عندما يغزو الألم من نحب ... عندها نريد أن ننتزعه من داخلهم حتى لو أصابنا نحن .... ونظل ندعو الله ألا يرينا فيهم سوءا أبدا .... فالقلب يأن من ألم المحبين ....... كانت أسمهان لاتتحرك حتى دموعها لاتنزل فقط متحجرة داخل مقلتيها حتى أن إحسان ظل ينظر إليها من مرآة السيارة ظل ينظر إليها بقلق .فهى منذ مكالمة نورين وهى هكذا جامدة ... أما نورين فكانت تبكى بخوف على أبيها فهى لن تتحمل أن يحدث له أى شئ ...
أوقف إحسان السيارة بجانب الطريق وطلب من والده أن يتولى القيادة هو ، ثم نزل منها وطلب من نورين أن تجلس فى الأمام بجوار والده .... جلس بجانب أسمهان ووضع يديه على كتفيها وضمها إلى صدره وقال بصوت حنون ... عيطى يا أسمهان ، أصرخى ، إعملى أى حاجة بس بلاش السكوت ده .... ظلت شاردة وعيناها مثبتة على اللاشئ ثم قالت بحزن ... أنا السبب ، أنا السبب .... هو تعب بسببى ، أنا مستهلش أب زيه ... ليه بيحصل معايا كده ليييه لييييييييييه
صرخت مرة واحدة عند آخر كلمة ... تركها إحسان تخرج مابها من غضب وحزن وألم تركها تصرخ وتصرخ علها تهدأ بعد ذلك ..... شدد على ضمها إليه حتى شعرت بالأمان بين يديه وبدأ صوتها فى التراخى حتى صمتت ولكنها ظلت تبكى بشدة ... قبل إحسان جبينها بعمق وعيناه مغرورقة بالدموع وقال .... مش إنتى السبب يا أسمهان ، لو حد هو السبب يبقى أنا مش إنتى ... أنا اللى حطيتك فى الموقف ده ... أنا اللى خليتك خايفة توجهيهم ...
أنا الغلطان حقك عليا سامحينى .أنا الغلطان والله مش إنتى .... أكمل وهو يشدد على ضمها إلى صدره ... صدقينى هيبقى كويس وهترجعوا مع بعض أحسن من الأول لأن اللى يعرفك يا أسمهان عمره مايقدر يبعد عنك ...... رفعت رأسها عن صدره ونظرت لعيناه الباكيه وقالت بصوت مبحوح من أثر البكاء .. بس إنت بعدت .... كوب وجهها بين يديه وقال ... عشان أغبى مخلوق خلقه ربنا هو أنا ....
وناوى أبقى ذكى ومسبكيش تانى ابدا استحالة اعملها تاني إيه رأيك ..... نظرت إلى الأمام بتيه وقالت .... لما بابا يقوم بالسلامه الأول هبقى أفكر فى كل حياتى من أول وجديد بس المهم يقوم ..... كان عبد الرحمن يقود السيارة وينظر إليهم وهو يدعو الله أن يصلح حالهم فهو فى النهاية لايريدهم أن يفترقوا أبدا .... أما نورين فكانت تنظر إليهم وهى مشفقة على حال أختها وإحساسها بالذنب على مرض والدها ....
ظلت تدعو من بين دموعها هى الأخرى أن يشفى والدها وألا يصيبه مكروه من أجلهم عامة ومن أجل أسمهان خاصة ..... وصلوا الى المشفى جميعا .هرول الجميع إلى الداخل وسألوا على غرفته وعرفوا أنه فى العناية المركزة حيث أنه أصيب بجلطة فى القلب ...... وقعت أسمهان على الأرض وهى تبكى .... أما نورين فذهبت لوالدتها وأخيها والذين يجلسون على مقاعد فى الممر وهم ينتظرون أن يطمأنهم أى شخص ...
