حين خرجت من منزل أديم شهقت بصوت عالٍ، رئتاها تطالبان بالهواء. لتكتشف أنها توقفت عن التنفس في نفس اللحظة التي صرخ فيها أديم معترفًا بحبه لها. ما هذا الذي يحدث الآن؟ وكيف حدث؟ أديم الصواف وقع في غرامها، وهي التي يعرفها بخادمة لديه. هل ما سمعته حقيقة أم إنها تتخيل؟ مؤكد تحلم، فما حدث لا يستطيع عقلها إدراكه أو تصديقه.
وقفت أمام البناية تنظر إليها والصدمة تتجلى على وجهها، وكأنها قد شاهدت شبحًا مخيفًا لتوها. نفثت الهواء بهدوء لعدة مرات حتى تعيد نشاط عقلها، ثم رددت بصوت هامس: أديم الصواف بيحبني. وأبتسمت بسعادة وتحركت لتعود إلى البيت. *** ظلت واقفة خلف باب الغرفة، تضع يدها فوق صدرها تحاول أن تهدئ من خفقات قلبها المتسارعة. أخيها ومثلها الأعلى يحب خادمة، يتوسل بقائها وحبها. ما سر هذه الفتاة؟ وما هو المميز فيها؟
حتى يقع في غرامها شخص مثل أخيها. تحركت لتقف أمام المرآة، وكشفت قليلًا عن نحرها لتظهر أمام عينيها تلك العلامات التي لم تختفِ. تلك التي تركها خلفه المغتصب حتى تظل تذكرها بما فعله بها. وإن حياتها انتهت ولن يكون لها يومًا حياة تشبه حتى تلك الخادمة. لن تجد من ينظر إليها كما ينظر أديم إلى تلك الفتاة، ولن تستمع لاعتراف مشابه لاعتراف أديم لونس.
انحدرت دموع الحسرة والألم من عينيها. جلست على السرير بحزن وصورة حاتم ونظراته لسالي ترتسم أمام عينيها، وتلحقها نظرات أديم لونس ودفاعه عنها واعترافه بحبها. وصوت جهوري يزيد تلك الصورة قتامة في عينيها: "جسمك حلو أوي.. من زمان وأنا نفسي فيكي.. أنا هاخدك دلوقتي.. وهتفضلي ليا العمر كله.. أثري هيفضل على جسمك لحد ما تبقي ليا من جديد".
لم تعد تحتمل، لكنها كتمت صرخة قلبها بيدها حتى لا تغادر حنجرتها، ثم دفنت وجهها في الوسادة وظلت تنتحب حتى خارت قوتها وسقطت في نوم عميق. ***
عاد حاتم إلى الفندق بعد ذلك اليوم الجميل في وسط البحر. وحين دلفوا إلى الغرفة، دلفت سالي إلى الحمام مباشرة وجلس هو على الأريكة يرتاح حتى تخرج ويأخذ هو الآخر دوره. أمسك هاتفه وفتحه، وبعد ثوانٍ قليلة وصله الكثير من الإشعارات. لكن هذا متوقع، لكن كم الاتصالات التي قام بها أديم جعلته يقلق. وقبل أن يأخذ أي خطوة، كان صوت الهاتف يعلو واسم أديم يظهر أمامه ليجيبه سريعًا والقلق يرسم على ملامحه. وأكدت مخاوفه حين وصله صوت أديم الجاد والمرهق بشكل جعل قلبه يسقط أسفل
قدميه من الخوف وهو يقول: -عايزك أنت وسالي تكونوا موجودين بكرة الصبح في الشركة علشان في جمعية عمومية. وأغلق الهاتف دون أن يضيف أي شيء، لتزداد تقطيبة حاجبيه. لكنه فتح برنامج الرسائل وبدأ يستمع لرسائل نرمين. ورسالة كاميليا. في نفس اللحظة التي خرجت فيها سالي من الحمام وصوت أختها يصل لها وهي منهارة بشكل يؤلم القلب. وصوت كاميليا المرتعش من الخوف.
