ظلت على جلستها أرضًا لوقت لا تعلمه. لكن جسدها الذي يؤلمها من تلك الجلسة غير المريحة نبهها لمرور وقت طويل عليها. آنت بألم وهي تعتدل واقفة وظلت تنظر حولها بتشتت. وعقلها يسأل دون توقف: كيف أمتلكت القدرة على القدوم إلى هنا؟ وكيف استطاعت التنفيذ بعد التفكير؟ والإجابة واضحة: هي تثق في أديم أكثر مما تثق في نفسها. هي تشعر جواره بالأمان. هو الشخص الوحيد الذي شعرت تجاهه بهذا الشعور من بعد خسارتها لوالديها. ولكن بغبائها خسرته.
اليوم ولأول مرة تشعر أنها فتاة شديدة الغباء. وليس كما كانت تفتخر بنفسها بأنها تمتلك ذكاء ودهاء كبير. لقد خسرت شيئًا ثمينًا مقابل شيء لا قيمة له. وبعد عدة سنوات لن يذكره أي شخص سوى أنه فعل غير إنساني. حقير. انحدرت دموعها من جديد. لكن ما الفائدة؟ الخسارة كبيرة. ولو ظلت طوال حياتها تزرف الدموع لن يكفي. جلست على الأريكة الكبيرة التي شاهدته نائم عليها آخر مرة بشكل طفولي وفوضوي. وتمددت عليها تتلمس رائحته بين طياتها.
حتى استسلمت للنوم. لكن وفي أحلامها كانت عيناه التي تنظر قديمًا لها بحب، الآن تنظر لها بغضب وكره. ولم ترى حتى شفقة فيهم على حالها الآن ودموعها. لتنحدر من عيونها المغلقة عدة دمعات. وصدرت عنها شهقة خافتة تحطم القلب. دلف فيصل إلى شقته والهموم فوق كتفيه كالجبال. قلبه الذي سمع صوت تحطمه مازال يصم أذنيه حتى تلك اللحظة. يريد أن يفهم. يريد أن يعرف كل شيء. يريد أن يضمها إلى حضنه ويخبئها بين ضلوعه. يريد أن يأخذ ثأرها.
أن يلقن ذلك القذر درسًا بيده. أن يقتلع عينيه التي نظرت إليها بشهوة. ويقطع يديه التي تجرأت عليها. ويشوه وجهه كما شوه قلبها بندوب الألم والحسرة. جلس بتهالك على أقرب كرسي واضعًا رأسه بين كفيه. والأفكار داخل عقله لا تهدأ أبدًا. ماذا عليه أن يفعل؟ عليه التفكير جيدًا والتحرك سريعًا. هو لن يتحمل أكثر من ذلك. عاد أديم إلى قصر الصواف بنفس الطريقة التي غادر بها. بعد أن اطمأن على كاميليا. واتفقوا على الكثير من الأمور.
عند أول خطوة له بعد البوابة الداخلية وصله صوت طارق يقول: -وبعد كل الفضايح دي حضرتك سمحتيله يرجع القصر تاني؟ أزاي يا طنط؟ -علشان بتفكر في مصلحة كيان واسم العيلة. مش زيك مش بتفكر غير في نفسك. وبصوت شاهيناز التي كانت تظن أنها أجابته، كانت تلك أجابة حاتم الذي يقف عند السلم. ليقول أديم ببعض الغرور: -وبعدين أنت مالك أصلاً؟
أي حاجة داخل عيلة سراج الصواف محدش مسموح له يدخل فيها. المعنيين بالأمر بس هما اللي ليهم الحق. وأقصد هنا بكلامي حاتم. لأنه جوز سالي. لكن أنت يا طارق تدخل ليه؟ ومحموق أوي كده ليه؟ وقف طارق ينظر إليه بغضب مكتوم وبداخله نار تشتعل. معنى وجود أديم هنا أنه لم يرى رسالته. وأن مخططه سوف يؤجل. وذلك يثير غضبه. خاصة بعد موقف شاهيناز الذي شعر به مائع وليس له معنى.
هو كان يريد أن تستغل فرصة الفضيحة وتأكدها حتى يقضي على أديم تمامًا. لكن كما العادة الظروف جميعها تتحالف ضد رغبته. ودائماً ينجح أديم في التغلب على كل شيء ويحصل على كل شيء. لكنه لن يظل صامتًا أكثر من ذلك. ولو كان ما تبقى أمامه فضيحة أكبر أو حتى سفك الدماء. ابتسم لأديم ابتسامة صفراء يملؤها التحدي وغادر دون أن يضيف أي شيء. ليُلقي أديم التحية على شاهيناز وأقترب من حاتم وقال: -تعالى ورايا على أوضتي. ضروري ولوحدك.