إحتضنت والدتها وهى تحاول أن تطمئن نفسها هى الأخرى ... بعد ذلك أخذها نور بين أحضانه وهو يقول ... إهدى يانورين إن شاء الله بابا هيبقى كويس متقلقيش ..... كان هناك من ينظر إلى نورين ويتمنى أن يأخذها بين ذراعيه ويطمئنها بنفسه ولكنه الآن ليس لديه الا الدعاء ... ذهب عبد الرحمن إلى أسمعان وقال لها بصوت مرتفع حازم ....
قومى يا أسمهان طول عمرك قوية وبتعدى أى موقف يحصلك ..دلوقت مش وقت العياط ، دلـوقت وقت إنك تقفى جمب عيلتك وتؤازريهم وتقفى فى ضهرهم إنتى الكبيرة يعنى الكل بيعتمد عليكى يلا قومى إقفى مش عايز أشوفك بالضعف ده يلااااااا ..... نظر إليه إحسان بعتاب وقال ..... لو سمحت يابابا متزعقش لها كده هى مش مستحمله واللى فيها مكفيها .....
وضع إحسان يديه على كتفيها كنوع من الدعم لها وذهب بها إلى حيث يجلس باقى العائله .ذهبت بإتجاه والدتها والتى نظرت إليها بعتاب شديد مزق دواخل أسمهان ... ذهبت إليها وهى تبكى وتقول .... إيه ياماما مش هتسلمى عليا ولا خلاص طلعتونى بره حساباتكم ..... نظرت إليها ناديه وقالت..... إنتى اللى طلعتينا برة حساباتك من زمان قوى يا أسمهان ..... بكت أسمهان بإنهيار وهى تقول ....
حرام عليكم ، ليه كلكم بتلمونى ، ليه كلكم مفكرنى بعتكم مع إنى عملت ده خوفا عليكم من إنكم تزعلوا عليا وعلى اللى حصلى ... قوليلى ياماما كنتى هتستحملى بنتك وهى جيالك مطلقه بعد شهر هاه ردى عليا ثم نظرت إلى إيمان والتى كانت تقف هى ورزق مع الطبيب المعالج وعندما لمحت أسمهان فذهبت إليها وهى لا تعرف ماذا يحدث .... قالت لها أسمهان ....
هتقدرى يا إيمان تبصى فى وش الناس وانتى طالعه وانتى داخله ولا اللى يسألك هى أختك إتطلقت ليه بعد كام أسبوع كنتى هتردى تقولى إيه ... أيوه خفت عليكم ومنكرش إنى كمان خفت من بابا إنه لما أرجع يرجع هو يقفل عليا بزيادة كل اللى عملته إنى دفنت ألمى جوايا وقررت أحقق ذاتى غلطت أنا فى إيه قولولى حرام عليكم بلاش كده بلاش تموتينى بنظرتك ليا دى ياماما ...
أنا تعبااانه والله تعبااانه كان نفسى أرمى نفسى فى حضنك وأقولك على اللى واجعنى بس لقيتنى هوجعك معايا فخفت عليكى ... وقعت أسمهان فى الأرض وهى تبكى ومن حولها ينظرون إليها وهم لايعرفون أنها قد مرت بكل تلك الآلام بمفردها .... ذهبت إليها والدتها وأخذتها بين أحضانها وهى تقول ... حقك.عليا ، حقك عليا أنا المفروض كنت أحس بيكى ..كنت بشوف الحزن فى عنيكى بس كنت بكدب نفسى ...
متزعليش منى عشان خاطرى إحنا كلنا غلطنا فى حقك.يا أسمهان ..... نزلت إليهم إيمان هى الأخرى وهى تبكى بشدة وتقول ..... ياااااه يا أسمهان كل الوجع ده جواكى وإحنا مش حاسين ... وأنا اللى كنت بحكيلك على رزق ومشاكلى معاه وأتاريكى مليانه وأنا مش حاسه .... سامحينى ياحبيبتى سامحينى ... مد إليهم نور يده وقال بإبتسامة حزينة ....
