تأتي دائما الرياح بما لا تشتهي السفن... ولكن ليس لإغراقها... بل لمعرفة من القادر على مواجهة تلك الأعاصير، وهل ربان هذه السفينة سيصلب أمام تلك الرياح ويقاوم حتى ولو لم يكلل بالنجاح، أم سيستسلم من البداية دون أدنى مقاومة.
كان اللواء عبد الرحمن يجلس مع وكيل النائب العام ومعه المحامي، وبجواره إحسان، يستمعون لما يقال وهم لا يصدقون، فكيف وجدت حافظة نقود إحسان إلى تلك الشقة، كونه من الأصل لا يعرفها بالمرة. فحَمزة قد قُتِل في شقة فاخرة يمتلكها في الشيخ زايد، فهو بالفعل لا يعرف أنه يمتلك شقة هناك، فكيف إذاً. قال وكيل النائب العام:
"اللي اكتشف الجثة هو البواب، لما طلع عشان ينضفها هو ومراته كل أسبوع زي ما هو متعود، خاصة إنه قال إن حمزة جه الشقة من كام يوم وبعدها مجاش تاني، ولما سألناه قال: ده طبيعي، هو متعود ييجي هنا ويسهر لما بيحب يبعد أو يكون معاه حد معين، أظن مفهومه." أومأ اللواء عبد الرحمن وقال: "طب ليه ميكنش حد منهم هو اللي قتله؟ أجاب وكيل النائب العام وقال:
"طبعاً فكرنا في كده ومش ساكتين، بس لما نلاقي محفظة الدكتور جنب القتيل وعليها دمه، يبقى لازم نقبض عليه ونحقق معاه، ولا إيه؟ قال إحسان بغضب: "بس أنا مقتلتوش، أنا فعلاً مشفتهوش من أكتر من أسبوع، لأن والد زوجتي كان تعبان في المستشفى وأنا كنت معاه ومسبتوش لحظة واحدة، لدرجة إني كنت ببّات معاه." قال له المحامي: "يا سيادة الوكيل، إحنا معانا إثبات إن دكتور إحسان كان في المستشفى والكل شايفه هناك، وكمان مفيش سبب للقتل." وجه له
وكيل النيابة الكلام وقال: "لو مفيش سبب للقتل، ليه اعتدت عليه بالضرب من حوالي 8 أيام بالظبط، يعني قبل ما يتقتل بكام يوم؟ بهت عبد الرحمن وقال: "إنت ضربته يا إحسان ليييه؟ دانت عمرك ما كنت عنيف." أجاب إحسان بغضب وصدق تلمسه وكيل النيابة العامة: "أيوة ضربته، بس عشان حاول إنه يعتدي أكتر من مرة على مراتي، لدرجة إنه راح لحمايا عشان يخطبها منه، وهو عارف إنها على ذمتي. كان مفكر إن الفلوس ممكن تزغلل عين حمايا أو عين مراتى."
"يبقى كان لازم أضربه، خاصة إني حذرته أكتر من مرة إنه يبعد عنها، بس للأسف قالهالي صريحة." "إني هاخدها منك لأن مش إنت اللي تكسبني وتفوز عليا، وصاحبه باسل شاهد على كده." تنهدت وكيلة النيابة وقالت: "الكلام اللي قلته ده أنا مصدقك فيه، بس للأسف ده يعتبر دافع أقوى للقتل، خاصة إن ده واحد حاول إنه يقرب من مراتك بأكتر من طريقة." نظر إلى اللواء عبد الرحمن، والذي اصفر وجهه من الخوف على وحيده.
"أنا آسف لسيادتك، بس دكتور إحسان هيفضل معانا 4 أيام على ذمة التحقيق، بس اللي أقدر أعمله إني مش هنزله الحجز وهخليه قاعد في أوضة الظابط النباطشي." استأذن عبد الرحمن أن يجلس مع ابنه على انفراد، فأذن له وخرج من الغرفة ومعه كاتب التحقيق والمحامي. اقترب إحسان من والده وقال بحزن: "والله يابابا ما قتلته، آخر مرة شوفته فيها فعلاً يوم الخناقة وسيبته عايش وخرجت أنا وأسمهان وإنت عارف الباقي." "أنا عمري ما أعمل كده أبداً."
