الموضوع بحزم عشان تشيله من عجلها. أديها عايزة تسافر معاه وشوف بجى جاسر أخوك لو عرف هيعمل فينا إيه؟
بدأ معتز أيضًا بتناول طعامه وتحدث برجاحة:
_ بس بصرف النظر عن تواجده معاها، واحد في حالته دي مش هيقعد هناك يتغزل فيها. واديك شفت بعينك حالته كانت كيف وهو عندينا في البلد. ياريت منجفش قدام مستقبله.
رد حازم بشدة:
_ مينفعش تحت أي مسمى. فكرة السفر نفسها مرفوضة. ولو اصريت أكتر من كده أني هخبر جاسر بكل شيء. دي أختي الوحيدة ولازم أخاف عليها.
صمت قليلًا ثم أردف بتروي:
_ على العموم أحنا نشوف هتجدر تقنع أبوك ولا لا، مع إني واثق من رفضه.
***
لم يمضي الكثير وبدأ شريف بمباشرة إجراءات القرض كما طلب منه منصور، رغم تعند سمر لتلك الفكرة. وقد نجحت أولى خططه، وعليه اليوم أن يرسل ابنه كي يبعده عنهم.
وأثناء تناولهم للغداء تحدث منصور بأمر:
_ مصطفى، أنت هتسافر بكرة البلد عشان تجيب أختك.
لم يصدق مصطفى ما تسمعه أذناه، ليهز رأسه بفرحة:
_ حاضر يا بابا.
همت سمر بالمعارضة، لكنه تحدث بلهجة حادة لا تقبل نقاش:
_ مش عايز كلام كتير. مصطفى بكرة هيروح يجيب أخته ويرجع بيها. مفيش داعي للكلام الكتير.
حاولت بصعوبة بالغة التحكم في غضبها، لكنها لم تستطع وقالت بحده:
_ هو أنا خلاص مبقاش ليا رأي في البيت ده؟
نفى منصور حديثها ببرود وهو يتناول طعامه:
_ لأ طبعًا ليكي، بس بعد كلمتي أنا. أما بالنسبة لأي حاجة تخص ولادي فأنا المتحكم الوحيد.
قطبت سمر جبينها بحيرة، وكأن من أمامها الآن شخصٌ آخر غير منصور الذي كان يتمنى ابتسامة منها. هل علم بشيء مما يسعون خلفه؟ لكن إذا علم بذلك، ما الذي جعله يصمت كل ذلك الوقت؟
أما منصور فقد قرر تهدئة الأمر كي لا يشك بشيء.
قال لمصطفى:
_ عايز تروح بالطيارة ولا القطر؟
أجاب مصطفى براحة:
_ لأ، أنا بفضل القطر.
كل ذلك يحدث وسمر تخترق عينيه بنظراتها تحاول معرفة ما يدور بخلده. ولم يمهلها منصور الكثير لينهض من مقعده ويذهب إلى مكتبه قائلًا:
_ خلي فاطمة تجيبلي القهوة على المكتب.
دلف مكتبه وابتسامة متوعدة مرتسمة على وجهه، مقررًا أخذ هدنة غدًا لكي يمحو ذلك الشك الذي زحف إلى عقلها.
***
في منزل عمران.
لم تستطع سارة الخروج من غرفتها حتى بعد محاولات كثيرة من وسيلة، فهي لن تستطيع مواجهة أحد وتشعر بالإحراج منهم.
طرقات خافتة سمعتها على باب غرفتها، فنهضت من فراشها لتفتح، فتتفاجأ بعمها الذي ابتسم في وجهها قائلًا:
_ إيه رأيك لو نتحدث شوية؟
ردت سارة بإحترام:
_ أكيد يا عمي، أتفضل.
دلف جمال وجلس على الأريكة وأشار لها بالجلوس بجواره، وتحدث برجاحة:
_ جاسر كلمني النهارده إنه رايد يتزوجك، وأني خايف ليكون أجبرك ولا حاجة. وعشان أكده جلت أعرف رأيك بنفسي.
بإرادة قوية منها على الثبات ردت سارة بنفي:
_ لأ طبعًا يا عمي، هو أخذ رأيي وأنا وافقت بإرادتي. أنا عايزة أفضل هنا معاكم لاني حبيتكم واتعلقت بيكم. وبالنسبة لجاسر هو ابن عمي وإنسان كويس يعتمد عليه، مش عايزة أكتر من كده.
_ طيب ومنصور تفتكري هيوافق؟
عند ذكر اسمه وجدت الدموع تتجمع داخل عينيها. استطاعت ردعها بصعوبة وهي تقول بألم:
_ مش عارفه، بس أنا مش عايزة أرجع ليهم تاني.
عقد حاجبيه مندهشًا من موقفها وسألها بجدية:
_ ليه؟
لا تعرف كيف تخبره بأنها سمعت حوار زوجة عمها مع جاسر وعلمت بحقيقة والديها، فقالت بحزن:
_ لإني عرفت الحقيقة.
ازدادت حيرته وعاد يسألها:
_ حقيقة إيه؟ وضحي أكتر.
أخذت نفس عميق كي يساعدها على ردع الدموع التي تحارب للتحرر، وقالت:
_ سمعته هو وماما بيتكلموا عـ اللي حصل منهم زمان وإنه اتخلى عنكم في عز أزمتكم. وهو ده اللي خلاني سيبتهم وجيت.
لم يصدق جمال أن هذا هو السبب الرئيسي، ويعلم جيدًا بأن هناك سبب آخر. فقال بحنو:
_ ممكن يكون ده سبب من أسباب تانية. ولو شايفني أب لكِ صحيح احكيلي ومتخافيش.
ردت سارة بارتباك:
_ صدقني يا عمي مفيش سبب تاني. أنا من زمان وأنا عايزة أشوفكم وأتعرف عليكم.
رد جمال بتفاهم:
_ أنا خابر إنك حاولت كتير أنك تيجي عندنا بس منصور كان بيرفض. لكن أنا قلبي حاسس إن في سبب تاني يخليكي ترفضي إنك تعودي ليه. مجولي ومتخافيش. طول ما أنتي معايا متخافيش من حاجة واصل.
الحنان الذي كان يغدقها به جعله تقترب منه بدون إرادة منها وتضع رأسها على كتفه تلتمس منه الأمان.
وقالت بألم:
_ بعدني عنه قليلًا كي ينظر إليها وقال بثقة:
_ جلتلك متخافيش من حاجة واصل طول ما أنا عايش. واللي يمسك بكلمة حسابه هيكون واعر جوي. وأوعي تفتكري إن اللي حصل من أبوكي هيخلي حد منا يمسك بحرف أو يضايق منكِ. لا، إنتي بنتنا ودمك دمنا. وإن مشتلكيش الأرض تشيلك عنينا، فهمتي؟
تدحرجت دموع حارة على وجنتيها، مسحتهم بظهر يدها، وقالت بامتنان:
_ ربنا يخليك ليا يا عمي، بس ارجوك خليني معاكم.
ابتسم لها بحب وقال:
_ حاضر اللي انتي عايزاه. وأني هتكلم مع خالد في الموضوع ده وأخليه يكلم منصور. حاجة تاني؟
هزت رأسها بنفي وابتسامة مشرقة مرتسمة على ثغرها لذلك الرجل الذي خطف قلبها بحنانه.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رانيا الخولي
في غرفة مصطفى
كان يحضر ملابسه داخل الحقيبة بسعادة لا توصف كي يستعد للسفر، فقد استطاع أخيرًا وبعد عناء الذهاب إليهم.
دلف منصور الغرفة ليجد أبنه بتلك السعادة، ليندهش من تعلقه بهم رغم أنه لم يراهم ولا يعرف عنهم شيئًا، فأيقظ بداخله ذلك الاشتياق الذي أرق مضجعه أعوامًا كثيرة.
لكنها استطاعت بسهولة القضاء على ما تبقى بداخله من حنين لهم ولبلدته.
تقدم منه ليقول بابتسامة:
_ كان لازم يعني تسافر بالليل كده؟
أغلق مصطفى الحقيبة ورد بهدوء:
_ أنت عارف إني بحب سفر الليل، بيبقى مريح أكتر.
_ للدرجة فرحان إنك هتروح الصعيد؟
أقترب مصطفى من والده أكثر وقال برزانة:
_ القصة مش قصة صعيد أو غيره، بس أنا نفسي أشوف أهلي وأتعرف عليهم، مهما حصل بينكم من خلافات، فإحنا ملناش علاقة بيها.
أومأ منصور بتفاهم وقد ازداد الاشتياق بداخله، فتحدث بلين:
_ على فكرة لو عايز تقعد معاهم أسبوع ولا أكتر أنا معنديش مانع.
رفع مصطفى حاجبه بدهشة وتحدث بسرور:
_ عايز أوي.
وضع منصور يده على كتفه وقال بإبتسامة:
_ خلاص، اقعد زي ما أنت عايز، بس وقت ما أتصل عليكم تيجوا على طول.
أومأ مصطفى برأسه:
_ إن شاء الله.
فخرج منصور من الغرفة متجهًا إلى غرفته كي يبدأ بمسلسل جديد يعيد به ثقتها، ليجدها مستلقية على الفراش تتلاعب بهاتفها.
بإبتسامة باهتة دارى بها مكره، اقترب منها منصور ليأخذه ويضعه على المنضدة ويجلس بجوارها تحت دهشتها من تصرفه وقال بخبث:
_ البيت خلاص فضي علينا، أيه رأيك ناخد إجازة ونروح نقضي يومين في السخنة؟
قطبت جبينها بحيرة وتحدثت بدهشة:
_ هو مصطفى مش هيجيب أخته وييجي على طول؟
تناول منصور خصلة بين يديه يتلاعب بها وقال بمكر:
_ تؤ، مش هينفع يروح وييجي في نفس اليوم، هو أنا قولتله يبات ويبقى ييجوا بعد يومين.
همت بالمعارضة لكنه وضع أنامله على فمها يمنعها وقال بشاعرية:
_ أنا اللي طلبت منه كده عشان نفضل لوحدنا شوية.
نظرت له بشك وقالت:
_ من إمتى الكلام ده؟
قرب وجهه أكثر من وجهها وقال بمكر:
_ من زمان، وأنتي عارفه كده كويس، بس إنتي اللي انشغلتي عني.
شعرت بحرارة أنفاسه على عنقها مما جعلها تنزوي قليلًا وقالت:
_ أنا منشغلتش، أنت اللي بقيت قاسي أوي.
قبل جانب عنقها وقال بتروي:
_ حقك عليا، كنت مضغوط بسبب الصفقة، بس خلاص الصفقة تمت والعيال مش في البيت وإحنا لوحدينا، نستغل ده ولا إيه؟
استطاع خداعها بكلماته مما جعلها تتجاوب للمساته وسألته بثبوت:
_ لسه بتحبني؟
ضغط منصور على قبضته كي يستطيع أخراج كلماته الزائفة بسلاسة:
_ أكيد طبعًا، هو أنا لو مش بحبك كنت عيشتك معايا للنهارده.
خرجت كلماته الأخيرة دون إرادة منه، وعندما لاحظ الشك في عينيها صحح قائلًا:
_ هو إيه اللي يجمع الزوجين غير الحب؟ ولو مفيش حب أكيد مفيش حياة مشتركة بينهم.
تساءلت:
_ الأولاد مثلًا.
عندما تحدث تلك المرة كانت الرغبة هي المسيطرة، فخرجت الكلمات بسلاسة ويسر:
_ سبب ضعيف، بس الأقوى هو الحب.
لم يمهلها فرصة للرد عليه وقام بجذبها وتقبيلها رغبة، لكنها خالية من أي حب.
❈-❈-❈
في منزل عاصم
دلف ياسمين غرفتها كي تتحدث مع وليد في أمر ابنته. تعلم جيدًا أنه سيعارض بشدة، لكن عليها التحدث معه ربما تقنعه.
وضعت كوب القهوة على المنضدة وجلست بجانبه وهى تقول:
_ وليد، كنت رايدة أتحدت وياك في موضوع مهم.
اعتدل وليد في فراشه ونظر إليها بانتباه:
_ خير يا ياسمين، في حاجة؟
أومأت برأسها وقالت:
_ بصراحة أنا عايزة أكلمك في موضوع زينة وجاسر.
عقد حاجبيه متسائلًا:
_ مالهم؟ في إيه؟
ترددت كثيرًا قبل أن تخبرها عن حديثها معها وختمت قائلة:
_ وبصراحة عندها حق؛ جاسر ابن أختك طبعه شديد قوي، مش هينفع مع بنتنا؛ دي زينة بتعيط من النسمة، إزاي هتعرف تتعامل مع جاسر بشدته دي؟
أيد وليد رأيها، لكن لن يستطيع فعل شيء، فهو يخشى إحزان أخته، فتحدث بحيرة:
_ أنا معاكي في كل ده، بس إني مش عايز أزعل وسيلة ولا جمال، وإن كان على طباعه أكيد هيتغير بعد الجواز.
زمت شفتيها بضيق:
_ يعني مفيش فايدة؟
تنهد بحيرة لأنه يعرف جيدًا أن ابنته لن تتحمل، وخاصةً عندما لاحظ فتورهم، وقال:
_ مش عارف أقولك إيه، بس هحاول أفتح الموضوع مع وسيلة وأشوف رأيها.
❈-❈-❈
في المشفى
كان صابر في قمة سعادته وهو جالس مع ابنه في غرفة عادية بعد أن تم نقله من العناية المركزة. عارض عصام كثيرًا، لكنه أصر على ذلك.
وعندما لاحظ صابر غياب ليلى، تساءل:
_ أومال فين الدكتورة اللي كانت متواجدة معاه على طول؟ مش شايفها يعني؟
رد عصام بمكر وهو ينظر إلى أمجد الذي تتبدل ملامحه فور سماع أي شيء عنها:
_ راحت ترتاح شوية، بصراحة ابنك تعبها قوي الفترة اللي فاتت دي، حتى وهو في الصعيد.
قطب صابر جبينه بدهشة وسأل أمجد:
_ هي من الصعيد؟
أومأ أمجد قائلاً:
_ دي تبقى حفيدة عمران المنشاوي اللي كنت عندهم.
_ بنت جمال ولا منصور؟
لم يعرف أمجد شيئًا عن منصور، لهذا جاوب بتأكيد:
_ بنت جمال.
أكمل عصام مكره:
_ بصراحة بنت ممتازة؛ جميلة، أخلاق عالية، ودكتورة شاطرة وبنت ناس، كنت بفكر أخطبها لابني بس النصيب.
علم صابر بأنه يشاكس ابنه الذي تبدلت ملامحه، ليس لغيره كما توقع، إنما لحزن أوجع قلبه هو، فينظر إلى عصام بعتاب ليرد عليه الآخر بنظرة يؤكد فيها أنه يقصدها، وخاصةً عندما تابع:
_ أصل بصراحة في دكتور زميلها فاتحني أنه عايز يتقدم لها، وقررت أكلمها في الموضوع أول ما تيجي.
قاطع حديثه أمجد الذي قال بحده:
_ لو سمحت يا بابا، عايز أرتاح شوية.
أومأ صابر بتفاهم:
_ حاضر يا حبيبي.
نهض من مقعده ونظر إلى عصام بعتاب وخرجوا من الغرفة.
فور خروجهم، نظر صابر إلى عصام وتحدث بخشونة:
_ مكنش ينفع الكلام اللي قولته ده يا عصام.
رد عصام بهدوء:
_ لأ ينفع، ده جزء من العلاج، هي دي اللي هتخلي أمجد يقاوم. أنت متعرفش ابنك قبل ما يعرفها كان مستسلم إزاي. إنما لما شافها اتغيرت كل حاجة جواه. صحيح لسه يائس من الحياة، بس بيتمنى يعيش عشانها، وعشان كده كل ما ألاقيه بييأس بفوقه بيها.
زاد الحزن بداخله أكثر على ابنه وسأله بقلق:
_ الدكتور اللي كلمتني عنه مردش عليك؟
زم عصام فمه وقال:
_ للأسف، كل الحالات اللي بيقابلها غير متوافقة معاه، بس ما علينا بالدعاء.
❈-❈-❈
في منزل عاصم
وقف جاسر أمام منزل جده مترددًا، لا يعرف ماذا يفعل. هل يجازف ويحزن خاله؟ أم يلقي بتعقله عرض الحائط وينفذ ما انتواه من البداية بأن يلقيها له.
لكن هو أيضًا مجبر على ذلك، فالأمر ليس بالهين، هي ترفض العودة لوالدها وهو يخشى من معرفة أحد بالأمر، لن يتحمل جده صدمة أخرى منه، ومن المستحيل أن يقص على خاله ما حدث وسبب فراقه عن ابنته.
كان جده محقًا فيما قال، الأمر أصعب بكثير مما تخيل.
هم بالانصراف لولا فتح الباب وخروج عمر ابن خاله الذي سأله بدهشة:
_ جاسر؟! واقف أكده ليه؟ اتفضل جوه.
ابتسم جاسر بخروج عمر مما جعله يستسلم للأمر الواقع وقال بتشوش:
_ هو خالي موجود؟
أكد عمر:
_ آه موجود، اتفضل.
دلف جاسر وقد زادت ضربات قلبه حدة وهو يصادف جده يجلس في الردهة:
_ أهلًا جاسر، تعالى.
تقدم جاسر من جده التي تعجبت من هيئته وسألته:
_ مالك أكده؟ في حاجة حصلت؟
ازدرد ريقه بصعوبة وجلس أمامه لا يعرف ماذا يفعل.
عاد عاصم يسأله بقلق:
_ في إيه يا جاسر؟ جلجتني.
واستطاع بصعوبة أن يلملم شتات أمره وقال باضطراب:
_ جدي، أنا كنت رايد أتكلم معاك في موضوع أكده.
قطب عاصم جبينه:
_ خير يا ولدي؟
تردد كثيرًا قبل أن ينطقها ليقول بالأخير:
_ كنت عايز أقولك إني مجبر أتزوج بنت عمي، وياريت محدش يسألني ليه.
لم يساوره الشك إزاء أي أمر سوى أنه يود الانتقام من عمه بها، لتتبدل ملامحه للشدة وهو يقول:
_ ومن ميتى إحنا بناخد الولاد بذنب أهلهم؟
همس جاسر بمقاطعته لكنه أكمل بحدة:
_ بتحاول تكدب عليا لإني عارفك زين، وعارف قد إيه أنت بتكره منصور ونفسك تاجيلك الفرصة عشان تردله اللي عمله مع أبوك وجدك. بس صدقني الطريق ده محدش هيرجع منه خسران غيرك.
استاء من نفسه، ما الذي يجبره على وضع نفسه أمام ذلك الاتهام، هو لا ينكر إن به القليل من الحقيقة وهو أن ينتقم من منصور بحرمانه منها، لكن السبب الأهم هو ما لا أحد يعرفه سواه.
_ الموضوع مش أكده خالص، بس أنت خابر زين إن ارتباطي بزينة كان عن طريقكم أنتم، لا هي حبتني ولا أنا شايفها قدامي غير ليلى أختي، وصدقني الانتقام اللي بتقول عليه ده مش هيجي، كل الحكاية إني رايدها مش أكتر من كده.
تنهد عاصم بتعب ثم تحدث بروية:
_ شوف يا جاسر، أنت أول فرحتي، أول حفيد شلته بين إيديا وأخد قلبي من وجتها، خابر زين إنك عمرك ما كدبت عليا، زي ما خابر إنك مبتعترفش بالحب أصلًا. صدقك وأقول إنك حبيتها، بس يكون في علمك إن منصور هيفضل بيناتكم، وكل ما تبصلها هتفتكر كرهك لأبوها. فكر زين يا ولدي، وإن كان على زينة، هي فاتحتني امبارح أنها شايفاك زي أخوها، ولو صبرت شوية كنت هفاتحك فيها.
دلف وليد ليسمع كلمة والده الأخيرة:
_ هو إيه يا بوي اللي هتفاتحه فيه؟
نظر جاسر لجده كي يرفع عن أثنيهم الحرج، ليتحدث عاصم بثبات:
_ تعالي يا ولدي، كنت عايزك في موضوع مهم.
جلس وليد بجوارهم وتساءل:
_ خير يا بوي؟
تنهد عاصم ونظر إلى جاسر وقال:
_ كنت بعت لجاسر عشان أفاتحه في موضوع زينة.
عقد وليد حاجبيه بدهشة وسأل والده وهو ينظر إلى جاسر:
_ مالها زينة؟
أراد عاصم أن يحفظ ماء الوجه بالنسبة للجميع وقال بجدية:
_ زينة اتحدت معايا امبارح أنها عايزة تلغي خطوبتها بجاسر، ولما كلمته لقيته متفاهم وقال لي إن كل شيء قسمة ونصيب.
شعر وليد بالحرج من موقفه وقال:
_ صدقني يا جاسر...
قاطع جاسر حديثه كي يرفع الحرج عنه وهو يقول برصانة:
_ متقولش حاجة يا خالي، زينة هتفضل زي أختي ومفيش حاجة هتتغير.