يلا قوموا مش وقته الكلام ده إحنا كلنا لازم نقف مع بعض وقفوا جميعا وظلت أسمهان بأحضان والدتها فأخذها نور وضمها إليه بشدة وقال ... على فكرة يا أسمهان أنا راجل مش عيل يعنى لو كنتى حكتيلى كل اللى حصلك كنت هقف معاكى ومش هسيبك أبدا وواحنا كلنا عارفين جمال روحك وقلبك قبل جمال شكلك ...... إبتسمت وهى داخل أحضانه عندما شعرت بمعنى السند فى وجود أخ حنون عطوف محب ....
أما إحسان فكان ينظر لأسمهان بقلب منفطر حتى إنقلب الشعور إلى غيرة قاتلة عندما وجدها فى أحضان أخيها فهو وحده المنوط بتعويضها عن كل ما حل بها وليس أحد آخر ..... تدخل اللواء عبد الرحمن وقال لنادية .... أنا أسف طبعا على اللى حصل بس أنا نزلت ورا عبد القادر المرة اللى فاتت أنا ونورين ومسيبناهوش غير وهو فاهم موقف أسمهان وحتى أنا قلتله هسيبه يومين يهدى وهجيبها لعنده وهو وافق أمال إيه الل حصل خلاه تعب كده فجأة .....
كانت أسمهان تستمع لنا يقوله عبد الرحمن وهى مندهشة ... ذهبت إليه وقالت .... بجد.ياعمو بجد.بابا مبقاش زعلان منى ... طب ليه مقولتليش كده واحنا فى العربية ؟! نظر إليها وقال ... مردتش أتدخل مابينك إنتى وإحسان خاصة وإنى شايفه بيحمل نفسه الذنب عشان إنتى متزعليش ... ثم إستطرد وقال بجدية ... مع إنه عنده حق فى إنه يشيل هو الذنب لأن لولا اللى عمله مكنش كل ده حصل .....
تدخل آحسان فى الكلام ونظر لوالدة أسمهان وإخوتها وهناك أشخاص لايعرفهم ولكنه قال بشجاعة ... فعلا أنا منكرش إنى أنا السبب بس أنا برده راجع ندمان ومستعد أعمل اللى يرضيكم عشان تسامحونى وأسمهان كمان تسامحنى ودلوقت عنئذنكم هروح أشوف الدكتور ..... تقدم رزق منه وقال وهو يصافحه ... أنا دكتور رزق دكتور إيمان فى الجامعة وكمان خطيبها ..... ثم ذهب إليه علاء هو الآخر وقال ... وأنا علاء بن عم أسمهان .....
صافحهم إحسان بترحاب شديد وقال لهم انا هروح للدكتور وجاى على طول ..... ذهب إحسان الى الطبيب والذى أوضح له حالة عبد القادر الصعبه وأنه لابد وأن يقوم بعملية جراحية فى القلب وذلك لأن القلب قد تأثر بالجلطة بشدة ولكنها عملية صعبة ومكلفة ....... لم يتردد إحسان وطلب جميع الأسعه والتحاليل وأرسلهم بالهاتف الى إستيوارت وقال له أن يعرضهم على دكتور أرمان حتى يقول رأيه فيهم ...
