يجلس في غرفته وسط كل ذلك الدمار الذي طال كل شيء بها. يلهث من شدة غضبه. عيناه شديدة الحمرة، والعرق يغرق جبينه. ملابسه غير مهندمة وكأنه خارج الأن من مشاجرة كبيرة. فمن يراه الأن لن يقول عليه أبدًا أنه طارق الصواف، ابن الأكابر. كان عقله شاردًا وعيونه ثابتة على شيء وهمي. بها غضب إذا تركه لأحرق ذلك القصر بكل ساكنيه، وطالت نيرانه كل شيء.
مرت دقائق أخرى ليبدأ يضحك بصوت عالٍ. يضحك بهستيريا وكأنه حصل على جائزة كبيرة لم يتوقع حصوله عليها. ضحك، ضحك، ضحك. ثم بدأ يهمس لنفسه قائلاً: "بعد كل إللي عملته ده معقول تكون دي النهاية؟ معقول؟! ليضحك من جديد بصوت عالٍ وهو يمسك ذلك الإطار الذي يحمي صورة العائلة بأكملها. وضع إصبعه على صورة نرمين وهو يقول:
"يعني بعد ما أخدت منك عذريتك.. وعملت فيها الشهم إللي هيتحمل أن يتجوز واحدة مغتصبه قدام العيلة كلها.. تفلتي من إيدي وتفكري تقولي ليا أنا لأ.. هو أنتِ فاكرة إني هسكت؟ لا ياحلوه.. لا يا نيمو.. اللعبة لسه مخلصتش وزي ما أخدتك وأنتِ عينك في عيني.. هخليكي تيجي تتوسلي ليا علشان أقبل بيكي والكارت الأخير في إيدي.. والضربة هتكون على الكل." ظل يتأمل صورتها لعدة ثوانٍ. ثم حول نظره إلى صورة أديم وهو يقول بغضب وغل:
"أنت بقى الموت فيك حلال.. وإللي هعمله فيك ده تخليص الدين القديم.. لكن الدين الجديد.. أصبر عليا فيه.. هخده.. وأخد الحق حرفه يا أديم.. يا أبن عمي." ظل ينظر إلى الصورة والوجه. وابتسامة سخرية تزين شفتيه. وفي لحظة خاطفة ألقى بالإطار إلى الحائط المقابل له ليت هشم بالكامل وتناثر زجاجه في كل مكان. حتى أن إحدى القطع الصغيرة جرحت وجنته. ليبتسم وهو يرفع سبابته يمسح قطرات الدماء ببرود.
ثم وقف مقرراً أن يأخذ قسطًا من الراحة حتى يستعد للمرحلة الجديدة. ليرفع الغطاء بكل ما عليه من أشياء مكسورة وألقاه أرضًا. ثم ألقى بنفسه فوق السرير وأغمض عينيه ونام. *** قبالة الفجر وصل حاتم وسالي إلى العاصمة. لكنه وقبل أن يغادر المطار وقف أمامها وقال: "إحنا مش هينفع نرجع القصر دلوقتي.. أيه رأيك يا نروح عند أديم أو ننزل في أوتيل لحد ما نشوف أيه إللي هيحصل النهاردة في الشركة." لفت ذراعها حول ذراعه وقالت وهي
تريح رأسها على أطراف كتفه: "يبقى في أوتيل أحسن.. أنا محتاجة أنام شوية." ليربت على كفها بكفه الحاني ودفع العربة التي تحمل الحقائب. حتى خرجوا من المطار. ليشير لأحدى السيارات وأملاه اسم الفندق. كل ذلك وهي تستند عليه براحة كبيرة. من داخلها تشعر بالخوف مما سيحدث في المؤسسة. لكن وجوده يشعرها بأمان لم تشعر به من قبل. لم تكن يومًا غير عابئة بأمها وحزنها أو غضبها. هل لأنها الأن تعلم حقيقتها؟
أم لوجوده وحبه والثقة التي يستحقها دون لحظة تفكير. هي معه من الأن وإلى الأبد. ولن تخذله مرة أخرى مهما حدث ومهما كان الثمن. خاصة وأن الحق معه. ورغم الإرهاق كان يشعر بالسعادة أن حركتها البسيطة هذه تجعل قلبه ينتفخ بسعادة ذكورية لا يستطيع وصفها. ويشعر أنه أصبح يملك الكون وما عليه. ليجد يده دون إرادته منه تربت على كفها المستريح على ساقه. والابتسامة تملأ وجهه الرجولي الوسيم. ***
في الصباح الباكر وقبل موعدها بنصف ساعة كانت تقف أمام الباب. أفكارها الشيطانية صورت لها آلاف الصور. ورسمت لها الكثير من الفرص التي ستتاح لها إذا حضرت الأن. ومن أهمهم ما حضرت من أجله. وسوف تنفذه. وستكون الخطوة الأهم.
