تحميل رواية «ونسيت أني زوجة» PDF
بقلم سلوى عليبة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قلبى يحتاج الى قلب .....ليداوى جراحى بالحب ...فحياتى تمر بلا معنى ...ودوائى ليس بالطب ....فالقلب يهفو للقاء ....مع من يريد معه بقاء.....أبحث عنه بين البشر ....فهل يأتى ومعه السحر ...ويكون نصيبى من القدر .....ليداوى قلبى بالحب ....ويكون مكافأة على الصبر .... *** فى شقه مكونه من ثلاثة غرف صغيره وصاله ومطبخ ودورة مياه ...تتميز بالأثاث البسيط ولكن منظم ويبث الهدوء والسكينه لمن فى المكان .... يصدح صوت آذان الفجر من المسجد القريب لذلك المنزل ..فيستيقظ الأب عبد القادر ويأخذ منشفته ويذهب صوب دورة المياه...
رواية ونسيت أني زوجة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سلوى عليبة
سأمضى بحياتى ولن أنظر ورائى
لن تهتز ثقتى بنفسى وكأن وصمة عارى هى نقائى
سأعيش يومى وغدى ولن تكون انت سببا لبقائى
بل سأفتح قلبى لحياتى ولذاتى ومنك سأعلن شفائى
ياقلبا تركنى بحيره
فلقد إبتعدت رغم دموعى ورجائى
فلا تسألنى يوما أين أنت
فلن أنتظرك يوما حتى لو أردت لقائى
فهنيئا لك ما اخترت
وهنيئا عليا وحدتى وشقائى
تأتينا من الحياه منح على هيئه أشخاص تقف بجوارنا وكأننا نعرفهم منذ القدم
وكأن الحياة تخبرنا هاهى فرصة أخرى لكى تعيش وتشعربوجودك رغم كل ما مررت به
كانت أسمهان مندهشه أكثر عندما وجدت نادر هنا هو الأخر
فهى لا تقدر ان تنسى ذلك الشخص أبدا والذى دافع عنها بشده عندما تعرض لها البعض من زملائها الشباب ومعهم بعض الفتيات الشاعرين بغيره تجاهها كونها جميله ومتفوقه وليس لها علاقه مشبوهه مثل الكثيرين
دافع عنها عندما وجدها هكذا وهو لا يعرفها ولكن نخوته ورجولته هى من دفعه لذلك فى زمن قلت فيه النخوه والرجوله مع الأسف الا من رحم ربى
كان نادر يكبرها بعامين
شاب ليس بالوسيم بشده قمحى البشره لكنه جذاب ويكفى شهامته ورجولته لتجعله أوسم الرجال
نظر اليه كرم وقال
انت تعرفوا بعض ولا ايه
ضحك الاثنين بشده وقال نادر بفرحه
ألا أعرفها
أسمهان كانت أصغر منى بسنتين بس واتعرفنا على بعض فى خناقه
ثم وجه نظره لأسمهان وقال
صح ولا انا غلطان
إبتسمت أسمهان وقالت
طبعا صح
انا مبسوطه قوى انى هشتغل معاك هنا لأن وجود شخص اعرفه فى المكان خلانى مش حاسه برهبه زى الأول
ابتسم كرم وقال
خلاص مفيش داعى بقه لوجودى
ثم وجه كلامه لأسمهان
نادر ياستى هو اللى هيختبرك ولو نجحتى هو اللى هيدربك وميغركيش انه يعرفك
لااااا نادر فى شغله عامل زى القطر
نظر اليه نادر بفخر وقال
منكم نستفيد ياخالى
نظر له كرم بغيظ وقال
خالك دى عند أمك يالا هنا اسمى مستر كرم ماشى
ضحك نادر وقال
طب بلاش قدام الضيوف حتى
ضحك كرم بسماجه وقال
ضيوف ايه بقه ماطلعت متعرف عليها فى خناقه ياوحش
بس هتحكيلى ايه هى الخناقه دى
أماء نادر بموافقه وقال
ان شاء الله بس بالليل بقه عند أمى
خرج كرم وهو يستشيط غضبا من نادر ولكنه يحبه وبشده
فهو لم يرزقه الله بنعمة الأولاد ويعتبر نادر ابن له والحق يقال فنادر ونعم الإبن البار به
وقفت أسمهان وقالت بهدوء
هى حبيبتك فين دلوقت
ضحك نادر بشده وقال
اوعى تكونى خايفه منها
تذكرت أسمهان نظرات حبيبته وابنة عمه عندما وجدته يدخل فى مشاجره بسبب فتاة أخرى
كانت تريد أن تأكله حيه لولا تدخل نادر وإفهامها ماحدث ببساطه
تكلمت أسمهان بهدوء
لا ابدا مش خايفه وكمان عندها حق لما تلاقى الانسان اللى مرتبطه بيه بيتخانق عشان حد تانى
أصلك متعرفش الرجاله دلوقتى طبع الغدر بقه هو الشئ الأساسى
لمح فى عبنيها نظرة حزن ولكنه لم يريد أن يضغط عليها فقال
على العموم ياستى رواء موجوده معانا هنا انتى ناسيه انها انجليزي ولا ايه
ارتبكت أسمهان وقالت
طب مش هيبقى فيه مشكله يعنى لو لقيتنى شغاله معاك
ضحك نادر وقال بهيام شديد
هييييه براء دى نااار قايده بس بعرف أطفيها متقلقيش وكمان خلاص دى بقت مراتى
ابتسمت أسمهان وقالت
بجد ألف مبروك
رد لها نادر الابتسامه وقال
الله يبارك فيكى بس يعنى لسه مع إيقاف التنفيذ
لم تستوعب أسمهان فقال
ياستى عملنا خطوبه وكتب كتاب عشان يعنى عمى متوفى ومينفعش ادخل واطلع كده من غير صفه رسميه حتى لو ابن عمها
نظرت اليه بفخر وقالت
ربنا يتمملكم على خير ويباركلكم ياااارب
جلست أسمهان وبدأ نادر فى عمل بعض الإختبارات فى اللغه لها والتى اجتازتهم بمهاره ولما لا وهى متفوقه بالفعل
بعد فتره من الوقت وبعد إنتهاء الإختبارات
نظرت له وقالت
اللى يشوف شخصيتك المرحه ميشوفكش وانت فى الشغل دانا كنت مرعوبه لأغلط وانت تطردنى
ضحك بشده على كلامها وكان سيجيبها لوخول براء زوجته عليهم ووجدته يضحك هكذا فقالت بغيره شديده خاصة عندما وجدت معه فتاه جميله ولم تكن قد تعرفت عليها
والله عاااال بقى انا مستنيه حضرتك عشان ميعاد البريك جه ومش هاين عليا اكل من غيرك وانت قاعدلى تضحك هنا مش تضحكني معاك
أمسك نادر يدها وقبلها وقال
اهد يابوتاجاز انتى
مش فاكره دى مين
نظرت رواء لها شرذا وقالت
لا مش فاكره
ضحك نادر عليها فهى تغار عليه من الهواء وهو يدرك ذلك
فأجاب بهدوء وتفهم
دى يا ستى أسمهان اللى انا اتخانقت عشانها من كام سنه وانتى كنتى هتاكليها يومها
اغتاظت رواء منه وقالت
كنت هاكلها ليه يعنى هو انا من اكلى لحوم البشر
تقدمت إليها أسمهان وقالت
إزيك يامدام رواء عامله ايه انا مبسوطه اننا هنكون زمايل هنا
نظرت اليها رواء وقالت
هو انتى هتشتغلى معانا هنا
ابتسمت أسمهان وقالت:
أتمنى، بس لسه القرار النهائي في إيد مستر كرم، وده طبعًا على حسب توصيات مستر نادر لو لقاني مناسبة أو لأ.
هدأت رواء قليلاً، نافخت أسمهان، فهي بالفعل وجهها بشوش ومريح، وقد انفتح قلب رواء لها وقالت بحماس:
متقلقيش، إن شاء الله هتشتغلي هنا وهنكون أصحاب كمان، ولا إنتي مش موافقة؟
ابتسمت أسمهان بشدة وقالت:
طبعًا موافقة، أنا عمري ما كان لي أصحاب، وأتمنى نكون أصحاب فعلاً.
ضحك نادر وقال:
ربنا يستر، شكلكم كده هتعملوا رباطية عليا انتو الاتنين.
نظرت إليه رواء بشدة وقالت:
نااااااادر، أسمهان هتشتغل ولا لأ؟
مثل نادر الخوف وقال:
هتشتغل ياباشا، وربنا هو أنا هقدر؟ وأنا بقى هستقيل. ثم مثل البكاء.
تنهدت أسمهان بشدة وهي تحمد الله على تلك الصحبة، والتي من الواضح أنها ستعوضها الكثير. "فرب أخ لم تلده أمك، بل ولدته المواقف والأيام."
ليت الإنسان يتعظ مما يحدث حوله، ولكنها النفس البشرية التي تعتقد أن ما يحدث للغير لن يصيبهم هم، وكأنهم ليسوا من البشر. ولكنها النفس الأمارة التي تفوقت على الشيطان في مكرها.
كان إبراهيم، شقيق عبد القادر، هو وزوجته وولده علاء في زيارة لهم حتى يهنئوهم بنجاح التوأمين في الثانوية العامة.
جلس الجميع بغرفة الصالون تحت نظرات خبيثة يبثها علاء تجاه نورين. تلك الفتاة التي تشبه أسمهان بشدة في كل شيء، حتى قلبها النقي. ولكنها تختلف عنها بجرأتها وتفهمها للآخرين رغم صغر سنها.
لم يغب عليها نظرات علاء تجاهها، والتي فهمتها فورًا. ولكن مهلاً، إنها ليست أسمهان بطيبتها المفرطة. فلو حاول هذا العلاء أن يمسها بسوء، فستقف له بالمرصاد. فهي كانت تلاحظ نظراته لأسمهان من قبل، ولكن أسمهان كانت بريئة وهشة، فكانت تتهرب من لقاءاته. إنما نورين فلا، فهي مختلفة تمام الاختلاف عن أختها الحبيبة أسمهان.
نظرت شرزًا إليه وكأنها توصل له رسالة بأنها ليست باللقمة المستساغة للمضغ بسهولة، فليحذر عند تعامله معها.
بدأت نرجس بالكلام وهي تقول بغيره واضحة تحاول مداراتها:
مبروك يانادية ياحبيبتي، والله ما تعرفي أنا فرحت قد إيه لنور ونورين. ما شاء الله مجاميع تفرح، بس نورين كانت شدت حيلها شوية، بس يلا مش مشكلة، ماهي البنت مصيرها للجواز في الآخر، الدكتورة زي الجاهلة، كله بيتجوز وبيربي عيال.
ردت عليها نورين وقالت بلؤم:
لا طبعًا يا طنط، بتفرق برده من متعلمة لغير متعلمة، يعني عندك ماما أهي متعلمة ومعاها حقوق، فتلاقيها برده في تربيتها لينا حاجة تانية، متفتحة وصاحبتنا، عشان كده تلاقينا كلنا ما شاء الله يعني شطار ومتفوقين والكل بيحلف بأخلاقنا، ولا إيه يا طنط؟
اغتاظت نرجس وقالت:
قصدك إيه يانورين إن أنا عشان مكملتش تعليمي واتجوزت عمك بعد الإعدادية إني معرفتش أربي ولا إيه؟
نظرت لها نورين وقالت ببراءة:
أنا يا طنط؟ اخص عليكِ، هو أنا أقدر؟ نظرت إليها نادية وضغطت على عينيها حتى تصمت نورين. ثم وجهت كلامها لنادية وقالت:
والله نورتينا، تشربوا إيه؟
قومي يا إيمان هاتِ حاجة ساقعة وجاتوه حلاوة نجاح أخواتك، يلا يا حبيبتي قومي.
نهضت إيمان وهي تحاول أن تكتم ضحكاتها بشدة على احتقان وجه زوجة عمها.
تكلم علاء وقال:
ناوي على إيه يانور؟
أجابه بهدوء:
هندسة إن شاء الله.
ثم وجه كلامه لنورين وقال بصوت حالم:
وإنتي يانورين ناويه على إيه؟
ضحكت نورين وقالت:
هو انت بتتكلم كده ليه؟ فيه حاجة بتوجعك ياعلاء؟
تنحنح علاء وقال:
لا أبداً، أنا بس بسألك.
ابتسمت بثقة وقالت:
فنون جميلة إن شاء الله.
قال عمها إبراهيم:
بس متهيألي إن فنون جميلة في القاهرة مش كده.
أجابه عبد القادر وقال:
أيوه في القاهرة، وهي خلاص امتحنت قدرات ونجحت فيها، فاضل بس التنسيق وخلاص. إنما نور هيدخل هندسة هنا إن شاء الله.
حركت نرجس شفتيها دليل على التصعب وقالت:
بس إنت قد المصاريف دي كلها يا أبو نور.
امتعض وجه عبد القادر وقال:
مش قدها ليه إن شاء الله؟ على العموم لما هحتاج مش هبقى أطلب منك.
تنحنح إبراهيم بإحراج من كلمات زوجته وقال:
إنت عارف إنها متقصدش حاجة، هي بس يعني عارفة إن مصاريف الجامعة غالية وكده. وعلى العموم أنا رقبتي سدادة يا خويا لو احتجت حاجة من جنيه لألف.
أغتاظت نورين بشدة وقالت:
وهي طنط تعرف مصاريف الجامعة منين؟ يعني ده حتى معندهاش غير علاء ودخل تجارة، يعني يعتبر مفيهاش مصاريف زي باقي الكليات. وكمان كان بينجح بالعافية، ولا إيه يا عمو؟
لم يقدر عمها على الرد، فتلك الصغيرة أفحمته ولم يستطع أن يقول لها أنتِ مخطئة.
نظر لها والدها بفخر هو الآخر، فأولاده لا ينفكون يدافعون عنه تحت أي ظرف.
انتهت الزيارة غير المرحب بها بالمرة. ولكن لم تكن نورين تعلم أن بشخصيتها تلك استهوت علاء أكثر. فهو كان يعدها صغيرة ولم يكن يعرف أنها بهذا الجمال والقوة. فإن أحب في أسمهان جمالها، فنورين تختلف في شخصيتها وسيسعد كثيراً وهو يروّضها، ولا يعرف أنها هي من ستؤثر عليه وليس هو.
تمضي بنا الأيام ونحن نركض بها ركض الوحوش، لعلنا نصل إلى ما نريد. ولكن هل عندما نحصل عليه سنشعر بفرحة أم نشعر أننا أضعنا حياتنا هباءً على وهم وسراب؟
مضى أكثر من شهرين وأسمهان تعمل في مكتب الترجمة، بل أثبتت نفسها جداً في فترة بسيطة. توطدت علاقتها برواء كثيراً، ونادر أيضاً أصبح لها مثل الأخ الذي لم تلده أمها. أما كرم، فكان يشعر بأنها أخته الصغرى وأنه المسؤول عنها، فكان يوجهها عند الخطأ ويكافئها عند الصواب، فأحبت عملها أكثر وأكثر. قصت أسمهان على رواء ما حدث معها وتفهمت رواء وجهة نظرها من عدم رغبتها بالطلاق الآن.
قالت رواء بهدوء:
طب دلوقتي إنتي مرضيتيش تطلقي، طب ناوية على إمتى؟
أجابتها أسمهان بحزن:
لما أثبت ذاتي، ساعتها هخلّي عمو عبد الرحمن يتمم إجراءات الطلاق. لكن دلوقتي مينفعش، مش مستعدة إني أرجع تاني لخوف بابا عليا أو إنه يجوزني مرة تانية لحد تاني.
نظرت إليها رواء وقالت:
بس باباكي ملوش ذنب في جوازتك، وده اللي فهمته منك.
زفرت أسمهان بشدة وقالت:
لا طبعًا ملوش، حتى بعد الكلام اللي سمعته وإن الجوازة دي هتبقى مريحة له لأنها مش هتكلفه حاجة. بس منكرش برده إنه قال لماما إني لو رفضت عمره ما هيغصبني. بس أنا لقيتها جوازة كويسة، فاهماني يارواء؟
تنهدت رواء وقالت:
فاهماكي يا أسمهان.
نظرت إليها بتمعن وقالت: "عمرك ما حبيتي يا أسمهان؟"
ابتسمت أسمهان بنزق وقالت: "لا، عمري ما حبيت. عشان كده حسيت إني شيلت مشاعري للراجل اللي هيبقى حلالي. ولما جه رميتها تحت رجليه، وللأسف داس عليها."
أكملت رواء بحزن وتردد: "إنتي لسه بتحبيه؟"
نظرت إليها أسمهان بتيه وقالت: "هتصدقيني لو قلت لك إني مشاعري ملغبطة؟ مبقتش عارفة أنا بحبه ولا بكرهه ولا ممتنة له."
"نعم، ممتنة إزاي يعني؟" هكذا سألتها رواء باندهاش.
ضحكت أسمهان بخفوت وقالت: "أيوه ممتنة. مهو لو مكنش عمل كده، مكنتش هشتغل وأكمل دراستي. شفتي بقى؟ مهو ساعات بيجي الخير من قلب الشر."
ضحكت رواء بشدة وقالت: "غريبة إنتي والله. يابنتي أنا لو منك كنت ولعت فيه. إنتي عارفة لو بس نادر فكر إنه يسيبني يوم واحد، وحياتك لأخنقه بإيدي. هو أنا متجوزاه عشان يسيبني ولا إيه؟ أنا متجوزاه عشان يدلعني ويحبني ويخليني ملكة كده في حياته."
دخل نادر عليهما بعد أن سمع كلام رواء، فقال بمرحه المعتاد: "طب وقرمط الغلبان ملوش نصيب في الدلع والحب؟ ولا هو بس هيتولع فيه؟ آآآه يا أنا يا ماما، إنتي اللي قولتيلي نتجوز، الجواز حلو أهو، هتولعي فيا من قبل ما أدخل دنيا. لا خلاص أنا رجعت في كلامي."
ضحكت أسمهان بشدة وقالت: "بقولكم إيه، أنا عندي رسالة دكتوراه بترجمها وعايزة أخلصها، وإنتو ماشاء الله هتضيعوني معاكم."
تحدثت رواء بجدية وقالت: "بقه إنت رجعت في كلامك مش كده؟"
نظر نادر حوله بطريقة كوميدية وقال: "هو مين ده اللي رجع في كلامه ياباشا؟ وأنا هجيبه من قفاه."
"ناااااااااادر رد عليا."
نظر إليها نادر وقال: "قوليلي عايزه إيه وأنا أجاوب على طووول."
ردت رواء بغيظ: "نااادر بطل استعباط."
ضحك نادر وقال: "بطلنا يا معلمة، أي خدمة تانية؟"
نظرت إليه رواء وقالت بحزن: "بجد. إنت خلاص مش عايز تتجوز؟"
نظر إليها نادر في عينيها وقال: "مين الأاهبل العبيط اللي قال كده؟ يارورو، ده أنا هموت وأتجوزك امبارح مش النهارده، بس إنتي ترضي ياباشا قلبي؟ وربنا كل حاجة جاهزة، مش فاضل غير فستان الفرح وده هننزل نجيبه في ثانية."
نظرت إليه وعيناها مغرورقة بالدموع. "خايفة تسيبني؟"
طمأنها بأن أخذها بين أحضانه وقبل رأسها وقال: "أنا نادر يارواء، مش شاكر باباكي."
كانت أسمهان مازالت واقفة وهي لا تعي شيئًا، ولكنها أدركت أن قسوة رواء في بعض الأحيان مع نادر ما هي إلا غطاء لضعف شديد بداخلها، وسببه الرئيسي هو والدها.
بدأ العام الدراسي الجديد. كان رزق في سعادة غااااامرة، فهو سيلقاها أخيراً بعد طول اشتياق. فهو كان يتتبع أخبارها على استحياء من صفحتها على الفيس بوك، ولكنه حتى الآن يريد أن يراها حتى يسألها عن ذلك العريس الذي تقدم لها.
"نعم، شهد قد نفذت وعدها وقالت له إنها مشغولة ولن تأتي زفاف أخته لأنه يوجد عريس متقدم لها."
كان يستشيط غضباً وغيره. لم يكن يعلم ماذا يفعل، فهو لم يكن معه ما يكفي لزواجه. فهو قد قام بتجهيز أخته على أكمل وجه على أن يبدأ هو في تجهيز شقته بعد زواجها. فماذا يفعل؟ ولكن، اطمأن قليلاً عندما أخبرته شهد أنها قد رفضت هذا العريس المزعوم.
كان يقف في شباك مكتبه المطل على مدخل الكلية. رآها وهي تدخل وتضحك مع شهد. كان يود أن يزرعها بين أحضانه، ولكنه لن يفعلها حتى تصبح ملكه. فليتدارك نفسه الآن.
نزل مهرولاً على الدرج ووقف أمامهم وهم يحاولون الذهاب لكي يروا جدول المحاضرات.
أوقفهم بيده وقال وهو ينظر لإيمان: "كل سنة وإنتو طيبين. إيه رايحين فين كده؟"
أجابته شهد بتسلية: "رايحين نجيب الجدول يادكتور، مع إنه زحمة مووووت."
نظرت إليها إيمان بغيظ وقالت: "زحمة إيه؟ سلامة النظر، ماهو فاضي أهو."
تجاهل رزق رد إيمان وقال: "اتفضلي الجدول اهو يا شهد، ويا ريت تقولي لصاحبتك بلاش نبقى زي القطر كده، وبلاش وش جعفر اللي هي مركبهولي ده. بس ياترى وش جعفر ده هو اللي قابلت بيه عريس الغفلة ولا غيره؟"
اغتاظت إيمان بشدة وقالت: "هو إيه وش جعفر ده؟ ماتحترم نفسك، ولا انت مفكر عشان دكتور عندي مش هرد عليك؟ وكمان عريس إيه اللي بتتكلم عنه ده؟"
نظرت إليها شهد بتوتر وقالت: "العريس، العريس يامنمن اللي إنتي مروحتيش فرح رغد أخت الدكتور عشانه."
تذكرت إيمان كلام صديقتها وقالت: "آآآه، هي قالتلك على العريس؟"
نظرت إليها شهد برجاء ألا تخبره الحقيقة حتى لا يأكلها حية.
تنهدت إيمان بغيظ من صديقتها المجنونة. أما هو، فقال: "أيوه العريس، هو انتي نسيتيه ولا إيه؟"
ثم أكمل بتملك وغيره: "هو أنا مش قايلك قبل كده إنك هتبقي مراتي ومفيش مخلوق هيقربلك؟ يبقى لييييييه بقه رايحة تقابليني عرسان وزفت على دماغك؟"
فتحت إيمان عينيها بشدة دليل على دهشتها وقالت: "زفت على دماغي؟ طب اسمع بقه يادكتور، أنا أقابل عرسان زي ما أنا عايزة. ماهو بابا لما يجي ويقولي فيه عريس اتقدم لك واقعدي معاه بس وشوفيه، مش هرد أنا وأقوله معلش يابابا أصل الدكتور بتاعي بيقولي إني هبقى مراته. لا يادكتور، وخليك عارف كمان إن لو لقيت حد مناسب هوافق عليه عااادي جداً."
نظرت إليهم شهد وهي تلعن حالها. فهي كانت تود المزاح، أما الآن فيوجد أمامها أسدين يتقاتلان.
قالت بينها وبين نفسها: "هااار اسوح، دي هتولع. أعمل إيه؟ طب أهرب أروح فين أنا؟"
وقفت إيمان بتحدي أمام رزق، ولكن قلبها يدق من الخوف من نظراته القاتلة.
أما رزق، فقال بهدوء يتنافى مع البركان الثائر داخل قلبه: "ماشي يا إيمان، ابقي اقبلي العريس اللي إنتي عايزاه، وأنا مش هعترض وهسيبك تعملي كل اللي نفسك فيه، لأن تقريبا أنا اللي اندلقت عليكي بزيادة."
تركها رزق وغادر وفي قلبه نار تأكله من الغيرة. أما إيمان، فوقفت مكانها لا تستطيع الحراك. فهي لم تكن تريد أن يحدث كل هذا.
رن هاتف شهد، وجدته أحمد. فأجابت سريعاً وقالت: "أحمد، الحقني بالله عليك، أنا عملت كارثة."
_________
"يعني انت بره؟ طب ادخلي بسرعة بالله عليك."
ذهبت شهد لإيمان وقالت وهي تبكي: "آسفة يا إيمان، والله ما كان قصدي كل ده يحصل. أنا غبية، كان لازم أعرف إنه بيحبك وبيغير عليكي، وأكيد لما يشوفك هيطلع كل ده عليكي. سامحيني بالله عليكي، وأنا هروح وأقوله كل حاجة."
أوقفتها إيمان وقالت: "لا ياشهد، متقوليش حاجة. يمكن كده أحسن. أنا كده كده مش فاضية للحب والكلام ده، أنا عايزة أخلص دراستي وبس."
نظرت شهد إليها بعدم تصديق وقالت: "بذمتك مصدقة نفسك؟ أمال وشك باين عليه إنه مخطوف وعيونك المدمعة دي ليه؟ عشان مش همك، مش كده؟ قولي للكل أي حاجة، لكن أنا لا."
أتى أحمد سريعاً وقال: "عملتي إيييه يامصيبة حياتي؟ نيلتي إيه يابلوة عمري؟ هببتي إييييه ياقرة عينى المنيلة؟"
أدمعت شهد وقالت: "جرا إيه يا أحمد؟ إنت ماصدقت وعايز تشتم وخلاص؟"
نظر أحمد إلى إيمان وقال: "قوليلي انتي يا إيمان. شهد حبيبتي؟ لالا شهد إيه، ماهو شهد يعني عسل، والصراحة بمنظرها ده هتبقى بصل وخل كمان. قولي يا إيمان، قولي عملت إيييه."
نظرت إليه إيمان بحزن وقالت: "معملتش حاجة يا حضرت الظابط. هي كده بس بتأفور الأمور."
لم يقتنع أحمد، فهيئته شهد وإيمان لا تدل على خير أبداً.
استأذنتهم إيمان بهدوء، فهي متعبه وترغب في الانصراف.
وافقت شهد بسرعة تحت نظرات الدهشة من أحمد. فهي لم تعرض عليها أن توصلها في طريقها مثل كل مرة. إذاً، فالأمر جلل.
نظر إليها أحمد بهدوء وقال: "إيه؟ هنحكي اللي حصل ولا هنقعد كده كتيير؟"
قصت عليه شهد كل ما حدث منها دون أي زيادة أو نقصان.
أما أحمد، فكان يكتم غضبه وغيظه منها. فهي لم تعد تلك الصغيرة التي تفرح بأن تعمل مقالب في الآخرين، وها هو كذبتها البيضاء تحولت إلى سوداء قاتمة.
تكلم أحمد بغيظ وقال: "هتعقلي إمتى ياشهد؟"
أجابت شهد بدفاع من بين دموعها: "والله كنت بقوله كده عشان يشعلل ويغير عليها. مكنش قصدي كل ده يحصل."
أشفق عليها أحمد، فهو يعلم أن قلب حبيبته برئ ونقي نقاء الحليب. قال لها بهدوء: "أولاً، هتروحي لدكتور رزق وأنا معاكي، وهتحكيله كل حاجة حصلت. سامعة؟"
أجابته شهد بخفوت: "هيسقطني."
رد عليها أحمد بغيظ: "يارب ياشيخة، عشان أقعدك من الجامعة وأتجوزك وألمك بدل المقالب اللي بتعمليها دي."
نظرت إليه شهد ببراءة قاتلة وقالت: "هتلمني يا أحمد؟ هو أنا مبعثرة؟"
وضع أحمد يده على وجهه دليلاً على نفاذ صبره وقال: "يااارب لو هي تكفير ذنوب، أنا خلاص تبت إليك وندمت. تصدقي ياشهد، إنتي مصيرك في يوم هتلاقيني بكلم نفسي شبه المجانين بسببك."
ابتسمت شهد وتناست ما هي فيه وقالت: "وأنا هبقى مرات المجنون أحمودتشي."
وقف أحمد وقال: "لاااااا، كتير كده والله، كده كتيييير. إنتي يابت انتي مش كنتي بتعيطي من شوية؟ دلوقتي قاعدة بتضحكي وفرحانة إنك بقيتي مرات المجنون؟ آآآه يا أنا يا نفروخي، هموت ياناس، وربنا هتموتيني."
...