وطلب منه أن يبعث عربة إسعاف إلى المشفى الذي هم فيه وتكون مجهزة بالكامل حتى يتم نقل عبد القادر إلى القاهرة لينال الرعاية المستحقة. كان رزق ينظر له بإعجاب شديد وقال: طبعًا، أنا من خلال الكلام عرفت اللي حصل، بس ممكن سؤال؟ إنت ليه بتعمل كل ده؟ نظر إليه إحسان وقال: أنا نفسي أصلح أي غلط حصل، ونفسي أسمهان قلبها يصفى لي، لأني والله ما أقدر أعيش من غيرها. ربت رزق على كتفه وقال: إن شاء الله خير، متقلقش. أما علاء فقال له بود:
أسمهان قلبها أطيب من اللبن الحليب، وما بتعرفش تزعل من حد، وصدقني هي هتلاقيها أول ما شفتك نست كل حاجة، بس بتدلع عليك شوية. نظر إليه بغيرة لم يستطع أن يخفيها وقال: وإنت بقى عارف أسمهان قوي كده؟ ضحك علاء وقال: لااااا، ما فيناش من الغيرة، وكمان والله أنا مرتبط بواحدة تانية شبه أسمهان كده، بس مخها جزمة قديمة ومغلباني وربنا. نظر له رزق بتوجس ثم ابتسم وقال:
لا متقولش، تكونش عينك على نورين. يلا بالشفا يا معلم، وهي دي الصراحة اللي هتكفر كل ذنوبك. نظر إليهم إحسان وهو لا يفهم لماذا يقول على نورين هكذا، فهو يراها لطيفة خفيفة الظل. خرج إحسان ورزق وعلاء، وذهب الجميع إليهم فطمأنوهم وأنه يتحسن، ولكنه يفضل أن ينتقل إلى القاهرة حيث الرعاية أفضل من هنا. وافق الجميع بلا تردد، ولكن نادية كانت كالتائهة، فكيف لها أن تدفع كل تلك المصاريف.
جاء إليها إبراهيم والذي وصل تواً وعرض عليها مبلغًا كبيرًا من المال، ولكنها كانت مترددة في قبوله. جاء إحسان وشكر إبراهيم بعد أن عرفه به نور وقال: حساب المستشفى هنا اندفع خلاص، وبالنسبة للقاهرة فدي المستشفى اللي أنا بشتغل فيها، يعني مصاريفها بالنسبة لي هتبقى بسيطة، والفريق اللي هيتابعه دي الفريق الطبي اللي أنا بشتغل معاه، يعني مش هياخدوا مني فلوس، فوفر فلوس حضرتك لحاجة تانية.
كانت نورين تجلس بمفردها وهي شاردة تفكر بما آلت له الأمور وكيف وصل بهم الحال. انتبهت لمن يجلس بجوارها فوجدت أنه علاء. نظر إليها بعشق وحنية حتى أنها اندهشت لنظراته تلك والتي لم يكن لها غير معنى واحد، ولا تود أن تصدقه رغم دقات قلبها المرتفعة. تحدث بهدوء وقال: متقلقيش، هيبقى كويس. صدقيني إن شاء الله هيقوم بالسلامة وهيسلمك بإيده لعريسك. اغرورقت عيناها بالدموع وقالت: أنا خايفة. نظر لها وقال بعشق فياض:
متخافيش، طول ما أنا جنبك، أنا عمري ما هسمح لحاجة إنها تأذيكي أو تخوفك يا نورين. أنا عندي أموت ولا إن حد يأذيكي أو يكون سبب في خوفك. لم تستطع الرد ولم تعرف ماذا تقول، ولكنها نهضت مرة واحدة وقالت بارتباك: ااااااأنا هرووح اااشوف ماما. ذهبت تحت أنظاره العاشقة وهو يدعو الله ليل نهار أن تكون من نصيبه هو.
طلب إحسان من والدة أسمهان أن تذهب لكي تضب حقائبهم حتى يذهبوا معهم لكي يكونوا بالقرب من عبد القادر في المشفى. ذهبت هي ونور، وذهب معهم رزق بسيارته ومعه إيمان. عندما أتوا، كانت أتت سيارة الإسعاف وتم نقل عبد القادر لها بعناية، وظل إحسان معه بالسيارة حتى يتابعه أثناء الطريق ولا يحدث له أي مضاعفات. وأعطى مفاتيح سيارته لنور لكي يقودها هو، فركب نور ومعه عبد الرحمن، وبالخلف أسمهان ونادية.