أخرجت المفتاح وفتحت الباب. وحين دخلت ظلت واقفة في مكانها تنظر لذلك الممدد على الأريكة بشكل غير مريح. شعره مشعث. ووجهه مسترخٍ ينام على بطنه. إحدى ساقيه فوق ذراع الكرسي. والأخرى مثنية أسفلها. وإحدى ذراعيه مستريحة على الأرض.
أغلقت الباب بهدوء شديد. وتقدمت عدة خطوات حتى أصبحت ترى وجهه بوضوح. كما الأطفال الصغار. لتبتسم ابتسامة صغيرة. اختفت حين سمعت صوتًا من الداخل وتذكرت نرمين. لتدلف إلى المطبخ وبدأت في إعداد الفطور. وكانت أيضًا تستعد لأستجواب من نوع خاص من نرمين. لكنها لن تهتم. ستكون هادئة كعادتها. وتجيب بهدوء أنها أتت حتى تباشر عملها كالعادة.
خرجت من المطبخ تحمل بين يديها صحون الطعام لتجده قد استيقظ ويجلس. لكنه يضع رأسه بين كفيه. لتقترب منه ليلاحظ حذاءها أمام عينيه. ليرفع عينيه لها. وأبتسم تلقائيًا وهو يقول: "أنتِ جيتي أمتى؟ "من نص ساعة." أجابته بخجل حقيقي. ليبتسم وهو يتذكر حاله حين استيقظ. ليداعب خصلات شعره بأطراف أصابعه كطفل مشاغب. يقف أمام والدته التي توبخه. لتقول هي بهدوء: "أنا جهزت الفطار." أومأ بنعم وقال بهمس: "تسلم أيدك."
ابتسمت وغادرت عائدة إلى المطبخ. ليقف هو حتى يذهب إلى غرفته. وطرق في طريقه على باب غرفة أخته ليسمع صوتها. فقال من خلف الباب: "استعدي.. الفطار جهز." دلف سريعًا إلى غرفته. أخذ حمامًا وأبدل ملابسه بملابس كلاسيكية. تجعل هيئته تخطف الأنفاس. لمن يراه فكم هو وسيم بشكل يؤلم القلب.
ظلت تتأمله من عند باب المطبخ. حتى أنه لاحظ ذلك. لكنه لم يظهر لها أنه يلاحظ وجودها أصلاً. حتى يظل يستمتع بتلك اللحظة التي تتأمله فيها دون خجل. لكن لنرمين رأي آخر. حين خرجت من غرفتها. لتتحرك ونس سريعًا تضع الأطباق على الطاولة. وقالت بهدوء وأدب: "هدخل أرتب الأوض على ما تفطروا.. ألف هنا." وغادرت دون أن تنتظر لسماع أي رد. كانت نرمين تنظر إليهم بضيق. ما هذه الوقاحة؟
أبعد ما حدث بالأمس تأتي اليوم وكأن شيئًا لم يكن. وكأنها لم تستمع لاعتراف أديم الصواف بحبه لها. نظرت لأخيها الذي كان ينظر في أثر ونس بعشق. لتقول من بين أسنانها: "صباح الخير يا أبيه.. مستعد للي هيحصل النهاردة؟
اختفت الابتسامة عن وجهه وجلس على رأس الطاولة وهو يتمتم بصباح الخير. لكن من داخله يشعر بنار. نار حارقة تلتهم قلبه. نار الصدمة. ونار الحب الذي لا يستطيع الاستمتاع به. خاصة والأمل بداخله قد ازداد حين رآها في بيته من جديد بعد ما حدث بالأمس. فقط كان يلوم نفسه على تسرعه في إخبارها بما داخل قلبه. وغامر بخسارة رؤيتها كل يوم. لكن الآن يشعر أن الحب متبادل بينهم. لكن أولًا ينتهي مما عليه فعله. وحينها ستصبح له إلى الأبد.