حين اتضحت الصورة أمامهم، شهقت سالي بصوت عالٍ ليرفع عينيه إليها بقلق. لكنه تحرك سريعًا واتصل باستقبال الفندق حتى يحجز تذاكر الطيران، فالأمر لن يحتمل العودة بالسيارة. بدأت سالي في جمع الأغراض بعد أن ارتدت ملابسها. ألتفتت إليه حين أنهى حديثه ليقول موضحًا: -في طيارة كمان ساعتين. أومأت بنعم. ليقترب منها يضمها إلى صدره يطمئنها ويحتوي خوفها الساكن في عينيها. ثم أبعدها قليلًا ونظر في عينيها وقال: -أنتِ فهمتي الموقف صح؟
أومأت بنعم. ليسألها ببعض الخوف: -موقفك إيه يا سالي؟ يعني هتطاوعي شاهيناز هانم في أذية أديم ولا هتقفي جمب أخوكي؟ -أنت موقفك إيه؟! سألته بهدوء. -موقفي واضح وأنتِ عارفاه. -وأنا كمان.. موقفي زي موقفك.. مش هسمح لمامي أنها تسبب ضرر لأديم. وبعدين أنا بثق فيك وفي عقلك وأفكارك وصدقني من النهاردة هتلاقي سالي مختلفة خالص عن إللي كنت تعرفها. ليقبل جبينها وهو يقول بصدق:
-مش لازم توافقي على كل إللي أنا عايزه.. ممكن تعترضي وتختلفي معايا ونتناقش ونقنع بعض. وأقترب يقبل وجنتها برقة. وأكمل قائلًا: -وبعدين أنا عايز سالي بكل تفاصيلها.. سالي إللي بحبها من وأنا مراهق وإللى غرقت في عشقها وأنا شاب وإللى أدمنتها وأنا راجل في الثلاثينات. لتحاوط خصره بذراعيها وأراحت رأسها على صدره وهي تقول: -هو أنا إزاي كنت عامية ومش شايفة حبك ليا.. ولا شايفة جمال قلبك وروحك؟
-علشان زي ما قولتي يا قلبي.. كنتِ عامية.. بس خلاص عيونك الحلوة فتحت وشافت حقيقة حبي. ليحتضنه بقوة وفعل هو بالمثل. لكن عقله سرح في صديقه وابن عمه.. وما سيحدث غدًا. *** ظلت جالسة في مكانها تفكر كيف فعلت ذلك؟ من هذا الشخص حتى تطلب منه أن يبحث لها عن مكان تسكن فيه؟ أغمضت عينيها وهي تتذكر المحادثة التي حدثت منذ قليل. -السلام عليكم.. أنسة كاميليا.. خير؟
أجابها ببعض القلق. وعقله يفكر هل ستعتذر عن العمل.. هل سيعود للبحث من جديد ومقابلات العمل؟ لكنه انتبه على صوتها وهي تقول: -أنا آسفة إني بتصل بيك دلوقتي بس في الحقيقة معرفش حد غيرك ومحتاجة منك خدمة. أعتدل في جلسته وهو يقول باهتمام: -تحت أمرك.. خير. أخبرته بهدوء والتوتر والخجل واضحين في ارتعاشة صوتها:
-أنا محتاجة شقة ضروري أسكن فيها.. مش شرط تكون كبيرة.. بس تكون في مكان كويس وراقي.. علشان أنا هعيش فيها لوحدي.. ودي أول مرة وهخاف حقيقي أعمل ده لوحدي. كان يشعر بالاندهاش من حديثها والصدمة وبدأ الشك يثور. لكن كلماتها الباكية والتي صدمته بالفعل جعلت عينيه تجحظ وهو يكذب أذنيه:
-أنا عارفة إنك بتفكر في مليون فكرة دلوقتي.. بس أنا هوضح ليك الموضوع.. أنا كاميليا حداد الصواف.. وأكيد أنت عارف مؤسسة الصواف.. يعني أنا لا نصابة ولا محتالة ومش محتاجة أصلاً للشغل.. لكن في الحقيقة أنا عايزة أبني نفسي بنفسي.. خارج إطار اسم ولقب الصواف.. وخطوة البيت دي كنت هعملها بس قدام شوية.. لكن الظروف دلوقتي حكمت بكده.