ردت شهد بعفوية وقالت: "بعد الشر عليك يا أحمد، يرضيك أبقى أرملة وأنا لسه مدخلتش دنيا؟"
نظر إليها أحمد بجنون وقال: "ومش هتدخليها، أنا خلاص نويت أترهبن ياشهد. امشي من قدامي بدل ما أموتك ويبقى الخبر: ضابط يقتل خطيبته بسبب تخلفها العقلي."
"إمشي ياشهد، نروح لدكتور رزق بدل ما أموتك هنا. يلااااا."
انتفضت شهد وقامت من مكانها وهي تهرول تجاه مكتب رزق.
دخلت إليه بعد أن استأذنته، فوجدت وجهه حزين بشدة. تنحنحت قليلاً ثم قصت عليه كل ما حدث بصراحة.
وقف رزق أمام النافذة وهو يوليه ظهره وقال: "أنا مش هعاقبك على الكدبة بتاعتك دي، رغم إنها عيشتني أيام صعبة أوصفهالك. بس حتى لو صدقت كلامك إن إيمان هي كمان عندها مشاعر ليا، فبعد اللي حصل النهارده لازم أعيد حساباتي."
شهقت شهد وقالت: "يعني إيه؟ يعني خلاص هتبعد عن إيمان؟"
أجابها بتأكيد: "أيوه."
وقفت أمامه عند النافذة وقالت: "يعني خلاص مبقتش عايزها ولا عايز تتجوزها؟"
أجابها بعصبية وغيره وقال: "لا طبعاً، عمر ما حد هيقرب منها ومش هتتجوز غيري."
هزت شهد رأسها دليلاً على عدم فهمها وقالت: "أنا مش فاهمة حاجة خااالص."
ابتسم رزق بخبث وقال: "كل اللي هعمله إني هعلمها إن الله حق. ويانا يا انتي يا إيمان."
رواية ونسيت أني زوجة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سلوى عليبة
ااااه على لوع الفراق وأنت أمامي.
بوجودك أنتِ تبتهج أيامي.
بعدك عني يقتلني، وقربي منكِ أكبر أحلامي.
ولكني لن أطأطأ رأسي يومًا، حتى لو كنتِ أنتِ عشقي وهيامي.
أحبك صدقًا وأموت شوقًا، ولكني رجل ولن أنكسر أمام غرامي.
عندما يدركنا الندم ورغم ذلك لا نستطيع الرجوع، وكأننا نعاقب أنفسنا بالبعد، ولا ندرك أن هذا البعد هو الذي يزيد الندم يومًا ما.
كان إحسان يتفانى في عمله وفي دراساته، وكأنه يحاول أن ينسى بهما شيئًا هامًا. أصبح شخصًا جادًا أكثر من اللازم، لا يقبل الخطأ ولا ينال قسطًا وفيرًا من الراحة. بل أنه يحاول أن يواصل الليل بالنهار، لأنه ببساطة شديدة يود الهروب. كان يمشي بأروقة المشفى بعد أن أنهى عملية جراحية خطيرة جعلت الجميع يشيد بمجهوده كالعادة.
كانت بيانكا ضمن الفريق الجراحي في تلك العملية، فهي مازالت تحاول أن تتقرب من إحسان في كل دقيقة، ولكنّه أبدًا لا يراها إلا كطبيبة وجراحة ماهرة ليس إلا. نادت عليه بيانكا بلهفة:
إحسان إلى أين أنت ذاهب؟
نظر إليها إحسان باندهاش وقال:
سأذهب لكي أغير ملابسي وأذهب للمنزل، فأنا مرهق جدًا وأريد أن أنال قسطًا من الراحة.
أمسكته بيانكا من ذراعه وقالت بدلال:
أرجوك إحسان تعال معنا فلنمرح قليلاً فقط.
أبعد إحسان يدها بهدوء من على ذراعه وقال:
آسف بيانكا، أنتِ تعلمين أني لا أحب السهر، وبالفعل فأنا مرهق ولم أنم منذ البارحة، فيرجى منكِ أن تعذريني.
ذهب إحسان في طريقه ولم يعير بيانكا أدنى اهتمام.
اغرورقت عيناها بالدموع وقالت بصوت خافت ولكنه وصل له:
ألهذا القدر تعشقها؟
استدار إحسان بدهشة وقال باستفسار:
من تقصدين؟
أجابت بخفوت حزين:
زوجتك التي تركتها بمصر، فقد سمعتك عندما كنت تتكلم مع استيوارت.
ابتسم إحسان بعفوية عند تذكره لأسمهان، ولكن مهلاً، هل نسيها يومًا ما؟ بالطبع لا، ولهذا يهلك نفسه بعمله.
تنهد إحسان وقال ببساطة:
نعم، أنا بالفعل أعشقها رغم أني جرحتها، ولكني أعشقها.
نظرت إليه بيانكا وقالت:
ولكنها بعيدة عنك، والبعد يولد الجفاء ويزيده.
ضحك إحسان بمرارة وقال:
ولكنه في حالتي أنا بيانكا، لم يزيد الجفاء ولكنه زاد الاشتياق واللوعة.
أصبحت أقتل نفسي بعملي حتى أنام دون أن أشعر، ولكن هل تعلمين؟ حتى إن فعلت ذاك، فهي تأتيني بأحلامي، تعاتبني وتلومني على البعد.
أجابته بيانكا بحزن:
إذاً، لما لا تعود إليها؟
أجابها بحزن ومرارة:
لأنها لم تعد زوجتي للأسف، فكان عقابي لنفسي أن أتفانى في عملي حتى أهلك.
نظرت إليه بيانكا باستغراب:
هل عملك هو عقابك؟
أجابها بهدوء:
بل ابتعادي عنها هو عقابي. شوقي إليها وعدم مقدرتي على أن آخذها بين ذراعي هو عقابي. أن أحقق ما أردت تحقيقه وألا أشعر بالفرح والنجاح لعدم وجودها إلى جواري هو عقابي.
عقابي الأكبر هو عشقي لها، والذي لم أتأكد منه إلا عندما ابتعدت.
سألته بحزن عميق:
وهل العشق عقاب؟
أجابها ببساطة:
نعم، عندما أعلم أنني فقدتها ولن أستبدلها يومًا بامرأة غيرها، فهو عقاب.
نظر إليها إحسان وقال بلطف:
بيانكا، أنتِ امرأة جميلة حقًا، وقد يراني الجميع معتوهًا لأني لم أعجب بكِ رغم مشاعرك الواضحة تجاهي، ولكن صدقًا، إن كان لقاؤنا في ظروف أخرى، لكنت أحببتك بشدة، ولكنك للأسف جئتِ في وقت أصبح قلبي فيه ليس لي، ولن أقدر أن أمنحك أي شيء.
تكلمت من بين دموعها وقالت:
أنت تقول إنها لم تعد زوجتك، إذاً ما المانع من أن تحاول؟ وصدقني إحسان، سأجعلك تنساها حقًا.
تكلم إحسان بهدوء وأسف وقال:
ومن قال لكِ أني أريد أن أنساها بيانكا؟ لا والله، فأنا لن أنساها ما حييت.
إذاً، لماذا تركتها؟
لأني أحمق بيانكا. كنت أظن أني أعاقب أبي لأنه أرغمني على الزواج منها، ولم أكن أعرف أني لم أعاقب إلا نفسي.
حاربت إحساسي بها حتى لا ينتصر علي أبي، فهو أرادني أن أتزوجها حتى أحصل على ما أريد، ففعلت ظنًا مني أنها وسيلة، وفي النهاية فعلت ما أراده أبي حتى ألبي إرادتي أنا. ولم أكن أعلم أنني أنا الخاسر الوحيد في تلك القصة. فما الفائدة لشهادات وعمل كلل بالنجاح ومنزلي خاوٍ من الحب والدفء والأمان؟ لم أفهم كلمة أبي عندما قال لي إنني سأندم.
ابتسمت له بيانكا من بين دموعها وقالت:
هنيئًا لها بقلب مثل قلبك.
ضحك إحسان بمرارة وقال:
هذا القلب الذي تتكلمين عنه قد جرحها بشدة، وأعتقد إنها إن رأتني فلن تغفر لي أبدًا.
إن كانت تعشقك فستغفر لك، هكذا أجابته بيانكا.
طأطأ رأسه بأسى وقال:
ياليتها تفعل.
ااااه من القلب عندما يتمكن منه الكبرياء والعقل. هكذا كان حال إيمان، فهي تحكم قلبها ولا تعلم أنها بذلك تخسر من تريد. أما رزق، فكان يمشي بخطته كما يريد. كان التجاهل هو أساس تلك الخطة، والتي أتت بثمارها، فكانت إيمان تشعر بالاختناق من ذلك التجاهل.
كانت تجلس بجوار شهد في المدرج بانتظار دكتور رزق.
دخل بهيئته الخاطفة للأنفاس كالعادة. نظر إليها سريعًا ثم ألقى السلام وبدأ في الشرح. لم تنتبه في المحاضرة لما قد تم شرحه، فهي كانت مشغولة بكلام زميلتها الجالسة خلفها وهي تقول لزميلة أخرى:
يا خرااابي على دكتور رزق ده مز السنين بس تقيل تقل.
أجابتها الأخرى بتأكيد:
إنتي هتقوليلى! ده فظيييع، بس تصدقي كان خارج أول إمبارح من الجامعة وأنا كنت جنبه، كلمته ورد عليا عادي، شكله كده هيبتدي يفكها.
ضحكت الأخرى بخفوت وقالت:
أيوه يابنتي، واحد غيره كان انحرف من زمان، يا بنتي دي البنات هتموووت عليه، وكل ما بيتقل أكتر كل ما بينْدلُقوا أكتر. بس لوز اللوز ابن الإيه.
ضحكت الأخرى وقالت:
وأنا بقول أثاريكِ منظبطة قوي في المحاضرات، بس بتاعته هو وبس.
ضحكوا الاثنتان وقالت إحداهن:
خلاص بقى، ليشوفنا ويطردنا، وإنتي عارفاه زي القطر، وأنا لو انطردت أموت.
صمتت الفتاتان ولم يدركوا أنهم أشعلوا نار تلك الجالسة أمامهم.
أما شهد، فكانت تكتم ضحكتها على تغير وجه صديقتها.
نظرت لها إيمان وقالت:
إنتي عارفه لو اتكلمتي كلمة واحدة هخنقك.
قامت شهد وكأنها تغلق فمها بالسحاب وهي تومئ لها بعدم الكلام حتى لا تنفجر فيها تلك إيمان.
انتهت المحاضرة وقررت إيمان أن تسأله على أشياء لم تفهمها.
ذهبت إليه قبل أن يخرج من القاعة وقامت بمناداته:
لو سمحت يادكتور.
ابتهج قلبه بشدة. هل هي بالفعل من تنادي عليه؟ ولكن مهلاً، عليه أن يتمالك نفسه وليلقنها درسًا.
التفت إليها بعد أن قام بمواراة ابتسامته وقال:
أفندم يادكتورة، فيه حاجة؟
أجفلت إيمان من جديته وقالت بتردد:
آآآآيوه، كان فيه حاجة كده مش فاهماها في المحاضرة.
نظر إليها بجدية رغم نبضات قلبه العالية وقال:
ليه؟
نظرت إليه بارتباك وقالت:
هو إيه اللي ليه؟!!
أجابها بنفس الجدية:
يعني أنا في المحاضرة قلت مرة واتنين وتلاتة، اللي مش فاهم حاجة يقول. إنتي بقى سكتي ليه ومقولتيش ساعتها؟
اغرورقت عيناها بالدموع، لا تعرف لماذا؟ هل بسبب جفاء أسلوبه أم لأنها لم تتوقع منه تلك الردود؟
وقفت أخيرًا بكبرياء وقالت:
آسفة يادكتور، وبعد كده لو مفهمتش حاجة هبقى أسأل عنها في المحاضرة، عن إذنك.
استعدت أن تمشي، فشعر بألم بقلبه من نظرات عينيها الممتلئة بالدموع.
فقال بلهفة حاول مداراتها:
أنا مقولتش تمشي.
وقفت مكانها وهي تمسح دموعها بكبرياء وقالت دون أن تلتفت إليه:
أظن حضرتك وضحت وجهة نظرك وأنا خلاص فهمتها، ممكن بقى أمشي؟
رد بسرعة وقال:
يعني انتي فعلاً فهمتي اللي أنا عايز أقوله؟
ضحك بسخرية وقال:
معتقدش يا دكتورة، لأن الفهم عندك بطيء شوية، بالذات في بعض المواضيع المهمة.
استدارت إليه وقالت:
قصدك إيه؟
أجابها بهدوء:
لا أبداً، متاخديش في بالك. إيه بقى اللي مش فاهماه؟ وياريت بعد كده تركزي في المحاضرة مش في كلام اللي وراكي.
نظرت إليه بذهول. لقد كان ينظر إليها أثناء المحاضرة ومهتم بها. فأجابته بغيره:
طب ما دام حضرتك عارف إن اللي ورايا بيتكلموا، مطرّدتهمش ليه؟ ما أنت دايماً بتطرد أي حد بيتكلم.
ضحك بخبث وقال:
أصل بصراحة حسيت إن كلامهم مهم أوي بالنسبة ليكي، عشان كنتي مركزة معاه على الآخر، فقلت أسيبك معاهم شوية.
شعرت بالغضب لأنه كان يقرأ تعابير وجهها وتركهم رغم ذلك.
نظر إليها بلؤم وقال:
الا هما كانو بيقولوا إيه؟ هاه إيه؟
نظرت إليه بغيره شديدة وقالت باندفاع:
أبدا، كانوا بيتغزلوا في جمال حضرتك وقال إيه أنت مز وجنتل ومدوخ البنات، جاتهم القرف.
ضحك رزق بشدة على عصبيتها وقال:
طب انتي مالك متعصبة ليه؟ ناس بتشكر في حلاوتي دي حاجة تزعلك في إيه يعني؟ معرفش والله. وكمان انتي لو اتنرفزتي من كل حد يشكر فيا وفي حلاوتي، يبقى هتتعبي. أصلهم كتير الصراحة.
نظرت إليه بغيظ وغيره وقالت باستهزاء:
أصلهم كتير الصراحة، ليه يعني كنت عمر الشريف ولا رشدي أباظة؟
وقف بمكانه بفخر وقال:
لا، دكتور رزق. بس برده اللي حابب أعرفه إيه اللي مضايقك. وكمان أنا يا ستي لأ عمر الشريف ولا رشدي أباظة، بس الحمد لله عارف قدر نفسي كويس قووووي. والأهم من كده إني متصالح مع نفسي ومبضحكش عليها. وأنا لو عايز أعرف بنات، بإشارة من صباعي الصغير ألف بنت هتبقى معايا. وده مش تكبر ولا حاجة، لا. بس أنا عمري ما كنت كده وعمري ما فرحت بلمة البنات حواليا، حتى لما حد منهم يجيلي مكتبي بأي حجة، بتكلم معاهم بكل أدب وعمري ما استغليت الفرص.
ثم أمال عليها وقال:
وعلى فكرة، بتبقى كتير أوي الفرص دي. لا والأكتر من كده إن البعض منهم بيبقى مرحب جداً لو أنا عملت معاهم أي حاجة، بس أنا مش كده وعمري ما هكون كده.
نظرت إليه إيمان بارتباك وقالت:
ههههم يييعني فيه بنات بتجيلك المكتب؟!!!!
رفع إحدى حاجبيه وقال:
هو ده كل اللي انتي سمعتيه من كلامي؟
ثم ضحك بإستهزاء وقال:
اللي يسمعك يفكر إنك غيرانة ولا حاجة.
ارتبكت من كلامه وقالت:
وااانا يعني هغير ليه؟
ضحك بخبث وقال:
أنا عارف يا دكتورة، شوفي انتي بقى.
نظرت إيمان لشهد والتي لم تتدخل بالمرة بينهم، وذلك بسبب توصيات أحمد الشديدة لها حتى لا تختلق مشاكل مرة أخرى.
قالت إيمان بصوت عالٍ:
يلا يا شهد عشان نمشي.
ضحك رزق وقال لشهد بخبث:
إبقي شوفي الدكتورة متعصبة ليه، أصل بصراحة أنا مش عارف. وكمان عرفيها إن العصبية هتطفش منها العرسان، مش كفاية وش جعفر.
إغتاظت إيمان وقالت:
مش هرد عليك على فكرة.
مر من جوارها وهو متجه لمكتبه وقال:
وأنا ميهمنيش تردي على فكرة.
كزت إيمان على أسنانها بشدة من شدة غضبها وقالت:
شايفة يا شهد؟
أجابتها شهد:
شايفة.
قالت لها إيمان:
سامعة قال لي إيه؟
ردت شهد:
سامعة.
التفتت لها إيمان وقالت:
هو إيه انتي بغبغان وبترددي وخلاص؟ مش كفاية هو غايظني، هتبقى انتي وهو.
نظرت إليها شهد بهدوء وقالت بلؤم:
والله أنا شايفة إنه عنده حق. البنات شايفاه حلو وبتحاول تقرب منه، مالك انتي بقى؟ مش انتي خلاص قولتي له لو حالك عريس هتوافقي؟ مركزة معاه ليييييه؟
خجلت إيمان وقالت:
أنا على فكرة مش مركزة معاه ولا حاجة، عادي يعني.
ضحكت شهد وقالت:
فعلاً، أنا شايفة إنك عادي خاااالص لدرجة إن ودانك بتطلع نار شبه التنين أبو أجنحة.
كادت إيمان أن تضربها ثم تمالكت أعصابها وقالت:
أنا ماشية أحسن ما أولع فيكي وفيه وفى الكلية كلها.
غادرت إيمان الجامعة تحت نظرات رزق، والذي كان يراقبها من نافذة مكتبه.
ضحك بإنتصار وقال:
ولسه يا إيمان، إن ما خليتك تقولي حقي برقبتي، مابقاش أنا رزق.
مع السلامة يا مدام رزق.
عندما نحلم بشيء ونرجو تحقيقه، نفعل ما نستطيعه حتى نتمم ما بدأنا فيه.
انتظمت نورين في الجامعة وأقامت في المدينة الجامعية، رغم إصرار أسمهان أن تجلس عندها، ولكنها رفضت بشدة، فهي لا تود أن تثقل عليها، وتعّلت بأن المدينة الجامعية قريبة من الجامعة، وفي بعض الأحيان تكون المحاضرات في وقت مبكر أو أن يكون لديهم ورش فنية، فستتأخر ليلاً، ولهذا فالمدينة أفضل لها. وافقت أسمهان على مضض على أن تأتي لزيارتها كل حين، وعندما لا تقدر على السفر، فستقضي نهاية الأسبوع عند أسمهان.
أما نورين، فكانت تشعر وكأنها تمسك بقطعة من السماء. أنهت محاضراتها وقررت أن تذهب لكي تتناول الغداء في المدينة الجامعية وتنال قسطاً من الراحة لتبدأ مذاكرة. خرجت معها صديقتها لمار، تلك الفتاة التي تعرفت عليها في الجامعة، فهي من كفر الشيخ ومعها بالمدينة الجامعية.
عند خروجها، وجدت أمامها علاء واقفاً أمام سيارته ويرتدي نظارته الشمسية، فكان حقاً جذاباً، حتى أن لمار قالت:
دا مين اللي واقف هناك؟ ولا نجوم السيما ده؟
سحبتها نورين من يدها وقالت:
واحنا مالنا إن شاء الله. يلا بينا عشان نروح.
إنتبه علاء لنورين وهي تمشي أمامه، فنادى عليها ولكنها لم تجيبه وظلت في طريقها.
أوقفتها لمار وقالت:
فيه إيه يا نورين؟ دا بينادي عليكي. اقفي يابنتي شوفي عايزك في إيه.
زفرت نورين وقالت:
أنا مش واقفة يا لمار. عايزة تقفي براحتك، لكن أنا مش هقف أكلم حد.
هرول علاء بسرعة حتى وصل إليهم وقال:
نورين مبترديش ليه؟
وجدت نورين أنه لا مفر من الرد عليه، فقالت بتأفف:
نععم أفندم. خييير؟
نظر إليها بوله وقال:
إيه مش عايزة تردي عليا ولا إيه؟
رفعت إحدى حاجبيها وقالت:
عادي يعني، أنا جاية هنا عشان أتعلم مش عشان أقف وأتكلم وأرد على الناس.
إبتلع علاء ردها الجاف وقال بإبتسامة:
طب مش هتعرفيني حتى على صاحبتك وتعرفيها عليا؟
ردت عليه بجدية:
والله لو هي عايزة تتعرف تتفضل، أنا مش حايشة حد.
مد علاء يده للمار وقال:
أهلاً، أنا علاء بن عم نورين، وانتي؟
أجابت لمار بخجل:
أنا لمار، أهلاً بيك.
نظر إليهم علاء وقال:
ما تيجوا أعزمكم على الغدا. إيه رأيك يا نورين؟ تحبي تتغدي فين؟
ضحكت نورين بسخرية وقالت:
بس أنا موافقتش عشان تسألني هتغدى فين. وكمان أنا هروح أتغدى في المدينة زيي زي زمايلي. وغير كده، محدش يعرف إنك ابن عمي عشان أكلمك أو أخرج معاك. وأنا حبيت أقف المرة دي عشان أقولك الكلام ده، وهو إني مش هرد عليك تاني حتى لو ناديت عليا. فياريت ترجع على طوخ وتكمل صرمحة هناك. وعلى فكرة، البنات هناك على قفا من يشيل، لكن أنا معتقدش خاااالص.
ثم نظرت إليه بقوة وقالت:
أنا مش أسمهان يا علاء اللي كانت بتشوفك تهرب. لاااااا. أنا نورين، ولو شفتك هقف في وشك تمام. وياريت كده نبقى على نور من الأول. سلام يا..... يا ابن عمي.
ذهبت نورين وتركت علاء وكأن هناك دلو ماء وقع على رأسه في ليل يناير. ماهذا؟ أهذه من كان يعدها طفلة؟ لا والله، بل هو طفل صغير بجوارها. ولكن مهلاً نورين، إن كنتِ تعتقدين أن بهذا الكلام سأذهب عنكِ، لا والله، لقد زدت إصراراً عليكِ يا ابنة عمي.
عند الوصول لحلم كان من المستحيل تحقيقه، تكون سعادتنا في عنان السماء.
كانت أسمهان تنكب على ترجمة كتاب من اللغة العربية إلى اللغة الألمانية. كانت مرهقة جداً ومركزة على عملها، حتى أنها لم تستمع لرنين الهاتف مرة تلو الأخرى. حتى دخل عليها عبد الرحمن وقال:
أسمهان، نادر زميلك في الشغل بيقول إنه رن عليكي كتير وعايزك ضروري. خدي هو على تليفوني أهو.
أجابته أسمهان:
شكراً يا عمي، فعلاً أنا قاعدة مركزة وكنت عاملة كمان التليفون صامت.
ألو، أيوه يا نادر، خير؟
يعني إيه؟ انت عارف يا نادر إني مبحبش النظام ده.
لا، ألف سلامة عليها، بس يعني مفيش غيري؟
طب هتغيب قد إيه؟
أنا مش خايفة، كل الحكاية إن ممكن يطلب مني أروح بالليل لو فيه اجتماعات، وأنا مبحبش كده.
خلاص خلاص، انت هتعيط، ماشي ياسيدي، بس حاول تيجي بسرعة. قولتلي بقه اسمه إيه؟
تمام، خلاص دونت الاسم والعنوان، وشكراً يا سيدي على الثقة اللي هتيجي فوق دماغي دي.
أنهت المكالمة تحت أنظار عبد الرحمن، وقبل أن يسأل قالت له:
نادر زميلي عايزني أروح مكانه لأنه حصل له ظروف واضطر يسافر عند عمه يومين، بيقول جدته تعبانة وطالبة تشوفه هو وإخواته.
سألها عبد الرحمن:
عايزك بداله في شغل يعني؟
أومأت أسمهان بالإيجاب وقالت:
أيوه، بس أنا مبحبش النوع ده، مش الشغل.
سألها عبد الرحمن وقال:
نوع إيه يعني؟
أجابت أسمهان في هدوء:
شغل الشركات يعني. ساعات الشركات الكبيرة بتيجي المكتب عندنا وبتطلب مترجم لما بيكون فيه صفقات وكده مع دول أجنبية، فحد بيروح مننا وبيكون معاهم وبيترجم العقود اللي بتتعمل منها نسختين، نسخة بالعربي ونسخة تانية بلغة الشريك في الصفقة. بس المشكلة إن في ساعات بيعملوا بقه عشاءات عمل وخروجات، ولازم المترجم يكون معاهم. فأنا كنت برفض الشغل ده عشان كده، وكان نادر هو اللي بيروح دايمًا وأنا في الغالب باخد الشغل اللي بيكون في المكتب. بس دلوقتي حصل ظرف أهو ولازم أروح.
كانت تنظر إليه وهي مترقبة من ردة فعله.
تكلم عبد الرحمن بهدوء:
روحي شغلك وأنا هوصلك وهخليني معاكي على تليفون، منين ما تخلصي هاجي آخدك.
قفزت أسمهان وأخذته بأحضانها وقبلته بشغف وقالت:
أحلى عمو عبد الرحمن في الدنيا.
ضحك عبد الرحمن وقال:
"بِكَاشَه روحي البسي يلا."
بس خدي هنا، ما قولتيليش اسم الشركة إيه؟
تكلمت أسمهان وهي ترتدي ملابسها في غرفة الملابس:
"اسمها البربري جروب، والمدير اسمه حمزة البربري."
وقف عبد الرحمن باضطراب وقال بصوت منخفض:
"حمزة البربري؟ وملقتيش غير ده؟ ربنا يستر."
رواية ونسيت أني زوجة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سلوى عليبة
تزج بنا الأيام نحو طريق لم نرغب المضى فيه ولكنه القدر يفعل ما يحلو له وعلينا الإنصياع.
كانت أسمهان مرتقبه لوجه عبد الرحمن المكفهر عندما سمع اسم الشركه وصاحبها.
إقتربت منه أسمهان وقالت بحذر:
فيه إيه ياعمو؟
ليه حضرتك اتغيرت لما سمعت اسم الشركه؟
زفر عبد الرحمن بضيق وقال:
أنا كنت أعرف والد حمزه، كان بينا صحوبيه بس مش جامده قويه، معرفه يعنى وكنت بسمع منه عن حمزه وعن استهتاره ولعبه بالبنات وان أي بنت تعجبه ياخدها.
ثم ابتسم بسخريه:
بس الحق يقال مبيعملش حاجه في الحرام كله بالجواز عرفي بقه أو شرعي مش مهم المهم إنه ياخد اللي هو عايزه وبس.
ورغم كده جد جدا في شغله ومبيعرفش أبوه حتى لو غلط يطرده.
تركيبته غريبه محدش يفهمها وعشان كده خفت عليكي لما سمعت اسمه.
إبتسمت أسمهان على خوف عبد الرحمن عليها وقالت:
متقلقش ياعمو وكمان من كلامك أقدر أستشف النوع اللي بيعجبه وأظن أنا مش منهم خاااالص.
وغير كده كل اللي بينا هيبقى شغل وبس وهى المره دي وخلاص وبعد كده يكون نادر رجع وهو اللي هيكمل معاه.
قبلته على وجنتيه برقه وقالت:
يلا ياعمو سلام أشوفك بعدين.
وقف أمامها وقال:
ثواني هنزل أوصلك.
رفضت بشده وقالت:
هطلب أوبر وكمان الجو حر عليك.
لو اتأخرت هبقى أرن عليك تيجي تاخدني تمام.
سلام بقه.
ظل ينظر عليها حتى خرجت من باب الشقه ثم قال بينه وبين نفسه:
ربنا يملا حياتك بالخير زي مامليتي عليا حياتي وخليتي ليها طعم.
نزلت أسمهان وهى تدعو الله ألا يحدث أي شئ خطأ في هذا العمل وأن تنهي هذا العمل بلا أي مشاكل.
ركبت السياره واتجهت إلى الشركه.
نزلت أمامها وهى تنظر لهذا الصرح الكبير بإنبهار.
إتجهت إلى الأمن وعرفتهم بنفسها فسمحوا لها بالدخول.
تمكنت منها الرهبه فتلك المره الأولى التي سأعمل بها بالترجمه مباشرة، فهي كانت تعمل على ترجمة الكتب والرسائل العلميه والحق يقال كانت تنهيهم بسرعه وببراعه ودون أدنى خطأ.
كانت تمشي بالرواق وهى تتلو آية الكرسي حتى يطمأن قلبها.
دخلت إلى المصعد وتوجهت إلى الدور الخامس والذي به غرفة الاجتماعات كما قالوا لها.