صمته جعل نرمين تشعر بالغضب من تلك الفتاة. ولكنها لن تسمح أبدًا بأي شيء من هذا. سوف تجعلها تعرف مكانتها جيدًا. وترحل دون عودة. ولكن ليمر اليوم بسلام ولكل حادث حديث. ***
أغلقت باب الغرفة خلفها وهي تأخذ نفسًا عميقًا. فعطره يملأ الغرفة بشكل يأسر القلب. لكن عليها أن تتحرك سريعًا. أخرجت ذلك الشيء الصغير من جيب بنطالها. وأقتربت من الجاكت الخاص بأديم. وفي الجيب الداخلي للجاكت وضعت ذلك الشيء. وثبتته جيدًا. ثم همست ببعض كلمات. وأخرجت هاتفها وفتحت إحدى التطبيقات. ووضعته على أذنها تستمع إلى صوتها الذي يصل إليها بوضوح برغم أنها كانت تتحدث بهمس. لتأخذ نفسًا آخر براحة. وهي تعيد الجاكيت إلى مكانه. وبدأت في ترتيب الغرفة بالفعل.
***
وقفت عند باب المطبخ تنظر إليه وهو يرتدي الجاكت. يستمع إلى صوت ابن عمه الذي يخرج من مكبر الصوت الخاص بهاتف نرمين. يخبره أنه خلال دقائق سيكون في الطريق إلى الشركة. ليتحدث معه في بعض الأمور. ثم أغلق الهاتف. ورفع عينيه ينظر إليها بابتسامة رقيقة لم تستطع أن تبادله إياها حتى ولو بالكذب. فهي كانت منشغلة في تأمل ملامحه وحفظها في عقلها وقلبها ونقشها فوق عيونها. فهذه المرة الأخيرة التي ستراه فيها. لقد انتهت مهمتها. وقامت بما عليها فعله. ومؤكد حين يكتشف الأمر لن يريد رؤية وجهها من جديد.
كان من داخله يفكر أنها قلقة من أجله. عليه أن يطمئنها. لكن أخته التي تقف بجانبه تكتف ذراعيها أسفل صدرها بضيق. ليشير لأخته حتى تتحرك معه في اتجاه الباب. وقبل أن يغلق الباب رفع هاتفه وحركه بحركة خفيفة وهو يهمس دون صوت: "هكلمك." وأغلق الباب. لتزفر في محاولة لتهدئة ضربات قلبها التي تكاد تصم أذنها من قوتها. وتؤلم صدرها بسبب سرعتها. انتفضت حين سمعت صوت رنين هاتفها. لتنظر إلى الاسم. لتنفخ الهواء حتى تهدأ. وحين استقبلت
المكالمة وصلها صوته يقول: "متقلقيش عليا.. أنا متعود على مشاكل العيلة وهقدر أحلها.. وهرجع لك علشان نكمل كلام إمبارح.. بحبك يا ونس.. بحبك يا ونسي في الحياة."
وأغلق الهاتف. لتنحدر تلك الدمعة من عينيها. وهي تأخذ حقيبتها وتغادر. للمرة الأخيرة. فهي لن تعود من جديد. وأسفل البناية كانت تنظر إليها بألم وحسرة. لكنها فتحت هاتفها. وفتحت تطبيق الرسائل. وأرسلت رسالة لرقم غير مسجل. من كلمة واحدة "تمت". وأغلقت الهاتف. وبخطوات واسعة تحركت في اتجاه شارع جانبي. حتى وقفت أمام سيارة فارهة. فتحتها وجلست في مقعد السائق. وبكل ما تحمل بداخلها من تناقضات من خوف وحزن وسعادة وانتصار وخسارة فادحة. ضغطت على البنزين لتنطلق بسرعة كبيرة جعلت كل من بالشارع ينظر إليها باندهاش.