زفر عبد الرحمن وسأله بعقلية شرطي محنك: "طب احكيلي كل اللي حصل ومتفوتش أي تفصيلة حتى لو كانت بالنسبة ليك مش مهمة، وحاول تفتكر إمتى بالظبط افتكرت إن المحفظة بتاعتك مش موجودة معاك." سرد إحسان كل ما حدث بينه وبين حمزة منذ هبوطه إلى أرض مصر وحتى آخر يوم رآه فيه. طمأنه عبد الرحمن ووعده أنه سيخرجه منها وسيجد الجاني الحقيقي الذي أوقعه بهذا الفخ.
خرج عبد الرحمن وكتفاه مثقل بالهموم، ولكن يجب عليه أن يبحث عن براءة ابنه الواثق منها تمام الثقة. ذهبت إليه أسمهان بسرعة عندما رأته وقالت له: "هو عامل إيه ياعمو كويس ولا إيه؟ نظر إليها بهم ثقيل وقال: "الحمد لله كويس، بس لازم نلاقي اللي عمل كده بأقصى سرعة، لأن للأسف إحسان ممكن هو اللي يلبس القضية دي." هزت أسمهان رأسها بشدة دليلًا على الرفض وقالت:
"لا ياعمو إن شاء الله هيطلع، وكمان وكيل النيابة حقق معايا وقلتله اللي حصل كله، وكمان قلتله إن إحسان كان معانا بقاله أكتر من أسبوع مكنش حتى بيروح، وكمان حققوا مع باسل وقال برضه إن إحسان ضربه وسابه ومشي." زفر عبد الرحمن وقال: "بس للأسف عنده دافع قوي إنه يقتله." ثم نظر بعين أسمهان وقال: "حبه الكبير ليكي وغيرته الشديدة عليكي وتمسك حمزة بيكي اللي كان مجننه ده، طبعًا بالنسبة لهم دافع قوي جداً." ارتبكت أسمهان وقالت:
"ممماشي ياعمو، بس يعني إحسان ضربه وحذره إنه يقربلي تاني، وأنا كمان روحتله وقولتله لو آخر راجل في الدنيا برضه مش هفكر فيك." ذهب إليهم نادر وعلاء واطمأنوا على إحسان، وطلب منهم عبد الرحمن أن يذهبوا للمستشفى حتى لا يتركوا عبد القادر ونور بمفرده، خاصة وأن رزق قد رجع إلى بلده لمرض والدته المفاجئ. طلبت أسمهان من عبد الرحمن على استحياء أن ترى إحسان.
استأذن لها عبد الرحمن من الضابط ووافق على زيارتها الاستثنائية من أجل اللواء عبد الرحمن. دخلت أسمهان وهي تحارب دموعها حتى لا تظهر أمامه. رفعت رأسها إليه، وجدته يفتح لها يده دون كلام. ارتمت أسمهان داخل أحضانه مشددة عليه، وهو الآخر بالمثل، فكل منهم كان يحتاج أن يطمئن بالآخر. أما إحسان، فكان غير مصدق بالمرة أنها قد أتت إليه بملء إرادتها، بل أنها لم تعترض على احتضانه لها.