ظل صامت يستمع إلى كلماتها وهو لا يعلم ماذا عليه أن يفعل الآن. هل يخبرها أنه على معرفة بأخيها طارق.. وأبناء عمومتها حاتم وأديم.. أم يصمت ويساعدها ويخبر أديم بالأمر ويرى ماذا سيقول؟ ارتاح قليلاً للفكرة الثانية. فأجلى صوته وهو يقول بهدوء قدر استطاعته: -تمام يا كاميليا.. بكرة الصبح لما تيجي الشركة هكون معايا خبر كويس ليكي.. وإن شاء الله خير. صمت لثوانٍ. يصله صوت أنفاسها المتلاحقة، ويعرف جيدًا أنها تلوم نفسها الآن. فقال
حتى يبعد عنها ذلك الحرج: -وأنا سعيد جدًا إنك لجأتي ليا أنا في موضوع زي ده وان شاء الله مش هخذلك.
شكرته ببعض الكلمات المبهمة.. وأغلقت الهاتف. وها هي على نفس جلستها تفكر أن تتصل به تعتذر منه وتطلب منه ألا يهتم بالأمر. وتعود من جديد لتنتفض على صوت صراخ أخيها الغاضب. تعود لتقول لنفسها إن عليها الرحيل من هنا في أسرع وقت. ولولا حساسية موقفها مع أديم للجأت إليه. أو لو كان حاتم موجودًا كان سيحميها من بطش أخيها الذي سيطالها دون شك.
غادرت مكانها لتتأكد أن الباب مغلق جيدًا. ثم أعدت المنبه حتى يوقظها باكرًا. عليها مغادرة البيت قبل استيقاظهم. تحركت نحو الخزانة وأخرجت الحقيبة الكبيرة وبدأت في جمع ملابسها وكل أغراضها. وكل ما تملك من مال وبعض المصوغات. ووضعت الحقيبة جوار الباب. وتمددت على السرير.. حتى تنال بعض الراحة فما هو قادم ليس بالهين. ولكنها على الأقل ستبقى في إحدى الفنادق حتى تجد شقة مناسبة لها. ***
يجلس على الأريكة عقله سارح في كل ما حدث معه ويحدث. والدته التي لا تترك فرصة إلا وتظهر له فيها كم هي تبغضه. ولا يعلم السبب. هل فقط لكونه تمرد على قوانينها.. أم هناك شيء آخر هو لا يعلمه. وونس التي ظهرت في حياته لتجعل منها شيئًا مميزًا. زينتها ببعض الزهور المميزة تجعله يشعر بالراحة والاطمئنان والسكينة التي كان يفتقدها بسبب حياة القصور. صحيح لم يجمعهم الكثير من الوقت لكن مجرد النظر إلى وجهها وشعرها الغجري بكل تموجاته التي يحيط وجهها يجعلها في عينيه مميزة بشكل لا يصدقه قلبه.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يفكر: هل يدخل إلى أخته؟ هل يتحدث معها فيما شاهدته وسمعته أم يتركها الآن.. حتى تهدأ ويستطيع مخاطبة قلبها وعقلها حتى تفهمه وتشعر به. انتهى على صوت هاتفه ليشعر بالاندهاش من هذا الاتصال لكنه أجاب بهدوء. ليصله صوت فيصل يقول: -أديني عنوانك يا أديم علشان عايزك في موضوع مهم وميحتملش التأجيل.
رغم اندهاشه.. وعدم استعداده لمقابلة أي شخص الآن.. إلا أنه أملاه العنوان وأخبره أنه في انتظاره. ولم تمر سوى خمسة عشر دقيقة إلا ووجده يتصل من جديد ويطلب منه أن ينزل له رافضًا كل محاولات أديم في جعله يصعد إليه.