وصعد درجات السلالم وأكتافه مهدلة من كثرة الحمل الذي وضع فوقها دون رحمة. ليتوجه حاتم إلى المطبخ يخبرهم بما غادر غرفته من أجله وعاد إلى الطابق العلوي ولكن إلى غرفة أديم. لكن حين مر من أمام غرفته تذكر كلمات سالي الأخيرة: -نفسي في أكل شعبي يا حاتم. فول وطعمية. وجبنة قديمة وجرجير. ليبتسم رغماً عنه وهو يتذكر رد فعله حين ظل ينظر إليها بصمت وكأنها لم تقل شيئاً. ثم قال بهمس مستفهم: -هو أنتِ قلتي أيه يا سالي؟
-قلت عايزة فول وطعمية وجبنة قديمة وجرجير. أجابته بنفس الهمس. ليرفع حاجبه بأندهاش ثم رفع كفه يتحسس جبينها قائلاً بقلق: -أنتِ سخنة يا حبيبتي؟ وبعدين أنتِ مين؟ فين سالي؟ وأبتعد عنها قليلاً ينادي بصوت عالٍ: -سااااالي. ساااااالي. لتضحك هي بدلال وأقتربت منه أكثر وكأنها سوف تبلغه بسر نووي: -أصل ماما لو عرفت إني طلبت الحاجات دي ممكن ترميني من الشباك عادي. وأنا نفسي فيهم أوي. ليضمها إلى صدره بحنان وقال بصدق:
-طول ما أنا موجود مفيش حد ممكن يأذيكي حتى والدتك. وكل اللي نفسك فيه يتحقق في التو واللحظة. وغادر الغرفة حتى يطلب من العاملين بالمطبخ تحضير كل ما طلبته سالي ووضع هو لمسته السحرية المميزة. لكن ما حدث بالأسفل جعله يشعر بالضيق. وهيئة أديم وصوته زاد من قلقه وخوفه. طرق على باب غرفة أديم وسمعه يسمح له بالدخول. ليسقط قلبه أسفل قدميه حين وجده يجلس أرضًا يستند إلى الحائط ويخبئ رأسه بين ذراعيه المستريحين فوق ركبتيه.
ليدلف إلى الغرفة وأغلق الباب بسرعة وأقترب يجلس أمامه وهو يقول بقلق وتوتر: -في أيه يا أديم؟ أيه اللي حصل؟ لم يتحرك. أو يتكلم. ولكنه حرك يده حركة بسيطة لينتبه حاتم للظرف الأبيض الذي بين يدي أديم. ليأخذه وفتحه بلهفة. لتجحظ عيناه وهو يقرأ ما كُتب بتلك الطريقة الغريبة التي تشبه أفلام العصابات الأجنبية:
(( لو قدرت تداري على الفضيحة الأولى فأنا بقى عارف الفضيحة التانية. وكنت شاهد على اغتصاب أختك وعارف إللي عملها ودور الشرف إللي كلكوا عايشين فيه. بكلمة مني هيتفضح. أستعد علشان إللي جاي مش هيبقى سهل أبدا. ليا شروط وأنت هتنفذها. وإلا المرة دي عيلة الصواف مش هيقوملها قومة ) -مين إللي بعت الكلام ده؟ سأل حاتم بصدمة وعدم إدراك. لينظر إليه أديم بعيون زائغة وقال: -معرفش. لا في عنوان ولا اسم ولقيت الجواب ده قدام باب شقتي.
خيم الصمت عليهم والصدمة لا تزال ترتسم على ملامح حاتم الذي يشعر أنه فقد النطق والمنطق. ولم يعد لديه عقل يفكر به. وظل أديم ينظر إليه والحزن ينطق من عينيه خاصة مع تلك الدمعات التي لمعت داخل عينيه دون أن تغادرها. في صباح اليوم التالي كان الجميع في حالة عدم توازن. لكنهم أبداً لم يتخيلوا المفاجآت التي تنتظرهم. وأولهم طارق الذي كان يجلس على طاولة الطعام وبداخله إحساس بالانتشاء. رغم فشل استغلاله لما حدث بالأمس.