نهض ليهنئهم بالخروج:
_ أستأذن لأني عندي مشوار ضروري لازم أروحه.
خرج من المنزل وقد أُزيل ذلك الحمل الذي أجثم على صدره، والآن عليه المواجهة الكبرى وهي منصور.
❈-❈-❈
في اليوم التالي في المشفى
نهض أمجد من الفراش بمساعدة فارس صديقه، لكنه لم يستطع السير على قدمه فقد تورمت بشكل يدعو للقلق، فقال فارس بمصابرة:
_ معلش يا أمجد، أتحمل شوية، الدكتور عصام أصر إنك تمشي ولو دقيقتين بس.
حقًا لم يستطع، ليعود إلى الفراش مرة أخرى وقد شعر بالإنهاك من تلك الخطوة.
_ حقيقي مش قادر.
استسلم فارس وساعده على الاستلقاء.
فسمعوا طرق الباب، فسمح فارس بالولوج، فدخلت ليلى، التي ما إن رآها حتى أشرق وجهه بابتسامة وديعة وقال بترحيب:
_ أهلًا دكتورة ليلى، اتفضلي.
شعرت ليلى بالإحراج لوجود شخص آخر، فيرفع عنها فارس ذلك الإحراج وقال:
_ طيب، أنا هروح أشوف عمي وأرجعلك.
أومأ له أمجد، وما إن اقترب من الباب حتى التفت، غمز له بعينيه، جعل أمجد يضحك مرغمًا.
نظرت ليلى خلفها لتجده قد خرج وأغلق الباب خلفه، فتساءلت:
_ بتضحك على إيه؟
رد أمجد بمرح:
_ ولا حاجة، المهم أخرتي كده ليه؟
زاد احراجها وردت باضطراب:
_ بس أنا ماخرتش.
نظرت إلى ساعة يدها وتابعت:
_ الساعة دلوقتي تسعة.
أكد قائلًا وهو يلتهم ملامحها بعينيه:
_ بردوا آخرتي.
قررت التعامل معه بمهنية كي تجعله يخفي تلك الابتسامة التي ترهقها، فتقربت منه كي تنظر إلى التقرير الذي أعده الدكتور عصام صباحًا وقالت بروية:
_ الحمد لله، بقينا أحسن بكتير.
رد أمجد بامتنان:
_ ده بفضلك إنتي يا ليلى.
اهتزت نظراتها عندما نطق اسمها بتلك الشفافية، وكأنه معتاد على ذلك. لما كل كلمة تخرج من فمه لها تربك كيانها بذلك الشكل، فشعرت بأن وجودها معه خطر لا محالة.
لملمت شتات أمرها وتعللت قائلة:
_ أنا عندي مناوبة دلوقتي ولازم أمشي.
وقبل أن تهم بالمغادرة، أمسك رسغها يمنعها قائلاً:
_ ليلى، استني.
جذبت ليلى يدها بسرعة لتنظر إليه بقوة وتقول بخشونة:
_ إيه اللي عملته ده؟
اغتاظ من تصرفه ورد معتذرًا:
_ أنا آسف، معلش، اتصرفت بعفوية، بس...
توقف عن تكملة حديثه.
غضب تقبل منه حديثًا وهي بذلك العبوس، فأكمل:
_ كنت عايز أقولك ابعتي الدكتور عصام عشان عايزة ضروري.
أومأت بصمت وخرجت من الغرفة وهي تتحسس مكان يده على رسغها. علمت أنه كان يود قول شيء لكنه تراجع خوفًا من رد فعلها بعد ما حدث، نعم، ذلك أفضل كي لا يتمادى معها.
❈-❈-❈
كلما تقدم ذلك القطار من تلك البلدة، كلما رق قلبه شوقًا لرؤياها.
يتمنى الوصول إلى بلدته بأسرع وقت، حتى شعر بأن القطار ثابت لا يتزحزح.
لو أخبرته بذهابها، لم يكن يتوانى لحظة واحدة عن الذهاب معها، فقد كان ذلك اتفاقهم حتى تم اكتشاف أمرهم.
ها قد وصل القطار، وها هو ذا يقف على أعتابها، تلفح وجهه نسماتها النقية.. يتحرى شوقًا لرؤية من دمرت والدته صورته الوردية، لكن عبثًا، لم يصدق كلمة واحدة مما قيل.
❈-❈-❈
في غرفة جاسر
طرقت وسيلة الباب لتدخل بعد أن سمح لها جاسر، وكان جالسًا على الأريكة شاردًا كعادته، فتقدمت منه تجلس بجواره وتسأله بجدية:
_ عملت إيه مع بنت خالك؟
تنهد جاسر بتعب ورد بهدوء:
_ اطمني يا أمي، خلصت كل حاجة مع جدي، واللي انتي متعرفوش أنها هي كمان فاتحت جدي في الموضوع، يعني كده ولا كده الجوازة ما كانتش هتكمل.
تنهدت وسيلة براحة وعادت تسأله:
_ وعمك منصور هتعمل معاه إيه؟
ضغط على أسنانه بحدة لكي يهدئ من حدته وقال بعناد:
_ أنا طلبتها من جدي وهو وافق، وده اللي يهمني.
همت بالحديث لكنها منعها قائلًا بشدة:
_ قولت أهم حاجة رأي جدي وده اللي يهمني، عايزين تقولوه انتوا حرين، لكن أنا لاء.
هزت رأسها بيأس منه ومن عناده، من قال أنه يشبه منصور فقط في ملامحه، بل وعناده أيضًا.
فقالت باستسلام:
_ طيب، قوم أفطر لوحدكم معاهم وشوف هتوصلوا لإيه.
نهض جاسر ونزل معها للأسفل.
ليسمع طرقات أخرى على الباب. نظر إلى والدته وقال:
_ روحي إنتي يا أمي، وأنا هشوف مين.
فتح جاسر الباب ليرى ذلك الشاب أمامه وتلك الحقيبة التي يحملها، وسأله:
_ مش ده بيت الحاج عمران المنشاوي؟
أكد مصيبة أخرى من مصائبه، فرد جاسر بسؤال:
_ وأنت مصطفى مش كده؟
أكد مصطفى تكهنه:
_ بالظبط.
أشار له جاسر بالولوج، وقد جلسوا جميعًا على مائدة الإفطار منتظرين عودة جاسر.
تفاجئت سارة بمجيء مصطفى لتنهض مقتربة منه بسعادة:
_ مصطفى!
نظر الجميع ناحيته، فعلموا فور احتضانه لها أنه مصطفى أخيها.
ارتمت سارة في أحضانه وهي تقاوم البكاء، فلم يفترقوا يومًا عن بعضهم البعض إلا عند مجيئها، وكان الجميع ينظر إليهم ببهجة؛ سوى ذلك الذي ينظر إليهم بسخرية.
ابتعدت عنه قليلًا كي تنظر إليه وقالت بعتاب:
_ وأنتي أكتر يا حبيبتي، بس إنتي اللي سبتيني وجيتي لوحدك.
_ تعالي يا ولدي.
نظر مصطفى إلى عمران الذي علم فور رؤيته بأنه جده عمران الذي لم يكف خالد عن المدح فيه، وتقدم منه ليقبل يده باحترام:
_ إزاي حضرتك يا جدي؟
_ زين يا ولدي بشوفتك، تعالى.
نظر إلى جليلة التي ألجمتها الفرحة وقال:
_ أنتي جدتي جليلة؟
أومأت له بسعادة، فيتقدم منها لتحتضنه بشغف وكأنها تحتضن وليدها الغائب.
_ أيوه يا ضي عيني.
بدأ أول لقاء له معهم بفرحة ظاهرة على الجميع، فينظر إلى أخته التي عادت الدماء لوجهها فور رؤيته، لتومأ له بأنهم كذلك.
لكن كان لذلك المحتج رأي آخر...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رانيا الخولي
اجتمع الجميع على مائدة الإفطار بسعادة بالغة بوجود مصطفى.
كان عمران ينظر إليهم بسعادة غامرة وشعر باكتمال أسرته، ورويدًا رويدًا سيعود كل شئٍ لما كان عليه من قبل.
لكن ذلك المحتج له رأيٌ آخر عندما تحدث بتبرم:
_ وانت چاي عشان تاخد أختك ولا چاي زيارة؟
بوغت مصطفى بسؤاله وكذلك سارة التي تبدلت ملامحها للخوف فتنظر إلى أخيها بتوجس تنتظر رده.
_ بصراحة بابا كان بعتني الأول عشان أجيبها.
أنقبض قلبها خوفًا ونظرت إلى جاسر تستنجد به لكنه لم يبالي بها وأردف مصطفى:
_ بس بابا لما لاحظ فرحتي وأد أيه أنا عايز اشوفكم واتعرف عليكم، فاجئني وانا جاي بأني أقعد معاكم زي ما أنا عايز.
تراقص الأمل بداخل جليلة بعودته مرة أخرى وسألته بلهفة:
_ مجالكش انه هييجي؟
أخفض مصطفى عينيه وبهت آثر سؤالها ورد بهدوء:
_ أكيد طبعًا بس هو مشغول آوي الفترة دي وأكيد بعد ما يخلص شغله هييجي.
هزت جليلة رأسها بعدم تصديق فيرفع جمال ذلك الإحراج عن الجميع قائلاً برباطة جأش:
_ بكرة ليلى بنتي چاية هي ومعتز وحازم وإن شاء الله هنخليه أحتفال بوچودكم معانا.
لم يجد مصطفى الكلمات التي تصف مدى امتنانه لهم وخاصةً عندما ربت جمال على يده وهو يقول بترحاب:
_ نورت الدار والبلد كلياتها.
ابتسم بحب:
_ منوره بيكم ياعمي.
❈-❈-❈
انتهى دوامها وقررت العودة إلى المنزل كي تستعد للسفر.
حملت حقيبتها وهمت بالذهاب لكن حنينها هزمها تلك المرة لتقرر الذهاب إليه كي تودعه قبل رحيلها وكأنها سترحل دون عودة.
طرقت الباب قبل دخولها لتتفاجئ بالغرفة فارغة.
فينقبض قلبها خوفًا عليه، أسرعت بالخروج وسؤال إحدى الممرضات فأخبرتها أنه في قسم الأشعة.
أغمضت عينيها بألم تحاول تهدئة أعصابها التي انهارت إثر تلك الصدمة.
ذهبت إلى قسم الأشعة لتجده مستلقيًا على سرير الأشعة يكاد لا يشعر بشئٍ من حوله، تسارعت وتيرة تنفسها وهي تراه بتلك الحالة.
نظرت إلى عصام الذي يباشر الأشعة مع الطبيب المختص بها وسألته بقلق:
_ دكتور عصام أيه اللي حصل؟
هز عصام رأسه بقلق:
_ للأسف الحالة مبقتش مستحملة أكتر من كده، كل مدى الحالة بتسوء أكتر.
آزاد انقباض قلبها خوفًا وسألته بريبة:
_ وبعدين؟
_ هيفضل في العناية لحد ما نشوف حل.
انتهى الطبيب من عمله وأسرعوا للعودة إلى غرفة العناية.
قاموا بوضعه مره أخرى على الأجهزة لتجد أن مؤشرات القلب عنده اصبحت بالفعل بطيئة وهذا لا يبشر بالخير مطلقًا.
عاتبت نفسها على صدها له في الصباح، وندمت أشد ندم على فعلتها، ما كان عليها أن تصدمه بتلك الحدة.
رن هاتفها فعلمت بهويته الذي لم يكن أحدًا سوى حازم الذي أصبح جاف التعامل معها منذ أن أعترفت له.
خرجت من الغرفة لتجيب بثبات زائف:
_ أيوة ياحازم.
رد حازم من الجانب الآخر:
_ هتاچي ولا هنعدي عليكي في المستشفى؟
مسحت دمعه تدحرجت على وجنتها وردت بهدوء:
_ لأ سافروا أنتوا أنا مش هسافر.
أندهش حازم وسألها بجدية:
_ يعني أيه الكلام ده؟ واللي مستنيينك هناك دول أجولهم أيه؟
أخذت نفس عميق تهدئ به حزنها وأجابت بإصرار:
_ مش هينفع أرجع معاكم، في حالات هنا مش هينفع اسيبها.
سألها حازم بشدة:
_ مين هما بجى الحالات دي؟
نظرت ليلى إلى الممرضة التي خرجت من الغرفة وقالت:
_ حالات تعبانه ياحازم.
إزداد الشك بداخله وقال بحدة:
_ أجولك أنا هچيكي بنفسي أشوف الحالات دي.
اغلق الهاتف قبل أن تعارضه مما جعلها تغمض عينيها بريبة خشيةً من عناده.
عادت إلى الداخل لتجد عصام ممسكًا بهاتفه يشير لها بالبقاء معه وخرج من الغرفة.
تقدمت منه وهى تتحلى بقوة زائفة لكن ما أن جلست بجواره حتى تلاشت قوتها وانهارت في البكاء.
وتساءلت إلى متى ستظل بذلك العذاب؟
❈-❈-❈
هم حازم بالخروج من المنزل بعد أن أغلق هاتفه لكن معتز منعه بحده:
_ أنت في أيه؟ أيه حكايتك بالظبط معاها؟ من وقت ما صرحتنا بموضعها وأنت واقفل لها على الغلطة، أيه اللي في دماغك بالظبط.
تهرب حازم من الإجابة وهو يهاجمه بالرد:
_ انت اللي يومين جضتهم أهنه خلوك تنسى عوايدنا وإننا صعايدة ومينفعش نسكت على اللي بيحصل ده.
تحدث معتز بإنفعال:
_ هى معملتش حاچة تتعدى عوايدنا عشان تعاملها بالشكل ده، هى بتتعامل معاه كمريض وأظن واحد في حالته مش هيكون واعي لعشج وغيره.
أختنا وخبرينها زين وعارفين تربيتها عمرها ما هتكون موضع شك.
رد حازم بوجل وهو يجلس على المقعد:
_ مهما كان ثقتنا فيها بس ده ميخلناش نوافج على اللي بتعمله ده.
ارتبك وهو يضيف:
_ وكمان أني خايف عليها تتعلج بيه أكتر من أكده والآخر تتعذب بفراجه.
علم معتز سبب تعنده معها والذي أيقن بأنه نابع من خوفه عليها كي لا تمر بما مر به هو وسأله بتعاطف:
_ انت لساتك بتفكر فيه؟
نفى حازم بحدة:
_ انا مـ بفكرش بحدا.
جلس معتز قبالته وقال بجدية:
_ لأ لساتك بتفكر فيها وبلاش عناد جصادي انا بالذات لأنك لو داريت عن الدنيا كلها مستحيل تخيل عليا.
تنهد حازم بأسى وقال:
_ مش هينفع نتكلموا فى حاچة منتهي أمره.
انهض من مقعده وهو يتابع بإصرار:
_ اني رايح أجيب أختك جبل مـ العشج يتملك منيها وتعيش عمرها كله في عذاب.
لم يمنعه معتز علمًا بحالته وتركه يغادر.
❈-❈-❈
في منزل عاصم.
لم تصدق زينا ما تسمعه أذنها عندما أخبرتها والدتها بما حدث، هل حقًا انحل ذلك الحبل الذي كان ملتفًا حول عنقهم، وأصبح كل واحدٍ منهم على سجيته؟
هى تعلم علم اليقين بأنه لا يكترث لها.
لكن ذلك أيضًا لن يقرب المسافات الطويلة التي كتبت عليهم.
وسيظل جاسر بينهم ولن يستطيع أحد فعل شئ، فليصبروا قليلًا لربما تتبدل الأحوال بينهم ويستطيعوا حينها الإقتراب وعودة الأمور لما كانت عليه قبل أن يفاجئها زوج عمتها بذلك الطلب.
❈-❈-❈
في غرفة سارة.
جلس مصطفى بجوارها وسألها بعتاب:
_ ايه ياسارة اللي خلاكي عملتي كده وجيتى لوحدك؟
ياستي على الأقل كنتي عرفيني يمكن كنت اتجننت انا كمان وروحت معاكي.
لا تعرف ليلى بماذا تخبره، هو حقًا شقيقها ومنبع أسرارها لكن تعلم أيضًا بأنه لن يقبل بما حدث ولن يمر الأمر مرور الكرام وربما يتصدى لذلك الشخص ويدمر مستقبله.
رسمت ابتسامه لم تصل لعينيها وردت بهدوء:
_ خفت لبابا يعرف زي المرة اللي فاتت فقلت افاجئهم أحسن واحطهم ادام الأمر الواقع.
_ طيب والمحاضرات اللي سبتها دي؟
ساد الصمت قليلًا حتى تحدثت:
_ تعرف أيه أكتر حاجه بندم عليها؟
ضيق عينيه متسائلًا لتجيبه بألم:
_ اني معملتش كده من زمان.
تنهدت بألم وأردفت:
_للأسف ماما ضحكت علينا لما فهمتنا أنهم ظلموا بابا وأخدوا حقه، والحقيقة أنها العكس تمامًا.
عقد حاجبيه مندهشًا وتساءل:
_ إزاي؟
قصت عليه كل ما حدث منذ أن وطئت قدماها داخل المنزل حتى تلك اللحظة، وكأن مصطفى أصيب بالصدمة مما سمعه الآن وقد اظهرت حقائق عجيبة لم يكن يتخيلها.
_ إنتي بتقولي إيه ياليلى؟
ردت بتأكيد:
_ للأسف دي الحقيقة ولحد النهارده بيكمل خيانته ليهم، وده خلاني أتمسك بيهم أكتر وأصر إني أفضل هنا.
_ ودراستك؟!
ردت بلهجة لا تقبل نقاش:
_ هنقل هنا في الجامعة ومش هرجع تاني.
خفضت عينيها وهى تكمل:
_ وفي حاجه بردوا، إن جاسر أتقدملي وأنا وافقت.
انصدم مصطفى مما قالت لكنه تحدث برجاحة وهو يسألها:
_ إزاي مش فاهم.
يعني إيه هتكملى هنا؟ وأيه اللي يخليكي ترتبطي بواحد لسه شيفاه من أسبوعين وأقل كمان.
حاولت الثبات وألا تظهر التعاسة التي عرفت طريقها إلى قلبها وأجابت بصدق:
_ يمكن جاسر باين عليه أنه شديد وعصبي بس صدقني النوع اللي زي ده بيداري حنانه وطيبة عشان مينجرحش زي ما أبوه أنجرح.
لأن اللي شافه عمك محدش أبدًا يقدر يتحمله.
عارض مصطفى حديثها:
_ بس مش معنى كده إنك ترتبطي بيه، أنا شايف أن الجوازة دي متنفعش خالص ده غير طبعًا رأي ماما في الموضوع ده، مستحيل توافق.
نعم محق في كل كلمة نطق بها لكن عليها أن ترضى بواقعها الذي فرضه القدر عليها لتقول بإصرار:
_ أنا خلاص عرفتهم إني موافقة ومش هتراجع.
شعر مصطفى أن هناك سببًا آخر وراء ذلك لكنه لم يريد الضغط عليها الآن فـ حالتها لا تسمح بالاستفسار عن أي شئ.
❈-❈-❈
في غرفة أمجد.
ظلت ليلى قابعة بجواره لا تستطيع مفارقته لحظة واحدة.
تخشى إذا تركته تعود ولا تجده كما حدث اليوم.
حتى عندما سمعت الآذان قررت الصلاة في الغرفة كي تظل قريبة منه.
انهت صلاتها وانتبهت على صوت همهمه تصدر منه.
نهضت وأسرعت إليه بلهفة وشوق وهى تسأله:
_ أمجد أنت سامعني؟
لم تجد منه ردًا سوى تلك الهمهمة الخافتة.
قامت بجس نبضه والنظر للمؤشر لتجد الحالة كما هى.
فتعاود سؤاله بلوعة:
_ أمجد لو سمعني حرك إيديك.
ولم يمضي ثانية واحدة حتى وجدت يده تتحرك ببطئ على الفراش.
ابتسمت بسعادة كبيرة لكن ساعدتها تلاشت عندما طرق الباب ووجدت الممرضة تدلف قائله:
_ دكتورة ليلى، اخوا حضرتك بره وعايزك ضروري.
أومأت برأسها وهى تقول:
_ طيب روحي قوليله إني جايه.
قامت بوضع بعض الأدوية داخل المحلول.
همت بالذهاب لكن يده أمسكت يدها بضعف تمنعها من المغادرة، أو ربما تكون لمست رجاء بألا تتركه لتعود ابتسامتها اخرى وهي تقول:
_ متقلقش هرجع تاني.
تراخت يده عنها وتخرج من الغرفة متجهه إلى مكتبها حيث ينتظرها حازم.
وعندما رآها تحدث بجدية:
_ يالا يا ليلى لأن القطر بقيله ساعة ويطلع.
ردت ليلى بثقة:
_ أنا كلمت بابا وعرفته إني مش هقدر انزل الأجازة دي.