*** تجلس في سيارتها منذ الصباح الباكر. فلم تغلق عينيها سوى ساعة واحدة. من كثرة الخوف والقلق. تتوقع أن يدخل طارق إلى غرفتها في أي لحظة حتى ينتقم منها بعد أن دمرت له مخططه الأخير.
ظلت في السيارة حتى أصبحت الساعة الثامنة. عليها الآن أن تتحرك وتذهب إلى عملها. فاليوم هو الأول لها. وفي جميع الأحوال إذا لم يجد لها فيصل مكان مناسب للسكن فيه. خاصة وأن الوقت ضيق جدًا. فهي حدثته بالأمس فقط. وكان الوقت قد تأخر كثيرًا. فهي سوف تذهب إلى إحدى الفنادق المعروفة وتحجز غرفة هناك حتى تجد ما تريد وما يناسبها. شغلت محرك السيارة وتوجهت إلى مقر عملها.
أوقفت السيارة في المرآب الخاص بالمبنى. وترجلت من السيارة بعد أن أخذت حقيبة يدها من على الكرسي المجاور وأغلقت السيارة. وبرشاقة ورزانة سارت بخطوات واثقة هي جزء لا يتجزأ من شخصيتها. نحو المصعد. وحين وصلت إلى الدور المطلوب سارت في اتجاه الباب بهدوء. وبداخلها بدأ يرتجف. فرهبة أول يوم عمل. مع تركها لبيت العائلة لهو أمر صعب ويجعلها تشعر من داخلها ببعض الخوف والتوتر الذي بدأ يسيطر عليها. خاصة وهي ترى أمامها المكتب الذي كان بالأمس خاليًا تمامًا. الأن به موظفة استقبال لبقة. وهناك أيضًا حارس أمن يجلس عند الباب من الخارج. وهناك عامل بوفيه يسير في رواق المكتب يحمل أكواب القهوة. وأصوات باقي الموظفين تأتي إليها واضحة.
تحركت بثقة نحو مكتب الاستقبال وقالت بهدوء: "أنا المترجمة كاميليا حداد." لتبتسم غادة وهي تقول لها بأدب: "أهلا بحضرتك أستاذة كاميليا. أنا غادة موظفة الاستقبال." لتبتسم لها كاميليا براحة وهي تقول برقة: "أهلا بيكي يا غادة. ممكن بقا تقوليلي مكتبي فين؟ لتحرك غادة من خلف المكتب وهي تقول: "آه طبعًا اتفضلي. بس الباشمهندس فيصل طلب مني أخليكي تدخلي له أول ما توصلي."
لتنظر إليها بابتسامة مهزوزة. لتشير الفتاة إلى مكتب بابه مفتوح يقع أمام مكتب المدير مباشرة. وقالت: "ده مكتب حضرتك. بس الأول ادخلي للباشمهندس." أومأت بنعم وهي تتحرك عكس اتجاه مكتبها. وقفت أمام مكتب المدير وطرقته بهدوء ليسمح لها بالدخول. كانت تشعر بالإحراج. فما قامت به بالأمس. أكثر تصرف مجنون قد تقوم به فتاة مثلها. وكانت تتوقع أن ترى في عينيه نظرة استخفاف بها. أو أن يتخيل أنها فتاة لعوب.
لكنه نظر إليها نظرة عادية كتلك التي كانت في عينيه بالأمس وقال: "أهلا أستاذة كاميليا. اتفضلي." اقتربت من المكتب ليشير لها أن تجلس. ليقول هو بعملية: "النهاردة صحيح أول يوم شغل. لكن أنا من قبل ما أفتح الشركة وأنا براسل شركات كتير علشا أول ما أفتح الشركة يكون فيها شغل." والإيميلات ديمد يده لها بملف متوسط الحجم وأكمل: "ودي ردودهم عليا. عايزك تترجميهم وتطبعي الترجمة وتجبيهم ليا في أسرع وقت."