شعر عندها بالسعادة رغم ما يمر به، لإحساسه أنها وأخيراً قد سامحته. أما هي، فكانت تريد أن تتأكد أنه لن يبتعد عنها مرة أخرى، فهي بالفعل سامحته منذ أن وقف معها ومع والدها، بل منذ أن رأت نظرات الندم في عينيه، ولكن قلبها الجريح كان يأبى الاعتراف بذلك. ظلت تبكي داخل أحضانه، أما هو فلا يريد أن يخرجها من بين يديه. أبعد رأسها قليلاً وأزال دموعها بيديه وقبل جبينها بقوة وقال لها وهو مازال على وضعه:
"لو أعرف إنك هتيجي في حضني كده وتسامحيني، صدقيني كنت قتلته من زماااان قوي." نظرت إليه بدهشة، شهقت بشدة وقالت: "إوعى تكون فعلاً عملتها، أنا واثقة فيك وواثقة إنك متعملهاش، بس طمني أرجوك." أخذها من يدها وأجلسها على الأريكة التي جدت الموضوعة بالمكتب وجلس بجوارها وهو ممسك بيدها وينظر لعيناها بعشق وقال: "ماهو مش معقول بعد مارجعتلك أبعد عنك تاني، أنا قلتلك مرة إني غبي آه بس مش للدرجة دي." أكمل بهدوء:
"حمزة فعلاً أنا مشوفتهوش من يوم ما كنا سوا آخر مرة، وبعدها عرفنا إن باباكي تعبان، بس اللي هموت وأعرفه محفظتي جات جمبه إزاي؟! نظرت إليه وقالت بتفكير: "ما يمكن اللي قتله هو اللي حطها عشان يدبسك إنت فيها." رد عليها وقال: "ماشي، بس هو أخدها منين؟ مخي هينفجر من التفكير." ربتت على يده وقالت بهدوء:
"متفكرش كتير، حاول تريح مخك شوية، وعمو عبد الرحمن إن شاء الله مش هيسكت، إنت عارف قد إيه الناس هنا بيحبوه وأغلبية الظباط اللي هنا اشتغلوا معاه، وصدقني كله مهتم بالموضوع ومحدش هيسكت أبداً." وقفت مرة واحدة وقالت: "هقوم أنا بقى عشان أروح أطمنهم في المستشفى لأنهم مبطلوش رن لما دماغي وجعني." أمسك يدها وقبلها وقال: "خليكي شوية، دانا مصدقت إنك رضيتي عني." ابتسمت بهدوء وقالت:
"هطلع أنت بس بالسلامة، وإن شاء الله حاجات كتير هتتغير." أومأ برأسه دون كلام. اتجهت إلى الباب ووضعت يديها على المقبض، فسمعته يقول بخفوت: "سامحتيني يا أسمهان خلاص مش كده ولا عشان الأزمة اللي أنا فيها؟ استدارت إليه وقالت بثقة: "إنت حسيت بإيه وأنا في حضنك؟ ابتسم بعشق وقال: "لو على إحساسي فمش قادر أوصفه، كان نفسي اللحظة دي متخلصش أبداً وتفضلي على طول في حضني ومتطلعيش منه." ابتسمت وقالت:
"تمام، أنا بقى لو مسامحتكش مكنتش هسمحلك أصلاً إنك تلمس إيدي، مش تحضني." أشارت إليه وقالت: "يلا بقى أنا ماشية وهجيلك بكرة إن شاء الله وهجبلك معايا أكل." ذهبت أسمهان في طريقها، أما إحسان فكان يشكر تلك الأزمة التي أوضحت له كثير من الأشياء، وكما يقولون: "رب ضارة نافعة". فكانت بالفعل معه كذلك، فهو واثق من براءته وأن الله سيظهر الحقيقة عاجلاً أم آجلاً. ولكن صدقاً، فرجوع أسمهان ومسامحتها له هو أفضل شيء حصل له منذ مدة.
تبكي قلوبنا بداخلنا وتنزف من الألم، ولكننا ندعي القوة والثبات أمام محبينا حتى لا نتعب معنا قلوباً كل ذنبها أنها تحبنا وبشدة. كانت أسمهان تبكي بانهيار وهي بالسيارة، فهي ذهبت مع علاء للمستشفى، ولكنها لم تنفك تبكي حتى تورمت عيناها وبشدة. ظل علاء يطمئنها طوال الطريق حتى وصلت للمستشفى.