رد حازم باحتجاج:
_ وعرفته السبب الحقيقي ولا أعرفه أنا؟
رد ليلى بهدوء:
_ لأ ياحازم مقولتش ولو عايز تقول أنا مش همنعك، بس خليك واثق وقتها إني عمري ما هسامحك.
زم حازم فمه بغيظ وشعر بأنه أصبح مكبل بسبب تهديدها له وقال بتبرم:
_ ده تهديد ولا ايه مش فاهم.
تقدمت منه ليلى وقالت برباطة جأش:
_ اطمن ياحازم أنت عارفني كويس وواثق إني عمري ما هعمل حاجه تغضب ربنا ولا تزعل بابا مني، بالنسبة لأمجد أنا فعلًا حبيته وهو كمان بس محدش من صرح للتاني بمشاعره، وعشان تكون عارف أنا مش هتنازل عن الحب ده لأى سبب من الأسباب، ومش هتخلى عنه وهفضل سند ليه لحد ما يقف على رجليه من تانى.
قربت منه أكثر لتردف بألم:
_ أرجوك ياحازم خليك أنت كمان سند ليا لحد ما نلاقي المتبرع وصدقني وقتها هبعد مجبره لأن دوري إني أوقفه على رجليه من تانى، وبعدها مش هيكون في سبب لتواجدي معاه، وبالنسبه لخطواته هو اللي هيخطيها لوحده.
لم يستطيع حازم الوقف أمام ذلك العشق الذي أعترف به بكل وضوح وقال بمثابرة:
_ حاضر ياليلى هسكت وهسيبك وهديكي ثقة أكبر بس لو رجعتي موجوعه مش هقدر أعملك حاجة.
أومأت بعينيها ثم تركها وغادر.
عادت ليلى إليه لتجده قد عاد لسباته تقدمت منه بشغف وجلست على المقعد بجواره وقالت بهيام:
_ إن شاء الله مفيش حاجة هتقدر تبعدني عنك غير الموت، حتى الموت هفضل أحارب معاك لحد ما تتغلب عليه بإذن الله.
❈-❈-❈
في منزل منصور.
دلف منصور مكتبه بعد أن تأكد من نومها وقام بإخراج الملف من مكتبة وابتسم بتشفي وهو يرى امضتهم على أوراق التنازل.
امسكت هاتفه واتصل على المحامي الذي ما إن أجابه حتى تحدث بقوة:
_ الصبح الأوراق هتكون عندك عايزك تخلص الأجراءات بأسرع وقت.
_ تمام يافندم.
أغلق الهاتف وابتسامة نصر مرتسمة على فمه وهو يقول بتوعد:
_ إن مـ رجعتكم للشحاته تاني مبقاش أنا منصور عمران.
❈-❈-❈
دلت ساندي غرفة أخيها لتجده يغلق حقيبته ويستعد للذهاب فقالت بامتعاض:
_ بردوا هتسافر من غير ما تعرف البنت راحت فين؟
رد وائل باستهزاء:
_ هتكون راحت فين يعني، أكيد عند حد من قرايبها، بس المهم اول ما تشوفيها تكلميني فورًا.
ردت ساندي بقلق:
_ أنا خايفة الموضوع ده يتعرف ووقتها مش هيرحمونا.
أجابها بثقة وهو يحمل حقيبته يستعد للذهاب:
_ قُلتلك متقلقيش هترجع هترجع مـ عندهاش حل تاني.
يالا خلي بالك من نفسك وسلمي على عمتي.
_ الله يسلمك ياحبيبي.
خرج وائل وأغلقت هى الباب خلفه وعادت إلى الداخل تجلس على الاريكة وتمسك بهاتفها وابتسامة سعادة مرتسمة على وجهها عندما أجابها:
_ حبيبة قلبي وحشتيني موت.
وردت ساندي بدلال:
_ لو كنت وحشتك بصحيح مكنتش فضلت المدة دي كلها متكلمنيش.
_ مكنش ينفع طول مـ وائل هنا وخلاص وائل مشي وكده ولا كده انا فضيلك ياجميل.
تحولته لهجته بخبث وهو يتابع:
_ مش ناوية بقى تيجي عندي الشقة؟
ردت ساندي بجدية:
_ لأ طبعًا انت عارف رأيي في الموضوع ده.
ترجع مسرعًا:
_ خلاص ياستي انا بقول هنبقى براحتنا وبعدين انتي هتروحي عند عمتك ومش هنعرف نتكلم براحتنا.
أيدت ساندي رأيه وهى تقول بحيرة:
_ عندك حق بس متقلقش انا هحاول أكلمك وانا في الجامعة.
تظل تتحدث معه حتى شعرت بتأخر الوقت وقالت:
_ أقفل بقى عشان أخرت آوى على عمتي.
_ ماشي ياحبيبتى بس لو اخرتي عليا ومعرفتيش تكلميني يبقى لازم نتقابل.
_ هشوف الاول يالا باى.
اغلقت الهاتف وقامت بتبديل ملابسها وخرجت هى الأخرى.
❈-❈-❈
في غرفة جمال.
خرج من المرحاض ليجدها جالسة على الفراش ومازالت على وجومها منذ أن علمت بعدم مجيئ ليلى.
تنهد بحيرة.
ماذا يفعل أمام هذين الأثنين الذي يبقى مسلوب الإرادة أمامهم، هى ترجته أن يتركها لأجل عملها.
وهى تعاقبه أشد عقاب على موافقته لها بتجاهله.
وآااه من ذلك التجاهل الذي يجعله بسهولة يرضخ لكل ما تريد.
ابتسم وهو يتقدم منها ليجلس بجوارها وقبل رأسها بحب وهو يقول:
_ لساتك زعلانه؟
نظرت إليه بعتاب وهمت بالإبتعاد لكن نظرات العشق التي يرمقها بها جعلتها تظل مكانها وخاصةً ابتسامته التي تضئ ظلمتها وأردف قائلاً:
_ إنتي خابرة زين إنك لما بتزعلي الدنيا كلها بضيق علي.
ردت وسيلة بعتاب:
_ اضحك عليا زي عوايدك.
ضحك جمال وهو يقربها منه ويأكد بحب:
_ ولو مضحكتش عليكي انتي اضحك على مين؟
وبعدين إنتي بتسمي حبي ليك ده ضحك؟ده عشج متملك من الجلب وخلاه مش شايف غيرك.
وعشان إكده مش بجدر على زعلك واصل.
إزداد عتابها أكثر:
_ وعشان إكده راضتها هي ومهمكش زعلي.
هز جمال رأسه بتعب من الجدال معها في هذا الأمر وقال بجدية:
_ ياوسيلة بنتك بقيت دكتورة ومهنتها هى اللي بتحكمها، بلاش نضغط عليها ونسيبها بحريتها.
تحدثت وسيلة بقلق:
_ بس ياجمال البنت بجد وحشتني وجلبي جلجان عليها، ديمًا بحلم أنها مهمومة وفـ ضيق.
احتواها جمال بين ذراعيه وقال يطمئنها:
_ متجلجيش، ليلى من يومها ميتخافش عليها.
وهى طمنتني وجالت إن اليومين دول هتقضيهم في المستشفى وأني كلمت الدكتور عصام وهو واخد باله منيها، اطمني بجى وخليكي مع أبوها اللي زعلتيه دلوج.
ابتسمت له بحب لتضع رأسها على صدره العريض وقالت بولع:
_ لا عشت ولا كنت عشان ازعل حبيب الجلب مني.
بس غصب عني، ده من خوفي على بنتنا.
تحولت نظراته لمكر وسألها بولع:
_ لساتك بتعشجيني كيف لول.
بعدت رأسها عنه قليلًا كي تنظر إلى عينيه التي تهيم بها عشقًا وأجابت بعشق:
_ وكيف محبكش وأنت مالك الجلب والروح، كل مدى حبك في جلبي بيزيد وبحس انك كيف الهوا اللي بتنفسه لو أتمنع أموت.
_ بعد الشر عنيكي من الموت.
قرب وجهه منها كي يقبل ثغرها الذي دائمًا يسعى للأرتواء منه حد الشبع لكنه لم يشبع يومًا ويظل دائمًا متلهف للإرتواء منه.
أما هى فمستسلمه لغزوه بكل ترحاب وكأنها تريد أيضًا الأرتواء من عشقه حتى التشبع.
❈-❈-❈
رفع أمجد جفنيه بصعوبة شديدة وقد شعر بثقل يجثم على صدره جعل تنفسه شديد الصعوبة.
حرك يده كي يزيل جهاز التنفس لكن يد حانية منعته من ذلك وصوتها الذي يبث الاطمئنان بداخله يمنعه من ذلك.
وأعادت يده إلى موضعه.
تمكن أخيرًا من رفع جفنه كي ينظر إليها ويرى وجهها الذي يعشقه.
لكن التنفس أصبح أصعب بكثير، حاول التحدث لكن العائق يمنعه من ذلك.
حرك عينيه بصعوبة تجاهها فيجد ابتسامتها التى تنير ظلمته مرتسمة على محياها.
فتحدث بوهن:
_ لسه معايا؟
أومأت برأسها وهى تقول بتأكيد:
_ هفضل معاك العمر كله، بس انت قاوم.
ابتسم بحزن وهى يسألها:
_ هو فين العمر ده؟
أجابته بأمل وهي تحثه على المقاومة:
_ موجود وإن شاء الله هتلاقي المتبرع وهتعمل العملية وتبقى أحسن من الأول.
هز رأسه بنفي وأردف:
_ انا بسمع الكلام ده بقالي اكتر من ست شهور فخلاص مبقاش بيديني أمل زي الأول.
حاولت كبت عبراتها من النزول وقالت بروية:
_ صدقني انا متباشرة وظني في الله خير وهنلاقي المتبرع بأقصى سرعة، وهتشوف.
ازدرد ريقه بصعوبة وشعر بجفاف حاد في جوفه فشعرت هى بذلك وقامت بملئ الكوب ومساعدته على الارتواء.
اكتفت برشفة قليلة وأعادت الكوب إلى موضعه وقالت:
_ كفاية كده.
نظر إليها طويلًا ثم سألها:
_ طلعتيلي مني، أنا كنت صابر وراضي بقدري جيتي إنتي ضيعتي الرضا ده وخلتيني أتمسك بالحياة اللي مش مكتوب.
ليرغم الحزن بداخلها إنها تحدثت بمرح:
_ كنت داخله أشوف الحرامي اللي دخل بيت عمران المنشاوي، ومش عارفه لحد النهارده انا كنت داخله أعمله ايه؟
ابتسم أمجد وأجاب بمزاح:
_ كنتي داخله عشان تخطفي قلبي مش تنقذيه.
رغم الحياء الذي شعرت به جراء كلماته إلا إنها أجابت بصدق:
_ بالعكس انا دخلت عشان تخطف أنت قلبي وتهد الجدار اللي بنيته حوالين قلبي بنظرة واحدة.
نظر إليها أمجد مطولًا وكأنه يعاتبها على ظهورها في حياته التي لا أمل منها وقال بكمد:
_ الكلام لو سمعته في وضع غير اللي أنا فيه ده كان زماني أسعد واحد في الدنيا، بس للأسف بسمعه وأنا بتألم إني معنديش العمر اللي أقدر أسعدك فيه.
أكدت بحبولاحظت هى ذلك.
فقالت بثبات:
_ كفاية كلام لحد كده وأرتاح.
_ متسبنيش.
أومأت بحب:
_ عمري مـ هسيبك.
اغمض عينيه وعاد لسباته وعادت هى لأحزانها.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السادس عشر 16 - بقلم رانيا الخولي
في الصباح
في منزل عمران
كان جاسر يستعد للخروج من الغرفة عندما طرق الباب، فقام بفتحه ليجد أمامه مصطفى الذي وقف ينظر إليه بملامح مبهمة لا تعبر بشيء وقال:
_ ممكن لو وقتك يسمح نتكلم مع بعض شوية؟
رغم الضيق الذي شعر به إلا إنه تحدث بهدوء:
_ اتفضل.
دلف مصطفى وأغلق جاسر الباب خلفه، فجلس كلاهما على الأريكة وتحدث مصطفى بجدية:
_ سارة كلمتني امبارح في موضوع جوازكم، وأنا جاي أسألك أنت عايز إيه من أختي.
بغت بسؤاله وفكر في تلك اللحظة أن يقص عليه ما حدث، لكنه تراجع ليس خوفًا عليها، إنما خشية من رد فعله مما قد يؤدي إلى وصول الخبر لجده. فرد السؤال بآخر:
_ بعد ما تجولي أنت كمان عايز إيه من جدي.
تبادل كلاهما النظرات؛ أحدهم بتحدي والآخر يطلب منه إبعادها عن الأمر، فقال بجدية:
_ أنا مش هلومك وبلتمسلك العذر على أسلوبك الجاف معانا بعد اللي عرفته، بس أحب أقولك إن أنا وأختي ملناش ذنب في اللي حصل زمان. للأسف أحنا عرفنا كل حاجة متأخر وكانت صدمتنا كبيرة، بس صدقني كنا بنحاول أنا وأختي نوصلكم من زمان، وتقدر تسأل بنفسك دكتور خالد وهو هيأكدلك.
سأله جاسر بسخرية:
_ إيه هو بقى اللي عرفته؟
شعر مصطفى بالضيق من أسلوبه ومن السخرية التي يتحدث بها، وتحدث جاسر تلك المرة بجدية:
_ أحب أجولك إنك متعرفش حاجة واصل؛ لإن اللي حصل أصعب من إكده بكتير، تحب تعرفها؟
أجابه بإيماءة من رأسه ليتابع جاسر:
_ أبوك لما أخد الفلوس وسافر ومهموش إيه اللي ممكن يحصل لأهله وهو سايبهم في الظروف دي، مع إن لو كان وقف جانبهم ورجع الفلوس كانت هتحل مشكلة كبيرة جوي، ومكنوش داقوا الجوع ولا جدي فضل في فرشته سنة كاملة وهو مش قادر يجف على رجليه من الصدمة اللي أخدها من أبوك. عمك كان بيفضل بالتلات ليالي ميشوفش فيهم النوم ويشقى ليل ونهار عشان يسدد الديون، والحمد لله قدر بعد تعب سنين طويلة يجف على رجله من تاني، وبعد كل ده جاي يجول عايز ورثي، يعني عايز كمان ياخد ورثه وأبوه لساته عايش. كان أبوك عايش في رفاهية وبيتمتع في الفلوس اللي أبوي وجدي تعبوا فيها وهما أهنه بيدوقوا طعم الجوع وهو ولا على باله. وده جزء بسيط من الحقيقة.
لم يجد مصطفى الكلمات التي تصف مدى الخزي الذي يشعر به تجاه والديه؛ كيف استطاعوا تزييف الحقائق ويظهر كلاهما بدور المظلوم.
فيردف جاسر كي يخرجه من شروده:
_ أنا رايد أختك بعيد عن أي حاجة وعايزك تساعدني.
سأله بشك:
_ وايه اللي يأكد لي إنك مش بتعمل كده عشان تنتقم من أبويا؟
أجابه جاسر بحنق:
_ مش اني اللي أنتقم من حرمة، لإن أنا جاسر جمال عمران راجل من ضهر راجل، وعمري ما أدخل الحريم في مشاكلنا. وبعدين إحنا معدش فيه بناتنا حاجة عشان ننتقم منها، أنا فعلًا رايد أختك وهي كمان مش عايزة تفارق أهلها وعزوتها، هتساعدني ولا لأ؟
رغم الحيرة التي أصابته إلا إنه ترك الأمر بيد والديه، علمًا بأنهم لن يوافق أحدهم على ذلك الزواج.
_ على العموم أنا هكلم بابا النهاردة وأشوف رأيه في الموضوع ده، بس اللي أنا واثق منه أنه مستحيل يوافق؛ مش عشان حاجة، لأ عشان مش هيقدر يقف قدام أبوه وعمي بعد اللي حصل ده.
نهض من مقعده وأردف:
_ بس بردوا هكلمه وهحاول أقنعه.
نهض جاسر بدوره وهو يقول بثبات:
_ هنشوف.
الثقة التي يتحدث جاسر بها تقلقه، لكن ما يطمئنه هو وجودها بين عائلتهم ومع عمه جمال الذي يعاملهم بكل الحب الذي يكمن بداخله منذ أن رآهم. أومأ برأسه ونزلوا إلى الأسفل ليجدوا توأم عمه بجواره على طاولة الإفطار يواصلون مرحهم مع سارة التي استمتعت كثيرًا بمزاحهم. لكنها اندهشت عندما كفوا عن المزاح ما إن رأوه، ليقتربوا منه ويصافحوه باحترام. ثم نظروا إلى مصطفى، تحدث معتز بابتسامة:
_ أنت طبعًا مصطفى ولد عمي، نورتنا.
صافحه مصطفى وهو يبادله الابتسامة:
_ منورة بأهلها.
صافح حازم أيضًا واجتمعوا جميعًا حول المائدة، ووسيلة تنظر إلى مكان ابنتها الفارغ باشتياق، ليشعر بها جمال الذي ربت على يدها بحنو، فتبتسم بثبات وتتداخل معهم.
خرج مصطفى إلى حديقة المنزل كي يجيب على الهاتف وهو يحاول بصعوبة جعل صوته ثابتًا كي لا تشك بشيء:
_ صباح الخير يا ماما.
أجابت سمر وهي تنظر إلى منصور النائم على الفراش بجوارها:
_ صباح النور يا حبيبي عامل إيه؟
رد بهدوء:
_ بخير الحمد لله، بابا راح الشركة ولا لسه؟
تنهدت بحيرة وهي تنظر إليه:
_ لأ لسه، المهم أختك فين خليني أكلمها.
_ هي جوا مع جدي أول ما أدخل أخليها تكلمك لإني برة في الجنينة.
علمت أنها تتهرب منها فقالت باحتدام:
_ سيبك من الحجج الفارغة دي وخليها تكلمني يا إما تجيبها وترجع سواء برضاها أو غصب عنها فاهم؟
استيقظ منصور على صوتها وهو يسألها بنعاس:
_ في إيه بتزعقي ليه؟
تابعت حديثها مع ابنها:
_ زي ما قلتلك يا إما أنا بنفسي اللي هاجي أخدكم.
أخذ منصور الهاتف منها عندما علم أنه يتحدث ابنه وقال بتثاؤب:
_ إزيك يا مصطفى عامل إيه؟
رد بهدوء:
_ الحمد لله كويس بس أنا كنت عايز حضرتك في موضوع مهم.
نهض منصور وقد شعر بالقلق من حديث ابنه وقال بجدية:
_ خير في حاجة حصلت؟ أختك كويسة؟
_ آه يا بابا كويسة متقلقش.
ازداد قلقه من أن يكون والده أخبرهم كل شيء، فتابع مصطفى بتمالك:
_ أصل جاسر ابن عمي عايز يتقدم لليلى وهي موافقة، وعمي عايز يفاتحك في الموضوع.
ألجمته الصدمة قليلًا لكنه تمالك نفسه كي لا تشعر سمر بشيء وقال بمثابرة:
_ تمام يبقى نتكلم بعدين.
أغلق الهاتف ومازال على اندهاشه، فتسأله سمر بتوجس:
_ في حاجة حصلت؟
انتبه منصور لها وقال بجدية:
_ مفيش هما بس عايزين يقعدوا أسبوع هناك وأنا قلتلهم هشوف.
لم تقتنع بحديثه وشعرت بوجود خطب ما:
_ يعني مش مخبيين عليا حاجة؟
رد بثبات وهو يدلف للمرحاض:
_ لأ مفيش، ولو فيه أنا مش هكون هادي كده.
أغلق منصور الباب خلفه وقام بالوقوف أسفل المياه وهو لا يعرف ماذا يفعل.
ساوره الشك أن يكون جاسر يأخذها للانتقام، لكنه يعرف أخيه جيدًا لن يقبل بالظلم مطلقًا. إذًا ماذا يحدث؟ لن يقتنع بأن ابنته أحبت في تلك الفترة الوجيزة. قد يكون تعلقها بهم سبب من ضمن الأسباب، لكنه يشعر بأن هناك شيئًا آخر وعليه معرفته.
***
في المشفى
استيقظ أمجد ليجد نفسه مازال داخل تلك الغرفة التي يبغضها، وذلك الطنين الذي يصدر من الأجهزة المحيطة به من كل جانب تزعجه. بحث بعينيه عنها ليجدها نائمة على المقعد كعادته بها، ابتسم بحب وظل يتأمل ملامحها التي حفرت بداخله منذ أن رآها أول مرة في حديقة منزلهم، ليدق قلبه بعنف وكأنه يخبره بأنه وجد ضالته أخيرًا، والأهم من كل ذلك أنها أيضًا بادلته نفس المشاعر. لن يصدها بعد الآن، وليستسلم كلاهما لذلك الشقاء الذي كتب عليهم. ومن يدري، ربما يكون للعمر بقية وحينها لن يفرقهم شيء.
تململت ليلى في نومتها وقد شعرت بتيبس عضلاتها من تلك النومة. انتبهت على صوت أمجد الذي تحدث بهدوء:
_ صباح الخير.