أومأت بنعم وابتسامة سعادة ترتسم على ملامحها. ها هي تعمل. ها هي ستقوم بشيء مفيد في حياتها. ها هي امرأة عاملة وليست مجرد امرأة جميلة. عليها أن تجد عريس مناسب وفقط. وقفت حتى تذهب إلى مكتبها. ليقول هو بهدوء: "أنا كلمت كذا شخص علشان موضوع الشقة وخلال ساعات ان شاء الله هيجيلي منهم رد. أطمن."
قال الأخيرة بصوت جعلت القشعريرة تسير في كامل جسدها. لماذا حين نطقها شعرت بالأمان. ونسيت تمامًا أفكارها عن كونه يراها الأن بشكل خاطئ. عادت لتومئ بنعم وهمست ببعض كلمات الشكر غير الواضحة. وغادرت. ومنذ دخولها إلى مكتبها طلبت كوب قهوة فرنساوي. وبدأت في العمل. الذي جعلها تنسى كل شيء. من هي؟ وأين هي؟ ومن أي عائلة؟ ***
في قاعة الاجتماعات الكبيرة بمؤسسة الصواف يجلس أديم على رأس الطاولة صامتًا تمامًا. يراجع بعض الأوراق الذي طلبها من قسم المحاسبة. وكذلك أمامه أوراق أخرى من قسم الهندسة والمشتريات. وكل المشاريع الجديدة التي على وشك دخول الشركة فيها. كذلك أوراق نسب الأسهم لكل شريك في المؤسسة.
تجلس نرمين على إحدى كراسي الطاولة. عقلها سارح في كل ما حدث تلك الأيام. وذكريات ذلك اليوم القديم. تعود إليها من وقت لآخر بصور مشوشة وغير واضحة. لكن نفس الإحساس. ونفس الشعور يعود إليها. لينتفض جسدها كما كان ينتفض تحت وطأة لمساته القذرة لها. ذلك الصوت المقزز الذي يتردد داخل أذنها يخبرها بأنها أصبحت ملكه. وأنها أبداً لن تستطيع الابتعاد عنه.
خطوات رجالية ثابتة وكعب نسائي جعلها تنتبه من أفكارها. وهي تنظر إلى الخلف لترى سالي تسير جوار حاتم متأبطة ذراعه. والسعادة والراحة ترتسم على ملامحها. رغم القلق الواضح في عيونها. إلا أن لغة جسدها تخبر كل من يراها أنها سعيدة جوار ذلك الرجل الذي يسير بجانبها برزانة وهدوء. يضع كفه الأخرى فوق كفها التي تحتضن ذراعه. وبين ثانية وأخرى يربت عليها برقة. رفع أديم رأسه عن الأوراق ينظر إلى صديقه وأخته وقال:
"عصافير الحب الحمدلله ظهروا. حمدالله على السلامة. يارب تكونوا قضيتوا شهر عسل سعيد." لوى حاتم فمه بضيق مصطنع وهو يقول: "أهو القر ده إللي جايبنا لورى. واتسبب في قطع رحلتنا ورجوعنا للقرف." كانت سالي تشعر بالخجل حقًا من أخيها. غير صدمتها بمرحه وأسلوبه البسيط في التعامل مع حاتم. كان ينظر إليها بابتسامة حزينة. حين قال: "عاملة أيه يا سالي؟ نسيتي أخوكي علشان الواد ده؟
لم تشعر بنفسها وهي تترك ذراع حاتم وتقدمت من أخيها حتى وقفت أمامه. ليترك كرسيه ويقف هو الآخر. ليشعر بالصدمة حين حاوطت خصره بذراعيها وهي تقول: "وحشتني أوي يا أبيه.. وحشتني.. وأنا آسفة.. حقك عليا." كان ينظر لحاتم بصدمة وعينيه تسأله ماذا حدث؟ ليبتسم حاتم ابتسامة صغيرة وهو يقول بصوت عالٍ قليلاً: "الله الله.. أنتِ بتحضني راجل غيري يا هانم.. والله عال يا عبدالعال." لتضحك نرمين بصوت عالٍ. ليضرب حاتم مؤخرة رأسها وهو يقول:
"اسكتي أنتِ.. أنا مصدوم وأنتِ بتضحكي." لتعود للضحك من جديد. ولكن بعيونها كانت هناك نظرة غيرة. فهمها أديم. ليفتح لها ذراعه لتركض إليه تشارك سالي ذلك الحضن المميز. حضن أخ هو الأمان والداعم. هو الحائط الصد الذي لا بديل عنه مهما كان لك أصدقاء أو أحباب. حتى إذا وجدت الحب الحقيقي. يبقى إلا هو له مكانة خاصة وهيبة لا يفهمها إلا من رزقه الله بأخ حقيقي بكل ما للكلمة من معنى.