وصلت وسألت بعض من الماره حتى أشاروا على الغرفه ولكنهم أخبروها أن تذهب أولا لسكرتيرة حمزه باشا لكي تخبرها بقدومها.
ذهبت إلى تلك السكرتيرة والتي يجب أن يقال عليها فهو راقصة وليست سكرتيرة فهي ترتدي ملابس ضيقة للغاية وشعرها به بعض من الخصل الصفراء بألوان متدرجة ولكنها لا تنكر أنه جميل.
وأيضا تضع من مسحوق التجميل ما جعل منها فتاة جذابة من وجهة نظر الآخرين طبعاً.
نظرت إليها السكرتيرة من رأسها حتى أخمص قدميها وقالت بإستعلاء:
آفندم أي خدمة؟
تغاضت أسمهان عن أسلوبها المتعالي وقالت:
أنا أسمهان مستر كرم بعتني عشان الترجمة الخاصة بالوفد الألماني.
نظرت إليها روجيدا السكرتيرة وقالت:
بس احنا بنتعامل مع مستر كرم من فترة وكان دايما بيبعتلنا مستر نادر ليه غير المرة دي.
أجابتها أسمهان وهى تود اقتلاع رأسها من مكانه من أسلوبها المتعالي وقالت:
مستر نادر جاتله ظروف قهرية وأنا مكانه فيه عندك مانع؟
تكلمت روجيدا وقالت:
طبعاً موانع مش مانع واحد وأكتر مانع إن مستر حمزه مبيحبش المحجبات وإنتي محجبة.
عند تلك النقطة ولم تتمالك أسمهان أعصابها وقالت.
لا والله هو له شغل مش شكل، وكمان يحبني ولا يكرهني ده شيء ما يهمنيش في حاجة. هو نفسه ما يهمنيش في حاجة، ولا يهمني رأيه، لأنه لو هو فعلاً بروفيشنال بجد هيقيم الإنسان اللي قدامه من شغله مش من شكله. وكمان سورة، يعني هو عشان متعود على لبس الراقصات من حواليه، عمره ماهيحب النضافة.
التفتت لتمشي وقالت:
وعلى العموم في مكاتب ترجمة كتير ممكن تطلبوا منهم واحدة قالعة هدومها عشان تعجب الباشا.. جاتكم القرف.
وقفت روجيدا ولم تنطق بحرف واحد، وذلك لأن حمزة بالفعل كان قد وصل إلى مكتبه وسمع رد روجيدا على أسمهان. وعندما كان سيتكلم لم يستطع، وذلك لأن أسمهان قد قالت كل ما تريد وهي لا تراه.
عندما قررت أسمهان أن تمشي، فوجدت أمامها حمزة. وهي طبعاً لا تعرفه، ولكنها وجدت شاب وسيم وجذاب، شعره أسود فحم، به بعض التجاعيد، مهندم بشدة. لم تعرف من هو، ولهذا قالت وهي مازالت على غضبها:
لو سمحت، عايزة أمشي.
كز على أسنانه بشدة منها وقال:
حضرتك مين ورايحة فين؟
زفرت أسمهان وقالت:
حضرتي كنت المترجمة. تمام، ورايحة فين؟ فأنا مروحة. فيه أسئلة تانية؟
نظر إلى عينيها، والتي جذبته بشدة وقال:
إنتي قابلتي حمزة باشا ولا لسه؟
زفرت أسمهان وقالت:
يادي حمزة باشا! لا ياسيدي، ما قابلتش حمزة باشا. وما يشرفنيش أقابل حمزة باشا. حلو كده؟ عن إذنك بقى.
لم يتحرك حمزة من مكانه وهو يتفحصها وقال:
ليه هتمشي من غير ما تقابليه؟
ابتسمت أسمهان بسماجة وقالت:
اسأل السكرتيرة وهتقولك. ممكن بقى أمشي؟
نظر إلى روجيدا وقال بغضب:
إنتي قولتي لها إيه؟
تلعثمت وقالت:
مقولتش يافندم، هي اللي جاية شايطة كده ومعرفش مالها.
ابتسمت أسمهان وقالت:
ممكن أعدي؟
سألها حمزة:
بتقول إنها ما قالتش، مش هتتبرري موقفك؟
ردت عليه بقوة اكتسبتها من عملها:
لا، عشان أنا ما بحبش أتناقش مع كذابين. وهي كذابة، وزي ما بيقولوا "علاج السفيه اجتنابه". وصراحة، شكل اللي بيشتغلوا هنا كلهم كده.
نظر حمزة إلى روجيدا بتوعد وقال:
على العموم، أنا سمعت إنتي قولتي لها إيه، وحسابك معايا بعدين.
نظرت إليه أسمهان وهي لا تفهم شيئاً وقالت:
آسفة، بس هو حضرتك مين؟
ضحك حمزة بغيظ وقال:
أنا؟ لا أبداً، أنا السفيه اللي مشغل السفيهة دي.
وضعت أسمهان وجهها أرضاً، ولكنها سريعاً ما رفعته وقالت:
على العموم، أنا ما غلطتش في حاجة. هي اللي من البداية بتبص لي بنظرة مش عاجباني، وكأني من كوكب تاني. وفي النهاية بتقولي إنك ما بتحبش المعجبات. وأنا مالي، تحب ولا ما تحبش. اللي بينا شغل وهينتهي وخلاص. ولو شغلي ما عجبش حضرتك، أكيد هسمع أي نقد ومش هزعل. لكن لبسي وحجابي خط أحمر، سوري. ولو حضرتك مش عاجبك مظهري، فأنا بعتذر وهمشي حالا.
نظر إليها حمزة بإعجاب شديد وقال:
ومين قال إن مظهري وحش؟ بالعكس، إنتي شيك جداً وجميلة جداً.
احمر وجه أسمهان وقالت:
لو سمحت، مبحبش أي تجاوز في الحوار. وده أول بند من بنود التعامل اللي بينا، واللي أعتقد إنها مش هتدوم، لأن نادر بإذن الله لما يرجع هو اللي هيتابع معاكم.
نظر إليها بنظرة ذات مغزى وقال:
أما نشوف هتدوم ولا لأ. وعلى فكرة، كلمة جميلة مش تجاوز، وأول مرة أشوف واحدة وشها بيحمر منها.
ثم ضحك بشدة ودخل إلى مكتبه، وفي أثناء ذلك قال:
ثواني وجايلك عشان نروح أوضة الاجتماعات سوا.
وقفت أسمهان وهي ترجو الله أن يمر الاجتماع على خير.
أما روجيدا، فكانت مندهشة من تصرف حمزة. فهو لا يستطيع أن يقف في وجهه أحد أو أن يرجع عليه كلمة، فلما تركها تقول ما تريد؟
عندما يشعر المرء بالغيرة على الحبيب، فإنها تكون مثل نار تأكلنا أحياء. وعندما نطفئها، نرمي عليها البنزين بدلاً من الماء، فتزداد اشتعالاً.
كانت إيمان تجلس بالكافتيريا هي وشهد، ولكنها تستشيط غضباً من أفعال رزق معها. فهو منذ آخر مرة تكلم معها، وهو يتجاهلها تمام التجاهل.
ضحكت عليها شهد بشدة وقالت:
مالك بس يا منمن؟ إيه مزهقك؟
زفرت إيمان بشدة وقالت:
آآآه، غايظني ابن الإيه. هولع منه ياشهد. قاعد يا أختي يكلم دي ويكلم دي، والبنات إيييييه، آخر سهوكة على الآخر، حاجة كده تغييييظ.
لم تستطع شهد أن تكتم ضحكتها أكثر من ذلك وقالت:
تصدقي بالله أنا فرحانة فيكي، عشان تبطلي دور شجيع السيما بتاعك ده وإنك مش همك حد. أديكي أهو هتولعي. كان إيه لزمه بس فرد الدراع؟
أخفضت إيمان رأسها وقالت بحزن:
إنتي عارفة اللي فيها ياشهد. مصاريفنا كتير، وإخواتي كمان بقوا في الجامعة ومحتاجين مصاريف، وبابا ما حلتهوش إلا وظيفته، مش حمل جواز ولا خطوبة. ده حتى أسمهان جوزها غني، وكانت شقته جاهزة من مجاميعوا، ورغم كده بابا أخد سلفة على مرتبه عشان يجيب لأسمهان لبسها، مهو مش معقول هتدخل من غير لبس جديد كمان.
ربتت شهد على يديها وقالت:
يا إيمان، إنتي تفكيرك غلط. وكمان رزق بيحبك وإنتي عارفة، واللي بيحب بيعمل أي حاجة حتى لو هيضحي. مانتي عندك أحمد أهو، رغم إنه ابن خالتي، بس ماما نفسها مكنتش عايزاه، لاهي ولا بابا، بحجة إنه ظابط وعمره على كف عفريت. رغم إن باباه مكنش ظابط، يعني وبرضه مات صغير. ووقفوا له يعتبر في كل حاجة، وهو استحمل عشان خاطري، ويعتبر هو اللي هيجيب أكتر الحاجات. فصدقيني، إنتي مكبرة الموضوع بجد.
زفرت إيمان بضيق وقالت:
يمكن أكون أنا غلط، بس هو المفروض يطمني مش يتجاهلني ويغيظني. وكمان أنا مش عارفة أعمل إيه دلوقتي.
نظرت لها شهد بإستفسار وقالت:
في إيه؟
أجابت إيمان بحيرة:
أصلنا يا ستي هنروح يوم الخميس عند أسمهان. اتصلت ببابا وصممت إننا نروح نقضي خميس وجمعة معاها. ونورين هتكون عندها. وطبعاً الخميس عندي سيكشن دكتور رزق. وبالمشهد ده، هيعاند معايا لو لقاني غبت، وممكن ينزلني في العملي. وإنتي عارفة أنا الدرجة معايا بتفرق عشان الترتيب.
تكلمت شهد ببراءة:
خلاص، روحي له المكتب واستأذني منه زي أي حد ما بيعمل، وهو مش هينزلك في العملي.
نظرت لها إيمان وهي تحاول أن تستشف ما وراء كلماتها، فقالت بحذر:
يعني إنتي عايزاني أروح استأذنه؟
أومأت شهد برأسها وقالت:
أيوه، ماهو مفيش غير كده.
وقفت إيمان مرة واحدة وقالت بشجاعة مزيفة:
أروح إيه المشكلة يعني؟ هياكلني ولا هياكلني؟
ذهبت إيمان في طريقها تحت نظرات شهد المشجعة إياها. وجدت من يوقفها ويقول:
دكتورة إيمان، ممكن كلمة؟
نظرت إيمان لمن يتكلم، وجدته رامز، فارتبكت وقالت:
خير يادكتور، أظن مفيش بيني وبين حضرتك كلام.
وقف رامز أمامها وقال:
ممكن أعرف إنتي ليه رافضاني؟ إيه اللي مش عاجبك فيا؟
تلفتت إيمان حولها وهي خائفة أن يراها رزق وهي واقفة معه. ولم تكن تعلم أنه رآها بالفعل، وكان يود الهبوط إليها، ولكنه قرر أن يتابعهم تحت نظرات الغيرة الشديدة.
إيمان بارتباك:
أولاً، إنت زميل زي أي زميل. ولو إنت واخد بالك، هتعرف إني مليش علاقة بأي شاب. فياريت تحترم رغبتي دي ومتكلمنيش تاني، وأظن المرة اللي فاتت حضرة الظابط أحمد فهمك كده.
وجدت إيمان شهد قد أتت وهي مكفهرة الوجه.
إقتربت من رامز وقالت:
إيييييه، أنت عايز تتهزأ تاني ولا إيه؟ بتليفون واحد أجيب لك أحمد خطيبي هنا يظبطك. إبعد عن إيمان أحسن لك، وروح لشلة الأنس بتوعك، وروح للبت الصفرا اللي عينيها هتطلع عليك. يلا يا بابا وسيبنا في حالنا.
تركهم رامز وهو يكز على أسنانه من الغيظ وقال:
مااااشي، أنا وإنتي والزمن طويل يا إيمان.
أحتضنت إيمان شهد وقالت:
حبيبتي حبيبتي... بس إنتي عرفتي إزاي إنه وقفني؟ أنا بصيت عليكي لقيتك مديريالي ضهرك.
قالت شهد بمرح:
أسكووووتى! هو إنتي متعرفيش؟
نظرت إليها إيمان بإرتاب وقالت:
لا معرفش، خييير.
ابتسمت شهد بخبث وقالت:
أصل دكتور رزق هو اللي اتصل وقال لي تقريباً كده، شافكم من الشباك.
ابتلعت إيمان ريقها بصعوبة وقالت:
بتتكلمي جد ولا بتهزري كالعادة؟
هزت شهد رأسها بالنفي وقالت:
ياريتني كنت بهزر يا منمن، بس على العموم متخافيش. صوته كان هااااادي جدااااااا لدرجة إن ودني ما كانتش سامعة اللي بيقوله.
نظرت إليها إيمان بريبة وقالت وهي تبتسم بصعوبة:
شكلك بتهزري ياشوشو، عارفاكي إنتي تموت وتعمل مقالب.
مثلت شهد البكاء وقالت:
والله يا شابة، كان نفسي أقولك إني بهزر، بس للأسف مبهزرش. ولو عايزة تتأكدي، بصي وراكي هتلاقي دكتور رزق في الشباك، وشكله بيدل على إنه كيوت وهادي وبيفكر إزاي هيقتلك ويتاويكي.
إستدارت إيمان فوجدت بالفعل رزق في النافذة، وعندما نظرت إليه، أشار إليها بيده أن تطلع إليه. بلعت ريقها بصعوبة وقالت:
ربنا يستر.
تكلمت شهد ببكاء وقالت:
ياحبيبتي يامنمن، كنتي طيبة والله، يالله كلنا لها.
عندما يدق القلب، فإنه يقودك لمن دق له دون إرادة منك، وكأنك مسلوب العقل.
لم يأخذ علاء كلام نورين على محمل الجد، وذهب إلى القاهرة مرة أخرى بحجة أنه سيذهب للبحث عن عمل، رغم أن والده كان يريده أن يمسك معه تجارته. فهو عنده ورشة ميكانيكا كبرى، وفتح أيضاً محلاً كبيراً لبيع السيارات. ولكن، رفض بحجة أنه يريد أن يبدأ بنفسه دون مساعدة أحد. لم يشعر بنفسه إلا وهو أمام كليتها ينتظر خروجها.
وقف أكثر من ساعتين دون كلل أو ملل، حتى رآها تخرج مع صديقتها لمار. رأت لمار علاء وهو متكئ على السيارة فقالت:
لنورين، مش ده ابن عمك اللي اسمه علاء؟
نظرت نورين باتجاهه فوجدته بالفعل، فزفرت بشدة، خاصة عندما وجدته يتجه نحوهم، فقالت للمار:
ياريت يالمار نمشي على طول، ومترديش عليه، ما هو نادى.
كانوا يمشون في طريقهم ولا يعيروا علاء ومناداته لهم أي اعتبار، حتى قالت لمار:
يابنتي ردي عليه، لأنه شكله كده مش هييأس ومش هيبطل مناداة، والناس بدأت تبصلنا.
ابتسمت نورين بخبث وقالت:
تمام، بس تعالي الأول نرجع الكلية، عايزة أجيب حاجة.
إستدارت نورين ومعها لمار، وهي لا تفقه شيئاً. فابتسم علاء اعتقاداً منه أنها سترد عليه، ولكنها تجاوزته ولم تعيره انتباه.
ذهب ورائها مرة أخرى وهو يقول:
مانا مش همشي من هنا يانورين غير لما تكلميني، إن شاء الله أبات هنا، سامعاني؟
إقتربت نورين من بوابة الكلية الخاصة بها، فوقفت قليلاً حتى اقترب منها علاء وهو يقول:
نورين، ياريت بس تسمعيني، وبعدين اعملي اللي انتي عايزاه.
فوجئ بها وهي تتجه لأمن الجامعة وهي تقول:
لو سمحت، الحقني. الشخص ده قاعد من ساعتها بيمشي ورايا، حتى أنا كنت رايحة المدينة، فضل ماشي ورايا. خفت ورجعت تاني. أرجوكم ابعدوه عني.
بهت علاء من تلك الماكرة الصغيرة، فهل تلك عقلة الإصبع هي من تفعل به هكذا؟ فوجئ بالأمن وهو يمسكه ويكيل له الضربات، وهم يحذرونه ألا يتعرض لها مرة أخرى. فتلك الماكرة طلبت منهم ذلك، فهي لا تريد أن تذهب لقسم الشرطة، ولكن يكفي أن يلقنوه درساً صغيراً.
كان يصيح ويقول:
دي بنت عمي وكنت عايز أقولها حاجة بس.
نظر إليها ضابط الأمن وقال:
إنتى بجد بنت عمه؟
هزت رأسها بالرفض وقالت:
لا معرفوش وكمان لو كان بن عمى كان زمانى رديت عليه لكن هو بعاكسنى وحضرتك شوفته وهو ماشى ورايا حصل.
أومأ الرجل بالإيجاب وقال:
فعلا حصل. متقلقيش احنا هنظبته وهنخليه ميتعرضلكيش تانى.
كانت تضحك بتشفى وهى تقول:
مع السلامه تعيش وتاخد غيرها يا...
ثم أخفتت صوتها وقالت:
يابن عمى.
أما لمار فنظرت إليها ببهتان وقالت:
إيه اللى عملتيه ده حرام عليكى دول مخلوش فيه حته سليمه.
إبتسمت نورين وقالت:
أحسن خليهم يربوه مدام طنط نرجس معرفتش تربى وفالحه بس فى ترمية الكلام. يلا نصيبه بقه.
عندما تعلم بأن هناك ذئبا بإنتظارك وليس هناك مفر من مقابلته فعليك إذا أن تحضر كل أسلحتك حتى تقضى عليه.
كانت إيمان تشعر بنبض قلبها يتعالى خوفا وإشتياقا لرزق. لاتعرف حقا أي الشعورين يفوز. ولكنها تعلم رغم ذلك أنها ستواجه أعاصير بداخل ذلك المكتب. وقفت أمام المكتب ودقت عليه وكأن رزق بإنتظارها حقا. فهو بالفعل بإنتظارها.
فتح الباب حتى قبل أن تكمل دقتها الأولى. أفسح لها الطريق وقال بأداء مسرحى:
إتفضلى يافندم. إحنا بإنتظار معاليكى وبإنتظار تشريفك.
إبتلعت ريقها وقالت بداخلها:
أهلا كده البدايه غير مبشره بالمره.
قررت أن تتغاضى عن موضوع رامز وتخبره بالموضوع الآخر.
وقفت بإرتباك وقالت:
والله يادكتور أنا كده كده كنت جايه لحضرتك عشان يعنى أستأذنك إنى هغيب من السكشن بكره إن شاء الله.
إبتسم رزق بسخريه وقال:
طب والله كويس. طلعت الحمد لله ليا أهميه وجايه تستأذنى عشان تغيبى.
أجابت إيمان بسرعه:
طبعا مش حضرتك الدكتور بتاعى وهتنقصنى فى العملى لو غبت فأنا جيت عشان أقولك إنى هغيب.
نظر اليها وهو يود أن يقتلها وقال:
وياترى البرينسيس ناويه تغيب ليه. ولا إستنى إستنى متجاوبيش أكيد جايلك عريس صح.
أجفلت إيمان من تهكمه وقالت بسخريه:
لأ غلط. أنا مسافره لأختى بكره أنا وعيلتى ومينفعش مروحش معاهم لأنهم هيباتوا وطبعا مش هفضل فى الشقه لوحدى.
هدأ رزق قليلا ولكنه تذكر رامز وقال بغيره:
والزفت رامز كان واقف معاكى بيهبب إيه.
جاوبته إيمان بهدوء وقالت محاوله أن تثير غيرته أكثر:
أبدا. كان بيسألنى أنا ليه رافضه أنى أديله فرصه وأتعرف عليه يعنى يمكن أحبه.
كشر عن أنيابه وقال:
حبه برص. وانتى كان ردك إيه إن شاء الله.
حاولت أن تثير غيرته أكثر ولكنها تراجعت عندما رأته متحفزا للإجابه وكأنه يريدها أن تخطئ بأي شئ حتى ينقض عليها.
إبتلعت ريقها وقالت بخفوت:
قولتله إنى مبفكرش غير قفى مذاكرتى وبس وأن هو زميل مش أكتر.
كان سيرد عليها عند دخول إحدى الفتيات اللاتى كانو يتكلمون فى المحاضره.
دقت الباب وبما أنه كان مفتوح فدخلت وقالت بصوت رقيق متجاهله إيمان تماما:
مساء الخير يادكتور.
حاول رزق أن يرد بهدوء وقال:
مساء الخير يادكتوره خير.
أجابته الفتاه وهى لا تنقل عينيها من عليه وقالت برقه مصطنعه:
أبدا. حضرتك أنا بس فى نقطه مكنتش فاهماها وكنت عايزه حضرتك تشرحهالى.
رد بهدوء وقال:
طبعا. إتفضلى إقعدى يادكتوره.
ردت بنعومه وقالت:
جنه إسمى جنه يادكتور.
نظر رزق لإيمان وجدها تنظر لتلك الجنه وهى تود أن تخنقها بيديها فكبت ضحكته بصعوبه وقرر ملاعبتها قليلا فقال:
هاه يادكتوره إيمان فهمتى اللى كنتى عايزاه ولا لسه.
رفعت إحدى حاجبيها وقالت بغيظ:
لأ حضرتك أنا فهمت جدا. بس كبعا بما إن فيه حته الدكتوره مش فاهماها فأنا أحب أحضرها أهو زيادة تأكيد للمعلومه.
نظر إليها رزق نظرة معناها: فعلا.
فردت عليه بنظره متوعده وكأنها تقول له: إياك أن تطلب منى الذهاب.
جلست إيمان أمام جنه وهى تكتم غيظها وغيرتها الشديده.
فبدأت جنه بسؤال رزق عما تريد بعد أن يأست أن تتركهم إيمان بمفردهم فهى كانت تود أن تكون بمفردها معه حتى تتدلل عليه عله ينتبه إليها ولكنها حقا لا تعلم أن قلبه ملك لأخرى ولا يوجد مكان لغيرها.
أنهت جنه ماكانت تريده او بمعنى أصح ماكان سببا حتى تأتى لرزق وتتكلم معه.
خرجت من المكتب وهى تنظر لإيمان بغيظ وهى تبادلها بنظره شرسه هى الأخرى ولكن رزق قال:
لو سمحتى يادكتوره إيمان فى حاجه بس عاوزها منك ممكن ثوانى.
نظرت إليه إيمان وقالت: نعم أفندم فيه حاجه.
نظر اليها رزق بغيره وقال:
أيوه فيه زفت حاجه. أولا كلام مع رامز أو غيره محبش. ثانيا هتسافرى بكره فتقومى تستحلى القعاد عند أختك هموتك. يوم السبت تكونى فى محاضراتك تمام. ثالثا بقه. أنا كلمت باباكى يادكتوره وقلتله كل ظروفى وهو وافق عليا يعنى انتى دلوقتى خطيبتى وعلى ما اعتقد أنه هيقولك النهارده أو بكره بالكتير لأنى الصراحه مبحبش شغل الحراميه ده وإنى أكلمك وانا خايف أو حاسس بالذنب.
صدمه هى كل ما حل عليها وقالت:
قللت إيه. طلبتنى من بابا إمتى وازاى.
ضحك بسخريه وقال:
إمتى إمبارح بالليل لمانزل يقعد على القهوه شويه. روحت وقعدت معاه. إزاى بقه فزى الناس الطبيعيين. وأهم حاجه يا إيمان. أقسم بالله لو قليتى بعقلك ورفضتى ماهيحصلك كويس سامعه. وكمان مفيش جواز دلوقت هما دبلتين وبس عشان كلام الناس والحواز لما حضرتك تخلصى كليه وعلى فكره حتى الدبلتين كنت هأجلهم لأنى كلمت باباكى عشان ميبقاش ليكى حجه وتقابلى العرسان اللى بابا جابهملكم أدينى قفلت الطريق خلاص. بس بعد اللى حصل من رامز النهارده فاحنا هنلبس دبل والكل هيعرف إننا مخطوبين. ماشى يادكتوره.
وقفت إيمان وهى فقط مندهشه من كلامه ولم تقدر على الرد. ضحك عليها رزق وقال: يلا السكوت علامه الرضا مبروووك ياعروسه.
عندما تشعر وكأنك مراقب فكل ماتتمناه أن تتنهى تلك المراقبه على خير وأن تختفى بمكان لايراك فيه أحدا.
كانت أسمهان طوال الإجتماع وهى تترجم كل مايدور من العربيه للألمانيه ومن الألمانيه للعربيه.
كانت فعلا واثقة من نفسها ولم تهتز أبدا. طال الإجتماع حتى قرب من الأربع ساعات فحدثت أسمهان بخفوت الى راسل ذراع حمزه الأيمن ولكنه بشوش الوجه ومريح.
غضب حمزه من هذه الفعله وقال بينه وبين نفسه: لما تتكلم مع راسل بتلك الأريحيه ولا تتكلم معه هو بها.
وجه إليهم الكلام وقال بغضب:
فيه إيه بتتوشوشوا بتقولو إيه.
تكلم راسل بهدوء وقال:
أبدا بس أستاذه أسمهان بتسأل هو إحنا مش هناخد بريك بقالنا أكتر من 4 ساعات بنشتغل.
نظر إليها حمزه وكأنه قد مسك عليها خطأ وقال:
إيه تعبتى ولا إيه.
أجابته بثقه:
لأ متعبتش ولا حاجه.
أجابها بنفس نبرة السخريه وقال:
يبقى جوعتى.
نظرت إليه بتحدى وقالت:
يعنى سألتنى تعبتى ولا جوعتى هو مفيش حاجه تانيه ناخد عشانها البريك.
تكلم بثقه وقال:
والله اللى أعرفه إنك تكونى ياتعبانه ياجعانه فتاخدى بريك غير كده يبقى مفيش سبب.
نظرت إليه بإستهزاء وقالت:
ليه مسمعتش عن حاجه إسمها الصلاه.
بُهت من ردها فلم يقدر على الكلام حرفيا.
فضحكت بسخريه وقالت:
أنا قلت كده برده إن الصلاه مش فى القاموس عندك. على العموم احنا فى إجتماع من الساعه 11ودلوقتى الساعه 3وربع يعنى بقالنا أربع ساعات وربع وصراحه أنا مبحبش أصلى فرض مع فرض تانى وكفايه قوى إنى أتأخرت فى صلاته. فممكن ناخد بريك حتى ربع ساعه يعنى لو حضرتك عايز تاكل ولا تشرب وأنا اروح أصلى فيهم الضهر قبل العصر.
نظر إليها حمزه بشده لدرجة أن وجهها أصبح كحبة فراوله طازجه جاهزه للأكل وكأنه يحدث نفسه: من أى كوكب أتيتى الى. فلا يوجد من حولي من هم مثلك أنتى. فأنتى كالشمس وهم من حولك الكواكب.
أيقظته من شروده عندما تكلمت مع راسل وقالت:
أنا هخرج أصلى على متراجعوا العقود وهم كمان ويكون مستر حمزه فاق من السرحان ده.
أجفل من خروجها مرة واحده وقال بينه وبين نفسه:
وبعدييين بقه فيه إيه إشمعنى إنتى اللى بسمحلك تطلعى فيا كده. غيرك مايجروءش أنه حتى يكلمنى بصوت عالى شويه.
ثم إبتسم وقال: أما نشوف هوصل معاكى لفين ياست أسمهان.
عندما ترتبط روحك بشخص فإنك تشعر بما فيه من ضيق وكرب حتى لوكانت بينكم مسافات.
كانت شهد غير مستقره. لأنها وببساطه تشعر بقبضة داخل صدرها تنبؤها بحدوث شئ خاطئ.
اتصلت على إيمان بتطمئن عليها فوجدتها بخير هي وأسرتها وهي بالفعل قد وصلت عند أسمهان.
فقررت مهاتفة أحمد ولكن هاتفه مغلق.
ظلت تحاول وتحاول ولكنها نفس النتيجه. شعرت بالفزع لما هاتفه مغلق ولكنها حاولت ان تطمئن نفسها وقالت: أكيد في مأموريه ولا حاجه.
لم تكمل كلمتها حتى رن هاتفها برقم غير معروف. فأجابت بلهفه ولكنها لم تكد تمسك الهاتف وتستمع الى ما يقال حتى وقع الهاتف من يديها وهي تصرخ: أحمممممممممد.
رواية ونسيت أني زوجة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سلوى عليبة
كانت شهد تبكي بإنهيار وهى فى سيارة والدها متجهه للمستشفى العسكرى فى الإسماعيليه.