نظرت ليلى إليه بلهفة وقالت بابتسامة أرهقت قلبه:
_ صباح النور.
تقدمت منه كي تلقي نظرة على الأجهزة وأردفت:
_ الحمد لله بقينا أحسن بكتير.
ابتسم بحزن لعلمه جيدًا بحالته ويعلم أيضًا أنها تقول ذلك كي توهم نفسها قبل أن توهمه، فتحدث بيأس:
_ أحسن دي تقوليها لحد مش عارف حالته كويس إنما أنا لأ.
ألمها نبرة اليأس التي يتحدث بها وقالت بحب:
_ خلي أملك في ربنا كبير.
رد بصدق:
_ ونعم بالله، بس أنا بحب الوضوح والصراحة أكتر، مش بحب تزييف الواقع، وأنا شايف إن الأمل في حالتي كل مدى ما بيضعف.
لم ترد التطرق في ذلك الأمر أكثر من ذلك وغيرت مجرى الحديث قائلة بمرح:
_ على فكرة أنا جعانة قوي إيه رأيك لو أخلي سهى تجيب لنا فطار.
أومأ لها مبتسمًا كي يتركها تترك العنان لدموعها التي تجمعت داخل مقلتيها، فتخرج مسرعة من الغرفة وتستند بظهرها على الباب لتحرر تلك العبرات التي تدفقت بغزارة داخل عينيها، فمؤشراته لا تبشر بخير مطلقًا. وقد أصبح الأمل ضعيف. كل ذلك يحدث وهو يشعر بها خارج الغرفة تذرف دموعها بغزارة. ليته يستطيع النهوض والذهاب إليها كي يأخذها داخل أحضانه ويهوّن كلاهما على الآخر، لكن يعلم جيدًا بأنه لن يستطيع الوقوف على قدميه مرة أخرى، وظل مكانه ينظر إلى الباب الذي يحجبها عنه بقلب ملتاع، يلعن حظه العسر الذي وضعه في ذلك الموقف.
عادت بعد قليل وهي ترسم ابتسامة لم تصل لعينيها التي احمرت من شدة البكاء وقالت بحب وهي تجلس على المقعد بجواره:
_ معلش أخرت عليك بس كنت في الكافتيريا بوصي على الفطار.
يعلم جيدًا بأنها لم تتزحزح من أمام الغرفة وأنها طلبت الفطار بالهاتف، فأراد أن تكون أكثر صراحة معه. فتحدث بوهن من شدة الألم الذي يشعر به:
_ مفيش داعي إنك تكدبي عليا، أنا عارف إنك متنقلتيش من قدام الأوضة، وكنت حاسس بدموعك بتقطع في قلبي.
همت بالمعارضة لكنه منعها قائلًا:
_ متحاوليش لإني واثق من اللي بقوله.
خفضت عينيها بألم ليتابع هو:
_ أنا مش زعلان، كل الحكاية إني حسيت بالعجز وأنا مش قادر أقوم من مكاني عشان أهوّن عليكي.
ازدرد ريقه بصعوبة وهو يحاول تلاشي الألم الذي يزداد وأردف بوهن:
_ عايزك لما تعيطي تعيطي وأنتي جنبي عشان أنا اللي أديكي الأمل مش أنتي.
أخذت نفس عميق تهدئ به من لوعتها وقالت بشجن:
_ الأمل الوحيد اللي عايزاه من الدنيا هو إنك تخف وصدقني مش طالبة منها حاجة تاني.
ليته يستطيع إمساك يدها التي تضغط عليها بمحاولة فاشلة منها على الصمود وألا تعاود البكاء مرة أخرى. وقال بغصة:
_ نفس إحساسي ورغبتي في الحياة، واللي عايز أتمسك بيها لأول مرة في حياتي. وجودك فرق كتير أوي وأتمنيت أني أقابلك في ظروف أفضل من كده.
ازدردت تلك الغصة التي وقفت في حلقها وتحدثت بحب:
_ المهم إننا اتقابلنا، ودا غير كتير أوي في حياتي، أمجد أنا قبل ما أعرفك كانت الحياة بالنسبالي هي المذاكرة وبس أنت خلتني أشوفها بمنظور تاني خالص، لأول مرة بعرف يعني إيه حب والقلب اللي بيدق كل ما بيسمع اسم اللي بيحبه ولا حتى اسم مشابه لاسمه. لما بتشوفه ولو حتى من بعيد تحس إن الحياة هي اللحظات اللي بتشوفه فيها ولما بيفارقك الاشتياق بيقتلك ونفسك تهرب معاه من الدنيا كلها.
كان يستمع لكلماتها بابتسامة شغف وولع لتلك التي أطربته بأجمل الكلمات التي تصف مدى تعلقها به فأيدها قائلًا بتوق:
_ كل الكلام ده حسيت بيه من وقت ما شفتك بتذاكري في الجنينة، خطفتي قلبي من وقتها وكل ما أخزي الشيطان وأبعد عينيا عنك ألاقيها بتروح ناحيتك من تاني.
ضيقت ليلى عينيها وهي تقول بغيظ:
_ أمم يعني كنت بتبص عليا وأنا بذاكر.
رفعت إصبعها في وجهه وهي تتحدث بلهجتها الصعيدي بتحذير مرح:
_ أنت خابر لو كان جاسر ولد الحاج جمال شافك كان هيعمل فيك إيه؟
رفع حاجبه متسائلًا لتجيبه بحدة:
_ هيجتلك من غير ما يرف له جفن.
ضحك كلاهما ليطرق الباب وتدلف سهى تحمل الإفطار وهي تقول:
_ أحلى فطار زي ما وصيتي يا دكتورة ليلى.
شكرتها ليلى وهمت سهى بتحضيره على الطاولة لكنها منعتها:
_ لأ روحي أنتي يا سهى وأنا هفتحه.
أومأت وخرجت من الغرفة. فقامت ليلى بوضع الطعام على الطاولة وقربته من الفراش بعد أن قامت برفعه حتى يستطيع تناوله بأريحية، لكنه نظر لها بخبث وهو يقول:
_ بس أنا هاكل إزاي بالأجهزة اللي في إيدي دي كلها.
نظرت ليلى إلى يديه وقالت بحيرة:
_ آه صحيح.
ازداد خبثه وهو يقترح:
_ خلاص أكليني أنتي.
اتسعت عيناها ذهولًا مما نطق به وقالت بحدة صعيدية:
_ أنت بتجول إيه؟
تراجع بمرح وهو يقلد لهجتها قائلًا:
_ بجول إنك تبعتي لسهى هي اللي توكلني.
نشبت الغيرة بداخلها وقامت بإزالة المحلول من يده وتعليقه حتى ينهي طعامه وقالت باستنكار:
_ كده مش محتاج حد.
تابع مكره:
_ بس أنا فعلًا تعبان مش قادر أرفع إيدي.
زمت شفتيها بغيظ:
_ لما تاكل هتقدر.
استسلم أمجد في النهاية وبدأ بتناول طعامه وهو يبعد عينيه عنها بصعوبة كي لا تحرج منه. أما هي فكانت مندهشة من تلك الجرأة التي أصبحت عليها. تركت نفسها لتغرق أكثر في بحر عشقه دون أن تبحث عن البر، ربما لأنها تعلم جيدًا أن لا بر لها معه، ربما تكون عودة لكن تخرج منها ضائعة، أو تعود معه لبر الأمان بأحلام وردية. لا تبالي بشيء. كل ما يهم الآن أنها تأخذه ملجأ لها كما أخذها هو ملجأ له ويستند كلا منهم على الآخر باسم الحب، فقد أصبحت مثل خيل حبيس أطلق سراحه فرفرف عاليًا فرحًا بحريته التي لم يعلم بأنها الخطوة الأولى نحو آلامه.
كانت تختطف النظرات إليه بحسرة على ذلك العشق الذي حكم عليه بالموت وهو مازال وليدًا. تدحرجت دمعة حارة على وجنتيها مسحتهم بظهر يدها قبل أن يلاحظها ذلك المعشوق.
وهي تتساءل كيف تكون حياتها بدونه. انتبهت لصوته الذي يسألها:
_ سرحتي في إيه؟
ابتسمت ليلى وهي تقول باعتراض لما تفعله:
_ مش عارفة إن كنت هتفهمني ولا لأ، بس بما إنك صعيدي أكيد هتفهمني.
حرك رأسه مستفسرًا لتتابع هي بوجل:
_ أنا حاسة نفسي بعمل حاجة غلط، وأولهم إن تعاملي معاك مش تعامل مع مريض لأ ده حاجة تانية خالص.
نظرت إليه لتجد وجوم على ملامحه وتابعت:
_ لأول مرة بعمل حاجة من ورا أهلي، صحيح أنا عرفت حازم ومعتز ومغلطني جدًا بس ده بردوا ميدنيش الحق إني أخون ثقتهم فيا.
قاطعها أمجد بجدية:
_ بس أنتي معملتيش حاجة غلط عشان تخوني ثقتهم.
سألته بحيرة:
_ أومال تسمي إيه اللي بعمله ده؟ تفتكر أنت كنت هتقبلها على أختك؟
ساد الصمت قليلًا ليتحدث بعدها بصدق:
_ لو بينهم الحب اللي بينا ده أكيد كنت هقبل.
همت بالمعارضة لكنه قاطعها بجدية:
_ ليلى أنا بحالتي دي مقدرش أوعدك بحاجة بس اللي واثق منه إني لو في ظروف غير دي مكنتش حاجة هتمنعني إني أتجوزك حتى لو العالم وقف قصادي، إنما حاليًا أنا معنديش عمر أوعدك بيه.
حاولت تنظيم أنفاسها التي هدرت بقوة حزنًا وألمًا من كلماته التي تمزق قلبها بغير رحمة، وهذا ما لاحظه أمجد. فيشعر بالألم يعاوده فأراد تغيير مجرى الحديث وسألها:
_ بابا وفارس مسألوش عليا؟
ردت بتأكيد وهي تحاول بصعوبة الثبات أمامه:
_ لا طبعًا محدش منهم بيسيبك بس دكتور عصام مانع الزيارة عشان حالة باباك.
أومأ برأسه وشعر بالتعب يزداد فقامت ليلى بإضافة بعض الأدوية وقالت:
_ كفاية كلام لحد كده وأرتاح شوية.
أغمض أمجد عينيه بإرهاق وقال بألم:
_ متسيبنيش.
أكدت بألم مماثل:
_ مش هسيبك.
***
في مكتب منصور
دلف خالد المكتب ليصافح منصور وهو يقول بغيظ:
_ في إيه تاني؟ جايبني على ملى وشي ليه؟
أشار له منصور بالجلوس:
_ تشرب إيه الأول.
_ ولا حاجة قول بسرعة في إيه؟
تنهد منصور وعاد بظهره للوراء وهو يقول:
_ جاسر ابن جمال عايز يتجوز سارة.
تحدث خالد بدهشة:
_ جمال أخوك؟
أومأ بصمت ليقول خالد بجدية:
_ وإيه اللي فيها؟ جاسر أنا عارفه كويس إنسان محترم جدًا ورجل يعتمد عليه ميتخيرش عن جمال أخوك، أنا لو مكانك مترددش لحظة واحدة.
زم شفتيه بحيرة ثم تحدث بقلق:
_ أنا معاك في كل ده بس اللي أنا مستغرب له إزاي لحق يحبها ويقرر يرتبط بيها في المدة البسيطة دي؟
أجاب خالد ببساطة:
_ وإيه المشكلة؟!
بتحصل كتير، جاسر ابن ناس ومتعلم ووسيم وفيه صفات كتير حلوة أي واحدة تتمناه، وكفاية إنك هتنام وأنت مطمن عليها وسط أهلها بدل ما يجي ولد من بتوع اليومين دول يكون طمعان فيها.
تحدث منصور بتهكم:
_ يعني ابن جمال هو اللي مش هيكون طمعان فيها؟ ولا يمكن يقول...
قاطعه خالد بنفي:
_ مستحيل جاسر يعمل كده وأنا واثق فيه زي ما أنا واثق إنك أنت اللي قاعد قدامي دلوقتي، وبعدين جمال اللهم بارك بقى عنده قد اللي عندك وأكثر كمان.
وافق يا منصور وقرب المسافات بينك وبين أهلك، يا سيدي دا حتى المثل بيقول أهلك لتهلك.
فكر في أبوك، فكر في أمك اللي مالهاش ذنب في كل ده، أرجع وأعتذر وأنا واثق إنهم هيسامحوا.
مراتك دي اللي مش قادرة تتحمل فراق ولادها من أسبوعين، شوف أنت بقى والدتك اللي بقالها أكثر من خمسة وعشرين سنة ماشفتش ابنها.
تنهد خالد بتعب عندما لم ير بادرة أمل للاستجابة وأردف:
_ أنا الكلام معاك بيتعبني وأنا أصلاً تعبان لوحدي.
عايز نصيحتي وافق وأبعد بنتك عن الحرب اللي هتقوم الفترة الجاية دي مع مراتك.
رد منصور بارتباك:
_ بس أنا مش هقدر أروح هناك وأتكلم في جواز وغيره وكأن شيئًا لم يكن.
_ صدقني وقت ما تدخل عليهم كل حاجة هتتنسي وكأن فعلاً شيئًا لم يكن.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السابع عشر 17 - بقلم رانيا الخولي
في منزل عمران
كان حازم جالسًا في غرفته يحارب شوقه الذي يأخذه إليها. ويفكر ماذا سيفعل عندما تدخل منزلهم زوجةً لأخيه. هل يترك مشاعره للنظر إلى زوجة جاسر الذي يعتبره صديق قبل أن يكون أخ يعزه ويقدره.
هو يعلم جيدًا بأن جاسر لا يكمن لها حبًا وكذلك هي، لكنه أمر فرض على كلاهما ورضوا به.
طرق الباب ودلف معتز الذي نظر إليه بتخابث وهو يقول:
_ عندي خبر لو عرفته هتقوم دلوجت وتاخدني بالحضن.
نظر إليه حازم وقال بسخرية:
_ خير؟
تقدم منه ليجلس بجواره وقال بمكر:
_ جاسر أخوك غير رأيه وهيتزوچ سارة بنت عمك منصور.
اعتدل حازم في فراشه وتحدث بجدية:
_ انت بتجول أيه يامخبول انت؟
أجاب معتز بتأكيد:
_ ده اللي سمعته من أبوك وهو بيتحدت مع جاسر، وبيجولوا انهم كلموا عمك خالد عشان يفاتحوا أبوها في الموضوع.
سأله بحيرة:
_ وزينة؟
_ ما هو ده اللي انا چايلك عشانه واللي عرفته من وسيلة. جالت إن زينة اتحددت مع چدك عاصم وجالتله انه زي أخوها وأنها مش عايزة تكمل في الچوازة دي، وجاسر أخوك ما صدج وخطب سارة طوالي.
تراقص الأمل بداخله وسأله بلهفة:
_ أنت بتتحدت بچد ولا بتكذب عليا.
نهره معتز بحده:
_ هو الحديت ده فيه هزار، دلوجت خلاص مبقاش في حاچة تجف جدامك.
نهض حازم مسرعًا تحت نظرات معتز المندهشة وقام بإرتداء جلبابه فسأله معتز:
_ أنت رايح فين؟
أجاب معتز وهو يفتح الباب ويخرج منه:
_ رايح أشوف أيه الحكاية.
نزل إلى الأسفل يبحث عن والدته حتى عثر عليها في المطبخ. اقترب منها وقام بجذبها وهو يقول:
_ تعالي معاي عايزك في موضوع.
اندهشت وسيلة وحاولت إيقافة لكنه لم يمهلها للأعتراض ودلف بها غرفة المكتب وأغلق الباب خلفها.
نهرته وسيلة:
_ فيه أيه؟ ساحبني كيف البهيمه أكده ليه؟
اقترب منها حازم وسألها بجدية:
_ أيه اللي في دماغ ابنك بالظبط ياأمي؟
لم تفهم مقصده وسألته بعدم فهم:
_ تجصد مين؟
أجابها حازم بحزم:
_ جاسر يا أمي هو فيه غيره.
فهمت وسيلة مقصده وجلست على المقعد وهى تقول بحيرة:
_ والله مـ انا خابرة يا ولدي هو فجأنا أنه رايد يتزوچها وبيجول أنه بيحبها.
سألها بتهكم:
_ بيحبها ولا في غرد تاني؟
قطبت جبينها بحيره وسألته:
_ تجصد أيه؟
جلس حازم أمامها وقال بكمد:
_ أجصد عمي منصور.
ردت بنفي تقنع بيه نفسها قبل أن تقنعه:
_ لا أخوك مـ ياخدش سارة بذنب أبوها أبدًا، مستحيل أصدج حاچة زي دي.
_ عايزة تجوليلي أنه لحج يعشجها في اليومين اللي جعدتهم عندينا.
نهرته وسيلة بحدة:
_ عشج أيه ومسخرت أيه ياجليل الرباية أنت.
أكد ظنه وهو يقول بحدة:
_ يبجي اللي شاكك فيه صح، وأنه عايز يوصلها عشان يعذب بيها منصور.
ردت وسيلة بثقة:
_ قلتلك لا، جاسر مستحيل يعمل أكدة، وأوعاك تشك في أخوك مرة تانية.
_ ياأمي أنا خايف ليظلمها وهى ملهاش ذنب في كل اللي عمله عمي زمان، صدجيني البنت دي من اول مـ اتكلمت معاها حسيتها صداجه في مشاعرها نحيتناغير ابوها خالص.
أيدت كلامه قائله:
_ نفس اللى جلته والله، والبنت دخلتي جلبي من وجت مـ شوفتها، وبعدين متخافش ميجدرش يعملها حاچة وإحنا موچودين.
❈-❈-❈
في منزل منصور
عاد إلى المنزل وابتسامة نصر مرتسمة على محياة بعدما سجل كل اسهم الشركة بإسمه فقد إستطاع أخيرًا أسترداد ما هو حقًا له وأصبحوا الآن في قبضته.
أيام قليلة وسيفاجئهم بتلك الضربة التي ستجعلهم تحت اقدامه.
دلف المنزل ليجدها تخرج من غرفة مكتبه. حاول رسم ابتسامه على فمه لكنها ظهرت باهته وخاصة عندما تحدثت بهدوء:
_ أنت مش قلت إنك أجازة النهاردة؟
تقدم منها يقبل رأسها وأجاب بروية:
_ عادي يا حبيبتي كان في ورق مهم لازم يتمضي خلصت وجيت على طول.
جلس على المقعد وقال بجدية:
_ اه نسيت أقولك.
جلست على المقعد المقابل تسمع له. تحدث برسوخ:
_ جاسر ابن أخويا عايز يتجوز سارة وانا وافقت.
ضيقت سمر عينيها بعد أستيعاب لما يقول وسألته مستفسرة:
_ أنت بتقول أيه؟ وسارة مين اللي بتتكلم عنها؟
أجابها ببساطة:
_ سارة بنتي هى في غيرها!
هزت رأسها بدهشة وعادت تسأله:
_ وقولتلي جاسر ده يبقى مين؟
عاد بظهره للوراء وتحدث بكل بساطة:
_ جاسر ابن أخويا جمال وهى موافقة.
ساد الصمت قليلًا وهى مندهشة من الهدوء الذي يتحدث به وقالت بتحذير:
_ انا هعتبر إني مسمعتش حاجة وإن الكلام السخيف اللي قلته ده ملوش اى أساس من الصحة، أنا مستحيل أجوز بنت في وسط الناس الـ……
لم تكمل تحذيرها حتى وجدت بسرعة البرق يد منصور تلتف حول عنقها وقد طفح به الكيل منها ولم يعد يأبى بشئ وزائر من بين أسنانه:
_ كلمة تانية على حد من أهلي وهخلص عليكي بإيدي.
ضيق يده أكثر على عنقها وتابع:
_ لو كنتي فاكرة أني منصور بتاع زمان وهقولك آمين وحاضر تبقي غلطانه. انتي وابوكي دلوقت تحت رجليا وأي حركة منك هفعصكم ومش هرأف بيكما.
أصابها الذعر من ذلك الغضب الذي يتحدث به وقالت بحدة:
_ منصور انت اتجننت؟
هز راسه بنفي:
_ لأ بس انتوا اللي اتجننتوا لما فكرتوا تلعبوا عليا وتستولوا على حقي، وانتوا عارفين كويس إن اللي بيقرب من حقي مـ برحموش أيًا كان هو.
تسارعت ضربات قلبها خوفًا وسألته بتلعثم:
_ أنت بتقول أيه أنا مستحيل أعمل كده.
شدد يده أكثر على عنقها حتى كاد أن يزهق روحها وقال بسخط:
_ بطلي كدب أنا سمعكم بودني وأنتوا بتخططوا إزاي تخلصوا مني، ودلوقتي الدور عليا عشان أرميكم في الشارع واخليكم تشحتوا زي زمان.
