كانت تقف عند الباب تنظر أرضا حين دلف هو وجلس على ذلك الكرسي الكبير يتأملها بشكل تفصيلي. جسدها النحيل وملابسها البسيطة، قدماها الصغيرتان دقيقة الأنامل وشعرها المموج بشده وكأنه ليل غاضب ثائر حول وجهها الدقيق، وكأنه يتمرد على رقة ملامحها بذلك التموج. –واقفه عندك ليه … قربي. قال كلماته بهدوء لترفع عيونها تنظر إليه، ليعود يشعر بذلك الإحساس حين نظرت إليه بالأسفل، وكأن عيونها كانت تحترق وتحولت تلك النيران لرماد لامع.
تثير بداخل من ينظر إليها الحذر، الرهبه، والفضول. تحركت ثلاث خطوات أخرى وقالت بصوت خجول: –تحت أمر حضرتك. وضع قدم فوق الأخرى وقال بأستفهام: –أسمك أيه؟ –ونس. أجابت بخفوت دون أن ترفع عيونها، لتلمع عينيه بنظره هو نفسه لم يشعر بها، فالأسم لمس قلبه وإحساسه القوي بالوحده ورغبه قتلها منذ زمن في أن يجد الونس في من حوله ويشعر بالراحه بجانبهم. –أقفلي الباب وتعالي أقعدي علشان نتكلم شويا سوا.
ألتفت إلى الخلف لتغلق الباب وعلى وجهها إبتسامه صغيرة أختفت حين عادت تنظر إليه، ليشير إلى الأريكة المجاورة له وقال: –تعالي أقعدي وقوليلي بقى أنتِ مين؟ وحكايتك إيه؟ أقتربت بخطوات صغيرة عيونها في الأرض، حركاتها تخطف نظراته وتجعل روحه تهفوا إليها. لا يعلم ما هو السبب ولماذا يشعر بهذا، إلا أن ذلك الشعور يسيطر على كل حواسه التي لا تترك أي حركه ولو كانت بسيطه دون التمعن بها والاستمتاع بها أيضاً.
هل يعود هذا لكونه لم يرى سوا تلك الفتيات التي تتغير ملامحها من كثرة مساحيق التجميل وتتحول أنوثتهم إلى شيء آخر يجعله يشعر بالتقزز من كثرة العري. إنها ترتدي بنطال واسع وفوقه بلوزة طويلة بأكمام وخصلات شعرها المموجه حول وجهها. جلست بهدوء تضم قدميها وفوق ركبتيها تضع يديها المتشابكه وعيونها أرضا لم ترتفع، ليقول هو بأستفهام: –ها بقى أحكيلي. رفعت عيونها تنظر إليه وقالت باندهاش: –أحكي أيه يا بيه؟
–أديم … أسمي أديم ومش بحب الألقاب، ولو مصره على الألقاب يبقى قولي يا باشمهندس … أحكيلي حكايتك، وسبب نزولك للشغل. قال لها بحسم وقوة، رغم أن نظرة عينيه ليس لها علاقه بصوته الحاسم، لتعود تنظر أرضًا وهي تقول: –أبويا مات من سنتين وهو موظف حكومه ولسه موصلش للسن إللي يخلي ليه معاش، وبعد ما مات أمي شالت مسؤليتي أنا وأخواتي، لكن من كتر الشغل جسمها متحملش، وجه الدور عليا علشان أشيل مسؤلية إخواتي ومسؤليتها هي كمان.