فمن هاتفها لم يخبرها ماذا حدث بالضبط.
كل ماقاله أن أحمد أصيب أثناء تبادل لإطلاق النيران بين أفراد الشرطه وبين تشكيل عصابى لتجارة المخدرات.
لم تستفسر عن أى شئ فكل ماجال بعقلها هى أن أحمد بخطر ومصاب.
تكلم والدها وهو مشفق عليها وقال:
"خلاص ياشهد بقه، إيه هتفولى عليه استنى اما نروح ونعرف إيه اللى حصل."
نظرت له والدتها بعتاب وقالت:
"جرا إيه مالك إن شاء الله خير."
نظر ليها هشام والد شهد نظره معناها ألم أقل لكى.
ولكنه رغم ذلك تكلم بما يجول فى صدره وقال:
"بصى ياشهد هى دى هتبقى حياتك، قلق وخوف من إنه يطلع وميرجعش. طبعا الأعمار بيد الله بس ده ظابط معرض فى أى لحظه ان حاجه تحصل وأديكى أهو لسه مخطوبه وشوفى اللى حصل."
صرخت شهد بشده من بين دموعها وقالت:
"حررررام عليك يابابا والله حرااااااااام. ده بدل ماتطمنى جاى دلوقت تثبت ان وجهة نظرك صح وأنا غلط. إرحمووووونى حراام عليكم وعلشان تعرف حتى لو أحمد جراله حاجه مش هتجوز حد غيره سامعنى يابابا."
إستشاط والدها غضباً منها وهمّ بالرد ولكن لم تمهله نهله زوجته أى وقت.
وقالت وهى تنظر إليه بحذر وعيناها مغرورقه بالدموع فأحمد مهما كان هو بن أختها وزوج إبنتها.
قالت نهله بصوت مبحوح:
"خلاص يا هشام إن شاء الله أحمد هيبقى بألف خير وسلامه انا قلبى بيقولى كده."
صمت تاااااام هو السائد فى السياره طوال الطريق حتى وصلوا الى المشفى.
نزلت شهد مهرولةً الى داخل الممر وخى تسأل عن حاله الضابط أحمد عبد الحافظ.
دلتها إحدى الممرضات على غرفته.
ذهبت إليها مسرعه حتى أنها لم تتطرق الباب بل فتحته مرة واحدة من شدة لهفتها عليه.
ولكنها وجدته نائما ومحاطا بالأسلاك على صدره وعلى فمه جهاز الاوكسجين.
نزلت دموعها وكأنها نهر وقد كسر سده من كثرة فيضانه.
لم تستطع أن تتكلم ولكنها دخلت إليه وجلست بجواره على كرسى موضوع بجانب التخت.
أمسكت بيده وقبلتها حتى أنها أغرقتها من دموعها.
حاولت التماسك وقالت:
"أحمد... أحمد... فوق يا أحمد وكلمنى. انا من غيرك مقدرش أعيش وانت عارف كده. أنا بضحك وبهزر لأنى مطمنه إنك موجود معايا وجنبى، منين ماحتاجك ألاقيك."
شهقت بشده وقالت:
"طب لو مشيت وسيبتنى قلبى ده هعمل فيه إيه. والله يا أحمد هيموت. أوعى يا أحمد تسيبنى هزعل منك جاااااامد. قوم بقه رد عليا."
"طب بص انا مش هعمل مقالب فى حد تانى. اه والله بتكلم بجد وكمان هكون عاقله وهكبر ومش هبقى عيله تانى بس قوووم يا أحمد عشان خاطرى قووووم."
ظلت تبكى بإنهيار حتى مالت على صدره برأسها وهى تتحدث بخفوت وتقول:
"أنا بردانه يا أحمد عشان خاطرى خدنى فى حضنك ودفينى. بالله عليك قوم بقه. بص أنا جعانه ومش هاكل من غيرك وكمان انا بردانه قوووى يا أحمد والله بردانه عشان خاطرى قوم ودفينى. أنا فتحت عينى عليك. رضعت حبك مع لبن أمى. قوم بقه عشان خاطرى. طب والله ماهزعلك تانى. طب بص مش هعمل مقالب مع إيمان ودكتور رزق. خلاص هسكت بس انت قووم."
ظلت تهذى بهذه الكلمات وكأنها بدنيا أخرى تحت مرأى ومسمع من والدها ووالدتها والتى أنهمرت دموعهم عليها.
فلأول مره يشاهدوا شهد وهى بتلك الحاله وقى تلك اللحظه فقط أدركوا أن شهد بدون أحمد لن تعيش.
فجأه سمعوا صوتاً غريباً للأجهزه المعلقه بصدر أحمد.
أفاقت شهد وهى لاتدرك ماذا يحدث.
خرجت مسرعه تنادى على إحدى الأطباء ولكنها قالبتهم فى الرواق متجهين إليه بالفعل.
هرولوا إليه وجدوا نبضات قلبه سريعه للغايه وقد بدأ فى التحرك والإفاقه.
ابتسم الطبيب وهو يقول:
"الحمد لله المريض بيفوق خلاص."
نظرت اليه شهد باستجداء وقالت:
"يعنى هو كويس."
الطبيب بعمليه:
"الحمد لله احنا كنا فين وكمان الرصاصه جت فى منطقه خطر جنب الرئه والحمد لله اننا قدرنا نطلعها بدون أى مضاعفات بس طبعا هو هيحتاج راحه لفتره."
أومأت شهد بابتسامه وعيونها تبكى ولكن تلك المره من سعادتها.
ذهبت إليه وأمسكت يده وقبلتها بشده ولكنها فوجئت بيده تمسك بيدها ويقول بخفوت:
"مليش دعوه انتى بتضحكى عليا انا عايز واحده من اللى على الشفايف مش على الإيدين."
ضحكت شهد بشده وهى تقول:
"حمدالله على السلامه. كل اللى انت عايزه هعمله بس انت قوم بالسلامه وياريت متخضنيش تانى."
نظر إليها أحمد بحب وقال:
"أنا لو بعافر فى الدنيا دى فكله عشان خاطرك انتى. أنا من غيرك ماسواش ياشهد."
ضحكت شهد بشده وجلست بجواره وهى تبكى وتقول:
"تعرف مكنتش أعرف إنى بحبك قوى كده."
حاول أحمد أن يخرجها من حزنها رغم مافيه من ألم فقال:
"ياشيخه أمال مين اللى راضع حبى مع لبن أمه."
جحظت عين شهد فلكزته فى صدره فتأوه بشده.
ظلت تتأسف وتقول:
"أسفه والله مكانش قصدى، معلش حقك عليا."
نظر اليها أحمد بإشفاق وقال:
"خلاص خلاص حصل خير بس خفى إيدك دى بدل انتى اللى تموتينى."
ردت عليه شهد وقالت:
"بعد الشر عليك إن شاله اللى يكرهك."
قال أحمد بلؤم:
"بلاش تدعى على أبوكى ياشهد كله يهون عشان خاطرك انتى."
وقفت شهد وقالت بغيظ:
"تصدق انت تستاهل اللى يجرالك وانا غلطانه انى جتلك وأبويا هاه أبويا جه معايا هو وماما اللى هى خالتك وكمان مرضيناش نقلق مامتك عشان متتخضش عليك، وانت فى النهايه قاعد بترمى بالكلام على بابا."
ابتسم أحمد وقال:
"خلاص ياستى."
ثم أخذنفسه بسرعه.
اتجهت اليه شهد بسرعه وقد أقلقها سرعة تنفسه وقالت:
"مالك فيك إيه."
تكلم ببطئ وقال:
"م فيي.ش حاج.ه متتتتخفييش."
وضعت يدها على فمه وقالت بقلق:
"خلاص متتكلمش الدكتور طلب انك ترتاح والظاهر ان الكلام الكتير عملك أجهاد."
دخلت نهله والدة شهد وهشام والدها للاطمئنان.
ثم قامو بالخروج وتركوا شهد بجواره بعد أن أيقنوا أنهم لا يمكنهم الإفتراق.
كانت أسمهان تشعر بالفرحه وعائلتها بجوارها.
فهى استقبلتهم فى شقة اللواء عبد الرحمن.
جلسوا يتسامرون ويطمئنون على أحوال بعضهم البعض.
عرف الجميع أنها الآن تعمل وأيضا تكمل دراساتها.
سألها والدها وقال:
"كويس ان جوزك وافق انك تكملى مع ان يعنى مكنش له لزوم، انتى هنا فى القاهره يتخاف عليكى خاصةً انك متعرفيش فيها حاجه."
نظرت اليه أسمهان ولسان حالها يقول: لن يتغير أبدا.
رد عليه اللواء عبد الرحمن وقال:
"اولا أسمهان بميت راجل وكمان الشغل والدراسه هيوسعوا أفقها وفوق ده وده جوزها مش هنا وهى فاضيه يبقى ليه متستغلش الوقت ده فى إنها تحقق اللى نفسها فيه. وكمان متخفش يا أبو نور أنا واخد بالى كويس قووى من أسمهان. دا غير لو انت سمعت كلام المدير بتاعها فى الشغل عنها هتشعر بالفخر من إن بنتك حققت الإنجاز ده فى شغلها فى الفتره البسيطه دى."
شعرت أسمهان بالإمتنان تجاه كلام عبد الرحمن.
أما عبد القادر فقد شعر بالغيره الشديده من حبه لأسمهان ومن نظرة أسمهان له.
فهو للمره التى لايعلم عددها قد أخفق فى توصيل خوفه عليها بل إن الذى وصلها كالعاده هو تحكمه فقط.
مر اليوم سريعا وسط أجواء من الفرحه والاشتياق رغم كلام عبد القادر لأسمهان.
أجتمع الفتيات بغرفة الأطفال ومعهم والدتهم فى شقة أسمهان.
أما عبد القادر فتوجه للنوم بغرفة إحسان وهو ونور فى شقة اللواء عبد الرحمن.
ظلوا يتسامرون ويتناولون أخبارهم واطمأنت والدتهم على أسمهان وبالطبع لم تقل لها أسمهان شيئاً يقلقها.
ذهبت نادية والدة أسمهان فى نوم عميق.
أما الفتيات الثلاث فظلوا يتكلمون حتى الصباح.
قصت إيمان كل ماحدث بينها وبين رزق.
سعدت أسمهان بشده وقالت:
"بصى يا إيمان واحد زى رزق ده إوعى تفرطى فيه فاهمانى."
شردت قليلا وقالت:
"صدقينى الحب بقه فى الزمن ده نادر والإنسان اللى يتمسك بيكى بقى صعب الوجود."
شعرت إيمان ونورين بالحزن فى كلام أسمهان فسألتها إيمان مباشرةً:
"أسمهان هو إنتى مش مبسوطه مع إحسان."
تداركت أسمهان نفسها وقالت بصوت حاولت أن تجعله سعيد:
"لا طبعا مبسوطه الحمد لله بس يعنى انتى عارفه سفره والبعد مضايقنى شويه."
لم تشعر إيمان بالإرتياح أما نورين فداخلها صوت يؤكد لها أن أسمهان يوجد بها شئ.
فأختها لاتعرف للكذب عنوان ولهذا يظهر عليها بشده عندما تريد أن تكذب فى شئ.
وهى تكاد تجزم أنها الأن كاذبه وبشده ولكنها لن تتركها حتى تعرف مابها.
يجلس بمفرده شريدا فى منزله بعد أن أنهى عمله والذى كالعاده يقتل نفسه فيه كالعاده حتى لايفكر فيها ولكن هيهات.
لم يكن الأمر مجرد تفكير بل أصبحت صوره فوتوغرافيه كبيره أمامه ينام عليها ويستيقظ عليها فقد إشتاقها حد الجنون ولكن قلبه العنيد هو من جعله يعانى.
رن جرس المنزل فنهض وهو لايريد النهوض فهو عادة لا يأتي إليه أحد.
إذا من هذا ياترى؟
فتح الباب فوجد استيوارت أمامه.
دخل وهو ورائه تحت نظرات الإستغراب من إحسان.
ضحك استيوارت وقال:
"مابك يارجل إنى أعلم أن المصرين كرماء فلما أنت عابس عندما وجدتني."
إبتسم إحسان وقال:
"أعذرنى إستيوارت فأنا لست معتاداً على زيارتك لى فأنا هنا منذ مايقرب العام وأكثر ولم تأتى لزيارتى أبدا. فما الموضوع إذاً."
جلس استيوارت وقال:
"ألن تضيفنى شيئاً أولا؟ الا يوجد لديك أى مشروب."
نظر إليه إحسان بإمتعاض فضحك استيوارت وقال من بين ضحكاته:
"أسف لك يارجل فأنا نسيت أنك لاتتناول هذه الأشياءولا تدخلها بيتك."
زفر إحسان بشده وقال:
"هيا إستيوارت فلتقل ماتريد إما أن ترحل فأنا متعب للغايه وأريد أن أنال قسطاً من الراحه."
كاد استيوارت أن يتحدث ولكنه رأى صورة أسمهان معلقه على حائط غرفة النوم فشقة إحسان عباره عن أستوديو وهو غرفة نوم واحده وحمام وصاله بها ركن خاص بالمطبخ فكان من السهل عليه رؤيتها.
فتح إستيوارت فمه من شدة إعجابه ببراءتها وقال:
"من هذه إحسان؟ هل هذه هى زوجتك من تركتها خلفك وذهبت."
إمتعض إحسان منه وقال بتحذير:
"إستيوارت توقف حالاً عن هذا الهراء. ثم ماذا تريد أنت إن كانت هى أم لا."
أجابه إستيوارت بثقه:
"لأنها لو كانت تلك زوجتك من تركتها خلفك فإنك بالفعل أحمق كبير. فالنظر لهذا الملاك ينسيك عالمك إحسان."
شعر إحسان بالغيره فأمسك إستيوارت من تلابيبه وقال:
"خذ حذرك منى إستيوارت فأسمهان خط أحمر لا يحوز لك تجاوزه."
ضحك إستيوارت وقال:
"هههههه انك تغار يارجل ههههه. إذاًأنت عاشق لها. تباً لك."
جلس إحسان وقال:
"ماذا تريد منى إستيوارت فأنا متعب للغايه أرجوك لا تضغط عليا أكثر من ذلك فبعدها يقتلني يارجل ولكن بأى وجه أقابلها وبأى وجه أطلب منها الرجوع وأن تسامحنى وأنا كنت نذل معها حتى النهايه."
أشفق إستيوارت على حال إحسان وربت على كتفيه وقال:
"حارب من أجلها إحسان. إرجع لها وحاول مرة ومرة ومرات حتى تسامحك فإنه من السهل أن ترى عشقك لها بعينيك. وإن كان على دراساتك فأنت أوشكت على إنهائها فأنت تعمل ليل نهار حتى أنك حققت فى عام من لم يحققه آخرون فى عشره وأصبح لك إسم كبير هنا وبالطبع سيكون لك مكانه عظيمه فى بلدك."
نظر إليه إحسان والأمل يحبو بداخله وقال له:
"هل من الممكن أن تسامحنى استيوارت."
رد عليه استيوارت بتشجيع وقال:
"لا تيأس وحاول معها ولا تبتأس إن رفضتك مره. بل حاول فهى ستكون أعظم إنجازاتك صدقني إحسان."
نظر له إحسان بأمل وقال:
"صدقاً استيوارت فأنا سأحاول معها ولن أتركها لغيرى فهى حقى، حتى إن أضعت هذا الحق مره فلن أتوانى حتى أسترجعه مهما كانت العقبات."
ابتسم استيوارت وقال:
"إذاً فلتنتظر مفاجأة منى قريباً ستجعلك تشركى لآخر عمرك."
نظر له احسان دون فهم وقال وما تلك المفأجاه؟
ضحك استيوارت بصخب وقال:
"تريث يارجل وهل ستكون مفاجأه إن قلت لك ماهى."
كانت أسمهان بالمكتب تترجم بعض الأعمال التى أسندها إليها نادر.
كانت منهمكه فى عملها حتى إن نادر دخل عليها ولم تنتبه إليه.
جلس على مكتبه وهو ممتعض الوجه.
لاحظت أسمهان وجوده من صوت أنفاسه الثقيله وكأنه يوجد ثقل على كتفه ولا يستطيع أن يزيله.
نهضت أسمهان وذهبت باتجاهه وجلست على المقعد الوجود أمام مكتبه وقالت:
"مالك فيه إيه متنرفز قوى كده ليه."
نظر إليها بغضب وقلة حيله وقال:
"تعبت يا أسمهان والله تعبت."
ردت أسمهان باستفسار:
"من إيه بس؟ إيه اللى تعبك قوى كده."
زفر بشده وقال:
"الإنتظار يا أسمهان تعبت من الإنتظار."
لم تفهم عليه أسمهان فأكمل وهو يزقر بشده وقال:
"شقتى جاهزه بقالها سنتين وأنا خاطب رواء بقالى 4 سنين وبحبها من وهى فى اللفه يمكن يعنى خلاص وكل ما اقولها إننا نحدد فرحنا تتهرب منى وفعلا خلاص صبرى بدأ ينفذ."
فهمت أسمهان ما يبداخله خاصةً وأنها ترى تردد رواء رغم حبها الشديد لنادر وغيرتها الناريه عليه.
تنحنحت أسمهان وقالت:
"بص يانادر صراحه انا كنت عايزه أسألك على حاجه بس لو مش عايز تجاوب خلاص متجاوبش."
نظر إليها نادر بإستفسار وكأنه يحثها على السؤال.
تنهدت وقالت:
"الصراحه فى مره من المرات انت قلت لرواء أنا انت يعنى مش زى باباها. ليه قلتلها كده."
ضحك نادر بسخريه وقال:
"لأن عمى شاكر الله يرحمه بقه هو السبب فى حالة رواء دى."
نظرت اليه أسمهان وقالت:
"إزاى يعنى."
إعتدل نادر فى جلسته وأسند ظهره على الكرسى وقال:
"أقولك ازاى. عمى شاكر كان بيحب مامت رواء جدااا لدرجة إنه حارب الكل عشان يتجوزها رغم رفض الكل. وعشان بس متفهميش غلط الرفض كان بسبب عمى شاكر لأنه كان مدلع، كان الصغير واللى هو نفسه فيه بياخده فطبعا لما اعجب بمرات عمى يبقى لازم ياخدها وفعلا اتجوزها وعاشوا مع بعض كام سنه كويسين وبعدها عمى بدأ يمل وعايز يجدد. بقى كل شويه يتعرف على واحده وبدأ يهمل فى مرات عمى وطبعا هى كانت بتعرف ولما كلمته جرحها جامد وقالها انه كانت عجباه لكن لما خلفت وجسمها اتغير ومبقاش عجبه وطبعا اسطوانة انك اهملتينى والكلام ده وبرده كان بيعمل اللى هو عايزه. رواء كبرت على دموع مامتها بسبب خيانه باباها المتكرره رغم الحب اللى المفروض كان بينهم وللأسف لأن أهلها حاولوا كتيييير انهم يمنغوا الجوازه دى. فلما راحتلهم عشان تطلق رفضوا وقالولها ده اختيارك وانتى تتحملى عواقبه. وفى النهايه لما مرات عمى من كتر الزعل والقهر جالها القلب سابها واتجوز واخده اصغر منه ب 20 سنه. بعد كل كده رواء مش قادره تنسى وأنا عاذرها بس أنا مش عمى شاكر وهى عارفه كده كويس جداً بس دايما جواها إحساس انى هسيبها مش عارف ازاى امحى جواها الاحساس ده."
"طمنها. هكذا أجابت أسمهان بثقه من بين دموعها. انت بتحبها صح."
ضحك نادر بشده وقال:
"أمال انا إيه اللى مصبرنى على جنانها ده غير انى بمووووت فيها مش بس بحبها. دانا صممت انى اكتب كتابى عليها وعملت حجة انهم بنات ومينفعش ادخل واخرج عليهم كده مع انهم معانا فى نفس العماره عشان بس هى تتأكد انى عمرى ماهبعد."
تنهدت أسمهان وقالت:
"بص يانادر كل اللى محتجاه رواء انك تكون معاها وتطمنها وتجيباها النماذج الإيجابيه وبس يعنى مثلا زى مامتك وباباك أو مثلا زى مستر أكرم ومراته اللى رغم انهم مخلفوش مسبوش بعض ومكملين لأنهم ببساطه بيحبوا بعض. بلاش تجيب قدامها أى نموذج سلبى ولو فرضا جه قدامها نموذج. من دول أقعد اشتم.فيهم وحسسها انهم مش رجاله وان الراجل هو اللى يصون ويحمى فى المرض قبل الصحه وفى الفقر قبل الغنى. صدقنى ساعتها هتطمن اكتر وهى كمان هتحاول وانا عن نفسى مش هسيبها غير لما توافق على ميعاد الفرح اللى انت عايزه لأنى الصراحه بقه نفسى افرح ياناس."
ضحك نادر وقال:
"تصدقى انك من يوم ماجيتى المكتب وانا حاسس إن رواء بتتغير للأحسن. بجد شكراً ليكى يا أسمهان. إنتى فعلاً ونعم الأخت."
إبتسمت أسمهان وقالت:
"صدقنى يانادر محدش عارف مين اللى ساعد مين بس اللى انا متأكده منه إن وجودك. إنت ورواء ومستر أكرم فى حياتى فرق معايا كتيييير جدا ربنا مايحرمنى منكم ياااارب."
كان علاء يجلس بغرفته.
فهو منذ موقفه الأخير مع نورين ورغم مرور بضعة أشهر عليه الا أنه لم يمحيه من ذاكرته أبدا.
بل جعله يتساءل لما يراه بنات عمه وأكنه دون الأخرين.
رغم أن جميع الفتيات يتهافتن عليه.
ولكن ما المميز بنورين حتى أنه لم يعد يرغب فى تلك الفتيات مرة أخرى.
فعندما كان معجب بأسمهان لم يبتعد أبداً عن تلك العلاقات العابره.
أما نورين فعندما يجلس مع أى فتاه يرى وجهها هى وليس شخص آخر.
رغم أنها أهانته ولكن هناك جزء بداخله يشعر بالسعاده لأنها ليست كباقى الفتيات.
دخلت عليه والدته وهى تمصمص شفتيها دليلاً على اعتراضها عليه وعلى أحواله.
تكلمت بضيق وقالت:
"مالك هتفضل كده كتييير أموت واعرف مين اللى ضربك العلقه اللى من بعدها وانت متغير كده."
نظر اليها وقال بسخريه:
"فيه إيه ياماما هو مينفعش أقعد لوحدى شويه."
ضحكت باستهزاء وقالت:
"مانت قاعد. لوحدك بقالك كام شهر عملت إيه يعنى. هو انت ياواد مش كنت متفق معايا انك هتقرب للبت نورين واهى صغيره وخام وهتعرف تبلفها."
ضحك علاء بشده وقال:
"مين دى اللى صغيره ياماما. دى توديكى البحر وترجعك عطشانه. بالله عليكى ياماما فكك من الحوار ده."
صرخت نرجس بعصبيه وقالت:
"أفكنى من إيه إن شاء الله. لاااا دانا بحلم باليوم اللى هتتجوز فيه واحده من بنات عمك وتيجى هنا وازلها وساعتها بس الروس تتساوى ماهو ابنى هيبقى جوز بنتهم."
وقف علاء وقال بإستفسار:
"نفسى أعرف بتكرهيهم كده ليه مع اننا مشفناش منهم حاجه وحشه بالعكس دايما عمى ومرات عمى معانا فى المرة قبل الحلوه."
نظرت اليه وقالت بحقد وكره:
"ماهو ده السبب. كان دايما الكل شايفها هى الملاك البريئ اللى دايما بيقف مع ده ويراعى ده. د حتى لما جدتك تعبت رحت عشان أخدمها عشان أسبقها لقيتها هى هناك وشايلاها أكنها أمها بقت جدتك بتدعيلها فى كل وقت ليه كل ده عشان انا مش حمل انى اشيل واحط واحده كبرت وتعبت طب وانا مالى هى كانت أمى. بس ازاااااى لازم ست ناديه تطلع هى الملاك وهى اللى تراعيها لغاية ماماتت. حتى لما ابوك ربنا فتحها عليه وفتح اجنس العربيات قلت هتغير وهفرسها."
أكملت بحقد:
"لقيتها قال ايه جايه تباركلى وتهنينى ولا كأن الأمر يعنيها. حتى ولادها كلهم فلحوا فى تعليمهم ودخلو كليات تشرف بس كنت بشوفهم وهم بيوفروا من مصروفهم عشان ميحسسوش أبوهم بالمسئوليه فكنت أنا بقه أديك فلوس قدامهم عشان أحسسهم بفقرهم بس بردوا ولا كان بيأثر فيها. فعشان كده لازم تتجوز حد من بناتها واجيبها هنا وتبقى تحت رجلى وانا أأمر وأنهى وبس. ساعتها بس هفش غلى من أمها فيها."
نظر إليها علاء بسخريه وقال:
"ياااااااه ياماما دانا كل ده وانا فاكر ان مرات عمى دى عملت فيكى حاجه وحشه قوى لدرجه انك عايزه تعاقبيها. أخرج ضحكة سخريه وأكمل: بس طلع كل ذنبها انها إنسانه كويسه عرفت تحبب الكل فيها وعرفت تربى ولادها صح فى الوقت اللى انتى كنتى بتضيعينى فيه عشان تنتقمى منها. أضيعك أنا ازاى بقه. دانا كنت دايما بلبيلك كل طلباتك وبقف قصاد ابوك لو انت عملت حاجه غلط ومخلهوش يقرب منك ولا يعاقبك. بقيت فى النهايه انا اللى ضيعاك يابن بطنى."
ثار علاء بشده وقال:
"أيوه ياماما ضيعتينى لأنى ببساطه لقيت كل حاجه سهله الفلوس سهله فليه اتعب واشتغل. كده كده الأجانس مستنينى يبقى ليه أنجح ماشغلى موجود. حتى البنات كنتى بتتباهى ان ابنك حلو والبنات بتموت فيه ودايما تفتخرى انى بغير فى البنات زى مابغير فى الشرابات. عمرك ماقلتيلى ان كده غلط وحرام لا. د حتى بابا لما حاول يعترض قولتيله سيبه يعيش حياته د حتة واد وحيد. حتى لما فكرتى فى بنات عمى قلت دى ماما طلعت بتنقى صح. جايبالى حد محترم ومتربى عشان يصونى لكن ازاى لا طبعا لازم يبقى فيه غرض تانى وهو انك تفشى غلك فيهم عشان اتربوا صح وانا اتربيت غلط."
صاح بشده وقال ووجهه أحمر من شدة الغضب:
"بس لا ياماما انا بقه هبعد عن نورين عارفه ليييييه لانها تستاهل حد أحسن منى. تستاهل حد محترم يحبها ويصونها مش واحد يجبها خدامه لأمه."
جلس بحزن على التخت وقال:
"فعلا أنا لازم أبعد عنها لأنها حد نضيييف قوووى وأنا حد وحش قوووى حتى لو حبيتها بس أنا ماستهلهاش."
كان حمزه يجلس فى مكتبه وهو يراجع بعض الاوراق.
ولكن فجأه وبدون سابق إنذار قفزت صورة أسمهان فى رأسه.
لم تشغله أنثى على وجه الأرض مثلها والغريب فى الأمر أنها ليست من النوع الذى يستهويه.
ولكنه رغم ذلك ينتابه الفضول حولها.
خاصةً وأنها لم تعيره أدنى إهتمام.
فمنذ أن انتهى عملهم وهى لم تحاول أن تهاتفه او اى شئ مثل باقى الفتيات واللاتى يجعلن العمل مادة خصبه وسبباً ذريعاً للتحدث مع حمزه البربرى.
والذى اغاظه بشده أنه عندما حاول هو أن يحد أى شئ فى العقد حتى تأتى مرةً أخرى الى الشركه وظن أنه نجح بذلك ولكنه لم يجد أمامه سوى نادر والذى راجع العقد ويالى السخريه فلا يوجد أى شئ به.
دخل عليه باسل وجده شارداً.
فهز رأسه يميناً ويساراً ممتعضاً من حالة صديقه والتى لم تحدث له من قبل ولكنه رغم ذلك متخوف وبشده مما سيقول له عليه الان.
"حمزه مالك سرحان فى إيه."
إنتبه حمزه إليه ولم يجيب على سؤاله بل سأله وقال:
"جبت اللى قولتلك عليه."
ابتلع باسل ريقه وقال:
"أيوه جبته."
اندهش حمزه من طريقة كلام باسل وقال:
"أمال مالك حاسك كده فيه حاجه مش مظبوطه."