وسارة هتتجوز ابن عمها ومصطفى هعرفه حقيقة أمه وجده اللي فخور بيهم آوي دول، وأنتي هتفضلي هنا خدمتي وتحت رجلي لحد ما ييجي اليوم اللي أصفي فيه كل حاجة.
شعرت سمر بالإختناق لتحاول جذب يده بعيدًا عن عنقها وقالت:
_ مـ.. مـ… محصلش انت أكيد سمعت غلط.
ضغط أكثر على أسنانه حتى كاد أن يدميها وقال بغضب:
_ لسه بردوا بتقاوي.
جذبها حتى تقف على قدميها وهى في شدة رعبها وأردف:
_ أنا هصبر عليكي لحد مصطفى ما يخلص جامعته واسفره بره وبعدها هرميكي لأبوكي واطوي صفحتكم السودة دي من حياتي.
زجها بيده حتى كادت أن تسقط على الأرضية مما جعلها تتنفس بعمق وتلهث من شدة حاجتها للهواء.
ثم رفع أصبعه في وجهها وتابع تهديده:
_ أنا رايح البلد وهجوز سارة لابن أخويا عايزة تيجي تمثلي دور أم العروسة كان بيها، مش هتيجي وتحاولي تلعبي من ورايا يبقى انتي اللي جنيتي على نفسك.
رغم رعبها الشديد منه إلا إنها قالت بغضب:
_ مستحيل اروح البلد واشهد على موت بنتي.
أيد رأيها قائلاً:
_ تمام آوى وهو ده اللي عايزه.
ولعلمك انا مأمن نفسي كويس آوى عشان لو فكرتوا تلعبوا بديلك.
دلف غرفته وتركها في ذهول تام مما يحدث، كيف علما بكل ذلك.
اغلق الباب خلفه بحده ثم امسك هاتفه كي يهاتف خالد الذي أجابه:
_ ابن حلال كنت لسه هكلمك.
تحدث منصور بحدة:
_ قبل أى حاجة عايزك تتصل على جمال وتقوله إني موافق وقوله كمان يعجل بالفرح.
_ طيب مـ تكلمه أنت، الحاجات اللي زي دي مينفعش انا اللي أتكلم فيها.
زفر منصور بضيق:
_ أعمل اللي بقولك عليه وخلاص أنا مينفعش أسيب الشركة في الوقت ده بالذات.
_ طيب كلمه حتى في التليفون وفهمه كل حاجة، إنما كده مينفعش.
تنهد منصور وقال باستسلام:
_ خلاص هكلمه بكرة واحدد معاه كل حاجه.
أغلق الهاتف والقاه بأهمال على الفراش ثم جلس على الأريكة يفكر في المنفعة التي ستعود إليه من ذلك الزواج.
❈-❈-❈
في منزل عمران
اغلق جمال الهاتف وعاد إلى والديه ليقول براحه:
_ مبروك ياحاچ عمران منصور أخوي وافجهلل للجميع بذلك الخبر ما عدا جاسر الذي أخذ يستمع إليهم بوجوم.
تحدث جليلة بفرحة:
_ يعني منصور ولدي چاي؟
ارتبك جمال من سؤالها وأجاب بإضطراب:
_ لا هو مش هيجدر ياچي غير على كتب الكتاب عشان مشغول شوية.
أومأ عمران بصمت أما جليلة فقد بُغتت بحسرة على ذلك الذي لم يتغير ولن يتغير يومًا.
تحدث جاسر بإستهزاء:
_ مش هتفرجنه.
نهره جمال بحدة:
_ جاسر.
قاطعه عمران بألم:
_ سيبه ياولدي هو مغلطش، صحيح مش هيفرج وچوده زي عدمه. المهم اتصل عليه وحدد معاه ميعاد الفرح ولو مش رايد ييجي خليه.
_ لا يابوي هياچي، خالد أكدلي أن فيه مشاكل في شغله وميجدرش يهمله وأني هكلموا دلوجت واحدد معاه الميعاد اللي هيجدر ياچي فيه.
نهضت وسيلة وهى تقول بسعادة:
_ واني هروح أبشر سارة.
نظرت إلى جاسر وتابعت بمكر:
_ أصلها كل شوية تسألني عملوا ايه مع بابا.
سخر جاسر بداخله من ظن والدته، وتحدث عمران بإعتراض:
_ اصبري ياأم جاسر لما جمال يتحدت معاه لول ويشوفوا هيوصلوا لأيه.
أكد لها جمال:
_ انا بقول أكده بردك.
عادت وسيلة إلى مقعدها فتسألت جليلة:
_ بس انتوا لحد دلوجت مـ حددوش هيسكنوا فين؟
رد عمران بعدم فهم:
_ هيسكنوا حدانا في الدار.
_ لا اقصد يعني إن اوضة جاسر متنفعش لعرسان هو اختارها عشان تكون جريبة منيك بس دلوجت متنفعش واصل.
أيد جمال رأي والدته:
_ فعلًا الاوضة صغيرة جوي ومتنفعش لعرسان.
نظر لجاسر وسأله:
_ متجول حاچة ياجاسر.
نظر جاسر لوالده وقال بفتور:
_ الاوضة دي ولا غيرها مش هتفرج شفوها هى واللي رايده اعملوه ليها، أني رايح اشوف العمال خلصوا ولا لأ، بعد أذنك.
انتهى حديثه ثم تركهم وخرج من المنزل ليندهش الجميع من بعدم أهتمامه بالأمر.
❈-❈-❈
في غرفة منصور
رن هاتفه برقم غير مدون، وهو بعادته لا بجيب على أرقام غير مدونة لا يعرف لما دق قلبه بمعرفته بهوية المتصل.
أجاب قلبه قبل لسانه:
_ اهلًا ياجمال.
تحدث جمال بلهجة عاتبه:
_ بخير يامنصور كيفك أنت؟
آجاب بشوق:
_ الحمد لله بقيت أحسن لما كلمتك، أبويا وأمي عاملين ايه؟
ليس وهذا بالوقت المناسب كي يعاتبه على عدم تواصله معهم والاطمئنان عليهم فقال بإيجاز:
_ بخير وبيسلموا عليك.
المهم أنا كنت رايد أجيلك وأطلب منك إيد سارة لجاسر ولدي بما إنك مشغول ومش هتجدر تاچي.
سعادة لم يشعر بمثلها من قبل من عودة المياة لمجاريها رويدًا رويدًا فقال بسرور:
_ البنت بنتك ياجمال وعارف كويس إن جاسر ميتخيرش عنك حدد ميعاد الفرح وعرفني لإن حقيقي مش هقدر أسيب الشركة الفترة دي، بس أوعدك إن وقت مـ كل حاجة تتظبط هاجي من غير مـ حد يقولي.
لم يستوعب جمال معنى كلماته وتسائل بحيرة:
_ يعني مش هتحضر فرح بنتك؟
أجاب مسرعًا:
_ أكيد طبعًا هكون موجود بس قبل كده صعب، بس أهم حاجة إنك تعجل بالفرح مفيش داعي للتأجيل، وخصوصاً أنها في نفس البيت معاه.
اومأ جمال بإستسلام:
_ اللي تشوفه ياخوي، ومتخافش على بنتك هى في الحفظ والصون.
رد منصور بثقة:
_ وأنا واثق من ده، وإلا مكنتش سيبتها الفترة دي كلها.
أغلق جمال الهاتف وألقاه بضيق على الفراش.
لم يتغير أخيه قيد أنملة مازال كما هو ذلك الذي لا يبالي بشئ سوى مصلحته، حتى مع أولاده يفضل مصلحته عليهم.
دلفت وسيلة الغرفة بعد أن تركته كي يحدث أخيه بأريحية. تقدمت منه وهى تنظر إليه بتعاطف عندما لاحظت ذلك الوجوم المرتسم على ملامحه.
جلست بجواره على الأريكة وسألته مستفسرة:
_ عملت أيه؟
تنهد جمال وأجابها بهدوء:
_ لسه زي ما هو متغيرش، مش هامه غير مصلحته وبس، عايزني أخلص كل حاچة وأعزمه على كتب الكتاب كيفه كيف الغريب.
هونت عليه قائله:
_ مـ هو جال لخالد أنه غصب عنه، وبعدين هو سايبها لمين يعني! ده جدها وعمها والأتنين هيخافوا عليها زييه وأكتر كمان، متعجدش الأمور وخلينا نفرحوا بچوازة جاسر.
نظر إليها جمال وقال بإبتسامة ماكرة:
_ كبرتي ياحاچة وسيلة وهتكوني چدة.
تحدثت جليلة بغرور وهى تتلاعب بخصلاتها:
_ مين يجدر يجول إكدة، دا اللي بيشوفني چانب ليلى بتك بيفتكرني أختها.
ضحك جمال ورد بمزاح:
_ والصبغة اللي لاجتها في هدومك دي، كنتي چيباها ليه؟
أغتاظت وسيلة من معرفته بهذا الأمر الذي أستطاعت أخفاءه بإتقان لكنه أستطاع العثور عليه فنهرته بغيظ:
_ وأنت بتجلب في حاچتي ليه؟
رد بتخابث وهو يتلاعب بخصلاتها:
_ صدفه بريئه والله، وعلى العموم أني جابلك على أى شكل.
هم بتقبيلها لولا تلك الطرقات الخافته التي منعته من ذلك فزم فمه بضيق:
_ ده أكيد حازم ولدك.
ضحكت وسيلة ونهضت لتفتح الباب فوجدتها سارة:
_ تعالي ياسارة أتفضلي.
شعرت سارة بالإحراج وقالت بخجل:
_ كنت عايزة أتكلم مع عمي شوية، بس لو هينام اجي في وقت تان.
رد جمال بترحيب:
_ ولو نايم أجوملك، تعالي.
فتحت وسيلة الباب كي تدلف منه.
ودلفت سارة الغرفة لينهض جمال لإستقبالها واشار لها بالجلوس على الأريكة.
جلست بجواره وترددت كثيرًا قبل ان تقول بإستحياء:
_ كنت عايزة أسألك حضرتك عملت أيه مع عمو خالد بالنسبة للنقل.
اخفضت عينيها بإحراج ليبتسم جمال قائلًا:
_ أني مش جلتلك متشليش هم حاچة.
اومأت برأسها وهمت بالتحدث لكنه قال بحب:
_ أني كلمت خالد النهاردة وخلصت معاه كل حاچة وكمان كلمت أبوكي وحددنا معاه ميعاد الفرح.
رفعت عينيها إليه تسأله بلهفه:
_ بجد ياعمي يعني هفضل هنا معاكم ومش هرجع القاهرة؟
أومأ بحب:
_ بجد ياجلبي وهكلم جاسر عشان تختاري الأوضة اللي تعجبك، وليلى چاية بكرة إن شاء الله عشان تساعدك في فستان الفرح.
تبدلت ملامحها ليلاحظها جمال مما جعل الشك يزحف إلى قلبه لكنه قطعه قائلاً:
_ اني أختارتلك أفضل اوضه في الدار كلها، وفرشها اللي تأمري بيه.
افترى ثغرها عن ابتسامه لم تصل لعينيها وردت بهدوء:
_ مش هيفرق المكان مادام معاكم هنا، أنا كنت خايفة بابا يرفض إني أفضل معاكم، بس مادام وافق بلاش نستعجل وتضغطوا على نفسكم.
تحدث بجدية:
_ سارة لو بچد في حاچة چواتك وخايفة تجوليها…
قاطعته سارة بإصرار:
_ صدقني ياعمي مفيش أى حاجة كل الحكاية إني تعبت من المشاكل اللي بين بابا وماما وأهملهم لينا اغلب الوقت، جوى العيلة ده أنا محستش بيه إلا وسطيكم عشان كده مصره إني أفضل معاكم.
_ وجاسر.
رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول العثور على كلمات مقنعه وقالت برزانة.
هز جمال رأسه بإقتناع وقال بإبتسامة:
_ على خيرة الله، من بكرة هنبدأ الترتيبات والفرح هيبقى آخر الأسبوع.
نظرت إليه بدهشة لذلك التسرع وسألته بحيرة:
_ حضرتك مستعجل كدة ليه؟
_ مش مستعجل ولا حاجة بس ابوكي اللي قرر إننا نعجل بالفرح، وبردك مينفعش تفضلوا انتوا الاتنين في مكان واحد من غير ما يكون في حاچة رسمي.
اومأت بتفاهم:
_ خلاص ياعمي اللي تشوفه.
نهضت من مقعدها:
_ بعد إذن حضرتك.
خرجت من الغرفة لتنصدم بوسيلة التي تحمل القهوة بيدها وعند رؤيتها سألتها:
_ رايحة فين ياسارة أنا عملت الجهوة وجلت هتشربيها معانا.
هزت رأسها برفض:
_ لا ياطنط أنا مش بحب القهوة.
_ طيب خليكي جاعدة معانا شوية؟
_ خليها وقت تاني.
أسرعت سارة بالذهاب تحت نظرات وسيلة المندهشة من تسرعها، ولم تكن تعلم بأنها تجاهد كي تظل ثابته أمامهم ولا تنهار كما فعلت وقت وصولها الغرفة.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رانيا الخولي
في شركة "منصور"، مكتب رئيس مجلس الإدارة.
كان منصور يدفع الباب بقدمه، فتندهش مديرة المكتب من تصرفه. أسرعت بالدخول خلفه لتسأله بريبة:
_ في حاجة يامنصور بيه؟
تقدم منصور من المكتب ليجلس على المقعد وتحدث بأمر:
_ اعملي ميتنج حالًا لمدراء الأقسام في الشركة، وكمان كلمي المحامي يحضر معاهم.
لم تفهم شيئًا مما يحدث وردت باستسلام:
_ حاضر يافندم.
خرجت من المكتب كي تهاتف سمر أولًا، لكنها تفاجأت بشريف يتقدم من مكتبه. وعندما رآها تخرج من مكتبه سألها بحيرة:
_ في أيه يامريم؟
أجابت باضطراب وهى تنظر للمكتب:
_ مش عارفه، منصور بيه طلب إني أعمل ميتنج دلوقت لمدراء الأقسام.
اندهش شريف ودلف المكتب فيجد منصور جالسًا على مكتبه، مما جعله يندهش أكثر من بروده. تقدم منه قائلًا:
_ في أيه يامنصور؟ وليه عامل اجتماع دلوقت؟
ابتسم منصور بسخرية وعاد بظهره للوراء وهو يتحدث ببرود قاتل:
_ لأ مفيش حاجة مهمة، أنا بس عملت شوية تعديلات في الشركة وعشان كدة عملت الميتنج.
اندهش شريف أكثر ليسأله بجدية:
_ تعديلات إيه اللي هتعملها وإزاي ده يحصل من غير متعرفني؟
وضع منصور قدم فوق الأخرى وسأله بهدوء مثير للأعصاب:
_ بصفتك أيه؟
قطب جبينه بذهول:
_ بصفتي رئيس مجلس إدارة.
اعتدل منصور في جلسته وقال بثبوت:
_ ده كان زمان، إنما دلوقت كل حاجه اتغيرت. وأنصحك تنسحب بهدوء من الشركة قبل ما تنسحب بفضيحة أدام اللي شغالين في الشركة.
اتسعت دائرة عينيه وقال بحدة:
_ لاا انت شكلك اتجننت.
نهض منصور من مقعده ليقترب منه ويقول بصوت هادر:
_ أنت اللي اتجننت لما فكرت انت وبنتك أنكم تلعبوا مع منصور المنشاوي. وأوعى تكون فاكر إني مش عارف حاجة عن تخطيطك انت وبنتك، بس سيبتكم لحد مـ أخططلكم أنا كويس. بغبائك أنت مضيتك على تنازل بأسهمك في الشركة أنت والهانم التانية اللي نضفتها وعملتها بني أدمة والآخر بتخطط معاك عشان تخلصوا مني.
أقترب منه أكثر ليتابع بتهديد وعينيه تقدح شررًا:
_ ولولا إني عامل خاطر لولادي كنت طلقتها ورمتكم في الشارع، بس أنا هعمل بأصلي وهسيبلك البيت اللي بردوا كتبته بأسمي تعيش فيه.
هز شريف رأسه بعدم استيعاب لما يحدث:
_ لا انت فعلًا اتجننت وأنا…..
قاطعه منصور بغضب:
_ ولا كلمة زيادة. ولو مش مصدق.
أمسك الهاتف وحدث مديرة المكتب:
_ مدحت جاه ولا لسه؟
_ جاه يافندم وهيدخل حالًا.
أغلق الهاتف ودلف المحامي. ليضع شريف يده على قلبه من هول ما رأى. فقد مضى بيده على كل شيء دون أن يدري، فلم يتحمل قلبه تلك الصدمة وسقط على الأرض دون حراك.
❈-❈-❈
في مكتب عصام.
دخلت ليلى التي ذبلت كثيرًا وظهر الشحوب واضحًا عليها، فشعر عصام بالأسى عليها وقال بتعاطف:
_ أتفضلي ياليلى أقعدي.
جلست على المقعد أمام مكتبه وسألته بتوجس:
_ كنت عايزة أسألك عن أي أخبار بخصوص حالة أمجد؟
زم عصام شفتيه بيأس وأجابها:
_ كان فيه حالة مطابقة ليه، بس للأسف على ما عملوا التحاليل وعرفوا النتيجة كان القلب وقف. وعشان كده بفضل إننا نسافر في أقرب وقت.
أجابته بحيرة:
_ بس أنا موضوع السفر ده صعب آوي. أنت عارف كويس أنا جيت هنا بمعجزة، وحتى لو بابا وافق وسافرت مش هينفع أطول في السفر يعني بالكتير اوى هيكون أسبوع.
أومأ عصام بتفاهم ثم تحدث بجدية:
_ فاهم ياليلى، بس أنا بردوا شايف إنها فرصة علمية بصرف النظر عن كونها شخصية وهتفيدك كتير في مسيرتك المهنية، دي فرصة أي حد يتمناها. غير كمان إن تواجدك معاه هيكون دافع كبير للمقاومة.
شعرت ليلى بالإحراج مما يرمي إليه وقالت بثبات:
_ مقدرش أرد على حضرتك دلوقتي، بس أنا إن شاء الله هروح البلد بكرة أو بعده بالكتير وهحاول أقنع بابا. وإن وافق وده صعب جدًا هكون متواجده معاكم. وإن رفض مش هقدر طبعًا.
_ على العموم أنا هبدأ في إجراءات السفر بحيث نكون مستعدين. (سألها) إنتي معاكي جواز سفر؟
أومأت برأسها فأردف براحة:
_ تمام. ولو عايزاني أكلم الحاج عشان أقنعه معنديش مانع.
_ لأ مفيش داعي، أنا هحاول معاه. بعد إذن حضرتك.
خرجت من المكتب وهي تفكر في طريقة تقنع بها أبيها.
مرت أمام غرفته ولم تستطيع الولوج بسبب وجود أبيه وفارس. دلفت مكتبها وجلست كي تهاتف والدتها وتعلم منها أمر ذلك الزواج. وعندما أجابتها:
_ ازيك يا أمي عاملة أيه؟
أجابت وسيلة بلهفة:
_ زينة ياجلبي، طمنيني عليكي إنتي.
حاولت جعل صوتها ثابتًا واخفاء نبرة الحزن التي احتلت كيانها بأكمله:
_ الحمد لله بخير، متجلجيش علي. بس الأول أيه الكلام اللي جاله أبويا ده؟
جلست وسيلة على الأريكة وتحدثت:
_ والله يابنتي حكاية أغرب من الخيال زي ما بيجولوا. أنا طبعًا كنت حكيالك عن سارة بنت عمك منصور لما چات، وشكل أخوكي جاسر حبها وطلبها للجواز.
زاد اندهاشها لتسأله بترقب:
_ وزينة؟
_ أنتي خابره زين أن جاسر مكنش بيحبها، بس جولنا الحب بياچي بعد الجواز. والآخر لا هى قدرت تكمل ولا هو كمان، وكل واحد راح لحاله.
لم تقتنع بحديثها لأنه تعلم جيدًا مدى بغض جاسر لعمه منصور، فكيف إذًا يتزوج ابنته؟
_ وعمي منصور قال ايه؟
_ أبوكي كلموا امبارح واتفجوا على كل حاچة والفرح آخر الأسبوع.
لم تقتنع كغيرها بذلك الأمر وشعرت بأن هناك خطب ما. وتابعت وسيلة:
_ المهم ياغالية لازمن تنزلي البلد عشان تكوني چامبيها. أنا كلمت لها جاسر وهياخدها وينزلوا المركز عشان تختار خلجاتها بنفسها، وانتي تكملي الباجي معاها.
سألتها بحيرة:
_ طيب وليه الاستعجال ده؟ مـ تصبروا شوية يدرسوا بعض أكتر.
تنهدت وسيلة بقلة حيلة:
_ والله اني كمان مكنتش موافجة على التسرع ده، بس أول مرة أخوكي يتفج مع عمك منصور في حاچة والاتنين عايزين يعجلوا بالفرح.
ازداد شكها لكنها لم تريد الانشغال بذلك الأمر حتى تعود وتتحدث مع كلاهما:
_ حاضر ياأمي هحاول أرجع البلد بأسرع وقت، بس مش هقدر أطول عندكم.