حاولت أن تستجمع قواها أمام أبيها. دخلت إليهم وقصت عليهم ما حدث دون الدخول بتفاصيل، كما قالت لهم أنه مكيدة ضد إحسان وسيزيح الله الغمة عما قريب. استأذنت نورين لكي تشتري عصير، فهي تشعر بالعطش. استأذن علاء هو الآخر وطلب من عمه أن يأخذ نورين ويذهب ليجلب لهم الطعام، فهم لم يتناولوا شيئاً منذ الصباح. وافق عبد القادر خاصة عندما وجد نور قد غرق في النوم من شدة إرهاقه.
لحق علاء بنورين ونادى عليها، أجابته باستغراب، وكذلك دقات قلب عالية. وقد وصل استغرابها عنان السماء عندما علمت منه أنه استأذن من أبيها وقد وافق على ذلك، حتى أنها رفضت أن تذهب معه حتى تتأكد وتتصل بوالدتها تحت نظرات الحزن من علاء. تكلم علاء بعد إنهائها المكالمة وقال: "صدقتي إني مبكدبش عليكي ولا إني مثلاً هخطفك ولا حاجة." تقدمها في المشي ولم ينتظرها، فيكفيه ما به من ألم من تعاملها معه. هرولت خلفه حتى وصلت
إليه وقالت على استحياء: "إحم، أنا آسفة ياعلاء، بس أنا مش متعودة فعلاً إني أعمل حاجة غير لما أسألهم، خاصة يعني إنهم أول مرة يعني يوافقوا إني أخرج معاك." نظر إليها بحزن وقال: "فعلاً عندك حق، إزاي يأمنوا عليكي مع علاء البايظ الفلاتي، مش كده برضه؟! كادت أن ترد، ولكنه أوقفها بإشارة من يده، وكأنه قد فاض به ما يكتمه في قلبه، فقال: "إنتي عارفة أصلاً إيه سبب تغييري اللي الكل ملاحظه، وإنتي للأسف آخر من لاحظه." أضاف بسخرية:
أصل أنا للأسف وقعت في واحدة آخر ما كنت أتوقع إني أصلًا أفكر فيها، لا وإيه كمان... تبهدلني وتذلني عشان بس كلمة منها. واحدة بسببها اتغيرت 360 درجة. واحدة حبيت أعيش نضيف وأشتغل عشان بس أليق بيها وبحبها. خلتني عرفت قد إيه أنا غلطان في حق كل اللي حواليا وحق نفسي قبلهم. بس للأسف الكل شاف ولاحظ، وهي الوحيدة اللي لسه بتخاف تمشي معايا لوحدها ولسه شايفاني إني علاء الولد الصايع بتاع البنات. نظرت إليه بإشفاق وارتباك وحرج وقالت:
على فكرة أنا مش لسه شايفاك فلاتي ولا حاجة، وكمان حاسة بتغيرك. بس تقدر تقولي عايزني أتعامل معاك إزاي؟ وأنا عارفة ومتأكدة إنك حاولت قبل كده كتير إنك توقع أسمهان أختي، بس طبعًا معرفتش. عايزني أتعامل معاك إزاي وأنا شايفة كره طنط نرجس لينا الواضح قوي للكل، لدرجة إنها حتى مسألتش على بابا، رغم إن القريب والغريب سأل. لا، كمان اللي وصلنا إنها شمتانة وبتقول: "ياترى هندفع فلوس المستشفى منين". أكملت بغضب:
هاه، تقدر تقولي أتعامل إزاي يا بن عمي؟ كان علاء بالفعل ممتقع الوجه بسبب أفعال والدته المخزية، ولكنه رغم ذلك شعر بسعادة داخلية لمعرفة نورين أنه يتحدث عنها، أي أنها تشعر بما يشعر به. تكلم بسعادة وقال: أفهم من كلامك إنك عارفة إني أقصدك إنتي؟ ارتبكت بشدة وقالت: على فكرة يعني إحنا واقفين في الكوريدور والناس رايحة جاية تبص علينا، وطبعًا المفروض برده إننا نجيب أكل، فياريت بسرعة يعني. وقبل أن تخطو خطوة واحدة قال بشدة:
بصي بقى، هو الموضوع اتفتح وانتهينا، وإنتي مش ماشية رايحة في أي حتة من غير ما نحط النقط على الحروف. قالت بلؤم: نقط إيه وحروف إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. ابتسم وقال بخبث هو الآخر: لأ، ما الواضح إنك طلعتي فاهمة بس بتستعبطي. شهقت وقالت: أنا! أنا بستعبط يا علاء؟ طب مااااشي. شوف بقى مين اللي هيكلمك تاني ولا هيجيب الأكل معاك. وقف أمامها وقال بجدية:
بصي بقى، أنا فعلاً مش ماشي من غير ما أعرف راسي من رجليا. وعلى فكرة أنا تقريبًا قلتلهم كلهم إني عايز أتجاوزك. مفيش غير عمي، واللي أنا واثق إنه أكيد عرف، عشان كده سمحلك تخرجي معايا نجيب الأكل. زفرت بشدة وقالت: طب يا علاء، خلينا في الجد. هاه، هترد على اللي أنا قلته ولا لا؟ تنهد بقوة وقال: هرد. بالنسبة لأسمهان فأنا منكرش إني كنت بطاردها، بس عشان بنت جميلة ومعرفتش أعلم عليها. لكن عمر ما كان من ناحيتي ليها أي مشاعر خاصة.