تنحنح باسل وقال:
"بص من الاخر كده طلعت متجوزه."
نهض حمزه بشده من على مقعده حتى أن المقعد وقع على الأرض وقال:
"نعععععععم مين دى اللى متجوزه."
تكلم باسل بخفوت وقال:
"أسمهان هيكون مين يعنى."
وقف حمزه والغضب يتآكله بشده وقال:
"يتبع"
رواية ونسيت أني زوجة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سلوى عليبة
عندما تريد أن تحصل على شيء ولكنك تجده بعيداً كل البعد عنك ويوجد بينكم سدود وأسوار.
فحينها ستفعل المستحيل حتى تحصل عليه إن كان من حقك الوصول إليه.
أما إن كان ليس من حقك فيجب عليك الابتعاد بكرامة إن كان عندك شيء منها.
كان حمزة يشعر بألم بشع في صدره لمعرفته أنها متزوجة. لا يعلم لماذا هي خاصة، من أرادها بهذا الشكل.
أمن باب الممنوع مرغوب لا يعلم حتماً.
نظر إلى باسل والذي ينظر إليه ولسان حاله يقول لما هو ثائر هكذا.
"بص ياباسل أنا عايزك تعرف كل حاجة عن جوزها وعن ظروف جوازها، فاهمني؟ وحياتهم عاملة إزاي مع بعض."
نظر إليه باسل وقال بغضب:
"لا يا حمزة مش هعمل كده."
وقف حمزة وضرب على سطح مكتبه بشدة وقال:
"يعني إيييييه لا دي إن شاء الله؟"
وقف باسل أمامه نداً له وقال:
"يعني لا مش هسأل ومش هشوف، وأنت هتبعد عنها ياحمزة ولو قررت تعمل معاها حاجة فأنا اللي هقفلك، سامعني؟"
ضحك حمزة بسخرية وقال:
"لا والله تكنش حبتها وأنا معرفش؟"
استشاط باسل منه وقال:
"ماتفوق بقه يا أخى مالك كده طايح في الكل ومفكر إنك لازم تبقى محور كل الستات اللي في الدنيا دي. واحدة ومحترمة ومعبرتكش ولا وقعت في دبايبك ولا رمت نفسها عليك زي غيرها إيييييه بقه لازم تخليها تركع يعني. وكمان أنت عارف كويس قوووي إني متنيل خاطب أختك وبحبها، إيه مالك قاعد تخبط في الكل كده ليه؟"
اتجه باسل إليه وقال:
"بص ياحمزة إنت عارف كويس إن علاقاتك مع الستات أنا عمري مدخلت فيها، وده سببه إني كنت بشوفهم وهما اللي بيرموا نفسهم عليك وفيه كمان منهم اللي للأسف كان متجوز ورغم كده متمنعوش إنهم يعرضوا نفسهم عليك بكل رخص. لكن أسمهان ست محترمة، ملهاش في القرف ده. وهي قاعدة معانا لأكثر من 4 ساعات وهي تقريباً باصة في الورق اللي قدامها ومبصتش لحد فينا. ست لراجل واحد وبس فياريت تبعد عنها ولما يبقى فيه شغل هوصيهم يبعتوا نادر مش هي."
اتجه إلى الباب وتركه وسط حقائق كثيرة أثارها باسل. فهو يعلم تمام العلم أنها غير أي امرأة قابلها ورغم ذلك فشعوره بها أيضاً مختلف عن أي شعور آخر تجاه أي أنثى.
أمسك هاتفه فجأة وطلب رقماً بسرعة وقال:
"أسمهان عبد القادر عايز كل المعلومات اللي تخصها من ساعة ماتولدت لغاية اللحظة اللي بكلمك فيها. أي هفوة مش مهمة بالنسبة ليك هتبقى مهمة بالنسبة ليا وفي خلال 24 ساعة تكون المعلومات على مكتبي."
أقفل الهاتف ثم تحدث بنبرة شرسة:
"معلش بقه ياباسل مش هقدر أبعد عنها مش لما لقيتها. أبعد ولو على جوازها سهل تطلق."
ثم أطلق ضحكة خبيثة.
كانت إيمان تمشي في رواق الجامعة بمفردها وهي ذاهبة إلى المدرج. فهي تفتقد شهد وبشدة ولكنها تنقل لها جميع المحاضرات حتى تعطيهم لها عند رجوعها.
فأحمد مازال بالمشفى وهي بجواره لم تتركه.
اتصلت بها أكثر من مرة واطمأنت عليه وعليها وأخبرتها أنه سيخرج من المشفى بعد يومين وعندها ستنظم وقتها حتى لا تتأخر على محاضراتها أكثر من ذلك.
أما والدها فأخبرها بطلب دكتور رزق ووافقت فعلاً على ألا يحدث أي شيء حتى يخرج أحمد من المشفى ووافق الجميع. وطبعاً لم يعلم من بالجامعة بالخطبة بعد.
اصطدمت إيمان بشخص أمامها.
كانت ستعتذر ولكنها وجدته رامز والذي قال بخبث:
"إيه يا دكتورة مش تحاسبي ولا اللي واخد عقلك يتهنى بيه؟"
أتت جنة هي الأخرى وقالت:
"طبعاً لازم يتهنى بيه خاصةً بقه لما ترفضك عشان خاطر اللي أكبر منك."
قال رامز بضييق:
"آآآه قصدك دكتور رزق اللي كل شوية الدكتورة عاملة حجة ورايحة مكتبه."
مال برأسه تجاه أذنها وقال:
"لي فكرة رزق ده غشييييم لكن أنا كنت هبسطك أكتر منه بكتييييير وغير كده أنا عندي فلوس تشتري ميت واحد زي رزق."
ضحكت جنة بصوت رقيع وقالت:
"لا يارامز متقولش كده هي أصل هي بتبص لقدام. هي لما تصاحبه هيساعدها في الكلية ومش بعيد يجيب لها الامتحانات واهى في النهاية هيبقوا زملا."
ضحك رامز بشدة وقال:
"إذا كان كده فأنا موافق ياقطة خلصي معاه وبلاش دور الشرف اللي انتي ماشية فيه ده وأنا برضه تحت الخدمة والنظر."
ثم غمز بعينيه لها بطريقة مقززة.
كانت إيمان لا تفعل شيئاً غير البكاء. فهي لم تتوقع أن تكون في مثل هذا الموقف.
أما عندما قال لها رامز هذا لم تشعر بنفسها إلا وهي تضربه على وجهه.
احمرت عيناه غضباً وقال:
"بقى إنتى بتضربيني أنا. مااااشي إن ما وريتك مبقاش أنا رامز."
وقفت إيمان ومازال جسدها يرتعش وقالت:
"أيوه أضربك وأقطع لسان أي حد يقول عليا ربع كلمة. ولو كان على دكتور رزق اللي بتقولو إنها بتروح له، فأنتم ياست جنه كمان روحتيله على الأقل لما جيتي لقيتي الباب مفتوح على وسعه. الدور والباقي للي كانت عايزة تطرقني وقاعدة بتتدلع بطريقة قذرة على الدكتور ولا إيه. وانت يادكتور رامز حرقك قوي إني معبرتكش ومرضيتش أكون ضمن استاف الحريم اللي عندك. دخلتلي الأول من باب الحب وإنك عايز ترتبط لأنك واثق ومتأكد إني عمري مبصاحب. صح ولا غلط. وإذا كان على دكتور رزق فهو فعلاً أحسن منك مليون مرة. ومتقلقش فيه مفاجأة حلوة عشان خاطركم كنت مأجلاها بس شكلها خلاص جه وقتها."
ثم تركتهم وفي داخلها وجهة معينة ستذهب إليها.
أما جنة ومازن فكانوا يشعرون وكأن أحدهم قد أطلق عليهم الرصاص.
فرامز لم يتوقع أبداً أن تضربه أنثى على وجه الأرض.
أما جنة فلم تعرف كيف عرفت إيمان بنواياها تجاه رزق.
وما هي المفاجأة التي قالت عليها.
ذهبت إيمان صوب غرفة دكتور رزق ودموعها تجري على خديها.
والذي ينظر إليها لا يعرف ما بها.
دقت الباب ولم تنتظر أن يفتح لها بل فعلت هي ودخلت مرة واحدة.
نهض رزق عن مقعده عندما رأى هيئتها المذرية.
اتجه إليها وقال بقلق:
"مالك فيكي إيه؟ إيه اللي حصل؟ حد في البيت حصله حاجة ردي؟"
لم تستطع الكلام من كثرة بكائها.
فأمسك يدها والتي وجدها ترتجف بشدة.
استدعى الساعي وطلب منه كوب ماء وعصير فرش.
تكلمت بدون مقدمات وقالت وصوتها متقطع من أثر البكاء:
"ب بيقول.. لو.. لي. إننننى بببضحك عععليييك عععششااان خخخاططر تتتتدييينى الامتتتتحااانااااتت."
لم يفهم رزق ما تقوله ولكنه حاول تجميع كلماتها وفهم ما قالت.
فقال بغضب:
"مين دول اللي بيقولوا كده؟"
أجابته بنفس الطريقة:
"هههم اللى قققالو اااانى ااانا االللى بجججرى ورراااك."
زفر رزق بشدة وقال:
"أهدى بس وقوليلي مين دول؟"
جاء الساعي ومعه الماء والعصير.
شربت إيمان الماء دفعة واحدة وكأنها تحاول أن تبتلع ما قالوه من كلام.
"هديتي شوية؟"
هكذا سألها رزق بحنية شديدة.
أومأت برأسها بنعم.
فأكمل وقال:
"طب قوليلى بقه كده من الأول وإيه اللي حصل بالظبط وكمان اللي أعرفه إنك عندك محاضرة دكتور عمر دلوقتي. معنى كده إنك محضرتيش؟"
تنهدت بشدة ومازالت عيونها تلمع بالدموع.
"جنة ورامز."
عند سماعه لهذا الاسم استشاط غيره وغضباً وقال:
"وإنتى بتكلمي سي زفت ده ليييه مش أنا قلتلك كلام معاه بلاش منه عايزاني أموته وارتاح؟"
انتفضت من طريقته الغاضبة وقالت:
"ااانا معملتش حاجة هو اللي خبط فيا."
وقف رزق بغضب وغيره تكاد تقتل ذلك رامز.
"نععععغم يختي خبط فيكي. خبط فيكي فين بالظبط؟"
توسعت عين إيمان من دهشتها وقالت:
"يعني إيه مش فاهمه؟"
أمسك رزق شعره بشدة يكاد يقتلعها من غيرته.
فكذلك رامز قد لمسها ماذا يقول لها.
هدأ قليلاً وقال:
"ممكن أعرف إيه اللي حصل وياريت، ياريت يا إيمان متفوتيش حرف واحد سامعه."
قصت إيمان عليه كل ما حدث ودار بينها وبين جنة ورامز.
ولكن ما لم تكن تتوقعه بالفعل هو غضب رزق المبالغ فيه من وجهة نظرها.
فهو كان يذهب ويجيء في غرفة مكتبه وكأنه يفكر بطريقة لقتل ذلك الثنائي.
وقف مرة واحدة وقال:
"تعالي معايا."
وقفت إيمان وقالت:
"على فين؟"
أجابها رزق بحده:
"تعرفي تسكتي لأني هاين عليا أولع فيكي وفيهم دلوقتي. ماهو لو الهانم سمعت كلامي كان زمان الكل متنيل عارف إنك خطيبتي. بس إزاي. لا طبعاً، بلاش يارزق يعرفوا عشان ميقعدوش يتكلموا كل شوية علينا."
رفع صوته مرة واحدة وقال:
"أهو ياستي ارتحتي اهم اتكلموا علينا بس مش على أساس إننا مخطوبين لا على أساس إننا متصاحبين لأسباب قذرة زيهم."
لم تتمالك إيمان نفسها وطلت تبكي بشدة.
رق قلب رزق فزفر بشدة واستغفر ربه بداخله وقال:
"خلاص ياإيمان أنا آسف إني انفعلت بس أنا فعلاً انفعلت عشانك انتي مش عشاني. يعني أنا لو فضلو يتكلموا من هنا لبكرة ميهمنيش لكن عشان يطلعوا عليكي حرف واحد فده اللي عمري ماهسمح بيه أبداً."
خرجت إيمان خلفه ولا تعلم أين هو ذاهب ولكنها فوجئت به أمام المدرج والذي به دفعتها تتلقى المحاضرة على يد صديقه وزميله دكتور عمر.
طرق الباب ودخل بهدوء يتنافى مع الغليان الذي بداخله.
"أهلا أهلا دكتور رزق. اتفضل أوعى تقول إنك جاي تاخد المحاضرة بدالي وتريحني."
ضحك رزق بمجامله لصديقه وقال:
"لا يعم محاضرتك خليها لك أنا بس جاي عشان عايز الدفعة الجميلة دي في كلمتين ومقدرتش أجلهم لبكرة تسمح لي."
أشار عمر بيده وقال:
"طبعاً طبعاً الميكروفون معاك."
ثم ابتسم.
تقدم رزق وعيناه تبحث عن جنة ورامز والذي وجدهم كالعادة في آخر المدرج.
فلولا درجات العملي لما حضروا تلك المحاضرات أبداً.
أشار رزق لإيمان أن تدخل.
رفضت في البداية ولكنه حثها بعينيه حتى دخلت ووقفت بجواره تحت همهمات من الجميع واستغرابهم للموقف برمته.
بدأ رزق بالكلام وقال:
"طبعاً كلكم عارفين دكتورة إيمان. زميلتكم والأولى على دفعتكم التلات سنين اللي فاتوا وإن شاء الله هتفضل كده لغاية ما تتخرج."
ثم نظر إليها وابتسم ابتسامة مطمئنة لها.
أكمل وقال:
"الصراحة بقه كنت عايز أشتكيلكم منها."
تكلم الجميع في وقت واحد لمعرفة السبب.
رفع رزق يده وقال:
"بذمتكم أنا عريس اترفض."
ضحك الجميع وقالت بعض الفتيات:
"مين اللي مبتفهمش دي يادكتور هو فيه حد زيك."
وقالت أخرى:
"مين دي طب لو حضرتك اتقدمتلي أنا اللي هجيب الشبكة."
وأخرى وأخرى.
وكانت إيمان تود أن تقتله وتقتل كل فتاة قالت شيئاً عليه.
ضحك رزق وقال:
"أنا اتقدمت أكتر من مرة لدكتورة إيمان وهي مكنتش بتوافق. لغاية في الآخر بقه ملقيتش فيه غير حل واحد."
قال الجميع في وقت واحد:
"إيه هو؟"
ضحك رزق وقال:
"قولتلها لو موافقتيش هسقطك وهخلي كل زمايلي يسقطوكي مش كده يادكتور عمر."
ضحك عمر وقال:
"مجنون وتعملها هتجوز البت تحت التهديد يادكتور."
ضحك رزق وقال:
"المهم اتجوزها. ودلوقت بقه هي الحمد لله وافقت وأنا بعزمكم على الخطوبة بس إن شاء الله لما الامتحانات تخلص."
تعالت التهنئات من الجميع.
أما جنة ورامز فلم يشعروا شيئاً إلا ورزق يقف بجوارهم ويقول بشر:
"اسمع بس إن حد فيكم اتعرض لإيمان بحرف واحد والله في سماه ماهتشوفوا تخرج من الكلية دي واحتمال تحولوا منها كمان سامعين."
ثم اتجه لرامز وقال:
"واحمد ربنا إني مكنتش موجود وخلصت على قلم واحد لأنك لو كنت ساعتها معاكم مكنتش هتخلص مني غير على نقالة."
تركهم واتجه لإيمان والتي تشعر بالفخر الشديد لوجود رزق فهو بالفعل اسم على مسمى.
العمل ثم العمل ثم العمل.
هذا ما قررت أسمهان أن تفعله بجانب دراستها.
فها هي السنة قربت على الانتهاء ليمر على سفر إحسان سنتين.
لا تعلم هل مازال يتصل بوالده أم لا.
فهي لا تسأله أبداً.
فكرت في أن تطلب من عمها عبد الرحمن أن ينهي هذه الزيجة.
ولكنها رغم ذلك تشعر بالألم عندما تفكر في هذا الموضوع.
فقررت أن تنسى زواجها وأن تنسى نفسها كزوجة وتمضي بحياتها وفقط.
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
لم تكن تعلم أن حمزة قد علم كل شيء عنها وأنه يتحين الفرص بل ويخلقها أحياناً حتى يقابلها ويتكلم معها.
ولكنها رغم ذلك لا تعيره انتباهاً وهذا ما يجعله يستشيط غضباً فوق غضبه.
كانت تجلس مع رواء داخل مقهى قريب من مكتب الترجمة.
تحاول أن تقنعها بأن توافق على الزواج.
فنادر قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من الجنون من أفعالها.
قالت أسمهان:
"هاه. هتفضل كده كتير؟"
نظرت إليها رواء وقالت وعيناها تلمع من الدموع المحبوسة بداخلها:
"خايفة ومش عارفة أعمل إيه في خوفي ده."
أمسكت أسمهان يدها وقالت:
"من إيه تقدرى تقوليلى. نادر راجل بجد وبيحبك وكل يوم بيثبت لك إنك انتي وبس اللي في قلبه. وعمره ما هيكون لغيرك."
قالت رواء من بين دموعها:
"بابا كمان قال لماما كده وبعدين إيه اللي حصل؟"
زفرت أسمهان بهدوء وقالت:
"باباكي شخصيته غير نادر. انتي عندك شك في ده."
حركت رواء رأسها يميناً ويساراً دليلاً على رفضها.
أكملت أسمهان:
"طيب يعني انتي واثقة إنهم مش شبه بعض. وكمان أنا عايزة ك تعيشي حياتك ولو حتى فرضاً انتي عندك خوف من المستقبل. الخوف ده عمره ما هيروح إلا لما تواجهيه وانتي مش هتواجهيه غير لما تتجوزي نادر. ساعتها بس هتحسي إنك قد إيه كنتي غبية إنك موافقتيش من زمان بدل ما هو قاعد يندب حظه كده."
ضحكت رواء وقالت:
"فعلاً نادر استحمل من جناني كتير ده حتى ماما بتقولي إنه غير بابا."
وجدت من يمسك يدها ويقبلها ويقول:
"والله العظيم أنا غيره خاااالص وبحبك وبموت فيكي والبت أسمهان تشهد على كده."
ضحكت رواء بشدة هي وأسمهان.
نظرت إليه أسمهان وقالت بغيظ:
"إنت إيه اللي جابك هنا."
غمز إلى رواء وقال بحب:
"أي حتة حبيبتي فيها أنا راشق فيها على طول. ولا إيه يارور."
ضحكت أسمهان وقالت:
"تصدق بالله انت مجنون بطريقة صعبة."
قهقه نادر وقال:
"عادي قديمة ياباشا. إيه قولوا يلا. هنعمل الفرح امتى بقه نقول بكرة نشتري الفستان وبعده بكرة الفرح."
تكلمت أسمهان بسخرية وقالت:
"و ليه تنتظروا ده كله ماتاخدها وتمشي وخلاص."
وقف نادر وقال:
"تصدقي عندك حق. يلا يارورو."
تكلمت أسمهان بذهول وقالت:
"يلا فييين ياباشا الفرح إن شاء الله بعد أسبوع تكون رواء جهزت نفسها. وكمان انت ناسى إن وراك شغل وكمان فيه شهر عسل لازم يتحجز وفستان لازم نجيبه وقاعة تدور عليها. إييييه يلا بقه هوينا ياباشا روح شوف كل دول وملكش دعوة بالترتيبات الباقية."
نظرت إليهم رواء وهي مصدومة وقالت:
"فرح مين اللي بعد أسبوع وفستان إيه اللي هنشتريه."
أشارت أسمهان لنادر وقالت:
"روح انت وملكش دعوة هي هتفوق دلوقتي من الصدمة متقلقش."
أمسكت أسمهان يدها وقالت:
"يلا ياعروسة يلا عشان نلف شوية على الفساتين والذي منه يللللا."
بعد مرور عشرة أيام.
تم فيهم الكثير.
فرح رواء ونادر والذي كان آية من الجمال.
أصبح ثقل العمل على كتفيها وحدها.
استدعاها مستر أكرم.
ذهبت إليه فقال لها:
"أنا عارف يا أسمهان إن ضغط الشغل عليكى بقى كتير بس معلش بقه حظك جه كده."
ضحكت أسمهان وقالت:
"خير يامستر مفيش حاجة وكمان نادر قبل فرحه خلص تقريباً كل الشغل المتأخر عشان أنا متزنقش."
ضحك أكرم وقال:
"فعلاً ربنا يهنيه هو ورواء وأشوفهم أسعد اتنين يااارب."
أمنت أسمهان على دعائه وقالت:
"هاه إيه الشغل الجديد بقه."
جلس أكرم على كرسي أمامها وقال:
"بصي ياستي فيه دكتور جراحة ألماني هيوصل مصر إن شاء الله كمان كام ساعة وطبعاً عايزين له مترجم عشان يبقى وسيط بينه وبين الحالات المرضية اللي هو هيعملهم العمليات."
نظر إليها وقال بنظرة ذات معنى وهو يبتسم:
"والصراحة بقه نادر المفروض هو اللي كان هيروح وكان عارف بميعاد وصوله لأنه اتحدد من حوالي شهر بس جوازته بقه هي اللي غيرت كل حاجة."
اتسعت عينيها بشدة وقالت:
"يعني كان عارف ومقاليش."
ضحك أكرم بشدة وقال:
"الصراحة أنا بحسبه قالك بس لقيته بعتلي رسالة من شوية بيفكرني بالموعد وبيقولي أقولك لأنه خاف يقولك."
ضحكت أسمهان بشر:
"ماااشي يعني هو خاف ليقولي فقام هرب. ثم أكملت: طب وحضرتك هو هيقعد قد إيه."
"-تقريباً من عشرة ل 15 يوم لأنه حالياً هيعمل عمليات بأجر رمزي في مستشفى خاص فيها جزء خيري مملوكة لرجل أعمال كبير. بعد كده فيه أكتر من مستشفى استثماري هيعمل عندهم عمليات بس بأجر."
زفرت بشدة وقالت:
"يعني حضرتك كده ال 15 يوم دول مفهوش راحة."
أقر أكرم بذلك وقال:
"وعلى فكرة أنا خصصتلك عربية تكون معاكي عشان لو اتأخرتي أو حاجة."
"-تمام هقوم أنا عشان الحق أروح أغير هدومي وأطلع على المطار عشان أستقبله."
"-اتفضلي وربنا يوفقك وصدقيني أول مانادر ينزل من أجازته هخليه هو يكمل."
آه من شوق ساقني إليك كما يسوقون الذبيحة لنحرها.
كان علاء يقف أمام كلية الفنون الجميلة.
فهو لم يستطع منع نفسه أن يراها.
فهو اشتاقها لدرجة غير عادية.
نظر إليها وهي تخرج ومعها صديقتها.
"ياالله كم هي بريئة."
ضحك في نفسه وقال:
"براءة تذهبك للجحيم رأساً وأنت راض."
فهي فعلت معه ما لم يفلح به الكثيرون.
وقع نظرها هي الأخرى عليه.
ولكن لما تراه مختلفاً تلك المرة.
حتى نظراته إليها مختلفة.
فيها شيء من الحزن و.....الحب.
لا لا غير معقول فعلاً لا يعرف للحب طريق.
انتظرت أن يناديها كما يفعل.
ولكنه لم يفعل.
فكل ما أراده حقاً هو أن يراها وفقط لأنه يعلم بداخله أنه لا يليق بها.
ولا يعرف إنه عند تآلف القلوب لا يقف بينهم مستحيل.
ركب سيارته ومضى بطريقه.
حتى أنه مر من جانبها ولكنه أرسل إليها نظرة أسف لم تستوعبها أبداً.
فهي كانت تتوقع أن يثور أو أن ترجع لتجده قد اشتكى منها لوالدها.
ولكنه لم يحدث أي من هذا.
فما الذي يحدث معه.
فهي لا تعرف.
عندما نمشي بطريقنا ولكننا لا نتوقع نهايته.
وهل ستكون تلك النهاية مرضية أم أنها سترسل بنا للألام من جديد.
نزلت أسمهان بعد أن أبلغت عمها عبد الرحمن.
وجدت السيارة بإنتظارها.
ركبتها متوجهة إلى المطار لاستقبال دكتور أرمان الألماني.
ظلت تبحث عنه في الإنترنت.
فهي دائما تريد أن تعلم مع من تتعامل.
قرأت عنه الكثير وعن شخصيته القوية.
فهو قد كرس حياته للعمل ولم يتزوج.
يبلغ من العمر 55 عاماً ورغم ذلك لا يظهر عليه العمر أبداً.
وكعادة الأجانب فعيونه باللون الأخضر وشعره أصفر ذهبي يختلط به بعض الشعر الأبيض وفي وجهه بعض النمش.
وصلت المطار وجدت الرحلة قد وصلت بالفعل.
سألت عليه فوجدته بقاعة كبار الزوار.
عرفت عم نفسها وأنها هي المترجمة.
فأفسحوا لها الطريق بعد ما رأوا ما يثبت ذلك.
دخلت إلى القاعة وأول من وقع عليه عيناها هو باسل وحمزة.
والذي ابتسم إليها بشدة وقال:
"أهلا أهلا مدام أسمهان اتفضلي."
نظرت إليه بإحراج قد زادها جمالاً وهي تقول:
"أسفة على التأخير بس الطريق كان زحمة وأنا معرفش بالميعاد غير من كام ساعة بس."
لم تعلم أن هناك من ينظر إليها وهو يريد أن يخبئها بداخله.
لم يكن يتوقع أن يكون لقائهم بمثل تلك السرعة.
فهو كان يفكر ويفكر فر ألف طريقة وطريقة كي يقابلها بها.
وما هو الكلام الذي سوف يقوله.
أكمل حمزة وقال:
"على العموم محصلش حاجة. حظنا إن كان فيه دكتور مصري ضمن الوفد من المساعدين للدكتور أرمان كان هو اللي شغال مترجم لغاية ما تيجي."
ثم وجهها إليه وقال أعرفك دكتور.
لم يكمل كلمته حتى قالت هي:
"إحساااااااان."
رواية ونسيت أني زوجة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سلوى عليبة
عندما يشعر الإنسان بالعطش وسط نهر من المياه، لا يقدر أن يرتوي ولا يقدر على الابتعاد. كان هذا حال إحسان عندما وجدها أمامه. لم يستطع التصديق إنها هي، من أراد البحث عنها، من أراد أن يقابلها لعلها تغفر أو تسامح.
أما أسمهان، فكان الحال عندها مختلف. كانت تشعر أن الأرض تميد بها ولا تستطيع الوقوف. حاولت كثيراً التماسك ولكنها لم تستطع، وقررت الاستسلام للظلام من حولها، لعلها تفيق مرة أخرى فتجد أنها كانت في حلم.
وقعت أسمهان وسط خوف حمزة الفعلي ووسط زهول إحسان، والذي لم يفق منه حتى الآن. كان حظ أسمهان أن ورائها كرسي، فعندما وقعت، وقعت عليه.
كان حمزة ينظر لأسمهان وهو لا يفهم شيئاً. لماذا عندما رأت ذلك الطبيب حدث لها ما حدث؟ أهي تعرفه؟ وجد باسل يسحبه من يده وهو يقول:
"ابعد كده يا حمزة عنها، خليها تشم هوا وخلينا نجيب حاجة تفوقها."
عند تلك اللحظة، وكأن إحسان قد استيقظ مما هو فيه. ذهب إليها مسرعاً، أمسك يدها وهو يدلكها لها. أخرج زجاجة عطر من حقيبته وذهب إليها حتى يفيقها.
في هذه الأثناء، كان حمزة يصيح بباسل أن يجد شيئاً حتى تستفيق. سحبه إحسان بشدة وتكلم معه بغضب وغيره لما رآه من لهفة حمزة على أسمهان:
"لو سمحت، متنساش إني دكتور. ابعد شوية كده خليها تفوق. ويا ريت تروح تقف مع دكتور أرمان عشان ميحسش بحاجة، والحمد لله إنه بيتكلم مع اللي جنبه ومركزش."
نظر إليه حمزة ولسان حاله يقول: من أنت؟ ولماذا أنت قلق هكذا؟ ولكنه لم يستطع. فأشار إلى باسل وقال:
"روح يا باسل، خلص الإجراءات خلينا نمشي من هنا. وأنا مش هتحرك غير لما أسمهان تفوق."