لم تفهم وسيلة شئ وسألتها باهتمام:
_ وايه اللي يمنع؟
أغمضت عينيها بتعب وقالت بثبات رغم تجمع العبرات بداخل عينيها:
_ في حالات بتابعها ومش هقدر اتأخر عليها.
تحدثت وسيلة بإنفعال:
_ يعني عايزة تفهميني إن مفيش دكاترة غيرك في المخروبة دي؟!
دلف جمال على صوت وسيلة ورأى انفعالها ليسألها بحيرة:
_ في أيه ياوسيلة بتتعصب أكدة على مين؟
وضعت الهاتف في يده وردت بحدة:
_ خد شوف ايه حكايتها بالظبط بدل ما تجلطني دلوجت.
تأخذ منها الهاتف وتحدث برجاحة:
_ في أيه ياليلى؟ مزعلاها ليه؟
حاولت كبح عبراتها وتحدث باضطراب:
_ مفيش حاجة يابابا غير إني بقولها مش هقدر أطول في البلد وعشان كدة اتعصبت عليا.
رد جمال باعتراض:
_ ليها حج بردك هى بجالها دلوجت عشرين يوم مشفتكيش وغير كل ده كمان مش عايزة تحضري فرح اخوك.
ردت برجاء:
_ ارجوك يابابا أتحملوني الفترة دي بس لحد مـ السنه دي تخلص وبعدها هشتغل في المستشفى اللي عندنا ومش هسيبكم نهائي، وإن كان على فرح جاسر أكيد هحضره بس لازم أمشي تاني يوم.
تنهد جمال بحيرة لا يعرف ماذا يفعل الآن فسألها بتمالك:
_ يعني هتاچي أمتى؟
أجابت باضطراب:
_ هاجي يوم الخميس… والسبت لازم أمشي.
زم شفتيه بحيرة وهو ينظر إلى وسيلة التي تأكله بعينيها ورد بحيادية:
_ حاضر ياليلى اللي تشوفيه، بس الأچازة الچاية تعوضيها.
أومأت دون تفكير:
_ إن شاء الله.
أغلقت الهاتف ووضعته على المكتب باستياء. لا تعرف لما موافقته لها طعنتها في الصميم، وشعرت بأنها خائنة لتلك الثقة التي حُملت إليه. لكنها بررت لنفسها بأنها لم تتجاوز حدها والقلب ليس عليه بسلطان.
❈-❈-❈
في غرفة عمران.
كان عمران مستلقيًا على الفراش شاردًا في أمر حفيده الذي أصبح مهمومًا شاردًا طوال الوقت. يعلم جيدًا بأن هناك خطب ما يخفيه عليه، لكنه أيضًا يعلم حفيده جيدًا ويعلم أنه يستطيع بجسارة التغلب على الصعوبات التي تواجهه.
سألته جلية وهي تجلس بجواره:
_ مالك ياحاچ سرحان في أيه؟
تحدث عمران بقلق:
_ أني جلجان من الچوازة دي. جاسر من وجت ما طلبها مني وهو ديمًا مهموم. جلبي بيجولي إن في حاجة وهو رافض يجول.
أجابت جليلة بثقة:
_ مفيش جلج ولا حاچة ياحاچ. أني خابره جاسر زين وخابره انه بيحبها من أول يوم جات فيه. وده واضح من نظراته ليها مهما حاول يبين عكس إكده. أنت خابره زين مبيحبش يبين مشاعره.
رد عمران بإستنكار:
_ مشاعر أيه اللي بتتحدتي عنيها وهو كان بيهاچمها كل ما يشوفها.
نفت جليلة بثقة:
_ ده بيهاجم حبه ليها عشان شايف إن منصور هيفضل بناتهم وأنت خابر هو اد ايه مكدر من ناحيته.
_ بس منصور يبجى أبوها يعني هيفضل بيناتهم العمر كله. وبعدين الولد ده جفل جوي، معرفش أيه اللي عجابها فيه.
ضحكت جليلة وقالت بتأكيد:
_ بكرة لما تبجى مرته الوضع هيتغير. أديك شوفت أبوه اللي كان بيتكسف من خياله أول ما وسيلة بجت مرته معدش حتى بيستحي منينا.
لاح الحزن على قسمات وجهه وقال بشرود:
_ لأن جمال وجتها كان عايز يبين جدامنا أنه سعيد وإن مفيش حاچة تعباه. بس أني كنت حاسس بيه وبتعبه اللي بيحاول يداريه عنينا. إبنك آسى كتير جوي لحد ما جدر يُجف على رچليه من تاني. وده اللي تعب جاسر وبيخليه يغضب من عمه أكتر.
_ أهي أيام وراحت لحالها والحمد لله ربنا عوضه خير.
طرق الباب فسمحت جليلة للطارق بالدخول فوجدت مصطفى يدلف عليهم، ابتسمت بسعادة:
_ تعالي ياولدي.
تقدم منهم ليجلس بجوار جده يقبل يده:
_ انا قُلت ألحق أتكلم معك شوية قبل ما تنام.
ربت عمران على قدمه وقدم فهم سبب مجيئه وتحدث برجاحة:
_ خابر ياولدي باللي تاعبك وجالج منامك.
سأله مبتسمًا:
_ أيه عرفك ياجدي باللي قالق منامي؟
نظر عمران داخل عينيه التي تحتوى اسأله كثيرة يبحث عن إجاباتها:
_ أسأله كتير واضحة في عينيك ورايد تعرف إجابتها.
عقد مصطفى حاجبيه متسائلًا:
_ أيه اللي حصل ياجدي زمان، وياترى اللي سمعته ده حقيقي ولا ايه الحكاية بالظبط.
انسحبت جليلة بهدوء لا تريد سماع المزيد من ذلك الأمر. خرجت من الغرفة متجهة إلى غرفة منصور التي اتخذتها منذ ذهابه مكانًا تشكي فيه أوجاعها، وتبكي شوقًا على من رحل تاركًا قلبًا يئن آلمًا بفراقه.
تحدث عمران بشرود وهو يعود بذاكرته للوراء:
_ أني خلفت الأتنين مميزتش حد منهم عن التاني والاتنين ربيتهم تربية واحدة. بس عمك جمال من يوم وهو هادي ومصلحة الكل عنده أهم من مصلحته. بس أبوك مختلف عينيه؛ حبه لذاته كان أجوى شوية. كبروا ودخلوا الچامعة، بس عمك فضل أنه يدخل جامعة قنا عشان مـ يفارجناش ويكون چاري لو احتاچته، إنما أبوك أصر أنه يدرس في الچامعة اللي في مصر لإنه مش حابب العيشة أهنه. بينا أحلامه كلها هناك وقرر أنه يستجر في مصر على طول وأصر على أنه يعمل مشروع التخرچ بتاعه زي ما بيجولوا. للأسف في الوجت ده كانت السيولة معايا متكفيش ولما واحد جريب مني جالي على مشروع بصراحة مكسبه كان زين جوي. جررت وجتها إني أرهن الأرض وبفلوس الرهنية أدي جزء كبير منيها لأبوك والجزء التاني أدخل بيه المشروع ومن مكسبه أسد بيه الرهنية. ولجل النصيب الفلوس أتسرجت وراح كل حاچة. أبوك متخيلش إن الحكاية صعبه أوى إكدة واخد الفلوس وسافر عشان يبني حلمه، وعمك جمال هو اللي شجي وتعب وأتحمل البهدله لجل مـ يرچع الأرض لينا من تاني وفضل يعاني من سكات لحد مـ سدد ديونها كاملة.
كان عمران يتحدث ومصطفى خافضًا رأسه بخزي مما فعله والده، رغم أن عمران لم يخبره الحقيقة كاملة كي لا يشوه صورة أبيه في عينيه. وخاصةً عندما لاحظ حزنه. فمد عمران يده رفع رأسه قائلاً:
_ أني مش بقولك إكدة عشان تحني راسك لا، أني بحكيلك بس لجل مـ تعرف إنه هو اللي بعد مش إحنا، واني كنت بعرف أخباركم بإستمرار من خالد، وأحيانًا كان بيبعتلنا صوركم يعني أول ما شوفتك عرفتك طوالي.
ابتسم مصطفى بحزن:
_ هو فعلًا كان بيكلمنا عنكم كتير آوى وأد أيه أنتوا نفسكم تشفونا، بس لما كنا نسأله عن سبب بعدكم عننا كان بيرفض يقولي ويتحجج بأي حاجة ويتهرب.
ربت عمران على يده وقال برباطة جأش:
_ المهم أنكم رچعتوا لأصلكم وربنا عوض صبري خير وشوفتكم جدام.
قبل مصطفى تلك اليد التي وضعت على يده بحب ثم تحدث برجاحة:
_ أطمن ياجدي مفيش حاجة هتفرقنا بعد النهاردة.
❈-❈-❈
ظلت سمر تزرع الردهة ذهابًا وإيابًا وكأنها تسير على جمر ملتهب، لم تتجاوز حتى الآن الصدمة التي اعترتها. لم تتخيل يومًا أن ينكشف كل شيء بتلك السهولة، لتصبح بين ليلة وضحاها حبيسة داخل ذلك المنزل حتى أنه أخذ منها هاتفه ومنع عنها كل شيء.
لابد أن تتواصل مع والدها بأي شكل. تذكرت أمر العاملة فأسرعت إلى المطبخ لتجدها جالسة تحدث ابنتها فقالت بأمر:
_ هاتي الفون ده.
ارتبكت العاملة وردت بخوف:
_ دا انا بكلم بنتي ياست سمر.
تحدثت بحدة:
_ قلت هاتي الفون ده.
شعرت المرأة بالخوف من غضبها وناولتها الهاتف لتأخذه منها بحدة ثم تذهب إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. رنة وراء أخرى ولا تجد من يجيب. ازداد خوفها أكثر عندما أجابت مديرة المكتب، فتسألها بتوجس:
_ أنتي بتردي على فون بابا ليه؟
ارتبكت مريم عندما علمت بهويتها وقالت بتلعثم:
_ أصل .. أصل يعني.
صاحت بها:
_ ما تنطقي في أية؟
تحدثت بخوف وهي تنظر إلى منصور الذي وقف أمام غرفة الطوارئ ينتظر الطبيب:
_ أصل شريف بيه تعب شوية وجبناه المستشفى.
انقبض قلبها خوفًا وسألتها بخوف:
_ مستشفى أيه؟
أخبرتها مريم عندما أشار لها منصور بإخبارها:
_ مستشفى…..
أغلقت الهاتف وألقته على الفراش وأسرعت بالخروج من المنزل. هم أحد الحرس بمنعها لكن أحدهم منعه قائلاً:
_ سيبها يافتحي منصور بيه لسة قافل معايا.
أشار لها ناحية السيارة:
_ أتفضلي اوصلك.
بقلب منقبض أسرعت بالصعود إلى السيارة وتولى الحارس القيادة ذاهبًا إلى المشفى كما أخبره منصور.
❈-❈-❈
وقف جاسر بجوار السيارة ينتظر قدومها. خرجت من المنزل وقد ارتدت ذلك الحجاب الذي أمرها بإرتدائه مما جعلها تبدو بذلك البهاء الذي خطف لبه. وشعر بنغصة حادة تصيبه وهو يتذكر علتها، وتساءل هل هي حقًا ضحية لتدبير شيطاني أم كان بلحظة ضعف منه. لكن إصرارها على عدم العودة والبقاء معهم خوفًا منه يجعله يصدق حقًا أنها ضحية.
انتبه على صوتها وهي تقول:
_ أنا جاهزة.
أومأ لها بصمت ثم أشار لها بالصعود إلى السيارة وتولى القيادة وأنطلق بها.
أخذ يراقبها وهى جالسة على أحد المقاعد داخل المتجر ويقوم العاملين به بعرض الأشياء أمامها فتقبل بإيماءة بسيطة من رأسها وكأنها سجينة حُكم عليها بالإعدام فلم تبالي بما ترتدي. لا يعرف لما شعر بنغصة حادة في قلبه وكأنه هو سبب احزانها.
وقف ينظر إليها بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب. ولكن العتاب الأقوى لذلك القلب الذي عشق من لا أهل لذلك. لما كتب عليه أن يعيش ذلك العذاب وكأن الدنيا لم تجد غيره لتقسوا عليه بتلك الحدة. وفرضت عليه أمرًا مجبرًا عليه. لم يكن القدر رحيمًا بقلبه عندما جعله يدق لها منذ أن فتح لها باب منزله وكذلك قلبه لتطعنه في مقتل وهى تخبره بأنها أبنة ذلك الذي لم يبغض أحد سواه. وينصدم بالطامة الكبرى عندما سمع تلك المكالمة التي قسمت ظهره ويتردد صداها حتى الآن داخل أذنه.
انتبه إليها تحمل بعض الحقائب التي تعد على الأصابع فتقدم منها يحملهم وسألها:
_ هتروحي مكان تاني؟
هزت سارة رأسها بنفي:
_ لأ أنا خلصت وعايزة أروح.
لم يجادل وترك ذلك الأمر بيد والدته.
انطلقوا بالسيارة عائدين إلى المنزل وكلًا في واديه. كان ينظر إليها بين الحين والآخر يتساءل كيف ستكون حياتهم بعد الزواج. لم يفكر في الأمر من قبل لذا لم يجد إجابة على سؤاله. فأيام قليلة وستجمعهم غرفة واحدة وقد يكون أيضًا فراشًا واحدًا. والأهم من ذلك هل ستقابلهم في الصباح بذلك العبوس!
عند تلك النقطة انعطف جاسر جانب الطريق وأوقف السيارة مقررًا التحدث معها في هذا الأمر. نظر إليها ليقول باستياء:
_ ياريت تفردي وشك شوية. المفروض انتي عروسة وفرحها كمان يومين يعني تبيني إنك مبسوطة مش زي اللي محكوم عليها بالإعدام.
نظرت إليه بعينيها التي ألقت سحرها عليه من النظرة الأولى مما جعله يبعد نظره عنها. وخاصةً عندما تحدثت بأسى:
_ عايزنى اعمل ايه؟
ازدرد ريقه بصعوبة ورد بثبات زائف:
_ انا مجصدي يعني إنك تبيني انك سعيدة عشان محدش منيهم يشك في حاچة إكدة ولا إكدة.
عادت بنظرها للأمام وهي تقول بثبوت:
_ متقلقش هما فاكرين إني زعلانة مع بابا وماما وعشان كدة باين إني زعلانه زي ما بتقول.
أومأ برأسه ثم نظر أمامه وقد تلاشت الكلمات التي راجعها مرارًا وتكرارًا كي لا ينسى كلمة منها فتتلاشى كلها من ذاكرته مقررًا العودة للمنزل.
❈-❈-❈
كانوا جميعهم ملتفين حوله يحاولوا التخفيف عنها قليلًا، ولكنهم لم يلمؤا الفراغ التي تركته. كانت عينيه على الباب دائمًا ينتظر عودتها على أحر من الجمر. وكلما انفتح الباب تراقص قلبه فرحًا ظنًا منه بأنها وردته، لكن يخيب أمله بدخول إحدى الممرضات.
لم يعد يستطيع تحمل غيابها وبدأ قلبه الواهن بالإعتراض. حتى دخل عصام فاعترض على تواجدهم:
_ مش كفاية كدة؟
تحدث صابر بتماسك رغم صعوبته:
_ خلينا معاه شوية عشان ميزهقش.
تقدم عصام من أمجد كي يتابع مؤشراته وتحدث بجدية:
_ لأ كفاية كدة انتوا اجهدته بالكلام.
نظر إلى أمجد وقال بأمر:
_ كفاية كدة وأرتاح شوية.
قضب أمجد جبينه بملل وقد ضاق به زرعًا بسبب غيابها عنه كل تلك المدة وتحدث بإباء:
_ أنا عايز أخرج من الأوضة دي.
رد عصام بحزم:
_ مينفعش دلوقت على الأقل.
أيد فارس رأيه:
_ دكتور عصام عنده حق ياأمجد معلش استحمل شوية.
غيابها مع نظرات الشفقة التي يراها بأعينهم جعلت تماسكه يتلاشى فلم يعد يستطيع التماسك أكثر من ذلك فصاح بهم رغم تعبه:
_ اطلعوا برة.
حاول عصام تهدئته:
_ اهدى ياأمجد الانفعال غلط….
لكن أمجد قاطعه بانفعال أشد:
_ مش عايز أسمع حاجة وقلت اطلعوا برا كلكم.
أشار لهم عصام بالخروج كي لا ينفعل أكثر من ذلك وخرجوا جميعًا.
وقف صابر أمام الغرفة وقد تلاشى ثباته وهو يرى ابنه بتلك الحالة وهو مكبل اليدين لا يملك شيئًا إلا التضرع إلى الله كي يشفيه.
وضع عصام يده على كتف صابر وتحدث بتعاطف:
_ معلش ياصابر أتحمله هو برده معذور.
قال صابر بألم:
_ أنا مش زعلانه منه أنا زعلان عليه.
تحدث فارس بتفاؤل:
_ تفائلوا بالخير تجدوه، وأنا حاسس أن ربنا هيوفقنا ونلاقي المتبرع.
رفع صابر عينيه وهو يقول بتوسل.
❈-❈-❈
دلفت سمر المشفى وهى ترتعد خوفًا من حدوث شيئًا لوالدها وهي الآن في أشد احتياجها له كي يساعدها على التخلص منه. وصلت أمام الغرفة لتجد منصور واقفًا بكل هدوء، فأسرعت إليه وهى تصيح به:
_ أيه اللي حصل؟ عملت فيه إيه؟
نظر إليها بنظرة محذرة كي تصمت لكنها لم تبالي بأي شيء سوى والدها. ف
عادت تصيح:
_ فين بابا؟
تحدث منصور من بين أسنانه:
_ لاحظي إننا في مستشفى؛ وطي صوتك.
نظروا إلى الطبيب الذي خرج من الغرفة فتسرع هي إليه تسأله بريبة:
_ طمني يادكتور.
هز الطبيب رأسه بأسف:
_ للأسف الشديد مقدرناش نعمله حاجة، البقاء لله.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رانيا الخولي
جلست أسفل تلك الشجرة العتيقة التي تفرعت أغصانها بهيئة تخطف الأبصار. وقفت تحاول النظر خارجها، لكن تفرع الأغصان بتلك الهيئة جعلها لا ترى شيئًا خارجها، حتى إنها أحجبت عنها الرؤية. لكنها لم تبالي وجلست تستمتع بهالة النور التي تتسرب من بين أوراقها وتسحر المكان بضياء خافت. لكن فجأة انطفئ الضوء، ورويدًا رويدًا ذبلت الأوراق وتساقطت من أغصانها وعمَّ الظلام المكان.
"دكتورة ليلى."
انتفضت ليلى على صوت سهى التي تحثها على الاستيقاظ عندما غفت على مكتبها. رمشت بعينيها تتأكد من وجودها داخل مكتبها وقالت بتعب:
"هي الساعة كام دلوقتي؟"
أجابت سهى:
"الساعة سبعة، طول الليل وإنتي نايمة بالشكل ده. حاولت أصحيكي عشان تنامي على سريرك بس كنتي بترفض."
قامت تدلك عنقها الذي تيبس من تلك النومة وسألت سهى:
"دخلتي عند أمجد؟"
توترت ملامحها مما جعل قلب ليلى يرتعد خوفًا وسألتها بريبة:
"أوعى يكون…؟"
قاطعتها سهى بنفي:
"لا متقلقيش، بس من امبارح وهو مش طايق حد ورافض إنه ياخد العلاج وعشان كده جيت لحضرتك."
تنفست ليلى بعمق ثم تحدثت وهي تنهض من مقعدها:
"خلاص هتوضى وأصلي الأول وبعدين أروح له."
أومأت سهى برأسها وخرجت.
دلفت ليلى المرحاض. انتهت ليلى من صلاتها وأخذت تتضرع لربها بالشفاء العاجل له. ثم قامت بالنهوض وخرجت من مكتبها لتذهب إليه. طرقت الباب ودخلت الغرفة لتجده مستلقيًا على السرير بوجوم. ابتسمت بداخلها من استيائه وتعنّده فقط لأنها ابتعدت عنه تلك الليلة. فقالت بابتسامة:
"صباح الخير."
حاول أن يظل على ثباته، لكن كيف يصمد أمام تلك الابتسامة التي تشق طريقها إلى قلبه قبل ثغرها عندما تهل عليها بطلتها التي تربك كيانه. فوجد نفسه بكل استسلام يجيب باشتياق:
"صباح النور."
أقتربت منه كي تتابع حالته باهتمام ثم نظرت إليه تسأله:
"ممكن أعرف حضرتك مش راضي تاخد العلاج ليه؟"
نظر إليها قليلًا ثم سألها:
"يهمك آوي؟"
سحبت المقعد لتجلس عليه وقالت باستياء:
"أنت شايف إيه؟"
نظر أمامه وقد عاد الوجوم إلى ملامحه وتحدث بثبوت:
"أنا مش شايف حاجة غير إني عايز أخرج من الأوضة دي."