أما نورين فركبت مع رزق وإيمان بسيارته. وذهب خلفهم علاء وأبيه بسيارته. وصلوا إلى المشفى وكان في انتظارهم الفريق الطبي بالكامل. فعندما علم دكتور أرمان قرر أن يجري له الجراحة، فهو قد فعلها قبل ذلك وكانت ناجحة للغاية. فهو حقاً يحترم أسمهان ويقدرها، ولم يكن يعلم أنها زوجة إحسان، ولكن عندما علم شعر بالفرحة لأنهم يستحقون بعضهم البعض عن جدارة.
كان أيضاً نادر ورواء وأكرم بانتظارهم، فهم علموا بما حدث عندما اتصلوا على أسمهان للاطمئنان عليها. تم نقله للعناية المركزة على أن يتم تحضيره للعملية الجراحية خلال يومين. ذهب الجميع بعد الاطمئنان عليه إلى منزل عبد الرحمن، ولكن رزق وعلاء وإبراهيم أصروا على الرحيل على أن يحضروا يوم العملية. كان الإرهاق هو الشيء الذي يميز الجميع، دخل الجميع للراحة حتى يستطيعوا أن يواصلوا يوم غد.
خلد عبد الرحمن للراحة، ولكن طرق الباب جعله ينتبه وسمح لمن بالخارج بالدخول. كان إحسان فقال: "لو سمحت يا بابا عايز أتكلم مع حضرتك شوية." أشار له عبد الرحمن بالجلوس بجواره، فقال بدون مقدمات:
"أنا عايز أتكفل بكل مصاريف عمي عبد القادر بس خايف يرفضوا. وطبعًا حضرتك عارف اللي فيها. أنا طبعًا قلت لهم إن الفريق والمستشفى مش هياخدوا حاجة، بس طبعًا ده مش صح. رغم إن دكتور أرمان بالفعل تكفل بالعملية عشان خاطر أسمهان ولأنه بيقدرها جدًا، بس المستشفى لأ. إنت عارف إنها استثماري وصعب طبعًا إنهم ما ياخدوش." ابتسم عبد الرحمن وقال: "طبعًا عندك حق، ودي أبسط حاجة تقدمها لهم عشان خاطر أسمهان." ابتسم إحسان وقال:
"شكرًا ليك يا بابا، ربنا ما يحرمني منك يا رب." وقف إحسان وذهب باتجاه الباب، ولكنه فوجئ بعبد الرحمن ينادي عليه. فاستدار ليرى ماذا يريد، فوجده يفتح ذراعيه له وهو يدعوه أن يأتي لأحضانه. ذهب إليه إحسان بقوة طفل قد تمكن منه الشوق لأحضان أبيه الغائب. ظلوا بأحضان بعضهم البعض وكأن كل منهم يعوض ما فاته من البعد. قبل إحسان رأس أبيه وقال: "أنا آسف على حاجة زعلتك مني." فرد عليه عبد الرحمن وقال:
"وأنا كمان آسف على كل حاجة عملتها وبعدتك عني." خرج إحسان وبداخله فرحة وليدة، ولكنه قرر أن ينميها حتى تكبر. أتى الصباح وكل باله مشغول، ورغم ذلك فالكل مجتمع على الدعاء لعبد القادر بالشفاء. كانوا يجلسون على الإفطار عندما سأل عبد الرحمن نادية وقال: "أنا آسف للسؤال، بس ممكن أعرف إيه اللي حصل لعبد القادر؟ تكلمت نادية بهدوء من بين دموعها وقالت:
"بعد ما رجع من عندكم لقيته في دنيا تانية. أنا أصلًا معرفش إنه جاي لأسمهان. أنا لما لقيته متأخر اتصلت وسألته، قال لي أنا بزور واحد زميلي تعبان في القاهرة ومتقلقيش لو اتأخرت، بس كان صوته تعبان، زعلان مش عارفة. ولما سألته قال لي مفيش حاجة. بعدها لما رجع لقيته دخل الأوضة من غير كلام، ولما سألته لقيته مخنوق وحكى لي اللي حصل من أسمهان ومنه." نظرت إليها أسمهان وهي تبكي، ولكن والدتها قالت لها بسرعة:
"صدقيني ده كان زعلان عليكي مش منك. قال لي إنه ظلمك بمعاملته، كان خوفه عليكي سبب إنك بعد كده تخافي منه." ثم نظرت بخجل وقالت: "بس أكتر حاجة كانت مضايقاه هي... ثم ترددت في القول. نظر إليها إحسان بفضول وقال: "هي إيه؟ نظرت إلى عبد الرحمن وقالت: "إنه يعني حس إن أسمهان لقت سيادة اللوا بديل له. وقال إنه عمل معاها اللي هو رفض يعمله، فعشان كده أكيد بتحبه أكتر منه." انتفضت أسمهان من مكانها وقالت: "إزااااي بابا يفكر كده؟
أنا عمري ما أستبدله بحد أبدًا مهما حصل." ذهبت إلى عبد الرحمن وقالت: "طبعًا يا عمو متزعلش مني، بس ده بابا مهما حصل عمري ما هحب حد أكتر منه. حضرتك على عيني وعلى راسي وأنا والله العظيم بحبك جدًا جدًا، بس بابا مختلف، حتى حبه مختلف." ضمها عبد الرحمن وقال:
"إنتي عارفة لو كنتي قولتي غير كده كنت هقول عليكي منافقة، بس أحسن حاجة فيكي هي قلبك النقي ده واللي في قلبك على لسانك. وصدقيني دلوقتي بس أنا عذرت باباكِ في إنه يقفل عليكي، لأنك عملة نادرة في الزمن ده. وأحلى حاجة حصلت إنك مرات ابني." ابتسم الجميع لهذا الحوار، وهناك من يلوم نفسه أكثر وأكثر كونه ذهب وتركها قبل سنتين. قام الجميع للذهاب إلى المشفى.
استعد الجميع، ولكن إحسان لم يجد حافظة نقوده. فسأل عليها إلهامي فلم يجدها، وكذلك سأل والده، فرد عليه أنه احتمال أن تكون قد وقعت منه أثناء ذهابهم للمشفى، فهم كانوا على عجلة من أمرهم. فاستسلم للأمر وقرر أن يذهب بعدها إلى مقر الشرطة لكي يقوم بعمل محضر حتى يستخرج بطاقة أخرى.
مر اليومان السابقان للعملية دون أحداث تذكر، غير أن الجميع ملتف حولهم. وكل مرة إحسان يثبت لأسمهان أنه قد تغير ويسعى للعفو والغفران، بل إنه يستحقهم، ولكنها أرجأت كل شيء حتى يقوم والدها من العملية وأن يتماثل للشفاء. أما علاء، فكانت نظراته واضحة للعيان، حتى أن نور قد أخبرت أسمهان وإيمان بطلبه ليد نورين، وأنه كان ينوي أن يذهب لعمه لكي يطلبها، ولكن حدث ما حدث.
التمس الجميع تغير علاء الشديد، بل وانتظامه في الصلاة، حيث أنه هو من كان يحثهم على الصلاة في مواعيدها حتى وهم بالمشفى. فقررت إيمان وأسمهان أن يساعدوه في أن يجعلو نورين توافق. أما رزق، فكان ونعم الرجل لهم، فهو لم يتركهم، حتى أنه كان يحضر يوميًا بعد محاضراته ويرجع ليلاً لكي ينال قسطًا من الراحة قبل أن يواصل يومه. وكانت للصداقة عنوان، وهي نادر ورواء وأحمد وشهد، فهم لم يتركوا أصدقائهم في تلك الشدة.