قطع تلك اللحظة. وفهم أديم لاعتذار أخته الغير المفهوم. دخول طارق. الصامت الذي لم يلقِ حتى السلام على أحد وجلس في مكانه وهو ينظر إلى نرمين بنظرة لم يفهمها أحد. لكنها شعرت بالتقزز بسببها. فخبأت وجهها في صدر أخيها الذي ربت على ظهرها ليشعرها بالأمان. أجلس سالي في الكرسي المجاور لنرمين وجلس حاتم جواره وجوار زوجته. وظل الصمت سيد الموقف. حتى قال حاتم موجهاً حديثه لطارق: "مفيش سلامو عليكو ولا العواف حتى؟
أيه يا طارق مش داخل على ناس ولا شايفنا كراسي قدامك؟ لوى طارق فمه إلى الجانب قليلاً وقال من بين أسنانه: "لا شايفكم بس مش عايز أسلم.. أنا حر." ليضع أديم يده على ذراع حاتم يمنعه من أن يدخل في جدال لا طائل منه. ثوانٍ قليلة ودخل المحامون. ثم شاهيناز هانم التي لم يختلف دخولها عن دخول طارق. لم تنظر لأحد وجلست في مكانها دون أن تنطق بكلمة. كان أديم يشعر بألم قوي في قلبه. لما والدته تكره بهذا الشكل؟
سؤال ظل عالقاً في عقله ويتردد صداه في قلبه بألم لا ينتهي. لكنه لم يظهر شيء من كل ذلك وظل صامتًا لثوانٍ أخرى يحاول أن يتجاهل كل ما بداخله من حزن وألم وحيرة. ثم أخذ نفسًا عميقًا وطرق على الطاولة بظهر قلمه وقال:
"اجتماع الجمعية العمومية النهارده استثنائي. بناء على إللي حصل امبارح. وعلشان كل حاجة تبقى على نور. قدام كل واحد فيكم ملف فيه نسبة الأسهم لكل واحد فينا. وطبعًا ده بيبين كل واحد حقه قد أيه في نسبة الأرباح إللي بتوصله كل سنة. وكمان بيوضح مين إللي له حق إدارة المجموعة." قال طارق مقاطعًا سيل كلمات أديم: "كاميليا مش موجودة." ولم يكمل كلماته حين سمعا طرقًا على الباب لحقه دخول كاميليا وهي تقول باعتذار:
"أسفه أني اتأخرت. بس أنتوا عارفين أول يوم شغل بقى." وجلست جوار نرمين التي همست لها باندهاش: "أنتِ بتشتغلي يا كاميليا؟ أومأت بنعم وهي تهمس: "هبقى أحكيلك." ليقطع أديم حديثهم وهو يقول: "مفيش مشكلة. أنتِ جيتي في الوقت المناسب. ومبروك على الشغل. بس اعملي حسابك بعد الاجتماع ده أنا عايز أتكلم معاكي كلمتين." أومأت بنعم. ليعود أديم لما كان يقوله:
"قبل وفاة بابا كان كاتب ليا بعض أسهم خارج ورثي منه ونسبتي هي الأكبر من بين الجميع." صمت لثوانٍ لتقول نرمين بهدوء: "وأنا موكلة أديم بالتصرف في كل الأسهم الخاصة بيا. ومش هستأمن غيره على مالي." ابتسم أديم لها وقال بامتنان: "دي مسؤلية كبيرة يارب أكون قدها." لتقول سالي بصوت هادئ يكاد يسمع: "أنا كمان أكيد مش هأمن لحد أكثر من أخويا." نظرت لحاتم وقالت باستفهام: "مش كده؟ أومأ بنعم وهو يؤكد على كلماتها:
"من بعد وفاة عمي سراج وقبله بابا. ومن بعده عمي حداد. أديم قدر يوصل بالشركة لمكانة مهمة جدًا في السوق. ومؤسسة الصواف بقى ليها شأن كبير والكل بيعملها ألف حساب وبيعمل لمديرها ألف حساب." كانت النظرات نارية بين طارق وباقي العائلة. حتى تكلمت كاميليا وقالت بهدوء: "أنا كمان شايفه أن أديم أحق واحد بإدارة المؤسسة. وأنا مطمنة على نصيبي طول ما هو المسؤول عنه."