خرج من البناية ليجد فيصل يستند على سيارته بملابس رياضية وحذاء رياضي خفيف.. مما يدل على أن هناك شيئًا مهمًا وأنه كان في منزله. لكن هيئته المتوترة.. أقلقته بشدة. حين شعر باقترابه منه رفع رأسه ينظر إليه بابتسامة حقيقية ليحتضناه بعضهما فلقد مرت أكثر من خمس سنوات لم يتلاقيا. أبتعد أديم وهو يقول: -لولا أني عارف إن أنت إللي مستنيني تحت مكنتش عرفتك. ومد يده يربت على عضلات ذراع فيصل وهو يقول بمرح: -طلعوا إمتى دول؟! ليضحك
فيصل وهو يجاريه في المزاح: -طلعوا أول امبارح بليل.. لما حسوا إني ممكن أقابلك يا ابن الأكابر. ليضحك أديم بصوت عالٍ. أن فيصل من الأشخاص المريحة في التعامل. شخص واضح وطيب الأصل صديق حقيقي. كان يتمنى أن يكونوا أقرب من ذلك.. لولا تحكمات شاهيناز هانم السلحدار. بعد القليل من الحديث المتبادل عن الأحوال والأخبار.. قال فيصل بهدوء قدر استطاعته: -في موضوع مهم لازم تعرفه.. بس اسمع الحكاية من الأول علشان تحكم صح.
بدأ في إخباره من أول مرة قابل فيها طارق وما حدث بينهم.. ومقابلات العمل.. وتلك الفتاة التي تقدمت للعمل ثم اكتشف أنها ابنة عمه.. وأخبره بطلبها. كان أديم يشعر بالصدمة من كل ما أخبره به فيصل. لكنه بطبعه هادئ في ردود أفعاله. وظل صامتًا يفكر في كل ما عرفه حتى بعد انتهاء فيصل من الحديث. أنها لم تلجأ إليه.. لم تتصل به.. اتصلت بشخص غريب عنها تمامًا تعرفت عليه فقط بالأمس. هل أخطأ لتلك الدرجة في حقها؟
وماذا حدث في قصر الصواف حتى تفكر في تركه؟ هل السبب في ذلك اتصالها بنرمين وإخبارها بما حدث من شاهيناز؟ هل تطاولت عليها أمه أو طارق؟ ماذا عليه أن يفعل الآن؟ وكان فيصل صامتًا تمامًا تاركًا لصديقه كل الوقت الذي يحتاجه في التفكير وأخذ القرار. أخذ أديم نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء: -تمام يا فيصل.. حاول تلاقي ليها حاجة مناسبة لو تقدر.. وأنا بس عندي بكرة اجتماع مهم في المؤسسة وقرارات مهمة هتتاخد.. وبعدها هكلمك ونشوف هنعمل إيه.
أومأ فيصل بنعم. ليكمل أديم كلماته: -أنا عارف إني مش محتاج أوصيك عليها وأنها زي أختك. موقفك دلوقتي وأنك منتظرتش للصبح علشان تعرفني أكبر دليل على حسن نيتك وأخلاقك إللي مفيش منها. أبتسم فيصل وهو يقول بمرح: -متخافش مش هطلع الشرير في رواية حد. ربت أديم على كتف صديقه وقال بصدق: -أنا بجد مش عارف أقولك إيه.. العيلة كلها بتمر بوقت صعب وكويس أنها لجأت ليك أنت. يعلم إيه إللي كان ممكن يحصل لو إللي لجأت له شخص غيرك.