"طفل عنيد وعليها التروي معه."
"تفرق إيه عن غيرها؟"
تجيب سؤاله بسؤال آخر، وهذا حاله معها.
"هتفضلي تردي عليا السؤال بسؤال؟"
ضحكت ليلى بخفوت ثم تحدثت بمرح وهي تسأله:
"فطرت؟"
أجاب بتبرم:
"مليش نفس."
هزت كتفيها بمرح:
"بس أنا جعانة وكلمت سهى تجبلي فطار، أمم تحب تفطر معايا؟"
نظر إليها مطولًا ليملأ عينيه من تلك الساحرة التي بابتسامة واحدة منها تجعله يرضخ لعينيها التي تشعل لهيب الشوق بداخله. فسألها بوله:
"طلعتيلي منين بس؟"
ابتسمت ليلى بخجل وردت بلهجتها:
"من مضيفة الحاج عمران، ولا نسيت؟"
رد أمجد بهيام:
"أنسى إزاي وأنا من وقتها وأنا ليلي نهاري."
حمحمت بإحراج وغيرت مجرى الحديث قائلة:
"على فكرة جاسر أخويا فرحه بعد بكرة."
انصدم حقًا من ذلك الخبر الذي سيجعله يعاني ما عاناه أمس، فزم شفتيه بضيق:
"وطبعًا هتغيبي هناك فترة؟"
أرادت التلاعب معه لكنها لم تستطع لتجيب بثبات:
"لأ مش فترة ولا حاجة، هما يومين بالظبط ويوم السبت إن شاء الله هكون هنا."
لم يتقبل الأمر لكن لن يجبرها على البقاء.
طرق الباب ودلفت سهى وهي تحمل الإفطار، فتأخذه منها ليلى وتضعه على الطاولة تحت نظراته العاشقة. قربت الطاولة من الفراش وهي تقول بمرح:
"يالا بقى لإني فعلًا جعانة جدًا."
بدأوا بتناول طعامهم وهو ينظر إليها ويتخيل أنها زوجته ويتناولون طعامهم داخل غرفتهم، أو في حديقة منزله وأطفالهم يمرحون من حولهم. لكنه شيء صعب المنال. تذكر بعدها عنه فتحدث باحتجاج:
"مش عارف اليومين دول هيمروا عليا إزاي! ١٧ ساعة غبتيهم عني وكنت هتجنن فما بالك يومين؟!"
"هيعدوا زي ما عدت التلات شهور اللي بعدنا فيهم."
قال باعتراض:
"بس دلوقتي غير، أنا دلوقتي محتاجلك حتى في النفس اللي بتنفسه."
رغم خجلها الشديد منه إلا إنها قالت بوله:
"هتصدقني لو قلتلك إنه نفس إحساسي، بس في إحساس تاني بيخليني أعارض رغبتي دي، هو إني لأول مرة بعمل حاجة من ورا أهلي خاصةً أمي."
"حاولت كتير قوي أسيطر على مشاعري ونجحت في ده أو ضحكت على نفسي وأوهمتها إني نسيت، بس وقت ماـ شوفتك تاني في المستشفى مشاعري رجعت أقوى من الأول."
رفعت عينيها إليه فتجد نظراته مبهة لا تعرف ما يدور بخلده، فتابعت بحزن:
"حاولت كتير أتغلب عليها بس هي اللي اتغلبت عليا في الآخر واستسلمت ليها."
نظر إليها مطولًا ونظراته لها تحمل عتابًا حادًا لمشاعرها التي ندمت على تعلقها به وسأله بتوجس:
"ندمانه؟"
تفاجئت بكلمته لكنها أجابت بصدق:
"ولا لحظة واحدة."
ساد الصمت قليلًا حتى قاطعه أمجد قائلًا بجدية:
"ليلى أنا مفيش حاجة بأيدي دلوقتي أقدر أقدمهالك غير إني فعلًا بحبك ولو ربنا طول في عمري هعيشه كله عشانك ومش هضيع ثانية واحدة واحنا بعاد عن بعض، هو ده كل اللي في إيدي حالًا. أنا كمان زيك حاولت أحارب مشاعري كتير بس للأسف رجعت منها خسران واستسلمت في النهاية."
أومأت بتفاهم وقد شعرت بأن هناك حرب تدور بداخله وعليها مراعاة ذلك. سألها:
"هتسافري امتى؟"
"بكرة الصبح إن شاء الله."
عاد يسألها:
"هتسافري إزاي؟"
أجابت باقتضاب:
"بالطيارة."
رغم الحزن الذي استوطن قلبه إلا إنه تحدث بابتسامة:
"هتوحشيني."
افتر ثغرها عن ابتسامة ولم تستطع الرد عليه. نهضت لترى الأدوية التي عليه أخذها ولم يجادل معها بل كانت نظراته تحمل الكثير والكثير من العشق والامتنان.
❈-❈-❈
في غرفة أخرى كانت سمر مستلقية على الفراش تنظر إلى سقف الغرفة بضياع. فبين ليلة وضحاها خسرت كل شيء من حولها، حتى والدها الذي كانت تستند عليه أو بالأصح كان الوحيد الذي يهتم لشأنها. وخاصةً عندما لجأ أولادها إلى عائلتهم، فلم يعد هناك سوى ذلك الذي أصبح بيده كل شيء يواصل انتقامه كيفما يشاء. أخطأت عندما فكرت بالتلاعب معه وظنت أن حبه لها سيجعله أعمى دائمًا، وتناست تمامًا أن منصور لا يرحم من يتعدى على أملاكه، كما فعلها من قبل مع أهله.
نهضت بصمت وخرجت من الغرفة تسأل عن والدها ليخبرها الجميع بأنه تم تسليم جثمانه إلى زوجها. إذاً فقد رحل حتى دون أن تودعه. خرجت من المشفى لا تعي بشيء مما يحدث، لأول مرة تشعر بالوحدة وكأنها لا تملك من الدنيا سوى ذاتها. لأول مرة تشعر بحنين جارف إلى أولادها وخاصةً مصطفى الذي تشعر بصدق حبه لها عكس تلك التي لا يهمها شيءٍ سوى البحث عن أهلها. وعندما أتتها الفرصة أسرعت إليهم وتشبثت بهم دون الالتفات خلفها، كما والدها لكن بطريقة أخرى، أو بالأصح بدون غدر.
انتهى كل شيء ولم يعد هناك ما يبقيها داخل منزله. عادت إلى المنزل لتجد الجميع على قدم وساق لأجل استقبال العزاء. ابتسمت بسخرية ودلفت إلى الداخل لا تستمع لأحد ممن يقومون بتعازيها وكأن عقلها توقف عن كل شيء.
انتهى منصور من مراسم الدفن ثم عاد إلى منزله ليخبره الأمن بعودتها. صعد إلى الغرفة ليجدها تحضر حقائبها فدنى منها قائلًا:
"بتعملي إيه؟"
واصلت سمر لم أشياءها دون النظر إليه وقالت بهدوء:
"زي ما أنت شايف بلم هدومي."
عقد حاجبيه متسائلًا:
"ليه؟"
أغلقت الحقيبة ونظرت إليه لتجيب بهدوء:
"خلاص معدش ليا مكان هنا."
"والناس اللي جاية عشان تعزي؟"
نظرت إليه وتحدثت بسخرية:
"هو ده كل اللي همك! على العموم العز هيكون في بيت بابا مش في بيت الراجل اللي موته بحسرته، بس هقول إيه؛ اللي باع أهله مش هيبيع حماه."
تقدم منها ممسكًا ذراعها بحدة وقال من بين أسنانه:
"أنا هراعي حالتك ومش هحاسبك على كلامك ده بس كلمة زيادة وأقسم لك حسابي هيكون عسير."
ابتسمت بتهكم وهي تقول:
"خلاص مبقاش عندي حاجة أخاف عليها، بابا ومات من غير حتى ما أودعه وولادي اللي تعبت لحد ما شوفتهم مشيوا ومسألوش فيا، خلاص مبقاش ليا وجود في البيت ده."
حملت الحقائب وهمت بالذهاب لتتوقف مكانها عندما سمعته يقول:
"لو خرجتي من البيت ده مش هترجعيه تاني."
ألتفت إليه وقالت بتحدي:
"ومين قالك إني هرجع تاني؟ أنا لما بمشي عمري ما بتلفت ورايا."
التزمت الصمت قليلًا:
"زيك بالظبط."
وخرجت من الغرفة ومن المنزل بأكمله دون عودة.
❈-❈-❈
في منزل عاصم. تلاعب الشك بداخله عندما علموا بأمر زواجه من ابنة منصور وأيقن عاصم بأن حفيده ينوي الانتقام من عمه بابنته، ولهذا قرر أن يتحدث إليه في هذا الشأن، لن يتركه ليكون نسخة أخرى من منصور. فتحدث وليد بشك:
"جلبي بيجولي إن في إنّ في الجوازة دي، أكيد جاسر ناوي على حاجة."
زم عاصم فمه بحيرة وتحدث بشك:
"نفس تفكيري يا ولدي، جاسر ابن أختك مش من النوع اللي بيعمل حاجة قبل ما يفكر فيها مرة واتنين، وجوازه من بنت منصور اللي يطيق العمى ولا يطيجه يؤكد فعلًا أنه ناوي على حاجة، وخصوصًا أنه متسرع قوي في الجواز منها."
"على العموم إني شيعت له وهو زمانه جاي ونشوف إيه الحكاية بالظبط."
لم ينهي حديثه حتى سمع طرق على الباب ودخول جاسر. تقدم ليلقي عليهم السلام وجلس بجوار جده:
"خير يا جدي؟ خالي قال إنك عايزني ضروري."
نظر عاصم إلى وليد:
"سيبني معاه شوية."
أومأ وليد بتفاهم وخرج من المنزل. ثم توجه بنظره إلى جاسر وسأله باستياء:
"إيه حكايتك يا ولد جمال، وإيه اللي في دماغك بالظبط؟"
أبعد جاسر بصره عن مرمى عين عاصم الذي يعلم ما يدور بخلده من نظرة واحدة داخل عينيه. فيسأله بدهشة مصطنعة:
"تقصد إيه يا جدي مش فاهم."
لم يخطئ في شكه بل أيقن الآن:
"قصدي أنت خابره زين مفيش داعي تلاوع معايا، مهما تحاول تخبي على الكل بس بتيجي قدامي ومتكدر."
يعلم علم اليقين أنه لن يتركه حتى يعلم السبب الحقيقي لزواجه منها وهذا لن يحدث. لن يبوح بما يعذبه ويأرق مضجعه فقال بثبات:
"لو بتشك فيا زي أبوي وجدي يبقي الأفضل أن أنسحب بهدوء. أنت خابر زين إني أكبر من كده بكتير."
"أومال تفسر إيه جوازك منها بالسرعة دي."
تنهد جاسر بتعب ورد بثبات:
"للمرة التالتة بقولها بتزوجها عن اقتناع ولشخصها مليش دعوة بأبوها وهي موافقة واريده أنها تعيش معانا هنا، إني مخدتش حد بذنب التاني وإن كان أبوها غلط زمان فهي ملهاش ذنب في كل ده، وياريت يا جدي تقفل على الموضوع ده لإني تعبت منه."
شعر بالصدق في حديثه وقرر عدم التطرق في الحديث به مرة أخرى:
"هصدقك لأني خابر زين أنك متكدر تكذب عليا مع إني واثق إن في حاجة مخبيها بس هسيبك براحتك لحد ما تيجي أنت وتجول."
أومأ برأسه دون قول شيء. فغير عاصم مجرى الحديث وسأله:
"هتعمل إيه مع عمك لما يجي؟"
أجاب جاسر بهدوء أعصاب:
"الموضوع ده في إيدي أبويا وجدي إني مليش دخل بيه."
"كيف يعني! مش هتطلبها منه؟"
رد بنفس الهدوء الذي يخفي داخله نيران مشتعلة:
"لأ، أبويا هو اللي هيطلبها مش إني."
هز عاصم رأسه بيأس ثم تحدث بجدية:
"شوف يا جاسر إني مش هكلمك بصفتي جدك لا؛ إني هكلمك بصفتي عقلك اللي أنت لاغيه وبتتصرف بطيش."
"لو كنت فاكر إن بعد ما تتزوجها منصور هيخرج من حياتها فتبقي غلطان، منصور هيبقي معاك في كل لحظة، لأنه أبوها ووجت ما ياجي البلد ويسلم على أبوه وأمه كل حاجة هتتنسي وأولهم أبوك هينسى كل حاجة وهيفتح دراعاته ليه."
"وشوي شوي الماية هتعود لمجاريها وتلاقي منصور قدامك على طول، وياترى بقى على بعضك ليه ده هتجدر تتعايش معاه؟"
زم جاسر فمه بضيق لأنه يعلم بصحة حديثه. فور أن يعود إليهم سيتلاشى استيائهم منه، وسيبقى فقط عتاب القلوب.
"زي ما جلتلك أنا مليش صالح بيه، وإن كان على بنته عمري ما هقدر أمنعها عن أهلها مهما حصل، وياريت محدش يتكلم معايا في الموضوع ده تاني؟"
أومأ عاصم برأسه:
"اللي تشوفه يا ولدي وربنا يعملك اللي فيه الصالح."
❈-❈-❈
في غرفة سارة. جلس مصطفى بجوارها وقد آلمه اختفائها بهذا الشكل، هل حقًا كما أخبرته بأن حالتها تلك بسبب صدمتها بأبيهم أم أن هناك سببًا آخر. تحدثها بجدية:
"بردوا مش عايزة تقولي الحقيقة؟"
نظرت إليه بحيرة وسألته:
"حقيقة إيه مش فاهمة؟"
أكد لها بثبات:
"لأ فاهمة وعارفة كويس أنا أقصد أي، ومتحاوليش تقنعيني بغير كده لأنه واضح قوي عليكي، ده مش شكل عروسة فرحها بعد بكرة، إنتي حتى مدخلتيش أوضتك وشفتيها وكل ما يسألوكي عن رأيك في حاجة تقولي كويسة وخلاص، في إيه يا سارة أنا مبنمش من خوفي عليكي."
بللت شفتيها التي جفت من شدة التوتر وأجابت بابتسامة باهتة:
"صدقني يا مصطفى أنا كويسة متقلقش عليا، أنا بس متوترة من الحياة الجديدة اللي داخلة عليها."
(تبدلت ملامحها للحزن وهي تردف)
"غير كمان إني متخيلتش إني أتجوز وبابا وماما بعاد عني، صحيح هما طول عمرهم بعاد بس مش في لحظة زي دي."
ربت مصطفى على يدها وقال بحنو:
"معلش يا حبيبتي أكيد ماما هتيجي معاه أنا صحيح بكلمها بلاقي فونها مقفول بس أنا واثق أنها هتيجي."
أراد تلطيف الجو قليلًا وسألها:
"متيجي افرجك على أوضتك، بصراحة الأوضة تحفة."
ردت برفض:
"طنط وسيلة وتيتة نبهين عليا مدخلش الأوضة نهائي إلا يوم الدخلة، عوايد الصعيد بقى نعمل إيه."
ضحك كلاهما فيقول مصطفى بحسد:
"تعرفي إني بحسدك إنك هتفضلي معاهم، إنما أنا مجبر إني أرجع، على الأقل عشان الدراسة."
سألته بريبة:
"أفهم من كده إنك مش هتيجي تزورني؟"
نفى مصطفى ظنها:
"لأ طبعًا من قال كده! ده مش بعيد أقضي الإجازة هنا بحجة إني مش قادر أفارق توأمي، وبعدين متقلقيش هبقى أكلمك كل يوم."
"إن شاء الله."
تذكر مصطفى أمر دراستها وسألها بجدية:
"آه بالحق هتعملي إيه في دراستك؟"
"عمو كلم دكتور خالد وهو قاله أنه هيساعدنا في النقل وربنا يسهل."
نهض مصطفى وهو يقول بحب:
"طيب أسيبك بقى وروح أنام لأن الليلة اللي فاتت دي عنيه مغمضتش، تصبحي على خير يا حبيبتي."
"وأنت من أهله."
خرج مصطفى وقررت هي الجلوس في حديقة المنزل كي تريح أعصابها قليلًا.
❈-❈-❈
التزمت ليلى بالوعد التي قطعته له بأن تذهب دون أن تودعه، فاكثر ما يبغضه هو لحظات الوداع حتى ولو كان لأيام معدودة. جلست في مقعدها في الطائرة شاردة الذهن، والقلق ينهش قلبها خوفًا عليه بلا رحمة. ماذا إذا عادت ولم تجده؟ ماذا إذا تعرض لنوبة أخرى وهي ليست بجواره؟ هي تعلم جيدًا بأنه لن يكون وحيدًا، لكن وجودها معه يختلف. ولولا ذلك الزفاف ما تركته مهما حدث. شهر مر عليهم وهم معًا لا يبتعدون عن بعضهم البعض سوى ساعات قليلة إما وقت الراحة أو وقت دخولها غرفة العمليات ثم تعود إليه سريعًا. تُقبل على الصعيد تاركة قلبها معه.
عكس الذي يقبع في أحد المقاعد بنفس الطائرة مُقبل على الصعيد بغرور وعنفوان وهو يرأس شركة بذلك الحجم. لم يفشل كما ظنوا به، ولم يهزم بل استطاع القضاء على أعدائه بكل سهولة وبلمح البصر كان يتربع على عرشها. ولولا أن أحد أعدائه أم أولاده لكان قضى عليها هي الأخرى دون أن يرف له طرف، لكنه مقيد بأولاده. أحكم قبضته عليها فلن تستطيع الغدر به بعد الآن.
وطئت الطائرة أرض الصعيد لينزل كلاهما متجاورين ولا يعرف أحدهما الآخر. هي وجدت معتز ينتظرها بالسيارة فاستلقت معه بعقل شارد. أما هو فقد فضل السير قليلًا في شوارعها التي اشتاق لها ولنسماتها التي عطرته هي بنسائم حب. وتركها هو برياح غدر. لم يعود ليبقى، فرغم حبه الشديد لبلدته إلا إنه لا يحبذ البقاء فيه. ليس مكانه ولا عالمه.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي
لاحظ معتز شرودها طوال الطريق ونظرات الحزن التي لاحت داخل عينيها منذ أن ذهبت معهم إلى القاهرة وتعرفت عليه.
أخطأتَ، كان عليها الوقوع في حب ذلك الشخص الذي لن تجني من ورائه سوى الآلام. تعاطف معها بشدة، لكن ليس بيده شيء ليساعدها به.
تساءل: لما كتب على أولاد جمال أن يعيشوا عذاب الحب المستحيل؟
فسألها بتعاطف:
_ أمجد عامل إيه دلوقت؟
تطلعت إليه وهى على شرودها:
_ زي ما هو، مفيش جديد.
_ ليلى، انتي لو فضلتِ على حالتك دي قدامهم، أمك مستحيل تهملك، ترجعي تاني وأبوكي وقتها مش هيجي لها.
تنهدت بتعب ونظرت من نافذة السيارة. ليهز رأسه بيأس منها.
فسألته دون النظر إليه:
_ جاسر عامل إيه مع سارة؟
أجابها بحيرة:
_ والله ما أنا عارف إيه قصته معاها بالظبط، بس لو زي ما بيقول إنه رايدها خلاص، ربنا يسعده.
_ وعمك منصور مجاش؟
هز رأسه بنفي:
_ لسه ما جاش، بس جدك بيقول إنه ممكن ييجي النهاردة أو بكرة بالكتير.
اندهشت ليلى من عدم مجيئه وعادت تسأله:
_ معقول يبقى فرح بنته وميجيش!
رد معتز بحيرة:
_ أنا برضه مستغرب، ومش عارف الجوازة دي هتم على إيه، ده إن تمت أصلًا.
عادت ليلى إلى المنزل لتجد الجميع يستقبلها بحفاوة، مما جعلها تتناسى أحزانها قليلًا. بدأت في الاندماج معهم.
تلفتت حولها وهى تسأل:
_ أومال فين سارة ومصطفى؟
نزل مصطفى الدرج وهو يقول يجيب بهدوء:
_ أنا مصطفى، وإنتي أكيد ليلى.
أكدت ليلى وهى تنظر إليه بابتسامة:
_ أكيد طبعًا، مفيش غيري في البيت ده.
تقدم منهم ليقول بمرح:
_ خلاص مش هتبقي لوحدك، سارة هتكون معاكي على طول.
تلفتت حولها:
_ أومال هي فين؟
أجاب حازم بمزاح:
_ عاملة عروسة ومكسوفة مننا.
وكزته وسيلة في كتفه ونظرت لليلى:
_ هي فوق في أوضتك، اطلعيلها.
استأذنت منهم وصعدت إلى غرفتها وطرقت الباب حتى أذنت لها سارة بالدخول.
ولجت ليلى لتجدها جالسة على الفراش في وجوم، مما جعلها توقن بأن هناك خطب ما، فما تراه على ملامحها يؤكد ذلك.