ابتسم أديم لها وأومأ لها بتحية شكر ردتها له بابتسامة صغيرة. لتتحول نظرات طارق لها. لكنها تجاهلته تمامًا ولم تنظر حتى إليه منذ دخولها. أما شاهيناز هانم فقالت بهدوء وبرود: "أنا عايزة أبيع الأسهم بتاعتي. مش عايزة يبقى ليا أي علاقة بمؤسسة الصواف." صمتت ثوانٍ تتابع نظرات الاندهاش والصدمة على وجه الجميع. لتكمل هي بنفس البرود:
"في الحقيقة أنا كنت ناوية أوزعهم على ولادي بالتساوي. لكن لقيتهم هبل ومسلمين دقنهم لأديم. علشان كده." ونظرت لطارق وقالت: "هتشتريهم أنت يا طارق؟ "دي فلوسك يا شاهيناز هانم ومحدش يقدر يعترض على قرارك." قال أديم بهدوء شديد وبرود واضح على ملامحه. لتقول هي ببرود مشابه: "طبعًا أنا حرة. وفي الأساس أنت ملكش دخل. أنا بتكلم عن ولادي. وأنت مش ابني." ليبتسم بسخرية وهو يقول بألم: "خلاص أتبريتي مني؟ نظرت إلى عمق عينيه وقالت بتحدي:
"أتبرى منك ليه؟ أنت فعلا مش ابني. أنت ابن سراج من واحدة من عشيقاته. معرفش حتى اسمها إيه؟
وعلشان شكل العيلة وعلشان كلام الناس. ولأني وقتها كنت لسه مخلفتش قبلت أن سراج يكتب في شهادة ميلادك اسم الأم شاهيناز السلحدار. وكنت فاكرة إني هقدر أخليك من العائلات الراقية. لكن للأسف دم أمك القذر تغلب على كل شيء وخلى أصلك الواطي يظهر. وعلشان كده أنا كنت ناوية أسيب نصيبي لبناتي. لكن هما شايفين أنك أخوهم إللي هيصون فلوسهم. فما يستاهلوش أني أديهم أي حاجة." ثم نظرت إلى المحامي وقالت: "اعمل إجراءات نقل ملكية أسهمي لطارق."
نظرت لطارق وقالت بتوضيح: "قبل ما أمضي على الأوراق الفلوس تكون عندي يا طارق." ونظرت إلى بناتها وقالت: "بكرة بالكتير تيجي تاخد هلاهيلك أنت ومراتك وأي حاجة تخصكم من القصر. وشوفوا أنتوا هتعيشوا فين." ونظرت إلى نرمين وقالت بغل: "وأنتِ رميتي الإنسان الوحيد إللي كان قابل بيكي بعد ما اغتصبك الكلب إللي هرب ومعرفناش نجيبه. قبل يتجوزك بعيبك وعقدك. خليكي في حضن أخوكي يمكن يقدر يلقيلك حمار يلبسك فيه."
وتركت الجميع في حالة صدمة وتحركت نحو الباب. وقبل أن تفتحه نظرت إلى أديم وقالت: "لو مش مصدق أنا موافقة نعمل تحليل DNA علشان تتأكدوا." وغادرت وأغلقت الباب بقوة. تاركة خلفها عيون دامعة وقلب محطم. وصدمة على جميع الوجوه. وابتسامة تشفي على وجه طارق. *** وضعت يدها على فمها وهي تستمع لتلك الكلمات. صدمة أخرى. أن تلك الكلمات مسجلة وموصولة بجهاز آخر. ولن تستطيع إخفاء تلك المعلومات. ماذا عليها أن تفعل الأن؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!