لكن مازال لديه الكارت الرابح الذي سيستطيع به أن يضع الجميع أسفل قدميه يتوسلون له أن ينقذهم جميعاً. وأولهم تلك المغرورة التي لم تلقي عليه حتى الصباح. ولم تنظر إليه ولو لمرة. لكنه انتبه لغياب كاميليا عن التجمع فقال لإحدى الفتيات العاملات: -أطلعي نادي كاميليا علشان الفطار. ليبتسم أديم بسخرية وهو يقول: -هو أنت متعرفش أختك فين يا طارق باشا؟
صحيح هتعرف أزاي وأنت مش شاغل نفسك غير بيا أنا بس. وأزاي تكسرني وتاخد كل اللي ليا ويبقى ليك. احتقن وجه طارق بغضب كبير وهو يضرب سطح الطاولة قائلاً بصوت عالٍ: -هو أنت عايز تعمل بطل حتى بيني وبين أختي؟ كاميليا هتكون فين يعني؟ يا في أوضتها أو في البيسين بتتمرن. ليضحك أديم بصوت عالٍ أمام نظرات الجميع بين المندهش. وبين السعيد بموقف طارق المخجل. وبين الجاهل المنتظر أن يعلم. ليضرب طارق الطاولة مرة أخرى وقال:
-أنت بتضحك على أيه؟ وترك الطاولة وهو ينادي على كاميليا بصوت عالٍ. ولو كانت كاميليا موجودة بالبيت لانتفض جسدها رعباً بسبب صوت أخيها الجهوري. لكن أديم تحرك من خلف الطاولة بهدوء وقال ببرود: -كاميليا سابت قصر الصواف من أكثر من ثلاث أيام يا طارق. من اليوم اللي كشفت لعبة شاهيناز هانم معاك. ومن نهار الاجتماع اللي الحقايق كلها بانت فيه. زاد احتقان وجه طارق وهجم على أديم حتى يضربه. لكن حاتم وقف بينهم يحول بين وصول
طارق لأديم الذي قال ببرود: -عايز تعمل عليا أنا راجل. وأنت كنت السبب الأول اللي خلا أختك تخرج برى القصر ده. خوفها منك ومن غضبك إللي عامي عنيك. الغل والغضب إللي بيحركك خلاها تعتقد أنك ممكن تأذيها. وعلشان كمان تخرج بره دايرة التفاهة والعالم المخملي اللي مبقاش له أي داعي في أيامنا دي وإللي شاهيناز هانم كانت بتحاول تفرضه عليها. ظل طارق ينظر إليه بغضب مكتوم وقال من بين أسنانه: -هي فين؟ -وهو أنت فاكر أني هقولك يا طارق؟
كاميليا زيها زي نرمين وسالي عندي. وزي ما عمري ما هسمح حد يفكر يأذيهم عمري ما هسمح ليك إنك تقرب منها. أجابه أديم بهدوء شديد وهو يضع يديه في جيب بنطاله. تحرك طارق مغادرًا بعد أن دفع حاتم بقوة. ولكنه قبل أن يغادر قال بغضب: -صدقني إللي حصل ده مش هيعدي بالساهل وهدفع عيلة الصواف كلها الثمن. وصدقني من النهاردة مش هيقوملكم قومة. لينظر كل من حاتم وأديم لبعضهما بعضاً بشك. لكن كل منهم لم يستطع البوح بما يظن. لم يستطع الانتظار.
سوف يذهب إليه الآن. وينهي الأمر. هو لن يقف يشاهد من يحاول أذيتها للمرة الثانية دون رحمة. ويظل هو في مكانه مكتوف الأيدي. تلك المرة سيكون بالمرصاد لمن يفكر في ذلك. وبعمره سيفديها. كان ينظر إلى هيئته في المرآة. وهو يتذكر كل الأفكار التي كانت تدور في عقله بالأمس. لكن حبه الكبير تغلب عليها جميعاً. وجملة واحدة تتردد داخل عقله: هي ليست مذنب. هي ضحية. والضحايا لا يدفعون الثمن. الضحايا يجب تعويضهم ومداواة جروحهم.
والاعتذار لهم إذا لزم الأمر. وهذا ما سيقوم به. سيقبل بين عينيها. ويديها. ويرجوها أن تغفر له غيابه وبعده وتأخره عليها. سوف يتوسل لها حتى يمحوا ذنبه في التخلي عنها خلال تلك السنوات التي مرت. وتركه لها في تلك المعاناة بمفردها. وصل أمام قصر الصواف ليوقفه الحارس يسأله من هو وماذا يريد. وبعد عدة دقائق أشار لباقي الحراس أن يفتحوا البوابة وسمح له بالدخول. بعد أن أخذ إذن أديم. الذي اندهش بشدة لحضور صديقه في هذا الوقت.
ماذا يريد الآن؟ هل حدث شيء ما لكاميليا؟ هذا ما كان يفكر فيه طوال فترة انتظاره لفيصل. الذي دلف إلى غرفة المكتب بهيئة تخطف الأنفاس حقاً. يرتدي بدلة رسمية مميزة. وعطره فاح في كل أرجاء القصر حتى أن الفتيات علقوا عليه. وملامح وجهه الوسيمة تبدو عليها الجدية. لكن القلق مازال يملئ قلب أديم فقال بخوف: -هو حصل حاجة لكاميليا يا فيصل؟ وقف فيصل مكانه مصدوم من سؤال أديم وقال ببلاهة: -هو أنا هشوف كاميليا فين دلوقتي؟
أنا جاي علشان في موضوع شخصي عايز أكلمك فيه. التف أديم حول المكتب حتى أصبح يقف أمام صديقه وقال: -خير يا ابني قلقتني. -أديم أنا جاي أطلب إيد أختك الآنسة نرمين على سنة الله ورسوله. وقبل حتى ما تفكر إذا كنت هتوافق أو ترفض. أنا عارف كل حاجة وموافق. تارها بقى تار. لتجحظ عيون أديم بصدمة وزهول وعقد لسانه ولم يستطع الرد خصوصاً وهو ينظر لمن يقف خلف فيصل ووصله كل ما قيل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!