ثم أطلق زفرة قوية وقال: أما بقى بالنسبة لأمي، فبرده مش هنكر إنها مبتحبكمش، بس ده مش ذنبي. أنا أديكِ شايفة حاولت قد إيه تبعد بابا عنكم، بس عمره ما بعد لأنه مرتبط بعمي جدا. وأنا الحمد لله أعرف أحمي مراتي كويس قوي. وعلى فكرة أنا كلمت بابا وعرفته إني مش هعيش معاهم في البيت، وهو معترضش، خاصة بقى لما عرف مين العروسة. نظرت إليه بذهول وقالت: يعني هتسيب بيت عمي اللي قعد يبنيه زي الفيلا وأحسن عشان تعيش فيه؟
نظر إليها وقال بثقة: ومستعد أسيب أي حاجة ممكن تبعدك عني. وكمان أنا مش هبعد، أنا برده هروحلهم كل يوم، بس مش عايز حاجة تزعلك أو ماما تقول كلمة تضايقك بيها. هاه، مستعدة بثه للعيشة دي معايا ولا لسه شايفاني علاء بتاع زمان؟ ابتسمت بخجل وقالت: يلا نجيب الأكل، واه، ابقى شوف بابا يمكن له رأي تاني في جوازنا. ثم قالت بشدة: وإياك ثم إياك تفاتحه في حاجة غير لما إحسان يخرج بالسلامة، ماشي؟ وافق بشدة وهو يهلل ويقول:
طبعًا طبعًا، أنا برده أفهم في الأصول، وإن شاء الله مش هيطول وهيخرج بسرعة. عندما تشعر بجزء منك يتمزق وبشدة ولا تعرف كيف عليك إصلاحه، فحينها تحاول بكل قوتك أن تزيل هذا الألم بكل الطرق، لعلك تشعر بالراحة.
كان عبد الرحمن يجلس بمنزله وهو يتابع سير التحقيقات، بل أصبح المنزل وكأنه قسم صغير، ولما لا، وهناك أكثر من ضابط يساعده لإثبات براءة إحسان، خاصة بعدما تأكدوا من براءته، ولكن القانون لا يعير أي شيء انتباهه إلا بالأدلة وفقط، وليس بالإحساس. دخل ضابط إلى عبد الرحمن وقال:
حضرتك، وإحنا بندور ورا حمزة عرفنا إنه كان كل شوية يتجوز واحدة ويسيبها، بس بقاله فترة حوالي 6 شهور وهو متجوزش حد، بس كانت فيه واحدة بتروح عنده دايما، وكمان الكاميرات بتاعة المكتب جابتها وهي ساندة، ومقدرتش تطلعه لوحدها، فندت الأمن وجه سنده وطلعها، وهي فضلت شوية في المكتب حتى الكاميرا مصوراها وشنطتها واقعة ونزلت على الأرض تجيبها وبعدها خرجت. الغريبة بقى إن الدكتورة دي سافرت تاني يوم القتل على طول. كان عبد
الرحمن يستمع باهتمام وقال: مين الست دي؟ أعطى الضابط الملف الذي بيده لعبد الرحمن، والذي قرأه بتتمعن وهو يدقق في الاسم ويشعر أنه يعرفه ولكنه لا يتذكر. اتصل على وكيل النيابة العامة وأبلغه بما توصل إليه، فوجد عنده هذه المعلومات أيضًا، بل إنه أكد عليه أنه تم استدعاؤها، ولكن بشكل طبيعي حتى لا تهرب. الأزمات هي ما تظهر لنا معادن من حولنا من أشخاص، فكم من أشخاص ظننا بهم الخير وهم لا يضمرون لنا إلا السوء.