فسألتها بمرح:
_ سارة، مش كده؟
نظرت سارة إليها ورسمت ابتسامة على وجهها وهي تجيب:
_ وإنتي أكيد ليلى.
رحبت بها بحفاوة ثم جلسوا على الفراش.
فتحدثت سارة باعتذار:
_ معلش بقى، أخدت أوضتك.
_ عادي ياحبيبتي، ولا يهمك، المهم مبسوطة معانا.
لاح الحزن على ملامحها لكنها أجابت بصدق:
_ ندمانة بس إني معملتش كده من زمان وجيت عشت وسطكم، وقتها كانت حاجات كتير أوي هتتغير.
تأكدت ليلى بوجود أمرًا تخفيه بداخلها، مما جعلها تسألها باهتمام:
_ يعني انتي وافقتي على جاسر عشان تفضلي معانا، ولا لإنك فعلًا مقتنعة بيه؟
لا تعرف لما شعرت بالراحة تجاهها وكانت تود أن تفيض بما تعانيه، لكنها لم تستطع.
فتجيب بإبتسامة لم تصل لعينيها، وهي تقول بصدق:
_ بصراحة، الاتنين. أولًا لإن جاسر فعلًا أي واحدة تتمناه. هو صحيح عصبي حبتين،
شردت بخيالها.
_ بس راجل يعتمد عليه، تقدري تقولي سند بمعنى الكلمة، حتى لو على حساب نفسه.
تذكرت نظراته المبهمة لها، لا تعرف إذا كانت لوم أو عتاب.
_ والسبب الثاني إني عايزة أفضل هنا، ودي الطريقة الوحيدة اللي هتخلي بابا يسيبني معاكم.
التمست ليلى الصدق في مشاعرها، فسألتها بتوجس:
_ مش هتحني في يوم للعيشة في المدينة والأجواء دي؟
هزت رأسها بالنفي وتحدثت:
_ أنا من النوع اللي بحب الهدوء وأجواء الريف، وجو العيلة والحياة دي. يعني لو فاكرة إني مش هقدر أكمل، فبقولك متقلقيش.
ابتسمت ليلى بسرور وربتت على يدها وهي تقول بسعادة:
_ طيب، أنا هدخل آخد شاور سريع كده وأطلع أجهز أحلى عروسة، تنور البيت والنجع كله.
هزت سارة رأسها بابتسامة عريضة ودلفت ليلى المرحاض.
في الأسفل، كان الجميع على قدم وساق لأجل الحنة التي أقامها جمال في حديقة منزله استعدادًا لتلك الليلة.
طرق الباب ليفتح جاسر، كعادته، ويتفاجأ به أمامه.
لم يبدِ أي رد فعل على ذلك البركان الذي يفور بداخله،
خاصةً عندما وجده ينزع نظارته الشمسية وهو يلقي السلام بهدوء:
_ السلام عليكم، انت أكيد جاسر.
أومأ له جاسر محاولًا التحلي بالصبر حتى يمر ذلك الزفاف وأشار له بالولوج:
_ وعليكم السلام، أيوة أنا، اتفضل.
ولج منصور وبداخله رهبة من ذلك المكان الذي غاب عنه أعوام عديدة.
لتسمر مكانه وقد انخفق قلبه وهو يرى والداه أمامه وقد ألجمتهم الصدمة وجعلتهم غير قادرين على النطق وهم يروا فلذة كبدهم بعد طول غياب أرهق كلاهما.
كانت لغة النظرات هي السائدة في تلك اللحظة.
نظرات تحمل العتاب لذلك القلب الذي رحل دون حتى وداع، وترك خلفه قلوب تتحرى شوقًا لرؤيته.
لذلك العقل الذي سعى خلف الأنانية وحب الذات.
ساد الصمت بين الجميع.
عمران يحاول بصعوبة بالغة الثبات أمام تلك الرغبة التي تحثه على أن يتناسى كل شيء وينعم بتلك اللحظة التي حلم بها وتمناها بشدة.
لكن لن يبادر بذلك حتى يرى مبادرته هو.
أما جليلة فقد شعرت بقدميها كالهلام ولم تستطيع الوقوف أكثر من ذلك، لتخونها قوتها الزائفة وتسقط على المقعد وهي تقول بوله:
_ ولدي.
أسرع الجميع إليها، ولكن تلك المرة يد منصور كانت الأقرب إليها.
_ أمي، إيش حالك على ركبتيه أمامها وسألها بلهفة:
_ أمي، إنتي كويسة؟
تساقطت دموعها وهي تنظر إليه بإشتياق وعينيها تمر على ملامحه بلوعة. رفعت يدها لتمريرها على ملامحه وكأنها تتأكد بأن العين لم تخطئ، وها هو ذا قابعًا أمامها بعد تلك الأعوام التي بكتها خفية كي لا تحزن أباه الذي كان أيضًا ما إن تأتيه الفرصة حتى يأن قلبه شوقًا لولده.
_ ولدي.
قبل منصور يدها بحب وهو يقول:
_ كيفك يا أمي؟
تطلعت إليه بولة وعيناها تجول ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب مهما غيرته السنين:
_ زينة، ما دام شوفتك يا ولدي.
أحتضنته جليلة بكل الشوق الذي أرقها أعوام وأعوام، وكلما جذبته إليها كلما زاد الشوق إليه.
التفت ذراعاى منصور حولها لينعم بذاك الدفء الذي افتقده كثيرًا منذ أن رحل.
واكتشف أنه هو الخاسر الوحيد من بينهم.
ابتعد عنها كي ينظر إلى والده الذي لم تسعفه قدماه على الوقوف، فمال عليه يقبل يده ورأسه:
_ كيفك يا بوي؟
لا يعرف عمران لما صوب نظراته إلى جمال وتذكر ما عاناه بسببه، لكن جمال أشار له بعينيه أن يتناسى كل شيء، فأجابه بلهجة، رغم العتاب الذي تحمله، إلا إنها أيضًا تحمل شوقًا وولعًا له:
_ الحمد لله يا ولدي، زين.
نهض منصور من أمام والده ليجد جمال، ذلك الدرع الذي يتحامى به الجميع وأولهم هو.
ابتسامته التي تبث الراحة والطمأنينة في داخل من يراها، فيشعر في تلك اللحظة أنه مهما علا وكبر، سيظل دائمًا ذلك الصغير الذي يأخذ أخاه دائمًا درعًا له.
لم يتغير، بل زاده الشيب صلابة وقوة، وكلما كبر كلما زاد وقارًا وشدة.
كانت تلك اللحظة بينهم خاصةً بحديث القلوب، فيبادر ذلك القلب الصافي باحتضانه وهو يتحدث بصدق:
_ نورت النجع يا خوي.
أجابه منصور وهو يحتضنه بشوق:
_ منورة بناسه.
توجه بنظره إلى جاسر الذي يرمقه بجمود وتحدث:
_ ازيك يا جاسر.
أومأ له بجمود وتحدث بثبات:
_ أهلًا بيك في نجعنا.
أحم حم جمال بإحراج من رعونة ابنه وقال برجاحة:
_ تعالى، لما أعرفك على الباقي.
لم يختلف حال توأمه عن حال جاسر وأبيهم، يقدمهم له.
أما مصطفى فقد صافحه ببرود لم يعهده به من قبل.
فسأله:
_ أومال أختك فين؟
أجابت وسيلة هذه المرة:
_ فوق مع ليلى في أوضتها.
أومأ لهم ثم جلسوا جميعهم، إلا جاسر الذي استأذن منهم كي يرى العمال بالخارج.
❈-❈-❈
خرجت ليلى من المرحاض وهي تحاول تجاهل اشتياقها له وقلقها عليه، فحتى الآن لم تهاتفه مرة واحدة.
خرجت لتجد سارة كما تركتها جالسة على الفراش في وجوم.
يبدو أن حالها ليس بأفضل حال منه.
تظاهرت ليلى بالمرح وهي تقول:
_ إيه ياعروسة، هتفضلي قاعدة كده؟
رفعت عينيها لتنظر إليها وقالت:
_ أعمل إيه؟
اندهشت ليلى وجلست بجوارها على الفراش:
_ النهاردة حنتك يابنتي، وكلها ساعتين بالكتير وهتلاقي البيت مليان ناس جاية تبارك، ولو شافوكي بالحالة دي هيقولوا إننا خاطفينك.
لم تستطع الثبات أكثر من ذلك وبدأت العبرات تتجمع داخل مقلتيها.
لم تتحدث ليلى، بل جذبت رأسها داخل أحضانها وربتت على رأسها بحنو.
أما سارة فقد كانت تبكي بشدة على كل شيء، على صدمتها في والديها وتخليهم عنها في أكثر الأوقات احتياجًا لهما، وعلى صديقتها التي غدرت بها وتركتها لأخيها ليستحل عرضها على زوجٍ فرضته الأيام عليها، مجبرةً عليه ومجبراً عليها.
أزاحت ليلى خصلاتها عن وجهها وتطلعت بها تسألها ببريئة:
_ مالك ياسارة؟ احكي وأنا أوعدك إنه هيفضل سر بيني وبينك.
أغمضت عينيها بشدة، وددت لو لم تمتلك الجرأة لتقص عليها ما حدث، لكنها حقًا لن تستطيع.
ابتعدت عنها قليلًا وهي تمسح دموعها:
_ صدقيني، مفيش حاجة، بس أنا ما تخيلتش إنهم هيتخلوا عني في الوقت ده، أنا فعلًا محتاجاهم.
ربتت على يدها وهي تقول بتعاطف:
_ معلش، محدش عالم بظروفهم، وبعدين معتز قالي إن باباكي جاي النهاردة وأكيد مامتك معاه، متقلقيش.
يلا بقى قومي خدي شاور لحد ما أجهز لك الفستان اللي هتلبسيه.
لم تنهض سارة، فقامت ليلى بجذبها:
_ يالا بقى، مفيش وقت.
ابتسمت لها بامتنان ودلفت المرحاض.
بعد وقت قصير خرجت سارة من المرحاض فوجدت ليلى تخرج الملابس من الخزانة فسألتها بحيرة:
_ فيه إيه يابنتي؟
ردت ليلى بغيظ وهي تواصل بحثها:
_ بدور على فستان بدل فستان العزا اللي انتوا شارينه ده.
ظلت تواصل البحث حتى عثرت عليه في أحد الحقائب، فأخرجته بسعادة وهي تقول:
_ أخيرًا لقيته.
قامت بفرده على طول الفراش لتنبهر سارة بروعته وبلونه الأوف وايت الساحر.
_ قولي بقى إيه رأيك؟
هدأ انبهارها عندما لاحظت أنه عاري الأكتاف والذراعين:
_ الفستان ده جميل جدًا، بس عريان أوي، وممكن عمو وجاسر ميوفقوش.
_ من الجهة دي اطمني، مفيش حد من الرجالة بيدخل عند العروسة إلا جاسر، ووقتها نخلي شال جنبك لو هتتكسفي منه.
قالت بتردد:
_ بس…
قاطعتها ليلى بإصرار:
_ مفيش بس، الفستان طويل ومش مبين غير الأكتاف ومحلولة إن شاء الله، أنا أصلًا كنت اشتريته أون لاين لأنه عجبني وقلت أخليه لأي مناسبة وجات خلاص أحلى مناسبة.
تطلعت سارة إليها بامتنان وقالت بحب:
_ أنا عشت طول عمري أتمنى أخت، والحمد لله لقيتها أخيرًا.
ابتسمت لها بود وقالت بصدق:
_ بس إحنا أصلًا أخوات من زمان وخلاص اتلاقينا.
أنا هكويه بسرعة، وانتي اختاري حاجة على ذوقك ليا لحد ما أخلص.
أومأت برأسها ونظرت إلى الملابس الموضوعة على الفراش وأخذت تختار منها.
❈-❈-❈
في المشفى، جلس فارس بجوار أمجد يتحدث معه عن أمور العمل وما توصلوا إليه، فشعر بأمجد شاردًا وفي عالم آخر.
فتحدث بخبث:
_ اللي واخد عقلك؟
نظر إليه أمجد ليسأله:
_ هو مين اللي واخد عقلي؟
رفع حاجبيه وهو يجيب بمكر:
_ طبيب القلوب اللي هرب من مصر من غير وداع.
شرد أمجد وقد لاح الحزن على ملامحه وهو يقول:
_ فراق أيام وعمل فينا كده، ياترى بقى هي هتعمل إيه بفراق العمر كله؟
ألمه رؤية اليأس في عين صديقه وقال بثقة:
_ إن شاء الله مش هيكون فيه فراق وهتعيش معاها العمر كله.
ابتسم بحزن وهو يقول بصوت يأس:
_ ما أظنش، أنا حاسس إن النهاية قربت، وعشان كده رفضت إني أشوفها قبل ما تمشي، كنت خايف تكون آخر مرة.
تحدث فارس بتفاؤل:
_ إن شاء الله مش هتكون آخر مرة، ليلى بنت حلال وتستاهل إنك تقاوم عشانها.
تنهد أمجد بتعب:
_ هي تستاهل أكتر من كده بكتير، بس للأسف دي حاجة مش بإيدي.
دخل والده ليتطلع إليه بسعادة بعد أن فارق غرفة العناية وتم نقله في غرفة عادية بعدما أصر على تركها.
_ عامل إيه دلوقت يا أمجد؟
أجاب أمجد بابتسامة لوالده:
_ بخير يا بابا، الحمد لله.
جلس على المقعد بجواره:
_ يستاهل الحمد، أومال فين دكتورة ليلى؟ مش شايفها النهاردة.
_ سافرت الصعيد عشان فرح أخوها.
تذكر صابر أمر دعوتهم:
_ آه صحيح، دا جمال اتصل عشان يدعينا بس اعتذر.
قال أمجد بعتاب:
_ ليه بس يابابا، كان لازم تروح.
ربت صابر على كتفه قائلاً:
_ تتعوض إن شاء الله وتبقى الفرحة فرحتين.
آمن فارس:
_ يارب يا عمي ونشوف أخت ليها وتبقى تلاتة.
ضحكوا جميعًا إثر دخول عصام الذي سألهم:
_ بتضحكوا على إيه؟ ضحكوني معاكم.
قال صابر:
_ بنقوله شد حيلك عشان نخطبلك لاحسن العروسة تطير من إيدينا.
تابع عصام فحصه وقال بثقة:
_ لا من الجهة دي أطمن، أنا ضمنتها.
نظر إلى أمجد وتابع بمكر:
_ ولا إيه يا أمجد؟
رد فارس بمكر:
_ شكله مالي إيده عـ الآخره.
اقترح صابر:
_ طيب إيه رأيك نروح نخطبها دلوقتي وبعد العملية يبقى نعمل الفرح؟
نظر لعصام وسأله:
_ هي هتخرج إمتى؟
زم عصام فمه ونظر لصابر بعتاب، فما يقوله هو المستحيل بحد ذاته، ويبدو أن أمجد يعلم حالته جيدًا إذ أجاب والده:
_ لأ يابابا، مينفعش اللي انت بتقوله ده، هنروح نقولهم إيه؟ هحجز بنتكم لحد ما أشوف ابني هيموت ولا يعيش، إن عاش خير وبركة، وإن مات مش خسرانين حاجة!
اهتزت نظرات صابر، فهو لم يفكر بتلك الطريقة، هو نظر للموضوع من جهة أنه رجل صعيدي ولا يقبل علاقة ابنه مع ليلى التي يعرف أهلها جيدًا ويريد أن تكون علاقتهم في النور.
_ أنا مفكرتش كده، كل الحكاية إني عايز علاقتكم تكون في النور ومن غير ما تحس بتأنيب ضمير إنك بتـ...
قاطعه أمجد بثبات:
_ بس إحنا مفيش علاقة بينا في الضلمة عشان نخليها في النور، كل الحكاية علاقة دكتورة بالمريض بتاعها، آه بحبها وأتمناها تكون شريكة حياتي، بس مش وأنا راقد على السرير؛ ومش وأنا داخل بيتهم متسند.
إن شاء الله لو ربنا كتب لي عمر هدخل البيت من بابه وأنا ماشي على رجلي.
تحدث عصام بجدية:
_ كفاية كده يا جماعة وخلوه يرتاح شوية.
نظر إلى أمجد وأردف:
_ ياريت متفكرش في أي حاجة غير صحتك.
أومأ أمجد بصمت ثم خرجوا جميعًا من الغرفة.
❈-❈-❈
دلف منصور غرفته ليجدها كما هي منذ تركها، لم يتغير بها شيء.
مكتبه والكتب التي تركها عليه.
فراشه وكأنه تركه أمس.
خزانته، ملابسه التي تركها بها قبل سفره.
وقف ينظر إلى أربعة جدران شاهدوا آخر لقاء مع أخيه عندما طالبه بتلك النقود.
وكم كان غـ…
أنكر، لا لم يخطئ بشيء، كل ما في الأمر أنه تمسك بحلمه ليس أكثر ولا أقل.
نعم لم يخطئ، وأكبر دليل على ذلك نجاحه ونجاح أخيه أيضًا.
تعب قليلًا لكنه كُفئ بعدها.
هكذا أخمد ضميره الذي عاد يستيقظ من جديد.
فرغ حقيبته ودلف المرحاض ليقف أسفل المياه.
وتذكر كلماته معها عندما أخبرها بذهابه لزفاف ابنتهم.
فلاش باك.
بعد انتهاء العزاء، طرق منصور باب غرفتها ليجدها جالسة على المقعد بوجوم.
فتقدم منها ليتحدث بجدية:
_ أنا مضطر أسافر البلد عشان فرح سارة، هتيجي معايا ولا لأ؟
لم يزيدها كلماته سوى ازدراء من ذلك الشخص الذي لا يهتم بأحد إلا بما يريد هو.
فسألته بهدوء:
_ انت عرفتهم بوفاة بابا؟
رد ببساطة:
_ لأ، لإن مينفعش أقول لهم، وهي حنتها بكرة.
نظرت إليه باشمئزاز، لا تجد الكلمات التي تصف مدى الخزي الذي تشعر به تجاهه:
_ وانت مستني أروح معاك أحضر فرح بنتي اللي أنا مش موافقة عليه، وكمان وبابا متتكملش تلات أيام؟
تحولت ملامحها إلى بغض وكراهية:
_ انت إيه يا أخي، معندكش دم؟
زم منصور فمه بغضب وهدر بها بتحذير:
_ احفظي لسانك يا إما...
قاطعته سمر بحدة:
_ يا إما إيه! هتعمل إيه أكتر من اللي عملته؟
أنا مخنتكش يا أستاذ، أنا بس كنت بأمن نفسي، لأنك ملكش أمان. كل ما كنت أشوف قسوتك على أهلك كنت بخاف منك أكتر، وعشان كده كان لازم أأمن نفسي من غدرك.
انت فاكر إنك مصدق إن جوازة بنتك لابن أخوك مالكش غرد منها؟
لأ، أنا واثقة كويس، وكويس أوي كمان، إن موافقتك دي وراها مصلحة، عشان توصل بيك الحقارة إنك تدخل بنتك فـ...
صفعة قوية سقطت على وجهها كادت أن تسقطها أرضًا، لكن يده التي جذبتها من خصلاتها منعتها من السقوط، وقال بفحيح كفحيح الأفعى:
_ أنا ساكت من بدري ومراعي حالتك، بس إنها توصل لإهانتي، فأنا أدفنك زي ما دفنت أبوكي، وزي ما قولتي مليش عزيز ولا غالي بعد مصلحتي. بنتك أنا ببعدها عنك عشان مش عايزها تبقى نسخة تانية مني ومنك.
أما بالنسبة للمصلحة اللي من ورا الجوازة دي، فيكفي أنها هتعيش في نفس المستوى اللي عايشة فيه، وكمان من إنسان مش هيطمع فيها وهيصونها. أنا مسافر الصبح، عايزة تيجي معايا اتفضلي، مش عايزة يبقى براحتك.
أزاحها من أمامه حتى سقطت على المقعد خلفها.
وخرج منصور صافقًا الباب خلفه بحدة.
باك.
عاد منصور على صوت الباب فأغلق صنبور المياه وارتدى ملابسه وخرج من المرحاض ليفتحه.
فيجد مصطفى واقفًا ينظر إليه بعتاب واضح:
_ تعالى يا مصطفى.
دلف مصطفى الغرفة منتويًا التحدث مع أبيه فيما عرفه، أشار له منصور بالجلوس وجلس بجواره ليربت على ساقه قائلاً:
_ انبسطت في الصعيد؟
أومأ مصطفى برأسه دون قول شيء، وكأنه متردد هل يصارحه بما سمعه؟ لكنه يخشى أن يكون سببًا في إلغاء الزواج،
مما جعله يتراجع ورد بإقتضاب:
_ أكيد.
اندهش منصور من وجومه وسأله بقلق:
_ مالك، في حاجة مزعلاك؟
الهدوء الذي يتحدث به جعله لا يستطيع الصمود أكثر من ذلك و……