لم يعيره إحسان بالاً، فكل ما يريده هو أن تفوق إسمهان من إغمائها. ظل إحسان يقرب العطر منها ويدلك يدها ويضرب على صدغها برفق، وهو يقول بصوت خافت، ولكن سمعه حمزة، ذلك الذي يستشيط غضباً:
"فوقي يا أسمهان، فوقي يا حبيبتي. أنا آسف لو أعرف إن رجوعي هيتعبك، مكنتش رجعت. عارف إني جرحتك كتير، بس كنت راجع وعندي أمل إنك تسامحيني. أرجوكي فوقي عشان خاطري."
بدأت أسمهان تستفيق. ويا للغرابة، فإحسان بالفعل أمامها. لم تكن تتخيل. مهلاً، مهلاً، ماهذه الدموع التي بعينيه؟ هل كان يبكي؟ تبًا! هل الآن فقط يبكي؟ لما؟ لما الآن؟ أبعد أن بدأت تجد نفسها وتحقق ما تريد؟
فوجئت بحمزة وهو يتكلم معها بلهفة ويقول:
"إنتي كويسة؟ فيكي حاجة؟ حاجة بتوجعك؟ أجبلك دكتور؟"
عند تلك النقطة، زمجر إحسان بغضب وقال:
"على أساس إني إيه؟ سباك؟ مانا دكتور ولا مش عاجبك؟"
نظر إليه حمزة بتفحص شديد وقال:
"لا أبداً، إزاي. أنا بس من لهفتي على أسمهان قولت كده. أصلك متعرفش هي غالية عليا قد إيه."
نظر إحسان إليها بعد أن فهم من كلامه أنه يوجد بينهم شيء، خاصة بعد صمت أسمهان. ولم يكن يعلم أن أسمهان لم تسمع حرفاً واحداً مما قيل، فهي حتى الآن لم تخرج من صدمتها من رؤياه غير المتوقعة، والأكثر من ذلك، كيف ستراه يومياً ولمدة شهر؟ يا الله، أخرجني من هذا الموقف.
نهضت مرة واحدة وقالت:
"آسفة جداً يا مستر حمزة. أنا بس ما أكلتش حاجة من الصبح ويومي كان مشغول جداً، فحصلي هبوط مفاجئ."
صرخ إحسان بها بقلق وقال:
"وإنتي إزاي تخرجي أصلاً من غير أكل يا أسمهان؟ إنتي بتستهبلي؟"
نظرت إليه وردت ببرود وقالت:
"سوري، المرة الجاية هاكل."
ثم نظرت لحمزة وقالت:
"آسفة كمان مرة. هو فين دكتور أرمان؟"
ضحك حمزة وقال:
"دكتور أرمان زمانه راح الفندق. ستر ربنا إنك اغم عليكي في أول القاعة، وهو كان معاه ناس جوه، مأخذش باله."
سألته أسمهان بهدوء:
"طب دلوقتي إيه اللي المفروض يحصل؟ يعني هنروح الفندق ولا هو دلوقتي هيرتاح وهنتقابل بكرة؟"
أجابها إحسان بغيظ من كلامها السلس مع حمزة:
"تقدري إنتي تروحي، ودكتور أرمان لو احتاج حاجة، أنا هترجماله. أظن إنك تعبانة والمفروض تاكلي وتستريحي، ولا إيه؟"
لم ترد عليه أسمهان، ولكنها نظرت إليه نظرة عتاب معناها: هل أنت تهتم حقاً؟ أجابها هو الآخر بنظرة أسف، لعلها تقبلها، ولكنها حولت عينيها عنه وقالت لحمزة:
"أستأذن أنا بقى من حضرتك، ولو فيه أي حاجة، مع حضرتك تليفوني."
اطمأن إحسان من كلام أسمهان مع حمزة، فهي تتكلم معه برسمية شديدة، إذاً لا يوجد شيء بينهم، أو على الأقل لا يوجد شيء منها تجاهه. أما هو، فبالطبع لا، فعينيه تحكي الكثير. ولكن، صدقاً، لن يتركها لأحد، سيسترجعها مرة أخرى. آآآه، لو تعرف أنها حتى الآن لم تذهب لغيرك، ولكنها ملكك أنت. ورغم هذا، فاسترجاعها أيضاً صعب.
استوقفها حمزة وقال:
"مدام أسمهان، اتفضلي معايا أوصلك."
أجابته بابتسامة لم تصل لعيناها وقالت:
"شكراً لحضرتك، بس أنا معايا عربية بره."
قال إحسان بتهور:
"خلاص، وصليني في طريقك."
نظر إليه حمزة وكان سيرد عليه، ولكن سبقته أسمهان وقالت بنظرة ذات معنى:
"آسفة، طريقي غير طريقك يا دكتور، ومعتقدش إنه ممكن يبقى واحد في يوم من الأيام."
ثم خرجت وهي تدعو القوة، ولكنها حقاً تريد أن تتوارى من أمامه وتنفرد بنفسها.
وقف حمزة أمام إحسان وقال:
"تعالى يا دكتور، وأنا أوصلك."
نظر إليه إحسان بضيق وقال:
"شكراً، هاخد تاكسي."
ثم ذهب وهو يود الفتك بذلك الحمزة، ويود أيضاً أن يذهب ويأخذ أسمهان بين أحضانه حتى ترضى عنه وتسامحه.
عندما ترى وأن الدنيا بأسرها تجبرك على شيء حاولت نسيانه. هكذا كانت أسمهان. ظلت طوال وقتها بالسيارة وهي تحاول أن تتمالك نفسها حتى لا تنهار. وصلت إلى المنزل ولا يوجد بداخلها غير سؤال واحد: هل كان عمها عبد الرحمن على علم برجوع إحسان، أم أنه لا يعلم؟ قررت أن تسأله وتعرف منه إن كان يعلم، لما لم يقل لها؟
فتحت الباب ودخلت إليه، ولكنها لم تجده. سألت عليه إلهام، فقال لها إنه خرج للقاء بعض الأصدقاء. لم تعلم مع من تتحدث، فنادر ورواء بشهلهما، ولن تقلقهما أبداً. دخلت إلى غرفتها وأبدلت ملابسها وتوضأت للصلاة. رن هاتفها، فأنهت صلاتها وذهبت للرد. لم يكن رقماً مسجلاً.
"السلام عليكم، مين معايا؟"
"............."
"أهلا مستر حمزة، فيه حاجة."
"................"
"الحمد لله، أنا أحسن دلوقتي."
"................"
"الف شكر على سؤال حضرتك، وأنا آسفة جداً، مضطرة أقفل، مع السلامة."
قذفت الهاتف على التخت وهي تقول: "وماله ده كمان، كل شوية بلاقيه في وشي. ربنا يستر."
كان حمزة يستشيط غضباً مما حدث، خاصةً عندما هاتف أسمهان وردت عليه ببرود. دخل عليه باسل وهو يقول:
"فيه إيه؟ مالك كده مش على بعضك؟"
نظر إليه حمزة بزمجرة دليل على غضبه:
"عملت إيه؟ جبت اللي قلتلك عليه ولا لا؟"
تنحنح باسل وقال:
"بقولك إيه، متفضك من الموضوع ده وتنساه. ما البنات على قفا من يشيل، واللي انت بتشاور عليه بيجيلك لتحت رجلك."
رد عليه حمزة بغضب وقال:
"بقولك إيه يا باسل، أنا مبعملش حاجة حرام، سامعني؟"
ضحك باسل باستهزاء وقال:
"حق ربنا، انت بتتجوزهم عرفي بس، واللي تعصلج قوي تتجوزها رسمي، وأقصاها شهر وأقلب."
نظر إليه حمزة بضيق وقال:
"محدش بيضربهم على إيدهم، ماااشي؟"
صرخ باسل وقال:
"عشاااان كده نفسي أفهم، عايز إيه من أسمهان؟ ليه بعتني أعرفلك كل حاجة عن دكتور إحسان؟ لييييه؟"
"لأن نظراته ليها مش مريحانى. لهفته عليها وجعتني. فهمت، لازم أفهم مين ده ويبقى ليها إيه؟ ده أنا كنت مبسوط إني هشوفها كل يوم ولمدة شهر بحجة دكتور أرمان. كنت هحاول أقرب منها، يمكن تحبني."
نظر إليه باسل باستغراب وقال:
"تحبك مين دي اللي تحبك؟"
جاوبه حمزة بصياح ونفاذ صبر:
"أسمهاااان يا أخي. إيييييه؟ مش من حقي إني أحب وأستقر مع حد نضيف؟ حد أبقى عارف إنه هيصونى وأنا معاه وأنا مش معاه؟"
جلس على المقعد وقال بصوت هادئ قليلاً:
"غصب عني حبيتها، أتمنتها تكون ليا. إيه؟ مش من حقي؟ ولما عرفت إنها متجوزة حسيت إن ده عقاب ربنا ليا على اللي عملته. إن اللي أنا حبيتها مش من حقي. بس من كلامك عرفت إنها متجوزة جواز صالونات، في خلال شهرين خطوبة وفرح، وإن جوزها مسافر بقاله أكتر من سنتين ومرجعش. قولت خلاص فرصة إني أقرب منها، يمكن تحبني وتطلب الطلاق من جوزها. عارف إني غلط، بس والله غصب عني."
ربت باسل على كتفه وقال:
"ياااه يا حمزة، كل ده جواك. بس للأسف يا حمزة، اللي أنا عرفته مش في صالحك خالص."
رفع حمزة بصره إليه باستفهام، فأكمل باسل وقال:
"دكتور إحسان عبدا الرحمن يبقى جوز أسمهان. وغير كده، اكتشفت إنه كان بيشتغل في المستشفى بتاعتنا قبل ما يسافر للمنحة بتاعته. وكمان كان من أكفأ الدكاترة اللي في المستشفى، وفعلًا هو أثبت نفسه في ألمانيا، عشان كده بروفيسور أرمان اختاره إنه يكون ضمن الفريق الطبي بتاعه، وعشان كده جه مصر مرة تانية."
وقف حمزة وهو يضحك بشدة وقال:
"يعني أنا كنت مشغل غريمي عندي في المستشفى؟ ههههههه، نكتة والله. وكمان جه مرة تانية ضمن الفريق الطبي اللي أنا بسعى إنه يجي من أكتر من ست شهور. ههههههه، لا والله، أنا طلعت غبي قوي. وأنا اللي كنت فرحان إني هقرب منها، قمت إيه؟ جبت لها جوزها."
توقف مرة واحدة عن الضحك وقال:
"بس لا، مقابلتهم لبعض تدل إن فيه حاجة مش مظبوطة مابينهم. لو فعلاً هم زوجين وبيحبوا بعض وكان عاملها مفاجأة مثلاً لها، كانت أول ما شفته اترمت في حضنه. بس دي اغم عليها، وغير كده قالتله إن طريقهم مش واحد."
ابتسم بخبث وقال:
"لو طريقهم مش واحد، أنا بقى هخليه مش موجود أصلاً."
كان إحسان يجلس بشرفة غرفته بالفندق، يفكر بأسمهان وكيف تغيرت وأصبحت أجمل وأنضج. تذكر أيضاً كلمتها له وأنهم طرقهم مختلفة. ردد بينه وبين نفسه:
"حتى لو طريقنا مختلف، فأنا هخليه واحد يا أسمهان. بقه معقول مسمعتش الحرب اللي كانت جوا قلبي لما شفتها؟"
تنهد بشدة وقال: "شكل طريقنا طوييييل، بس مش مهم، أنا بقى اتعلمت البرووود ومش هسيبك."
دخل عليه استيوارت وهو يضحك ويقول:
"مابك يا رجل؟ هل تحدث نفسك؟"
نظر إليه إحسان وقال بسعادة:
"نعم استيوارت، فأنا لم أتوقع أن أراها فور وصولي، لقد كانت أفضل مفاجأة يا رجل."
رفع استيوارت يديه الإثنين وقال:
"ليس لي يد بتلك المفاجأة إحسان، بل إن مفاجأتي لك كانت في وجودك ضمن فريق بروفيسور أرمان، ولأنك تستحقها، فلم تأخذ مني أي مجهود، ولكني كنت أعلم أنها ستكون مفاجأة مبهجة لك يا صديقي."
ضحك إحسان وقال:
"صدقاً استيوارت، لقد كانت أفضل مفاجأة حصلت عليها منذ مدة."
جلس استيوارت بجواره وقال:
"ولكن يا رجل، إن امرأتك أجمل بكثير من الصور. ثم أكمل بخبث: وأعتقد أن لديها معجبون."
انتفض إحسان وقال:
"ماذا تقول؟ عن أي معجبون تتكلم؟"
وضع استيوارت قدماً فوق أخرى وقال:
"ذلك الرجل المدعو حمزة، صاحب المشفى الذي سنجري بها العمليات الجراحية."
نظر إليه إحسان بغيره وخوف من فقدانها، فهو كان يشعر بذلك، ولكن أن يواجهك أحد، فالأمر مختلف. سأله إحسان بخوف:
"هل من الممكن أن أفقدها استيوارت؟ فعندما رأيتها أردت أن أضرب نفسي بالرصاص لابتعدي عنها يا رجل. عندما رأيتها أردت أن آخذها بين أحضاني وأخفيها عن العالم بأسره."
رد عليه استيوارت بنزق:
"ولما لم تأخذها يا أحمق؟"
طأطأ إحسان رأسه وقال:
"لأنها لا تحل لي. ألم أقل لك أني طلبت من والدي تطليقها مني؟"
"أحمق أنت، فقط أحمق كبير. رغم أنك طبيب عبقري، إلا أنك مُحِبٌ غبي يا رجل."
وقف إحسان وقال:
"حسنًا استيوارت، فأنا لن أتخلى عنها، فهي لي أنا، ولن تكون لغيري."
ضحك استيوارت وقال:
"هذا هو يا رجل، وأنا سأساعدك حقاً حتى تسترجع حبيبتك."
"نعم استيوارت، فأنا سأسترجعها. وسأحدث أبي غداً وسأجعله يساعدني هو الآخر."
نظر إليه استيوارت باستغراب وقال:
"حقاً يا رجل، لما لم تبلغ أباك بميعاد وصولك؟ ألم تشتاقه؟"
زفر إحسان بحنين وقال:
"بل أشتاقه كثيراً استيوارت، ولكني لم أرد أن أبلغه حتى أفاجئه بوجودي وأرى اشتياقه لي."
سأله استيوارت:
"إذاً، لما لم تذهب إليه الآن؟"
رد عليه إحسان بهدوء وقال:
"فكرت بذلك، ولكني أعلم والدي، فهو يقابل أصدقاءه بالنادي يومياً ويتسامرون سوياً، وإذا ذهبت إلى المنزل فلن أجده. وأنا أريد أن أفاجئه عندما يستيقظ، سيراني أمامه، فأنا سأذهب إليه في الصباح الباكر. فأنا حقاً أشتاقه جداااااا."
لماذا يدق القلب لمن لن يكون أبداً من نصيبك؟ ولكن مهلاً، هل عندك علم ماذا سيفعل القدير؟ بالطبع لا. إذاً علينا السعي وعلى الله التدبير.
جلس علاء وهو يحاول أن يرتب أوراقه من جديد. فهو قرر أن يبدأ حياته الفعلية بعيداً عن تلك الأفعال المشينة والتي تجعله محط سخط من الجميع، عدا والدته بالطبع. قرر أن يحاول ويسعى، وأن يدعو الله أن يجعلها من نصيبه. فهو ما زال يذهب لها في الجامعة لكي يراها، ولكن لم يتحدث معها أبداً. بل والأكثر من ذلك، عندما يعرف أنها سترجع إلى بلدتهم، فإنه يذهب حتى تركب السيارة ويمشي ورائها حتى يطمئن على وصولها. ولا يعرف إن كانت تراه أم لا. فهو يفعل هذا حتى يطمئن عليها فقط. شعور جديد عليه أن تكون مسؤولاً عن شخص ما، ويكون هذا الشخص هو محور حياتك، بل وتحاول أن تسترضيه إلى الرضا التام.
ذهب إلى والده في ورشة الميكانيكا الخاصة به، وجده جالسًا على المكتب، فهو الآن لا يعمل بيديه. فوجئ به إبراهيم واستغربه في الوقت نفسه.
وقف إبراهيم وقال:
"خير؟ عايز فلوس ولا إيه؟"
ابتسم علاء بينه وبين نفسه، ولسان حاله يقول: أن والده هو أيضاً له يد في ضياعه.
جلس علاء بهدوء وقال:
"لا يا بابا، مش عايز فلوس، بس عايز حاجة تانية."
قال إبراهيم باستغراب:
"حاجة إيه دي إن شاء الله؟"
رد عليه علاء بثقة:
"أشتغل. عايز أشتغل يا بابا. أظن قبل كده كنت قلت لحضرتك إني عايز أمسك الأجانس وانت رفضت، وأنا دلوقتي بكرر طلبي. وقبل ما توافق أو ترفض، فأنا هقولك على حاجة."
سأله إبراهيم وقال:
"إيه هي الحاجة دي؟"
قال له علاء بهدوء:
"شهرين. إديني مهلة شهرين أمسك فيهم الأجانس. لو عجبك شغلي، هكمل. لو معجبكش، خلاص، هروح أدور على شغل تاني. وغير كده، مش هاخد غير مرتبى وبس. والمرتب ده هو نفس مرتب عادل اللي كان ماسك الأجانس قبل كده. وبرضه، أي عربية هبيعها، هيبقى ليا نسبة منها زي ما كان ماشي بالظبط. مش عايز حاجة أكتر ولا أقل."
نظر إليه إبراهيم وقال بهدوء غريب، رغم السعادة التي بداخله، فها هو ابنه الوحيد يريد أخيراً أن يساعده:
"إيه السبب اللي غيرك كده وخلاك بقيت جد؟ ولا دي حيلة جديدة عشان تقرب وتاخد اللي انت عايزه وتفضل ماشي في طريقك اللي انت ماشي فيه؟"
نظر إليه علاء بحزن وقال:
"حقك يا بابا. بس ياريت متنساش إن الطريق ده أنا مرحتلوش لوحدي. بالعكس، انت وماما ليكم يد فيه وانتوا كنتوا السبب الرئيسي. ماما بحقدها وغيرتها من عمي ومراته وولاده. وانت بسلبيتك معايا لدرجة إني مهما عملت من غلط، مكنتش بتوجه أو بتعاقب. لا، للأسف كنت بتسيبني مجرد ما ماما تقولك خلاص، ده حتة واحد. بس المفروض يا بابا، عشان أنا حتة واحد، كنتوا تحبوني أكتر. كنتوا تخلوني عندي مسئولية أكتر، لأني ببساطة مليش سند غير نفسي، لأن مليش إخوات."
وقف مرة واحدة وقال:
"أنا مش وحش يا بابا. صدقني، أنا عمري ما كنت وحش، وده لأن إبنك، لأن عارف إن قلبك طيب وقد إيه بتحب الخير للكل، وبتحب عمي وولاده قد إيه، عكس ماما. ربنا يهديها. بس برضه انت اللي اديتها الفرصة لكده. لو كنت من البداية رفضت أي كلمة ليها عن عمي وولاده، مكنش الموضوع وصل لكده. بس الحمد لله إني واخد منك انت مش منها. أخدت قلبك انت وطيبته. عشان كده أنا حابب إني أتغير. هتساعدني يابابا ولا برضه مش هيكون ليك موقف؟"
وقف إبراهيم أمام علاء وأخذه بأحضانه وقال:
"من بكرة تستلم مفتاح الأجانس وتشغله زي ما انت عايز، وأنا واثق في قلبك وعقلك يا ابن إبراهيم."
ضحك علاء وقال:
"ربنا يباركلي فيك ياااارب."
أخرجه إبراهيم من أحضانه وقال بلؤم:
"أقطع دراعي من هنا إن ما كان الموضوع ده له علاقة بمزة حلوة خلتك تتغير."
ابتسم علاء بحزن وقال:
"حتى لو اتغيرت، هيفيد بإيه؟ وهي واخده عني فكرة زي الزفت. يلا الحمد لله. يلام يابابا."
تتبع إبراهيم علاء حتى خرج من الورشة وقال:
"ربنا يريح قلبك يا بني ياااارب."
عندما لا يشعر الإنسان أنه يريد المواجهة، فإنه يهرب لأي شيء حتى يبتعد. لم تستيقظ أسمهان من النوم حتى الساعة الثامنة، فهي بالعاده تستيقظ في السادسة. استغرب عبد الرحمن، والذي شعر بالقلق عليها، خاصةً بعد كلام إلهامى أنها كانت في حالة مزرية بالأمس وأنها قد سألت عليه. حاول الدخول لها بالأمس، ولكنها وجدها مستغرقة بالنوم على غير عادتها، فهي بالعاده تنتظره حتى يأتي مهما تأخر. ولم يكن يعلم أن نومها هذا ما هو إلا هروب مما حدث.
طرق الباب مرة بعد مرة حتى استيقظت أسمهان. نظرت إلى الموبايل فوجدت الساعة قد تخطت الثامنة. قفزت من على التخت وهي تقول: "كيف حدث هذا؟" ذهبت مسرعة إلى دورة المياه، أخذت دشًا سريعًا وخرجت، غيرت ملابسها بسرعة، صلت فرضها وخرجت، فوجدت عبد الرحمن أمامها.
نظر إلى وجهها وقال:
"مالك يا أسمهان؟ وشك شكله مرهق ليه؟ ولا انتي كنتي بتعيطي ولا إيه؟"
اتجهت إلى الباب وقالت:
"لو سمحت يا عمو، سيبني دلوقتي، ولما أرجع نبقى نتكلم."
صرخ بها بشدة لم تعهدها منه وقال:
"أسمهااااان، من إمتى لما بكلمك بتسبيني وتمشي؟"
نظرت إليه أسمهان وأجابت بحدة:
"من لما عرفت إني مليش قيمة عندك. طب كنت قولي إنه جاي، مكنتش روحت وحسيت باللي أنا حسيته لما شفته قدامي."
لم يفهم عليها عبد الرحمن وقال:
"مين ده اللي شوفتيه واللي أنا مقلتلكيش عليه؟ أنا مش فاهم حاجة."
وقفت أسمهان أمامه قالت بحزن:
"يعني حضرتك متعرفش إن دكتور إحسان العظيم رجع، وإني شفته امبارح مع الوفد اللي أنا كنت رايحة أقابله؟"
جلس عبد الرحمن على المقعد بقوة وهو يشعر بغصة في قلبه. أراد ولده دون أن يقول له، بل والاكثر أنه هنا منذ الأمس ولم يأت إليه.
جلست أسمهان على الأرض أمامه ووضعت يديها على رجليه وقالت، من بين دموعها وكأنها تستجديه:
"أرجوك قولي إنك مكنتش تعرف. قولي إنك اتفاجأت دلوقتي زي ما أنا اتفاجأت. صدقني مش هستحمل إنك انت بالذات تكون بتكذب عليا، والله ما هستحمل. انت أبويا. أيوه والله، أنا بحس معاك إنك فعلاً أبويا. فبلاش تخذلني عشان خاطري."
أمسك عبد الرحمن وجهها بين يديه، ودموعه هو الآخر تجري على صدغيه حزنًا عليها وعلى ولده الذي لم يضعه في الحسبان. قال لها:
"والله يابنتي ما عرفت غير منك دلوقتي. ولو كان قال لي أو عرفني، كنت هقولك وأخيرك. عمري ما كنت هسيبك تتفاجئي زي ما حصل. إنتي يا أسمهان مليتي عليا حياتي وحسستيني فعلاً إني ليا بنت وبتخافي عليا. دانتي أحن عليا من ابني نفسه اللي اكتشفت إنه وصل مصر ومفكرش إنه يجي لي أو يفوت عليا حتى."
نظرت إليه أسمهان وقالت:
"أنا مش هينفع أقعد هنا تاني. لأنه لو قرر يجي، مينفعش إنه يلاقيني هنا."
اعتدلت في وقفتها وقالت من بين دموعها وهي توليه ظهرها:
"أرجوك يا عمو، طلقني منه. أنا مش عايزاه يعرف إني لسه مراته. أرجوك."
لم تلق إجابة من عبد الرحمن، فاستدارت فوجدته ينظر لذلك الواقف أمامه وعيناه ملئى بالدموع وهو يقول بهذيان:
"بجد؟ أسمهان لسه مراتي؟ يعني بابا مطلقهاش مني؟"
صرخ بشدة وهو يقول:
"مراااااااتى، أسمهان لسه مراااااااتى."
رواية ونسيت أني زوجة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سلوى عليبة
عندما تنتظر الاهتمام من شخص ما ولا تجده، فإنك تشعر بانعدام قيمتك. تشعر بأن ما قدمته من تضحيات قد ضاعت هباءً. بل إن صفعة الخذلان لن تأتيك إلا من أقرب إنسان إليك.
كان عبد الرحمن ينظر إلى ولده الغائب وهو أمامه. لا يعرف ماذا يفعل، فقلبه يخبره أن يأخذه بأحضانه فهو العائد بعد طول غياب. وعقله يحثه على الابتعاد فهو قد أتى منذ البارحة ولم يكلف نفسه عناء الاطمئنان عليه ولو حتى عن طريق الهاتف. ولكن ماذا نفعل في قلب مهما حدث له فهو يسوقنا إلى الهلاك؟ فما بالك بقلب الأب المتلهف لرؤية ولده الحبيب؟ فليأخذه بين طيات قلبه وبعدها فليعاتبه كما يريد.
استدارت أسمهان عندما سمعت صوته وهو يردد بعدم تصديق أنها مازالت زوجته.
في هذه الأثناء، وقف عبد الرحمن واتجه نحو ولده والذي أصبح تائهاً من هول ما علم. فهو لم يكن يتوقع تلك المفاجأة. وقف عبد الرحمن أمامه وقال بعتاب: "لسه فاكر إن ليك أب جاى تسلم عليه."
نظر إليه إحسان وقال بإشتياق وهو يرتمي داخل أحضانه: "وحشتني قوي قوي يابابا."
ضمه عبد الرحمن إليه بشدة وكأنه يتأكد من أنه هو بالفعل بين يديه. بكى عبد الرحمن من شدة اشتياقه وكذلك إحسان والذي ظل هو الآخر بداخل أحضان والده عله يلتمس الأمان الذي افتقده أثناء غربته.
كانت أسمهان تتابع ما يدور بين شفقة وحزن. فهي تعلم أن عبد الرحمن مهما حدث من ابنه فهو سيظل في قلبه ولن يخرج. فالوالد دائماً ما يسامح في حقه أمام راحة أبنائه. فكيف بعبد الرحمن والذي اختزل كل الأبناء في ابن واحد ليس له إخوة.
وحزن على حالها وماذا ستفعل في أيامها القادمة وكيف ستتعامل معه خاصةً وأنه قد علم أنها مازالت زوجته. بدأت بالانسحاب دون أن يشعروا. ولكن انتبه إحسان لها فخرج من أحضان والده وقال بصوت مسموع لها بوضوح: "أسمهان، رايحة فين؟"
لم تستجب لندائه ولا لسؤاله وأكملت طريقها تجاه الباب لكي تفتحه. هرول إليها بسرعة وقال لها بلهفة: "رايحة فين؟"
نظرت إليه بإستهزاء وقالت: "ملكش فيه." ثم نظرت إلى عبد الرحمن وقالت: "لو سمحت ياعمي، أنا دلوقتي قعدتي هنا مبقاش ليها لازمة. إنت عارف إني كنت قاعدة مع حضرتك لسبب وأظن خلاص الدكتور وصل وحتى لو مقعدش هنا فأكيد هيجي كل شوية يزورك وأنا مقدرش أمنعه من بيته فأنا بعد إذنك همشي من هنا وهشوف مكان تاني عشان..."
لم يمهلها عبد الرحمن أن تكمل مابدأته وقال بغضب: "بصي بقى يا أسمهان وده آخر كلام هقوله. مفيش حد هيمشي سامعاني؟ ولو على إحسان ييجي وقت ما يحب ولو إنتي مش عايزة تشوفيه براحتك. ولو عايزاني أقابله بره كمان فأنا موافق لكن اللي في دماغك ده مش هيحصل."
نظرت إليه أسمهان وقالت بإستعطاف: "أرجوك ياعمي حط نفسك مكاني. أنا همشي. صدقني هرتاح لما همشي."
ذهب إليها إحسان وقال بقوة: "مش هتمشي يا أسمهان، مش هسمحلك تمشي خاصةً بعد ما عرفت إنك لسه مراتى. أنا كنت جاي أصلاً من السفر عشان أجيلك وأتكلم معاكي وأحاول أخليكي تسامحيني وترجعيلى. يبقى لما رجعت ولقيتك لسه على ذمتي أسيبك؟ مستحيل ده يحصل سامعة؟ مستحيل."