أومأ بنعم وظل صامت يفكر لعدة دقائق، كانت هي تنظر إليه دون أن يلاحظ أن ملامحه وهيئته تخطف الأنفاس ودقات القلوب، وكان هو في عالم آخر يفكر في كل ما يحدث حوله ويرى. من ثراء فاحش كحال عائلة الصواف، ومن فقر مدقع كحال عائلة ونس وما يحدث معهم. وسؤال مُلح يدور داخل رأسه… لماذا هذا التوزيع الغير عادل؟ يعلم أن هناك حكمه إلهيه خلف ذلك، هو يتكلم عن أفكار البشر الذين يشبهون والدته في الغرور، والتعالي، وإنعدام الرحمه والشفقه. عاد
من أفكاره ونظر إليها وقال: –أنا مش محتاج منك غير إنك تنظفي البيت و تعملي أكل، وبعد كده تقدري تروحي مش ملزمه بأكثر من كده. نظرت إليه باندهاش، أين ذلك الغرور الذي يتسم به الأغنياء وكيف يكون بهذا التواضع. قطع أفكارها وهو يغادر الكرسي بكبرياء هو جزء من طبيعته، وأخرج من جيبه بعض الأوراق الماليه ومد يده بهم لها وقال: –خدي دول وروحي وبكرة الساعة ٧ صباحًا تكوني هنا. وقفت سريعًا وهي تقول بخجل: –أنا لسه مشتغلتش علشان أخد فلوس.
أبتسم إبتسامة صغيرة جعلت دقات قلبها تتصارع دون إراده منها، وقال بأصرار: –ده جزء من مرتبك وكمان علشان لما ترجعي لوالدتك وأخواتك إيدك متبقاش فاضيه تجيبلهم حاجة حلوة حلاوة الشغل الجديد. مدت يدها وأخذت المال وهي تتمتم ببعض كلمات الشكر وتحركت لتغادر، إلا أنه ناداها لتقف مكانها مصدومة من وقع حروف إسمها على أذنيها بصوته. أقترب ومد يده بمفتاح وقال: –ده مفتاح الشقه علشان لو جيتي وأنا نايم.
وعيونها معلقه بخاصته، أومأت بنعم وهي تمسك المفتاح بأطراف أصابعها لتشعر بكهربه تسري في عروقها حين لمست أصابعه. وكان هو غارق في إحساسه الغريب الذي يشعر به لأول مره، هو لم يشفق عليها حين رأها تقف أمام عبد الصمد تتوسله أن يجد لها عمل، ولكنه أراد وبقوه أن يراها مجددًا، أرادها أن تظل جواره.
لذلك ورغم رفضه القاطع أن يأتي أحداً إلى بيته ورفضه أيضًا لفكرة الخدم والحشم وعقدته من تسلط شاهيناز هانم على الفقراء، ولذلك كان هو يقوم ببعض الأعمال المنزلية البسيطة كل فترة. لكن حين وقعت عينيه عليها بالأسفل حسم قلبه الأمر وقرر أن يجعلها قريبه منه.
حين غادرت وأغلقت الباب شعر لأول مره بالوحدة، هو من عاش سنوات بمفرده خلال فترة دراسته، ومنذ ترك قصر الصواف لم يشعر يومًا بذلك الإحساس الذي يشعر به الأن بعد أن ظلت داخل منزله لعده دقائق. نظر إلى الباب وهو يتنهد وقلبه ينتظر على نار غدًا. وقفت هي خلف الباب بعد أن أغلقته، تضع يدها فوق مكان خافقها تحاول تهدئة دقاته المتلاحقه. كم هو وسيم، وجذاب يخطف القلب والروح والنظر. أخذت نفس عميق مع إبتسامه صغيرة وتحركت
لتغادر البنايه وهي تهمس: (( إن غدًا لناظرة قريب) ~~~~~~ حين دلف إلى الغرفة وصلت إليه نغمات هادئه وناعمه جعلته يشعر بالراحه والسكين. (( يا لالا و يالالا يا ليل يا عين ليلي ليلي يا عيني يا ليلي يا ليل مغرم مغرم انا بيك على طولو أنا صابر و صبري في هوايا دليل ليل ورا ليل ولا دقت النوم شوق و غرام لا عتاب و لا لوم داري أنا داري حيرتي و مراري و أنت و لا داري أنت إللى حبيتو و أنت إللى ناديت ومن بين الناس و أنا قلت خلاص
وأنت بتهواني و في يوم تنساني وأنا دقت معاك طعم الإحساس) رغم أن سالي تحمل الكثير من صفات شاهيناز هانم، إلا أن بها جانب رومانسي رقيق يجعله يمني نفسه بأمل حتى لو ضعيف أن ينصلح الحال بينهم وتستوي علاقتهم. وحين بدء المطرب يقول: (( آه يا زمان يا زماني آه آه من العين و اليل و ال آه الصبر جميل قالوا في المواويل و القلب يا دوب يا دوب يرتاح ليلي شوق مع صبري صباح قادر تنساني طيب إنساني صعب أنا أنساك و أنا روحي معاك
و أفضل أنا داري حيرتي و مراري و أنت و لا داري ) خرجت سالي من الحمام المرفق بالغرفة وهي بهيئة تخطف الأنفاس. ترتدي غلاله حريريه قصيرة بنيه اللون والتي تظهر جسدها بشكل مميز ومثير، وخصلات شعرها الذي تخطي ظهرها بالكامل ساقيها الطويلتين وقدميها الرقيقه بأظافرها المطليه باللون النحاسي المميز. جعلت جسده يشتعل بنيران الرغبه والشوق، لكنه أبداً لن يظهر لها ذلك خاصه بعد ما حدث بينهم يوم عرسهم.