وكم من أشخاص نستشعر بعدهم وعند المصائب تجدهم أول الداعمين. خرج عبد القادر من المشفى ولكنه قرر ألا يرجع إلى بيته حتى يطمئن على إحسان. فمكثت معه زوجته نادية ونورين، أما إيمان فقد عادت هي ونور لبدء الامتحانات العملية ويجب عليهم الحضور، ولكنهم استمروا في الاتصال بهم والاطمئنان عليهم هم ورزق أيضًا.
أما أسمهان فكانت تشعر بأن هناك هم ثقيل وقع على قلبها ولا تستطيع التنفس. كانت تصلي ليل نهار وتدعو الله أن يفرج كربهم وكرب كل مكروب. كانت مستمرة في الذهاب إليه يوميًا ولا تأكل إلا معه للتأكد من إنهائه لوجبته بالكامل. ووجودها تلك الأيام بجواره جعلهم أكثر تقاربًا، وتيقنت هي أنها قد سامحته كليًا على ما فعل. أما هو فتيقن أنه بالتأكيد كان سيخسر الكثير لو لم يرجع إليها من جديد.
جاء وقت الزيارة ولكن، وعلى غير العادة، فلم تجد اللواء عبد الرحمن، فهو لم ينتظرها. اتصلت عليه ولكنه لم يجيب. خافت بشدة أن يكون حدث مكروه لإحسان وهو لا يريد أن يقول. كانت ستتصل بأوبر ولكن وجدت هاتفها يرن برقم نادر، فأجابته بسرعة وطلبت منه أن يأتي سريعًا لكي يقلها لمبنى النيابة العامة. أما في مبنى النيابة العامة، فكان عبد الرحمن يقف على أحر من الجمر حتى يعرف من هي تلك السيدة التي أوقعت ابنه في تلك المكيدة.
خرج العسكري من الداخل وذهب وأتى بإحسان، وعندما سأله اللواء عبد الرحمن لما يريده، فأجابه أنه يريد أن يسأله عدة أسئلة أخرى. خرجت تلك السيدة وهي تبكي بانهيار شديد، حتى أنه ولوهلة أشفق عليها بشدة. جاء إحسان وذهب اتجاه غرفة التحقيق، حتى أنه لم يلاحظ وجود أي شخص آخر. دخل معه المحامي فوجد وكيل النيابة العامة يقول له: أحب أبشرك إن خلاص لقينا القاتل واعترف كمان بكل ملابسات الجريمة. نظر إليه إحسان بدهشة: اعترفت؟
معنى كده إنها واحدة ست؟ لوهلة هوى قلبه أسفل قدميه خوفًا أن تكون أسمهان هي تلك القاتلة، ولكنه نهر ذلك التفكير وقال: لا لا، يعقل أبدًا. إذاً، من هي؟ ولما أوقعت به هو؟ قال لوكيل النيابة: طب حضرتك ليه وقعتني في الورطة دي؟ وليه عملت كده أصلًا؟ دق وكيل النيابة الجرس بجانبه وأمر العسكري أن يأتي بالمتهمة وقال: دلوقت هي تقولك كل حاجة. دخلت عليه فوقف بدهشة وعدم تصديق وقال: مش معقوووولة! إنتي؟ طب إزااااي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!