سحبت أسمهان يدها بقوة وقالت: "وأنا مش مستنية رأيك على فكرة. إنت خلاص وجودك زي عدمه. إنت بعدت وبعت وسافرت عايز إيه تاني؟"
أجابها بصوت عالٍ يشوبه الألم: "وندمت. والله ندمت واللي إنتي عايزاه هعملهولك إلا إني أطلقك سامعاني ولا لأ؟"
إبتسمت أسمهان بسخرية وقالت: "طب والله كويس ندمت بعد سنتين. مكنتش أعرف إن الندم بيحتاج الوقت ده كله."
نظر إليها بإستعطاف وقال: "كنت مفكرك مبقتيش مراتى. خفت أرجع. والله خفت. عارف إني غبي بس أعمل إيه؟ طول عمري حياتي عملية، شغلي وبس. جيتي إنتي ودخلتي وغيرتيها بطيبتك وحنانك ورقتك معايا ومع بابا. خفت. أيوه خفت اللي تعبت فيه يضيع بسببك لأني لقيت نفسي ضعيف قدامك. ضعيف لدرجة إني مكنتش ناوي أتمم جوازي منك. بس لما شفتك حسيت كأنك جنية وبتندهيلي أدخل العالم بتاعها فدخلت. لكن بعدها خفت معرفش أطلع منه وصدقيني ندمت وبقول ياريتني ماطلعت. أعذريني بقى وسامحي."
لاتنكر أن كلماته أثرت بها ولو قليلاً ولكن جراحها منه مازالت غائرة لم تلتئم بعد. نظرت إليه بقوة وقالت: "وأنا موافقة إني أسامحك وأنسى كل اللي عملته بس على شرط."
رد عليها بدون تفكير ووجهه يعلوه ابتسامة فرحه وقال: "وأنا موافق على أي شرط هتقوليه مهما كان."
نظرت أسمهان إلى عبد الرحمن والذي يتابع الحوار دون تدخل فوجدت في عينيه تشجيعاً على أن تقول ما تريد. وجهت أسمهان نظرها لإحسان وقالت وعيناها تترقرق بها الدموع: "تعرف ترجعلي ابني اللي راح من زعلي بسبب اللي عملته؟ مش هقول رجعلي فرحتي اللي اتسرقت ولا أحلامي اللي ضاعت. بس هقولك رجعلي ابني وأنا ساعتها بس هسامحك."
صدمة هي كل ما حلت عليه من كلامها لدرجة أن دموعه جرت على خديه دون أن يدري. تصلب جميع جسده عند سماعه لكلامها. عن أي ابن تتكلم؟ هل كانت تحمل طفله هو؟ ومن غيره قد يكون؟ هل فقد ولده هو الآخر؟
آآآآآآآآآآآآه. خرجت من جوفه تلك الكلمة وكأنها تذبح روحه. لم يستطع عبد الرحمن أن يتابع ما يحدث من شدة ألمه ليس على أسمهان فقط ولكن أيضاً على ولده الوحيد. فهو عندما علم بطفله في ذات اللحظة علم بفقدانه. ولكن من يلوم؟ وابنه المخطئ ولكنه هو الآخر يحمل من الوزر ما يثقله. تركهم وجلس على المقعد وهو يضع وجهه بين كفيه. بينما مازال إحسان على وضعه من الصدمة. أما أسمهان فتمالكت دموعها وقالت من بين حشرجة صوتها: "هتقدر على الشرط يا دكتور ولا أطلقك وأرتاح؟"
تركته أسمهان وخرجت من الباب وهي تحاول أن تلملم شتات نفسها. توجهت للخارج وجدت السيارة أمامها. ركبت السيارة واتجهت إلى الفندق المقيم به دكتور أرمان حتى تبدأ عملها. فهي لن تتراجع عما بدأت فيه وستكمل طريقها حتى النهاية.
أما عند عبد الرحمن وإحسان، فلم يتغير. فإحسان واقف مكانه حتى أنه لم يلاحظ نزول أسمهان. فهو كل ما يدركه الآن أنه كان سبباً في فقدان أسمهان لجنينها. وجد من يربت على كتفيه بهدوء وكأنه يوقظه من تفكيره. اتجه بناظريه إلى والده والدموع مازالت تجري من عينيه وقال: "هو أنا كده خلاص خسرت كل حاجة؟"
أخذه والده بين ذراعيه وشدد من احتضانه. عندها ترك إحسان العنان لنفسه وأصبح يقول وكأنه يهذي: "والله أنا بس كنت عايز أحقق مستقبلي. مكنتش عايز حاجة تانية. أنا كنت أناني عارف بس والله أنا حبيتها ومراحتش من بالي لحظة واحدة بس خفت يابابا والله خفت أرجع أكون خسرتها وتكون اتجوزت بعد ما طلبت منك تطلقها."
أخذ يصيح ويقول: "ياريتني رجعت مكنتش خسرتها ولا خسرت ابني يابابا. أنا بموت والله بموووووت."
أجابه عبد الرحمن وسط صوته المخنوق بالدموع وقال: "قلتلك محدش هيندم غيرك مصدقتنيش."
"أيوه أنا ندمت والله ندمت." ثم انتصب مرة واحدة من أحضان أبيه وقال من بين دموعه: "بس لا برده مش هسيبها. أسمهان مراتى وهحاول أعملها اللي هي عايزاه لغاية ما ترجعلي. وهسيبها براحتها والأيام هتداوي اللي بينا. لكن طلاق مش هطلق."
لو كان يعلم الإنسان أنه من الممكن أن يقبل شيئاً رفضه بشدة قبل ذلك، فلن يعترض أبداً على أي شيء بل سيقول كل شيء بمشيئة الله.
كانت نورين تجلس بغرفتها. فهي في عطلة ما قبل الامتحانات وقررت أن ترجع إلى بيتها لتذاكر وهي بجوار أخيها التوأم نور والتي افتقدته بشدة رغم كلامهم يومياً على الهاتف. كما اشتاقت أيضاً لأسرتها جميعاً. نهضت من على مكتبها وذهبت لنور. دقت الباب عليه: "ممكن أدخل ولا لا؟"
ضحك نور بشدة وقال: "ليه؟ هو إنتي لسه مدخلتيش ولا إيه؟"
إبتسمت نورين وقالت: "تصدق إني دخلت. طب إيه أنا هعمل نسكافيه أعملك معايا؟"
ضحك بإمتنان وقال: "ياريت أصل هندسة ميكانيكا دي طلعت رخمة قوي الصراحة."
ضحكت بشدة وقالت: "تستاهل مش إنت اللي اخترتها. يلا بقى هروح أعمل النسكافيه وكمل مذاكرة يابشمهندس."
رن جرس المنزل أثناء حديثهم فقالت له: "هروح أشوف مين يمكن تكون ماما رجعت من السوق."
ذهبت بعد أن ارتدت إسدالها تحسباً. فتحت الباب فوجدت أمامها آخر شخص تتمنى أن تراه. ليس لأنها تكرهه ولكن لأن قلبها ينبض عند رؤياه وهذا مالا تريده أن يحدث. أما هو فحدث ولا حرج. فكان كالصنم لا يتحرك وعيناه مركزة على من فتحت له. يا الله كم اشتاقها. فهو حقاً كان لا يريد أن يجتمع بها في مكان واحد حتى لا يفتضح وأيضاً كان يريد أن يكون على قدر المسؤولية وألا يكون فقط علاء المستهتر الضائع.
أجلّ صوته وقال: "إحم، إزيك يانورين عاملة إيه؟"
خرجت هي الأخرى من صدمتها وقالت بصوت منخفض: "الحمد لله كويسة. نور هنا لو سمحت ممكن تناديه؟"
نظرت إليه نورين بإستغراب وقالت: "نور وإنت من إمتى ليك علاقة بنور؟"
نظر إليها بحزن فهو فهم خوفها على أخيها منه اعتقاداً أنه مازال كما هو. رد بحزن وقال: "لو سمحتي نادي نور وبعد كده ابقي اسأليه."
نظرت إليه بشدة وكأنها تريد أن تفهم ثم قالت: "طب اتفضل. أنا كده كده كنت هعمل نسكافيه تعالى ادخل وهعملك معانا."
إبتسم بفرحة وقال بجد: "إنتي اللي هتعمليه؟"
إرتبكت قليلاً وقالت: "آه ما أنا كده كده هعمل يعني فـ اتنين بقى ولا تلات كوبيات مش فارقة."
دخل ورائها وقال: "طبعاً ده حتى لو نص كوباية مدام منك فأنا موافق."
إرتفعت دقات قلبها بشدة وفرت من أمامه حتى لا يلاحظ عليها شيئاً. نادت على نور وذهبت تجاه المطبخ. صنعت النسكافيه ثم أخذته إليهم. إستأذنت منهم وأخذت كوبها وذهبت تجاه غرفتها ولكنها فوجئت به يقول بلهفة: "متشربيها معانا هنا حتى تسمعي إيه اللي أنا عايزه من نور."
رغم أنها كانت تريد ذلك وبشدة الا أنها أبت الجلوس حتى لا تنظر إليه أو تتعلق به أكثر فيكفيها ما يحدث. ردت عليه بهدوء وقالت: "لا معلش أصل عندي مذاكرة كتير لازم أخلصها."
دخلت تحت أنظاره الحزينة المشتاقة إليها. أنهى كلامه مع نور وخرج من المنزل. خرجت نورين بسرعة من غرفتها ثم أمسكت يد أخيها وقالت: "قولي بقى كان عايزك في إيه سي علاء ده. اوعى يانور اوعى تمشي في سكة عشان خاطري بلاش."
ضحك نور بشدة وقال: "إنتي هبلة يابنتي والله. أصلك مشوفتيش علاء بقالك أكتر من سنة."
نظرت إليه وقالت بإستفسار: "طب والسنة دي يعني هتعمل إيه؟"
ضربها على رأسها بخفة وقال: "أصلك معذورة. بصي يا ستي علاء اللي إنتي شوفتيه دلوقتي غير علاء اللي كان قبل كده. أولاً ساب أصحابه اللي كان ماشي معاهم من زمان والتزم في الصلاة يمكن أكتر مني لدرجة إن هو اللي بيصحيني للفجر."
فتحت عينيها من الصدمة وقالت بخفوت: "علاء معقول علاء اتغير كده؟"
أكمل نور وقال بثقة: "مش كده وبس دا مسك الأجنص بتاع عمو إبراهيم ودلوقتي يا ستي كان جايلى عشان عايز يفتح زي نظام مكتب كده يبقى خاص بالعربيات من أول التصليح لكل شيء وده طبعاً جنب شغله في الأجنص. أصل مقولكيش بقى جد جداً في شغله وفوق ده وده كل الناس اللي شغالين معاه بيحبوه."
سألته بهدوء: "طب وإيه اللي غيره كده وفوق ده هو عايز منك إنت إيه؟"
ضحك نور وقال: "عايز مني إيه؟ فأنتي شكلك مش مركزة. إنتي ناسيه إني هندسة ميكانيكا يعني ده صميم شغلي فهو عايزني في الإجازة انزل أمسك معاه المكتب وأهو بالمرة يبقى تدريب ليا. أما بقى إيه اللي غيره فعلمي علمك بس تقريباً كده الموضوع فيه واحدة."
شعرت بألم يغزو قلبها وقالت بتلعثم: "ووواحدة واحدة مين وايه اللي عرفك؟"
اقترب منها وكأنه يقول سر حربي وقال: "أصل مرة روحتله شغله لقيته في أوضة كده دخلت عليه لقيته بيصلي وسمعته وهو بيدعي وبيقول يارب غير فكرتها عني واجعلها من نصيبي." ثم أكمل: "سبحان الذي يغير ولا يتغير. ربنا يهديه كمان وكمان. وغير كده أنا طول عمري بعز علاء رغم صفاته الوحشة كنت دايماً شايف إن جواه خير بس عايز حد يطلعه."
ذهب كل واحد إلى غرفته لإكمال مذاكرتهما ولكن عقلها وقلبها أيضاً مشغول بما حدث مع علاء ومن تكون تلك الفتاة التي غيرته والأكثر من ذلك لما تشعر هي بالحزن كونه مرتبط بأخرى؟ نفضت تلك الأفكار من رأسها وقالت: "يارب سهل الأمور ولو خير قربه مني ولو شر أبعده عني يااااارب."
عندما نمشي بدرب من دروب الحياة فيجب علينا إكمالها حتى نرى نتيجة ما فعلنا ولا نيأس مهما قابلنا من ضغوط الحياة.
ذهبت أسمهان إلى الفندق وتعرفت على دكتور أرمان والذي رغم أنه في العقد السادس من العمر إلا أنه وسيم جدا وجذاب جدا رغم جديته بالعمل ولكنه رغم ذلك ليس بالشخص الثقيل في المعاملة. تعرفت أيضاً على إستيوارت والذي كان يعرفها بالفعل. أخذتهم إلى المشفى المتفق عليها ليقابل المرضى ويدرس حالتهم هو وفريقه الطبي والذي عرفت أنه يوجد طبيبة ولكنها ستصل اليوم لأنها طرأت مشكلة بجواز سفرها.
كانت تترجم بطلاقة جميع اللقاءات بين الفريق الطبي وبين المرضى وأهلهم. حتى سأل دكتور أرمان عن إحسان وأين هو. لم تعرف لما شعرت بالخوف عليه أن يؤذيه لكونه غائب عن تلك اللقاءات.
وفي هذه الأثناء دق الباب ودخل من بالخارج فكان إحسان. لم تنظر إليه أسمهان وظلت تنظر في بعض الأوراق التي معها. وجدت من يجلس بجوارها على الأريكة فوجدته هو بعينه. نظرت إليه بغيظ وقالت: "قوم لو سمحت من هنا الكراسي على قفا من يشيل."
لم ينظر إليها بل ظل ينظر أمامه وقال: "وأنا مرتاح هنا ومش هقوم."
نكزته في جانبه وقالت من بين أسنانها: "روح ارتاح في أي حتة تانية بعيد عني."
عندها فقط نظر في عينيها وقال: "بس أنا راحتي في أي حتة إنتي فيها وأنا قررت إني خلاص تعبت ونويت أدور على راحتي اللي هي معاكي."
قررت النهوض من جواره ولكنها فوجئت به يقبض على يديها ويقول بهدوء: "اقعدي أحسنلك بدل ما اعرف الكل إنك مراتي وساعتها بقى هرزعك بوسة قدامهم وهم أجانب هيقعدوا يسقفولنا ومش بعيد يسيبولنا الأوضة كلها."
شهقت من كلماته الوقحة وقالت: "إنت قليل الأدب على فكرة."
رفع كتفيه بإستهزاء وقال: "مهو عادي إني أكون قليل الأدب مع مراتي."
نظرت إليه بغضب وقالت: "إنت إيه قاعدتك مع الأجانب علمتك قلة الحيا ولا إيه؟"
ضحك بألم وقال: "لا وحياتك علموني حاجات تانية كتير بس أكتر حاجة علمتهالي الغربة إنها متستهلش إني أبعد عن اللي بحبهم."
إختضب وجهها بالحمرة من الخجل ورغم ذلك قالت: "ياريت اللي اتكسر ينفع يتصلح. بس للأسف مينفعش."
كان سيرد عليها لولا دخول حمزة إلى الغرفة وهو مشرق الوجه لأنه سيرى أسمهان ولكن سرعان ما تغيرت تعابير وجهه للغضب عندما رآهم يجلسون بجوار بعضهم البعض. شعر به باسل والذي دخل وراءه. فأمسك بيده وقال بهدوء: "اهدأ كده وقول هديت متنساش إنه جوزها."
نظر إليهم بسماجة وقرر تجاهل إحسان وذهب تجاه أسمهان وقال: "إزيك دلوقتي مدام أسمهان."
ردت عليه بإقتضاب: "الحمد لله أحسن."
أراد حمزة أن يضايق إحسان فقال: "تصدقي أنا امبارح معرفتش أنام غير لما اطمنت عليكي وسمعت صوتك بالتليفون."
إرتبكت أسمهان وقالت: "كلك واجب يامستر حمزة. أنا الحمد لله أحسن دلوقتي وشكراً لاهتمامك."
نظر إليه إحسان وقال بغيره واضحة: "وإنت بقى بتطمن على كل الناس كده وأسمهان وبس." وتعمد أن يقول اسمها دون ألقاب.
فهم حمزة مغزى كلام إحسان وقال: "طبعاً مش كل الناس عندي مهمة زي مدام أسمهان."
وقف إحسان بغيره وغضب وقال: "يعني إيه بقى الكلام ده؟"
تراجع حمزة قليلاً وقال بمراوغة: "قصدي يعني إن أسمهان مفيش منها اتنين إنسانة محترمة وخلوقة وأي شخص يقرب منها لازم يعجب بشخصيتها."
وقفت أسمهان هي الأخرى وقالت بضيق: "لو سمحتوا إنتوا الاتنين احنا في مكان شغل وكمان ميصحش تسيبوا دكتور أرمان ده كله وهو قاعد بيتكلم مع دكتور استيوارت وانتو قاعدين تتناقروا مع بعض. وكلمة ياريت أخيرة ليكم انتوا الاتنين. أنا مفيش في دماغي حاجة غير شغلي وبس تمام وبس." ثم تركاهم وذهبت تجاه دكتور أرمان والذي ظلت تتكلم معه في شتى المواضيع.
توجه إحسان لحمزة وقال: "ياريت تبعد عن أسمهان سامعني ملكش دعوة بيها خااااالص."
سلط عليه حمزة نظرة بتحدي وقال: "وإن مبعدتش هتعمل إيه؟"
ضغط إحسان على أسنانه من الغضب وقال: "لو مبعدتش ساعتها أنا اللي هوقفك عند حدك."
أكمل حمزة إستفزازه رغم كلام باسل له وقال: "بمناسبة إيه يعني؟"
رد عليه إحسان بغضب: "بمناسبة إني جوزها."
ضحك حمزة بشدة وقال: "جوزها اللي سابها وسافر واول ما شفته اغمى عليها بدل ما تاخده في حضنها. ثم أكمل بخبث: "طب أزاااى يعني، دي شكلها مش بتطيقك. وعلى العموم أما نشوف هي هتختار مين فينا. اللي سابها وسافر ولا اللي ممكن يعملها اللي نفسها فيه ويعوضها عن كل شيء حصل لها معاك. سلام."
خرج حمزة وترك إحسان يغلي من الغيرة. فهو قالها صراحةً لن يترك زوجته. أي وقاحة تلك؟ ولكن هل من الممكن أن تختاره أسمهان؟ كيف ذلك؟ لا والف لا فهو لن يتركها أبداً مهما حدث.
كانت شهد هي وإيمان يجلسون بكافتريا الجامعة. فمنذ حادثة أحمد وشهد فقدت حسها الفكاهي خاصةً بعد موقف والدها. فبدلاً من مؤازرتها إلا أنه أصبح يثبت صواب نظريته ووجهة نظره.
ربتت إيمان على كفيها وقالت: "خلاص بقى ياشوشو مش متعودة عليكي نكد كده. فوقي كده وفرفشي وشيلي كلام باباكي من دماغك خااااالص وكمان إنتي عرفتيهم إن عمرك ما هتبعدي عنه صح ولا إيه."
أومأت برأسها بشدة. ضحكت إيمان وقالت: "خلاص براحة عارفين إنك مدلوقة عليه. بصي طول ما هو جنبك ميهمشك حد وكمان محدش ضامن عمره ودلوقتي الشباب بيموت وهو نايم. كل واحد وله عمره ومش كل الظباط بيموتوا يعني. مانتي عندك عمو عبد الرحمن اهو اتحال على المعاش ولسه عايش."
ردت شهد بهدوء: "أنا عارفة كل ده ومؤمنة بيه. بس متعرفيش هما مالهم، تفكيرهم غريييييب. يعني تعرفي انتي عارفة حنين بنت عمي لسه متجوزة مكملتش 5 سنين وجوزها مهندس ورغم كده مات من يومين في حادثة. قلت هيفوقوا ويقولوا دي أعمار ماهو مش ظابط اهو ومات، بس برده لقيت تفكيرهم زي ماهو. أنا تعبت والله تعبت."
وجدت من يمسك يدها ويقبلها ويقول: "ماعاش ولا كان اللي يتعبك ياست البنات كلهم."
وجدت أحمد أمامها وهو مبتسم بشدة. فرحت شهد وقالت: "رجعت إمتى؟"
جلس أحمد وقال: "أولاً إزيك يا إيمان وازاي دكتور رزق."
أجابت إيمان بهدوء وقالت: "الحمد لله، حمداً لله على السلامة."
رد عليها وهو نظره على شهد وقال: "الله يسلمك، أنا جيت على طول عليكي يعني حتى مروحتش لخالتك لسه."
إبتسمت شهد وقالت: "ربنا يخليك ليا يااااارب."
إبتسم بشدة وقال بترجى: "ويخليكي ليا بس وافقي بالله عليكي على اللي قولتهولك عليه. ماتقنعيها يا إيمان."
إيمان بإستفسار: "أقنعها بإيه بس."
أحمد بإستجداء: "إنها تخلص الترم ده ونتجوز كده كده خلاص مفضلش غير ترم وتتخرج."
ضحكت إيمان وقالت: "اللي يشوفك وانتي رافضه ميشوفكيش وانتي هتموتي وتتجوزي."
نظرت إليها شهد بتحذير وقالت: "إيماااان."
ضحك أحمد وقال: "من غير إيمان ماتقول حاجة أنا عارف إنك بتموتي فيا وهتموتي وتتجوزيني. إنتي مفكرة إني بقدم الجواز عشان خاطري أبسلوتلي ده عشان خاطرك إنتي." ثم غمز بعينه.
ضحكت إيمان بشدة عليهم بينما إغتاظت شهد وقالت: "بقى عشاني أنا؟ طب أنا ياسيدي مش عايزة."
وقبل أن تكمل وضع يده على فمها وقال: "والله مانتي مكملة. ياستي أنا اللي هاموت وأتجوزك بقى تعبت انتظار ارحمي أمي."
ضحكت شهد بثقة وقالت: "أيوه كده اتعدل."
تمنت لهم إيمان السعادة واستأذنت منهم للذهاب إلى دكتور رزق فهو ينتظرها بعد انتهاء محاضراته.
عند ذهابها وجدت رامز أمامها ولكنها لم تعيره انتباهاً. فسمعته يقول: "ياعيني مش عارفة إيه بيحصل من وراها. يلا خليها تعرف يمكن تفوق."
لم تفهم ما يرمي إليه بكلامه ولكنها ذهبت في طريقها إلى مكتب رزق والذي وجدته مفتوحاً قليلاً فدقت مرة واحدة وقالت بفرحة: "نحن هناااا." ولكنها صدمت مكانها مما رأت عندما رأت تلك الجنة قابعة بأحضان دكتور رزق.
رواية ونسيت أني زوجة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سلوى عليبة
عندما نصدم بحياتنا بأشخاص لم نتوقع منهم الصدمة، تكون حياتنا آيلة للسقوط كمنزل متهالك جاء له زلزال دون إرادة منه فانهار، ولكن رغم ذلك فيجب علينا ألا نهدم آمالنا، فلعل انهيارنا ما هو إلا بداية لحياة جديدة.
وقفت إيمان تنظر لذلك الثنائي وعقلها متوقف تمامًا عن العمل، ولكن نظرة سريعة هي ما جعلت عقلها يرجع من جديد، وهو أن رزق يده ممدودة بجانبه، فهو لا يضمها، إذا هي من تفعل ذلك وليس هو. لحظة واحدة ووجدته وكأنه استفاق هو الآخر من صدمته عندما شعر بها تكبله، فرفع يده ليبعدها عنه.
عند تلك اللحظة كانت هناك نمْرة شرسة قررت الانتقام ممن تريد هدم حياتها مع من تحب.
ذهبت إيمان بقوة إليهم وأمسكت جنة وسحبتها بعيدًا عن رزق، ثم هوت على صدغها بصفعة جعلت وجه جنة وكأنه سيُقتلع من مكانه. قالت بعصبية مفرطة:
"ده جزاء اللي ييجي جنب حاجة مش ملكه ومش بتاعته، انتي مفكرة لما أدخل ألاقيكي في حضنه هصرخ وأسيبك معاه وأمشي؟"
أكملت بقوة وهي تلوح لها بيدها أمام وجهها:
"لأ، يبقى متعرفنيش، أنا أيوه في حالي لكن أقدر أميز الشخص اللي قدامي كويس وعارفة رزق يعني إيه وممكن يعمل إيه وممكن ميعملش إيه، والأكيد يا شاطرة إنه عمره ما يبص لواحدة زيك مقضياها مع ده شوية ومع ده شوية."
"ومش بس كده، دا عشان أنا واثقة فيه لدرجة إني لو شفته معاكي في أوضة النوم برضه مش هصدق غير قلبي اللي بيقولي إنه عمره ما يخون، سامعة؟"
ذهب إليها رزق وهو مشفق عليها من الحالة التي بها وقال:
"إيمان، صدقيني أنا..."
وضعت يدها أمام فمه وقالت:
"من غير ما تكمل ولا تقول أي كلمة، أنا واثقة إنك متعملش حاجة زي دي."
ثم نظرت لجنه والتي لم تستفق من الصدمة بعد، ليس صدمة الصفعة وحسب، ولكن صدمة رد فعل إيمان، فهي لم تتوقع ذلك بالمرة.
قالت لها إيمان باشمئزاز:
"وياريت المرة الجاية تعرفي انتي بتلعبي على مين."
لم يرد رزق وترك إيمان تفعل ما تريد، فهو يعذرها تمامًا فيما تفعل. أما جنة فبدأت تنتبه لكلام إيمان، فقالت وهي مازالت تريد أن تزعزع ثقتها مستغلة عدم كلام رزق:
"انتي مين انتي عشان تقوليلي الكلام ده؟"
أكملت بخبث:
"إذا كان صاحب الشأن متكلمش، تقريبا كده كان عجبه الوضع ولا إيه يا دكتور؟"
نظر إليها رزق بغضب واحتقار وقال:
"لأ طبعًا، وانتي عارفة كده، وإذا كنت سايب إيمان هي اللي ترد عليكي فده لأني أخصها هي مش حد تاني، لكن ده مش ضعف مني، ودليل على كده إنك هتتقدمي لمجلس تأديبي، ويا ريت تطلعي بره مكتبي ومتعتبيش تاني ولا حتى تحضري ليا أي محاضرة بعد كده."
وقفت أمامه إيمان وقالت:
"ثواني بس يا دكتور رزق بعد إذنك، مش لما نعرف الأول مين قالها تعمل كده، ماهو لو راجل فعلًا كان واجه بنفسه مش اتدارى ورا بنت."
ارتبكت جنة وقالت:
"قصدك مين؟ أنا؟ محدش قالي أعمل حاجة."
ضحكت إيمان وقالت:
"هو أنا قلت مثلا إن رامز هو اللي مسلطك؟ لأ أبدًا، دا انتي اللي قولتي ولا إيه؟"
"أنا مقولتش." قالت جنة بثبات زائف.
"بجد؟ تمام، طب ياريت توريني تليفونك." قالت إيمان بثقة.
ارتبكت جنة أكثر تحت نظرات رزق المندهشة. أكملت إيمان وقالت بصوت عالٍ:
"هاتي تليفونك."
أمسكته إيمان رغماً عنها، وأمسكت إصبعها عنوة وقامت بفتحه، فوجدت رسالة من رامز مكتوب فيها:
"نفذي يلا، إيمان داخلة عليكوا."
رفعت الهاتف في وجه جنة المصدومة وقالت:
"مش ده برضه اللي حصل؟"
أمسك رزق الهاتف وقام بعمل صورة ذاتية للهاتف وأرسلها لنفسه وقال لها بغضب:
"أنا بعتها لنفسي عشان تكون دليل، لأني مش هسكت على اللي حصل، أنا حذرتك انتي والزفت التاني مرة واتنين وتلاتة ومفيش فايدة. المرة دي بقى هطلع على رئيس الجامعة وهقدمكم لمجلس تأديب، بس اللي عايز أعرفه انتوا عملتوا كده ليه؟ أفهم ليه؟ أذيتكم فيا أنا ولا إيمان؟"
شهقت جنة بشدة وقالت:
"أنا بحب رامز وهو وعدني بالجواز، بس هو بيموت على إيمان وهي مش مدياه ريق حلو، واللي غاظه بزيادة إنك خطبتها وهو معرفش يوصلها، عشان كده طلب مني إني أعمل كده معاك، فهي طبعًا هتسيبك ومش بعيد تفضحك في الجامعة."