ليعود بذاكرته لذلك اليوم الذي يذكر نفسه به دائماً رغم عدم نسيانه بالأساس. حين دلفت إلى غرفتهم بعد عرس كبير حضره الكثير من رجال الدوله، ورجال الأعمال، والصناعه، ليصدم بها تقف أمامه بشموخ، وغرور يراه دائماً في زوجة عمه. لكن ما صدمه وجرح رجولته كلماتها: –أوعى تفتكر إننا هيحصل بينا أي حاجة، أنا مش بحبك بس مامي قالت أن مصلحتي في الجواز منك إديني وقت أتعود عليك يا حاتم و على رسميتك و تقل دمك.
وتركته واقف في مكانه مصدوم ودلفت إلى الحمام حتى تبدل ملابسها، وبعد عدة دقائق خرجت منه ترتدي منامه حريريه تتكون من بنطال طويل وفوقه قطعه مشابه لخامه البنطال لكن بلا أكمام. ألقت الفستان على الأريكة وقالت بيرود وكأنها لم تجرحه منذ دقائق: –أنا جعانه أوى، تعالي يلا علشان تاكل. ليرفع حاجبه بكبرياء وغرور وأقترب منها خطوه واحده وأنحنى ينظر إلى عينيها بأزدراء وقال: –الملوك عمرها ما تاكل مع الجواري.
لتفتح فمها بصدمه، وعدم أستيعاب، ليعتدل في وقفته وأكمل قائلاً: –أسمعيني كويس يا بنت عمي وخلي الكلام ده حلق في ودانك، بعد الكلام إللي أنتِ قولتيه من شويه ده جوه الأوضة دي بالنسبه ليا أنتِ زيك زي الكرسي إللي أنتِ قاعدة عليه، براها أنتِ مراتي وقسما بالله لو حد عرف طبيعة علاقتنا أو قللتي من إحترامي قدام أي حد مش هرحمك. جحظت عيونها بصدمه لتلاحظ نظرات الإزدراء، والحقد الذي يوجهها لها لتشعر بالصدمه.
ليتركها ودلف إلى الحمام حتى يبدل ملابسه، وبعد دقائق خرج وكانت هي على وضعها تفكر لماذا قال لها هذا الكلام. هي فقط طلبت بعض الوقت حتى تعتاد عليه، فهي لم تفكر فيه يومًا كزوج محتمل، كانت تتمنى أن تتزوج طارق صاحب الكلام المعسول والنظرات التي تجعل أي أمرأة تشعر بقوة سحرها وأنوثتها. لكن إختيار والدتها كان حاتم وهي لم تستطع الإعتراض، لماذا يقول لها هذا الكلام القاسي، أليس من حقها طلب بعض الوقت، بعض الوقت فقط حتى تعتاد عليه.