جاء موعد العملية الجراحية، وكان الجميع بداخله خوف من المجهول. كانت الفتيات يجلسن يقرأن في مصاحفهن، أما الرجال فذهبوا لأداء الصلاة والدعاء بأن يشفي الله عبد القادر ويخرج منها على خير. مرت ساعات العملية على أحر من الجمر. كان الجميع بالإنتظار، حتى جميع الرجال قد أتوا بعد أن شعروا بأن الوقت قد طال. فمنهم من يجلس ومنهم من يقف.
فجأة خرج إحسان وهو مبتسم ومعه دكتور أرمان، والذي ذهب إلى أسمهان وأمسك يدها وهو يطمئنها على والدها. والجميع من حولهم لا يفهمون ما يقولون، ولكنهم يتابعون تغير وجه أسمهان من القلق إلى الابتسامة حتى يعرفوا أن العملية قد نجحت. كان إحسان يركز على يديهما بغيرة شديدة، حتى أن رزق قال له: "إيه اللي بيحصل يا دكتور؟ فيه إيه؟ عايزين نفهم." ولكنه وجد إحسان في واد آخر، فنظر لما ينظر إليه، فضحك بشدة وقال: "يا عيني على اللي هيولع."
ثم قهقه بصوت منخفض وقال: "ما تروح يا عم تشد إيديها بدل ما أنت هتولع." قال بغيظ: "ما الأستاذة مستحلية وسايباله إيدها." قال رزق بجدية: "بص بقى أنا لو منكم وفي الموقف ده مش هفكر في حاجة غير سلامة أبويا الصراحة." ذهب إحسان بغيظ ووجه كلامه للدكتور أرمان وقال: "إني أشكرك كثيرًا بلسان الجميع، بروفيسور أرمان، وخاصة بلسان زوجتي أسمهان." ثم ضمها إليه، فترك أرمان يديها وقال:
"ههههههه لم أكن أعلم أنك غيور هكذا يا إحسان، ولكن صدقًا هي تستحق ذلك، فلديك زوجة جميلة ورقيقة وبشوشة الوجه." مال رزق على إيمان وقال: "والله ما أنا فاهم حاجة خالص، بس اللي متأكد منه إن إحسان هيقتل الدكتور الكبارة ده دلوقتي." لكزته إيمان وهي تقول: "يا أخي بطل! هو إنت مبتفصلش أبدا؟ إحنا في إيه ولا في إيه." أخبر إحسان الجميع عن نجاح العملية وأنه سيظل اليوم فقط في العناية المركزة، ثم بعدها سيخرج لغرفة عادية.
مضى الليل عليهم وهم جميعًا في أرق شديد، حتى أن إحسان أخذ غرفة أخرى حتى يستريح الجميع بالتناوب بجوار غرفة عمله بالمشفى، فكان يجلس بها رزق وعلاء ونور. جاء الصباح، والجميع مترقب، حتى أخبرهم إحسان أنه بخير وسينتقل إلى غرفة عادية الآن. بالفعل تم نقل عبد القادر إلى غرفة عادية، ولكن كانت هناك حركة غريبة في المشفى، ولكنه لم يهتم، فكل ما يريده أن يقوم عبد القادر ويكون بخير.
فاق عبد القادر بعد فترة ليست بالقليلة، ووجد بجواره إحسان بجانب بعض الممرضات. عندما فتح عينيه ابتسم له إحسان وقال: "حمد الله على السلامة، وقعت قلبنا وقلب الناس اللي بره." نظر إليه وقال: "عايز أشوف أسمهان." نظر إليه إحسان وقال: "أسمهان حاسة بالذنب على اللي حصلك، ياريت تسامحها عشان هي تعبانة جدًا، وأنا والله ندمان ونفسي هي كمان تسامحني." أومأ برأسه دون كلام، ثم قال بصوت متعب: "ناديها."