-متقلقش عليها.. أنا هخلي بالي منها.. وهتبقى على اطلاع بكل جديد. أومأ أديم بنعم ودمدم ببعض كلمات الشكر ليغادر فيصل عائدًا إلى بيته. وصعد أديم يشعر بثقل الحمل والهم فوق أكتافه. ليجد نفسه يمسك بهاتفه ويرسل لها رسالة لا يعلم لما فعل هذا ولكنه شعر من داخله بأن يقول تلك الكلمات فقالها. ***
تجلس فوق سريرها تمسك بتلك الأوراق ترتبها وتعيد قراءتها وتكتب بعض الملاحظات. حين وصلها صوت رسالة.. لتفتح هاتفها لتشعر بالاندهاش. وأرتسمت على شفتيها ابتسامة عذبة ورقيقة. فكلماته لمست قلبها وأحس الأنثى بداخلها: "بكرة يوم صعب أتمنى أشوفك قبل ما أنزل علشان أحس ببعض التفاؤل.. بحبك يا ونس.. ويارب تحبيني." وضعت الهاتف جانبًا وتركت الأوراق من يدها وهي تفكر.. ماذا عليها أن تفعل الآن؟ تضحي بحلمها في قابل الحب؟
أم تتمسك بالحلم ولا وقت لديها كما كانت تقول دائمًا للحب؟ هي حقًا تشعر بالحيرة ولأول مرة في حياتها. *** تجلس في غرفتها منذ ما حصل مع المحامي وكاميليا وطارق. تشعر أنها قد فقدت كل شيء. فقدت مكانتها.. فقدت نفسها.. حتى أنها تشعر بأنها قد فقدت كرامتها واحترامها لنفسها. وليس من الآن فقط بل وقت موافقتها على كل ما حدث قديمًا.
أغمضت عينيها وهي تتذكر ذلك اليوم الذي فقدت فيه كل شيء. وبدأ فيه التنازل عن بعض من حقوقها. حتى انتهى بها الحال خالية الوفاض من كل شيء. لا حب زوج ولا حتى احترامه. لا أولادها كما تمنت. وابن ليس ابنها وابنتها تم اغتصابها. والأخيرة تشبهها كثيرًا عديمة الشخصية.
تجلس على السرير تنتظره ككل يوم. يغادر من الشركة ولا يعود إلى البيت مباشرة. كانت تظنه يسهر مع بعض أصدقائه لكنها اكتشفت إنه على علاقة بعدة سيدات. وكل يوم يذهب لإحداهن. جدول.. يضع لهم جدول بمواعيد.. وكأنه السلطان الذي يملك من الجواري الكثير فيضع لهم جدول. وكانت هي من ضمنهن في ذلك الجدول. فهو لم يكن يقربها إلا في يوم محدد في الأسبوع. رغم تقبيله لها كل يوم بشوق ولهفة حين عودته. ويديه التي تجعل جسدها يتمنى قربه وحنانه. لكنه كان يشعل فيها نيران الشهوة ويتركها تتلوى بألمها وينام.
لكن اليوم وبعد أن عرفت كل شيء لن تسكت ولن تقبل أن تظل في هذا المستنقع التي تعيش فيه. وصل أخيرًا وكما هي عادته. يمسك الجاكيت بأطراف أصابعه وهو ملقى على كتفه. رابطة عنقه محلولة والزرائر العلوية كلها مفكوكة. يرسم ابتسامة سعادة على وجهه صادقة بكل ما للكلمة من معنى. لتقف تواجهه بغضب كبير واضح عليها. لكنه تجاهلها ومر من جانبها بعد أن حاول تقبيلها لكنها ابتعدت قليلاً. لم يتوقف عند تلك الحركة وأكمل سيره إلى السرير ألقى بنفسه فوقه وخلع حذائه وألقى بالجاكيت أرضًا وتمدد ذراعيه مفرودتان بمستوى كتفه. وساقيه مفتوحان قليلاً. في هيئة مسترخية تمامًا.