توجه إلى السرير وتمدد عليه وهو يمسك هاتفه يعبث به دون تركيز وكلماتها تتردد داخل أذنه: (( أوعى تفتكر إننا هيحصل بينا أي حاجه، أنا مش بحبك بس مامي قالت إن مصلحتي في الجواز منك أديني وقت أتعود عليك يا حاتم و على رسميتك و تقل دمك.) تشعل ناره وتجعله يود أن يقوم الأن يفتك بها، وبكرامتها، وأنوثتها كما فعلت بفرحته، وقلبه، ورجولته.
ومرت الأيام، والشهور وها هم على وشك إكمال العام، الحياة بينهم على هذا المنوال تجاهل تام داخل الغرفة وكأن كل منهم يعيش بمفرده وخارجها يمثلان جيدًا دور الزوجين المحبين. عاد من أفكاره ليجدها تقف أمامه وهناك قلق واضح على ملامحها وهي تقول: –أنتِ كويس يا حاتم؟ مالك واقف كده ليه؟ رمش عدة مرات ثم قال ببرود: –كويس، مفيش حاجة.
وتركها وتحرك وككل يوم يدلف إلى الحمام يأخذ حمام بارد جدًا حتى يطفىء نار رغبته في قربها خاصه وهي تتفنن كل يوم في إهلاك أعصابه، ومشاعره بكل تلك الأنوثه التي تظهرها بكرم بالغ يجعله يود أن يلقي كرامته، ورجولته، وجرح قلبه خارج باب غرفتهم ويتقرب منها زوجته، حبيبته، حلاله الذي حرم منه. خرج من الحمام متوقع أنها قد دلفت إلى السرير، لكنه صدم بها تجلس أرضًا جوار باب الحمام، ليسقط قلبه أرضًا من كثرة الخوف. ليجثوا على ركبته
أمامها وهو يسأل بخوف: –مالك يا سالي؟ أنتِ تعبانه؟ لتومئ بنعم وهي تمسك بيده تضعها فوق موقع خافقها وقالت: –هنا واجعني يا حاتم، واجعني أوى. لتعود غصة الألم التي لم تختفي يومًا وللحظه، كاد قلبه يحن خاصه مع تلك الدموع التي تسكن عيونها، ليبعد يده عنها بقوة وكأنه كان يمسك بجمرة من النار. ووقف سريعًا وكاد أن يبعد عنها، لكن جحظت عينيه وهو يجدها تحاوط ساقه بذراعيها وتقول بتوسل: –ما تمشيش يا حاتم أرجوك … ما تمشيش.
لينظر إليها بصدمه، وزهول وكاد ينحني يوقفها على قدميها يضمها إلى صدرة بحنان، لكن عادت كلماتها تتردد في أذنه جعلت شيطانه يتحكم بتصرفاته، والإنتقام هو من يسود الموقف، فقال: إنحدرت دموعها وهي تنظر له بصدمه، وإندهاش رغم وجود نظرة التوسل التي تقطع نياط قلبه، لكنها قالت: –مبسوط أني راكعه تحت رجلك، وفرحان، وراضي؟ طيب هتسمعني؟ لم يعد يحتمل ما يحدث ولا يتحمل ذلها وإهانتها لنفسها.
صحيح هي أهانته، وجرحت كرامته، ورجولته، إلا أنه أبداً لن يقبل بذلها، وهوانها، وإن تتوسله بهذا الشكل. ليمُد يده لها بيد مرتعشه تركت ساقه ووضعت يديها في يديه، وحين وقفت وكأنها كانت آخر قدراتها على التحمل فسقطت بين يديه مغشي عليها. لينتفض قلبه خوفًا فحملها ووضعها في منتصف السرير وأتصل بطبيب العائلة وطلب منه الحضور، وأتجه إلى الخزانه يحضر شيء أكثر حشمه يضعه فوق جسدها.
و نزل سريعاً يفتح له البوابه، فهو لا يريد أن يشعر بهم سكان القصر، ليطمئن عليها أولاً وبعد ذلك لا يوجد شيء مهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!