خرج إحسان وأخبرهم بأنه فاق من غيبوبته وطلب أسمهان. نهضت أسمهان وقلبها يدق بعنف. دخلت عليه وهي مترددة، ولكن عندما دخلت إليه وجدته ينظر إليها وعيناه مغرورقة بالدموع وقال: "قربي مني." اقتربت منه بحذر، ففتح لها ذراعه الأيمن، فذهبت إليه وأمسكت بيده وقبلته، فرفع يدها إلى فمه وقبلها وهو يقول:
"متزعليش مني، أنا معرفتش أبين لك حبي، عملت بالظبط زي الدبة اللي من كتر حبها في صاحبها قتلته. بس والله انتي أغلى ولادي على قلبي، وأنا زعلي منك عشان خوفك مني، بس أنا عارف إن بنتي بميت راجل." ضحكت أسمهان من بين دموعها وقالت: "حبيبي يا بابا، إنت أغلى حاجة عندي. وإذا كنت زعلانة منك فعشان بحبك بزيادة وكنت غصب عني بغير من إخواتي، بس والله عمري ما كرهتهم، أنا بحبهم جدًا وبحبكم كلكم." ابتسم عبد القادر وقال:
"طب عندي طلب وياريت تنفذيه." قالت بلهفة: "أمرك يا بابا." نظر إلى إحسان الواقف على الباب وقال: "سامحي جوزك وابدأي معاه صفحة جديدة عشان خاطري." ابتسمت وقالت: "قوملنا إنت بالسلامة، وإن شاء الله هعمل كل اللي إنت عايزه." نظرت إلى إحسان فوجدته ينظر إليها بحب، فشعرت بالخجل وأدارت وجهها عنه. دخل الجميع تباعًا للاطمئنان عليه حتى لا يرهقوه.
كان الجميع يشعر بالسعادة، خاصة وأن أسمهان كانت تضحك وتتكلم مع الجميع على طبيعتها، ولما لا وقد اطمأنت على والدها وأصبح بخير. مرت ثلاثة أيام على الجراحة تحسن فيهم عبد القادر كثيرًا. كان الجميع حوله وهم يضحكون ويتسامرون، فقال رزق: "بقولك إيه يا عمي، إيه رأيك أجيب المأذون وأكتب الكتاب وأهو تبقى صيحة جديدة." ضحك الجميع، خاصة على تجهم وجه إيمان وهي تقول: "ليه إن شاء الله هتكتب عليا في المستشفى دي؟
أخرتها يا دكتور. مااشي أنا بقى مش هكتب الكتاب غير لما أتخرج وهتجوز بعد الماجستير." نظر إليها رزق وقال: "نععععععم ياختي ليييه؟ شايفاني هنا ماليش لازمة ولا إيه؟
ضحك الجميع على مشاكساتهم، وكان هناك من يختلس النظرات إلى نورين، وكانت هي تلاحظ ذلك وقلبها يدق بعنف وهي تشعر أنها بدأت تغير وجهة نظرها عنه، خاصة بعد تقاربوا أثناء أزمة أبيها، فهو لم يتركهم ولم يتخلى عنهم، وكان فعلاً رجلاً ليس له مثيل. كما لاحظت تغير طباعه وأصبح أحسن في كل شيء. كانت البهجة تملأ المكان حتى دق الباب ودخل رجل بزي شرطي وقال: "لو سمحتوا فين دكتور إحسان؟ وقف إحسان وقال: "أنا إحسان، خير حضرتك؟
أشار له الشرطي وقال: "ياريت تتفضل معانا." وقف عبد الرحمن وقال: "على فين؟ أجاب الشرطي: "مطلوب القبض عليه بتهمة قتل رجل الأعمال حمزة عبيد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!