أقتربت منه وقالت بصوت غاضب: -كنت فين يا سراج؟ فتح عينًا واحدة ينظر إليها ثم أغلقها من جديد وهو يقول: -من إمتى أنتِ بتسألي الأسئلة دي يا شاهيناز؟ لتقول بغضب أكبر وبصوت عالٍ: -من دلوقتي.. عايزة أعرف أنت كنت فين ومع مين؟ ظل صامت ينظر إليها ببرود ثم أخذ نفسًا عميقًا وهو يغادر السرير ووقف أمامها يديه في جيبي بنطاله وقال بهدوء يصل حد البرود: -كنت فين؟ كنت في شقة (..) ومع مين؟
كنت مع صديقة عزيزة عندها مشكلة وأنا كنت بحلها ليها. -صديقة؟ قالتها بتهكم. وهي تقول بصوت أعلى: -صديقة ولا عشيقة يا سراج بيه؟ ليبتسم ابتسامة باردة وهو يؤكد كلماتها: -أيوه كنت مع عشيقة من عشيقاتي.. ولازم تفهمي أنهم كتير أوي.. وأنتِ كنت هتبقي واحدة منهم لولا بس إني شفت فيكي أنك أنتِ الأم المناسبة لولادي وكمان شفت أنك أنتِ واجهة مناسبة ومشرفة في المجتمع.. يعني حسيت إنك تستاهلي إنك تكوني في النور قدام الناس.
أقتربت منه تضرب صدره بقوة وهي تقول من بين دموعها: -أنت حقير وسافل.. أنت أحط إنسان أنا شوفته في حياتي. أبعدها عنه بقوة ورفع يده ليصفعها. لتسقط أرضًا بسبب فقدانها لاتزانها بسبب انفعالها الزائد وأيضًا من قوة الصفعة. لينحني يمسك بخصلات شعرها يرفع وجهها الباكي إليه وقال ببرود:
-مفيش واحدة ست تهين سراج الصواف. لو عايزة تطلقي حالاً أرمي عليكي اليمين وأرميكي في الشارع وألف واحدة غيرك يتمنوا مكانك. لكن لو بقيتي هادية وكويسة أوعدك إني أميزك عن كل عشيقاتي.. وهغرقك دهب وألماس.. وهعملك حساب في البنك ولو عايزة تعملي مشروع هعملك. ظلت صامتة تنظر إليه والدموع تغرق وجهها.. ليكمل هو كلماته: -أنتِ كده عرفتي الحكاية كلها.. ياريت بقى تلتزمي بيومك في الجدول.. علشان أنا بيتهد حيلي مع كل واحدة فيكم.
وتركها جالسة أرضًا تبكي بصمت.. تبكي ضعفها.. وتبكي طمعها في الحياة التي تعيشها الآن.. والمكانة الاجتماعية التي أصبحت فيها وحبها له الذي كان يعذب قلبها منذ رأته لأول مرة.
وكان هذا اليوم البداية لكرامتها التي سحقها سراج تحت قدميه. كل يوم يعود من عند إحدى عشيقاته.. ويخبرها بكل وقاحة أنه تعب معها كثيرًا وكم هي امرأة شغوفة.. وكم جسدها مميز.. ويتركها وينام. حتى أتى ذلك اليوم الذي دخل فيه إلى الغرفة وبين يديه طفل صغير. يخبرها بكل برود أنه ابنه.. وأنه أصبح ابنها بالأوراق والقانون. وأنه غير مقبول أن ترفض أو تعترض. أخبرها بكل وقاحة:
-أصلاً متقدريش تعترضي أحنا بقالنا كام سنة متجوزين ومش عارفة تجبيلي حتى قرد.
وترك الصغير بين ذراعيها والدموع تغرق وجهها كالعادة. عادت من أفكارها.. لتجد نفسها تبكي. لقد توقفت تلك الدموع منذ عرفت بحملها في سالي.. وقررت أن تعيش الدور المرسوم لها بالكامل. هي شاهيناز هانم السلحدار.. زوجة سراج الصواف وأم أولاده. هي سيدة قصر الصواف.. والمتحكمة الأولى والأخيرة فيه حتى بعد زواج أخويه حداد وخطاب. لكن كلمتها كانت فوق كلمات زوجاتهم. ولم يجرؤ أحد على الاعتراض. خاصة وأن سراج كان يدعمها في كل ذلك.
هل حان وقت استسلامها.. أم حانت لحظة الحقيقة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!