أكملت وهي تشهق:
"بعد كده بقى هو هيقرب من إيمان ولما ياخد اللي هو عاوزه هيسيبها ويكسرها."
كانت إيمان تستمع إليها وهي غير مستوعبة لما تقوله، أمعقول أن يكون هناك من يفكر بمثل هذا الشر؟
أما رزق فكان سيجن من الغيرة من فكرة أن رامز كان يود الوصول لإيمان بأي شكل من الأشكال.
أمرها رزق بالانصراف متوعدًا إياها بأشد العقاب هي ورامز.
أما إيمان فمازالت بمكانها تبكي بصمت. وقف أمامها رزق وقال بهدوء وحزن:
"إيمان، حبيبي والله أنا معرفش إيه اللي حصل، أنا كنت واقف بطردها لأنها زودت في الكلام، فجأة عملت نفسها وقعت اترمت في حضني، وساعتها على طول إنتي دخلتي."
أمسك يدها وقبلها وقال:
"والله والله أنا مابحب غيرك ولا عايز في الدنيا دي كلها غيرك، انتي."
سحبت إيمان يدها بهدوء وقالت وصوتها مازال مختنقًا بالدموع:
"وأنا عارفة الكلام ده وواثقة فيك."
ثم أجهشت في البكاء وقالت:
"بس منكرش إني حاسة بناااار جوايا من فكرة إنها حسّت بحضنك قبلي، حتى لو كان غصب عنك، وحتى لو انت محستش بحاجة، بس أكيد هي لأ..."
لا يعرف ماذا يفعل، أيفرح لغيرتها عليه أم يحزن لحزنها على ما حدث؟
ضحك في وجهها بخفة وقال:
"ليكي عليا يا ستي هروح آخد دش بديتول من فوقي لتحتي وهدومي اللي كنت لابسها هرميها في الزبالة، بس انتي متزعليش بقى."
نظرت إليه بحزن رغم محاولته لإسعادها وقالت:
"ياريت تسيبني دلوقتي يا رزق، أنا مخنوقة بجد ومش مستحملة كلام، واحمد ربنا إني بثق فيك وكمان إني خدت بالي من رامز بعد ما مشيت وهو ماسك تليفونه وحسيت إنه بيبعت رسالة، وكويس إني ربطت الأمور ببعض. أنا ماشية وياريت تسيبني براحتي شوية."
أمسك يدها وقال بلهفة:
"أرجوكي يا إيمان متعمليش كده معايا."
سحبت يدها وقالت بدموع:
"أسفة بس غصب عني والله مش قادرة، حاسة إني بموت كل ما أفتكر المنظر."
ذهبت تحت ناظريه شديدي الاحمرار من كثرة الغضب، وقرر أن ينالهم أشد العقاب على كل دمعة نزلت من عين محبوبته.
عندما تمضي الأيام تحت ترقب من الآخرين على أن يحدث شيء معين حتى نحقق ما نريده نحن، فهناك من يقتنص الفرص حتى لو لم تكن ملكه. وهناك من يضيعها وهي بين يديه.
كانت أسمهان جالسة في كافيتريا المشفى، حيث أن الفريق الطبي بأكمله قد بدأ في إجراء العمليات منذ الصباح، وقد أتت أيضًا الطبيبة المتأخرة، ولكنه لم تلتق بها حتى الآن.
نظرت في ساعتها فوجدت أنه مازال متبقي من الوقت حوالي ساعة على أن ينتهوا، فقررت أن تقوم بمهاتفة نادر ورواء.
أمسكت هاتفها وطلبت الرقم وكانت بإنتظار الرد.
"ألوووووو، إزيك يا عروسة؟ عاملة إيه؟ مش ناويين تيجوا بقى ولا إيه؟"
"...... ...... "
ضحكت أسمهان وقالت:
"طب ياختي قولي لجوزك متخافش، خلاص أسمهان لبست في الوفد وانت هناك بتتفسح."
"...... ...... "
أجابت أسمهان بجدية:
"لأ أبدًا، أنا كويسة، متقلقيش، لما تيجي هبقى أحكيلك، المهم انتوا كويسين."
"...... ...... "
"نعممممم ياختي، عايزين تقعدوا كمان أسبوعين؟ وربنا هنفخكم، بصوا بقى انتوا آخركم يومين، أنا زهقت وربنا."
"...... ...... "
أجابت أسمهان بنزق:
"اضحكي ياختي اضحكي، انتي وراكِ إيه؟ بصي بقى قولي لسي نادر آخرك يومين وبعدها أنا هسيب الشغل، سامعاني؟ مش انتوا تتهنوا وأنا أقع هنا في المشاكل."
"...... ...... "
"مفيش يارواء، صدقيني، وحشتوني بس وحاسة إني ناقصني حاجة من غيركم، بجد وحشتوني، يلا بقى سلام وسلميلي على العريس الهربان مني ده."
أنهت أسمهان المكالمة وزفرت بشدة.
جاء النادل بكوب من عصير البرتقال الطازج.
نظرت إليه بدهشة وقالت:
"بس أنا مطلبتش برتقال، ممكن تكون غلطان في الطلب."
رد عليها النادل باحترام:
"لأ يا فندم مش غلطان، حمزة باشا هو اللي طلب مني أنزلهولك."
زفرت أسمهان بشدة، ولكن ليس للنادل أي ذنب، فأومأت بهدوء وقالت:
"تمام، تقدر تروح لشغلك."
وجدت من يجلس بجوارها وهو يقول بابتسامة شديدة:
"لقيتك قاعدة لوحدك فترة طويلة، قلت أطلبلك برتقال تهدّي بيه نفسك."
ابتسمت بحذر وقالت:
"شكراً لحضرتك مستر حمزة، بس إيه يعني هو حضرتك مباوركش حاجة غير المستشفى ولا إيه؟ اللي أعرفه إنها نشاط استثماري مش أكتر، لكن تركيزك كله في شركاتك."
أجابها وهو منصب بنظره على عينيها، حتى أنها أحست بالخجل الشديد، وزاد خجلها مما قال:
"أنا أكون في أي مكان انتي فيه يا أسمهان."
انتفضت أسمهان بشدة وقالت:
"حضرتك بتقول إيه؟ ياريت تحاذر في كلامك معايا، أنا مبحبش كده."
أجابها بخبث:
"مهو ده أكتر حاجة أنا بحبها فيكي، إنك بيور، مليكيش دعوة بلوع البنات ده خالص."
حذرته بإصبعها بغضب وقالت:
ياريت كلام حضرتك يبقى معايا بحدود بعد كده.
وقف حمزه هو الآخر وقال بتحدٍ سافر:
ليه.. تقدرى تقوليلى عشان إيه أكلمك بحدود؟
ضمت يديها الاثنتين لصدرها وقالت:
يمكن عشان متجوزة.
ضحك بشدة وقال:
قصدك دكتور إحسان؟
صُدمت من معرفته للأمر وقالت:
انت تعرف منين؟
اقترب منها وقال:
أنا أعرف كل حاجة عنك يا أسمهان مهما كانت صغيرة.
ارتبكت أسمهان وابتعدت عنه وقالت بتحذير:
لو سمحت يا مستر..
لم تكمل لأنه قال:
حمزه اسمي حمزه يا أسمهان ياريت تقوليها من غير ألقاب.
قالت أسمهان بقوة:
آسفة يا مستر حمزه، اللي بيني وبينك شغل وبس. وده ميسمحش إني أقولك باسمك كده بدون ألقاب. وأعتقد أنت كمان مش مسموح لك تناديني بدون ألقاب.
غضب حمزه وقال:
بأسألك كمان مرة ليه؟ عشان إيه؟ عشانه هو اللي سابك وسافر سنتين من غير ما يسأل عليكي؟ والا اللي كان سبب في إجهاض جنينك ودخلتي أوضة العمليات وطلعتي منها وبرده هو مش معاكي؟ يبقى لييييه؟ تقدري تقوليلي؟
شهقت بقوة لمعرفته بهذا الأمر، فلا أحد يعلم به حتى والديها. نزلت دموعها دون أن تشعر. شعر هو بالألم لأجلها.
قال لها بأسف:
أنا آسف صدقيني، آسف يا أسمهان. أنا غبي بس بلاش تعيطي. مش هقدر أشوف دموعك كده صدقيني.
نظرت إليه وقالت بصوت مخنوق:
عرفت منين؟
أجابها بحزن:
صدفة والله صدفة. إني عرفت إنك كنت عاملة العملية في مستشفى من المستشفيات بتاعتي. والدكتورة اللي عملتلك العملية كانت جاية هنا المستشفى لأننا كنا محتاجينها وشافتك ونادت عليكي بس أنتِ مسمعتيش. فسألتها تعرفك منين فحكتلي الموضوع كله.
أمسكت بحقيبة يدها وتركت المشفى تحت نظرات حمزه المشفقة عليها. فهو يعلم أنه ضغط عليها، ولكن كل السبل متاحة في الحب والحرب.
كان الفريق الطبي قد أنهى العمليات الخاصة به وخرجوا للاستراحة. أما إحسان فذهب كي يراها. سأل عليها وعرف أنها بكافيتيريا المشفى. وعندما ذهب وجدها تقف مع حمزه. وقف ولم يعرف ماذا يفعل. أمن حقه أن يذهب إليها ويأخذها من ذراعيها ويمشي ويضرب ذلك اللئيم؟ قرر بالفعل أنه لن يتركها، فيكفيه ما يشعر من غيره لوجودها معه. ولكن وجدها تهب مسرعة حتى أنها لم تنتبه إليه.
ذهب هو لحمزه وأمسكه من تلابيبه وقال:
برضه مش هتبطل قذارة. عايز إيه منها؟ قلتلك مراتى ومش هطلقها. سامعني؟
نظر إليه حمزه باستخفاف وقال:
ههههه متهيألك. قريب قوووي هتطلب الطلاق ومش بعيد تخلعك يا دكتور.
صرخ إحسان في وجهه وقال:
بعيينك ده يحصل. سامعني بعيينك. ولو حتى حصل أنا أقتلها وأقتل نفسي بعدها ولا إني أسيبها لواحد زيك.
أمسكه هو الآخر وقال:
لو أنت بتحبها سيبها تختار. مش كفاية سبتها وسافرت كمان؟ عايز تحجر على تفكيرها؟ أنت أناني قوووي يا دكتور.
تركه إحسان وخرج هو الآخر من المشفى بعد أن شعر بنيران الغضب والغيرة تأكل أحشائه.
ما أحلى اللقاء بعد طول الصبر والجفاء. ما أحلى الوصال بعد طول الحرمان.
كان نادر يجلس على البحر وبجواره رواء، والتي كانت شارده في مكالمة أسمهان. قبلها نادر من وجنتيها وقال:
حبيبتي مشغولة في إيه عني واحنا في شهر العسل؟
ابتسمت رواء بخفوت وقالت:
أسمهان يا نادر. حاساها في مشكلة أو فيه حاجة حصلتلها.
اندهش نادر وقال:
ليه بتقولي كده؟ حصل حاجة ولا إيه؟
أجابته رواء بتركيز وقالت:
لا بس كل مرة تتصل تقولي عيشوا حياتكم وانبسطوا وأنا بسد وراكم متخافوش وكلام من ده. بس المرة دي لقيتها بتسألني هتيجوا امتى وكده. ولما قولتلها إننا هنتأخر كمان أسبوع حسيتها كده إنها اتصدمت. ولما سألتها قالت بحزن كده حسّيته في صوتها أصلكم وحشتوني ومعرفش إيه. مش عارفة أنا متأكدة إن فيه حاجة.
اعتـدل نادر وقال:
قلقتيني فعلاً. طب إيه رأيك أنا هقوم أكلم خالي أكرم وأشوف فيه إيه.
ذهب نادر لكي يتحدث مع خاله أكرم. أما رواء فكانت تنظر للبحر وهي تدعو الله ألا يكون بأسمهان أي شيء. فهي تحبها بشدة ويكفي ما تمر به من وجع.
رجع نادر ووجهه مكفهـر من الغضب. جلس بجوارها وقال:
إنتي تعرفي اسم جوز أسمهان؟
نظرت إليه رواء وقالت:
هي قالتلي عليه بس مش فاكرة اسمه بالظبط يعني. سألته مباشرة وقالت ليه فيه إيه؟
زفر نادر بشدة وقال:
خالي قالي إن الوفد فيه دكتور مصري. وأول ما أسمهان شافته اغمى عليها. ولما سألته عن اسمه قالي اسمه دكتور إحسان عبد الرحمن.
قفزت رواء من على مقعدها وقالت:
أيوه هو ده اسمه. معنى كده إن أسمهان بتشتغل مع الوفد اللي فيه جوزها. يا حبيبتي يا أسمهان وأنا بقول صوتك ماله. ربنا يكون في عونها.
نظرت لنادر بترجّي وقالت:
نادر إحنا لازم نرجع. مينفعش نسيبها لوحدها.
وقف نادر هو الآخر وقال:
من غير ما تقولي طبعاً هنرجع. ربنا يعلم أنا بعز أسمهان إزاي وبعتبرها أختي. يلا بينا وهبقى أعوضك عن شهر العسل بشهرين تلاتة يا قمر انتي.
ابتسمت رواء بخجل وقالت:
طب يلا بينا وبطل كلام.
وصلت أسمهان إلى منزلها وهي تحاول ألا تنهار أكثر من ذلك. دخلت وحمدت الله أنه لا يوجد أحد بالمنزل. فلابد أن عبد الرحمن مع أصدقائه في النادي كعادته. والعم إلهامي ذهب إلى منزله اليوم وسيأتي بالصباح.
ذهبت إلى الحمام بعد أن أبدلت ملابسها وأخذت حماماً سريعاً علها تنسى ما حصل اليوم. جلست على سريرها وهي تفكر في كل شيء. لما يحدث معها هكذا؟ لما هي بالذات؟ ولكنها دائماً ما تحمد الله على ما بها. فيكمن الخير في الشر. فلولا ما حدث معها لما أكملت دراساتها ولما أصبحت ما عليه الآن. فهي تُطلب بالاسم رغم مدة عملها البسيطة وذلك لإتقانها لعملها وأيضاً ذكائها بجانب أخلاقها العالية.
سمعت طرقاً على الباب. فذهبت كي تفتح على أنه عمها عبد الرحمن وقد نسي مفاتيحه. فهو يفعلها كثيراً. لذا لم تهتم بأن تضع شيئاً على رأسها أو لتداري باقي جسدها. فهي كانت تلبس بيجامة برمودة ليست بالفضفاضة وأيضاً ليست بالضيقة المفسرة لجسدها بلون الموف الهادئ. وكان شعرها ما زال مبللاً. فكانت تخطف الأنفاس.
لو كانت تعلم من بالباب لما ذهبت لكي تفتح. أما هو فوقف لبرهة لا يقدر على الكلام. فها هي زوجته أمامه بهيئة تجعلك لا تريد المرور من أمامها. أما هي فدخلت بسرعة لكي تبحث عن إسدالها لكى تلبسه. وعندما وجدته في غرفتها وأمسكت به وجدت من يوجد خلفها وأنفاسه في عنقها وقال بصوت هادئ للغاية:
أنا جوزك على فكرة. وغير كده مش أول مرة أشوفك ولا إيه؟
شعرت أسمهان بضربات قلبها اللعين وهي تتسابق بينها وبين بعضها أيهم الأسرع. ارتبكت بشدة من قربه منها ولكنها قررت ألا تنصاع أبداً ولا تهتز.
استدارت ناحيته وليتها لم تفعل. فهي أصبحت أقرب إليه ووجهها أمام وجهه. ورغم ذلك استجمعت شتات نفسها وقالت:
لو أنت فاكر إنك لسه جوزي فأنا نسيت خلاص إني زوجة.
وكأنه لم يسمع شيئاً مما قالت. وكيف له أن يسمع وكل حواسه أصابها التشتت من بحر عينيها. أراد القرب وأرادت الابتعاد. ذهبت بعيداً عنه. وعند تلك اللحظة وكأنه استفاق مما هو فيه ومن تأثيره عليها. وفجأة أتى برأسه حمزه ووقوفها معه. كانت هي في ذلك الوقت ذاهبة تجاه الباب كي تخرج ولا تظل معه بغرفة واحدة.
ذهب إليها ونار غيرته هي من تقوده. أمسكها من معصمها وأدارها إليه بعنف حتى أنها ارتطمت بصدره. تأوهت بخفة وقالت بغضب:
مالك فيه إيه؟ أوعى كده سيبني أطلع.
أمسك وجهها بين يديه ونظر لعيـنيها وقال بغيرة مفرطة:
كنتي واقفة مع زفت حمزه ليييه؟ مش حذرتك منه؟
نظرت إليه بقوة وغضب وقالت:
أقولك كنت واقفة ليه؟ هاه؟ كنت واقفة عشان بيعايرني بيك. بيعايرني بجوزي اللي سابني سنتين من غير ما يفكر يسأل مرة واحدة. بيعايرني إني أجهضت طفلي لوحدي وجوزي مش معايا.
نظر إليها بصدمة. يعرف أن حمزه أعلن عليه الحرب لكي يصل إليها. ولكن لما يفعل معها ذلك؟ أما هي فانهارت وشدت نفسها بقوة من بين يديه وقالت وهي تضربه بقوة على صدره وكأنها تفرغ ما بها من ألم:
قالي إني أستاهل حد يحبني ويقدرني. حد يحسسني بقيمتي مش يمشي ويسيبني. قالي إنه بيحب كل حاجة فيا ومستعد يعمل أي حاجة عشانى. عرفت كان بيقولي إيه؟ ارتحت؟
نظر إليها بغضب وغيره جحيمية وقال:
وإنتي إزاي تسمحيله إنه يقولك كده؟ إزااااي؟ إنتي مراتي أنا.
ملكي أنا. بتاعتي أنا.
وقفت أمامه وقالت بقوة:
"مش أنا اللي سمحت بكده، انت اللي سمحت بده، مش أنا."
وقف بدهشة ينظر إليها وقال:
"أنا اللي سمحت؟ إزاي؟ أنا ماكنتش موجود. ولو كنت موجود كنت قتلته."
ضحكت بسخرية وقالت:
"سمحت بكده لما سبتني ومشيت. لما ما خلتنيش أقدر أدافع عنك، لأنك ببساطة ما عملتش معايا حاجة حلوة تخليني أدافع عنك. لما ما فكرتش فيا وانت راميّني. ده اللي خلاه يكلمني كده. عرفت مين السبب. وعلى العموم يا دكتور، أنا ما سمحتش إنه يكلمني بالطريقة دي وسيبته ومشيت. وده مش عشانك، لا سمح الله، لا، ده عشاني أنا وعشان تربيتي أنا وعشان عمي عبد الرحمن اللي فضله عليا مش هقدر أنكره. لكن انت خلاص مبقاش ليك عندي خاطر."
أدارت ظهرها إليه وقالت:
"يا ريت تتفضل بره الأوضة لأني محتاجة أنام شوية."
وجدت الصمت هو كل ما يحيط بها، فحسبته قد ترك الغرفة. ولكنها عندما استدارت وجدته، ولكن لم يكن ذلك إحسان. كانت ترى دموعًا في عينيه. وجدته يدنو منها ثم أخذها مرة واحدة بين أضلعه وهو يقبل رأسها ويقول:
"أنا آسف على كل كلمة وجعتك بيها وكنت أنا السبب."
"آسف على كل لحظة ألم مريتي بيها وأنا الملام الوحيد."
"والله بحبك وهفضل أحبك، بس اللي مش هقدر عليه إنك تكرهيني. بلاش يا أسمهان تكرهيني، هموت والله أموت لو حسيت كرهك ليا. وأنا ما بقولكيش كده عشان في النهاية أسيبك، لا. أنا يا أسمهان مش هسيبك، مقدرش والله مقدر. كل اللي أوعدك بيه إني هحاول أمسح أي حزن حصل معاكي عشان تسامحيني."
ثم قبل رأسها بقوة مرة أخرى وتركها وذهب بطريقه.
كان يجلس مجموعة من الشباب في شقة أحدهم وهم يدخنون السجائر الملفوفة كما يقولون، ويشربون ما حرم الله.
راغب: "أمال يعني قلت إن علاء جاي جاي، أمال هو فين؟"
نظر إليه سمير وهو يخرج دخان نرجيلته من فمه وأنفه:
"يا عم متخافش، أنا ما سبتوش غير لما أقنعته وزمانه جاي. انت عارف ميقدرش يبعد عن المزاج."
راغب بخبث:
"انت هتقولي؟ دا من يوم ما مشي والعملية مقشفرة، لكن هو الصراحة كان مشبّعها علينا."
رن جرس الباب وذهب راغب بفرحة خبيثة وفتح الباب وقال:
"أهلاً أهلاً، نورت يا علاء، فينك يا راجل من زمان."
رواية ونسيت أني زوجة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سلوى عليبة
تكون صداقتنا إما كبحر ماؤه أجاج عندما نروى به يموت النبات أو كماء عذب فرات نروى فيزدهر ويترعرع ويظلل علينا بالأغصان المورقة.
فتكون صداقتنا كظل نهرب به من زمهرير حياتنا.
ولا تكون كنار تحرق كل شئ جميل.
فحذاري ثم حذاري عند اختيار الصديق.
كان علاء يقف على الباب ولا يدري لما سمع كلام شيطانه وأتى.
ولكنه حقًا ظن أنه يستطيع أن يقاوم.
واه والف آه من كبر النفس وعجرفتها.
دخل عليهم وأصدقاؤه ينظرون لبعضهم البعض على نجاح مخططهم في استقطاب علاء مرة أخرى.
نظر إليه سمير بابتسامة كاذبة:
أهلاً أهلاً يا أبو الصحاب، وحشتنا ووحشتنا أيامك.
نظر إليه علاء وبداخله صوت يقول له لا تفعل وصوت آخر يقول سأجلس قليلاً وفقط ولن أشرب شيئًا.
جلس بجانب راغب وقال:
أهلاً بيكم، إيه يعني ملحقتش أوحشكوا، مانتو على طول بتتنطولي في شغلي.
غمز راغب بعينيه بلؤم وقال:
بس قاعدتنا دي مختلفة، يعني بزمتك موحشتكش السجارة المحشية دي ولا حجر الشيشة المغمس.
ثم قهقه بصوت عالٍ للغاية.
ابتلع علاء ريقه وقال بصوت مهزوز:
بصوا بقى أنا جاي أقعد معاكم شوية، لكن لو قعدتوا تقولولي أشرب إيه ومعرفش إيه همشي وأسيبكم، ماشي.
نظر سمير لراغب وقال بخبث ومكر:
خلاص يا راغب متتقلش عليه في الكلام، يمكن الحاج شده ولا حاجة ومش عايز يقول.
وقف علاء بغضب وقال:
بقولك إيه، أنا راجل ومفيش حد بيشدني حتى لو كان أبويا، بس الفكرة إني بطلت ومش عايز أرجع تاني.
ضحك راغب وقال:
وده من إمتى يا علاء، داحنا قولنا بقى إنك رجعتلنا وهنعيد الأمجاد تاني، بس على العموم براحتك خالص وكفاية إنك قاعد معانا ومأنسنا، ولا إيه يا سمير.
ابتسم سمير بخبث وقال:
آه طبعًا أوماال.
جلسوا جميعًا يتحاورون في كثير من المواضيع.
بينما سمير وراغب يشربون ما حرم الله وهم يتلذذون به تحت أنظار علاء وعقله الذي يراوده ويقول له: ماذا فيها إن أخذ مرة واحدة، فلن يحصل أي شيء حينها.
كان علاء يبتلع ريقه بشدة في كل مرة يرى من يقولون أنهم أصدقاؤه وهم ينتشون مما يشربون.
أراد أن يجرب هذا الإحساس ثانية ولما لا.
ضعفت قواه وقل إيمانه ولم يقو على الاختبار.
فمد يده إلى سمير وقال:
بقولك إيه، اديني الشيشة بس مرة واحدة بس.
غمز سمير راغب وهم يرون علاء وقد بدأ في طريق العودة إليهم.
وتلك المرة لن يتركوه أبدًا ولن يبتعدوا عنه حتى لا يبتعد هو.
وضع علاء مبسم النرجيلة على فمه لكي يسحب منها.
ولكنها فجأة وفي ومضة بسيطة جاءت صورة نوران أمامه وهي تنظر له بإشمئزاز لما يفعل.
قذف النرجيلة ووقف مرة واحدة وقال بصوت جهوري وكأنه يعنف نفسه أولاً قبل أصدقائه:
بصوا بقى القرف ده مش هرجعله تاني.
أنا بحمد.
بما كل يوم اني بعدت عنه وربنا هدانى ولو عايزين تفضلوا اصحابى يبقى تسيبكوا انتو كمان من القرف ده سامعين يا إما مش عايز أعرفكم خالص.
ثم ذهب بإتجاه باب الشقه وخرج بقوه وكأنه يهرب من شئ ما.
لو كانت قلوبنا بأيدينا لأصبحت حياتنا أفضل، وذلك لأننا سنوجهها كما نريد ولما نريد، ولكنها دايماً تروح لأشخاص لم يكن يوماً نفكر أن تكون قلوبنا ملكاً لهم.
كان إحسان يجلس في غرفته بالفندق، فاليوم العمليات بعد وقت الظهيرة، فلم يرد أن ينزل إلى الأسفل لكي لا يلتقي بها، هي مرهقة قلبه وعقله، ولكن فلتفعل ما تشاء فهي محقة فيما تفعل.
دخل عليه إستيوارت وهو مشفق عليه، ربت على كتفه وقال:
"مابك يا صاح؟ هل ستظل هكذا وحيداً شريداً؟ ألم ترجع لبلدك لكي ترجع لك حبيبتك والتي إلى الآن زوجتك؟"
إبتسم إحسان بحزن وقال:
"بلى رجعت، ولكني لم أكن أعلم أني حين خرجت من بلدي تركت ورائي زوجة وطفل مات بسبب عنادي وكبريائي اللعين."
أكمل بشرود:
"ظننت أنها لا تمثل لي شيئاً، ولم أكن أعلم أنها تمثل لي كل شيء، بل إني دونها ضائع ولا أجد لي مأوى غير بين يديها. أشتاقها وهي أمامي."
"آآآآآآه يا رجل من كم المرارة والألم الذي أشعر به، فكيف شعورها هي وأنا من تركتها ورائي ورحلت دون أن أنظر خلفي ودون أن أقيم اعتباراً لأي شيء آخر."
نظر إليه إستيوارت وقال:
"يا الله كم غريب هذا القلب، كانت بين يديك وتركتها طواعية، والآن تريدها بشدة بعد أن جرحتها وآلمتها، ولكن ماذا أقول غير أن عليك أن تحارب بشدة حتى تستعيدها، أم تريد ذلك السمج الآخر يأخذها منك؟ فزوجتك جميلة ومن يريدها ليس بخصم سهل."
إشتد احمرار عين إحسان من الغيرة والغضب وقال:
"من قال لك على ذلك السمج إستيوارت؟"
ضحك إستيوارت بشدة وقال:
"ويحك يا رجل، إن أذنيك تكاد تخرج منها النيران، وصدقاً فلم يقل لي أحد على هذا السمج، ولكني نظرت وفهمت نظرات الرجال وهو ينظر لها نظرة محب عاشق."
وقف إحسان وأخذ يذهب ويجيء وهو يتوعده بالقتل إن لم يتركها ويبتعد.
ذهب إلى باب الغرفة وقال:
"سأهبط للأسفل حتى أتكلم معها."
ضحك إستيوارت بلؤم وقال:
"نعم نعم، فأنت يجب عليك الهبوط حقاً، فهي تجلس مع بيانكا بمفردهم بعد صعود بروفيسور أرمان لحجرته."
صرخ إحسان وقال:
"ماذاااااا!"
هبط بسرعة وهو يدعو الله ألا تقول لها بيانكا شيئاً عن حبها لإحسان، فهي لم تفقد الأمل أبداً حتى بعد أن علمت بمدى عشقه لزوجته.
ظل يبحث عنها وسط الوجوه حتى وجدها تجلس مع بيانكا ويضحكون سوياً في المطعم التابع للفندق.
ذهب إليهم وسط فرحة بيانكا العارمة وشعور متضارب من قبل أسمهان بين خجل وغضب وألم، ولكنه أبداً لم يكن كره.
كان ذاهباً تجاههم وهو يبتسم ابتسامة واسعة صادقة لرؤيته أسمهان، رغم خوفه من بيانكا وكلامها معها.
كادت أن تتحدث بيانكا، ولكن ما فعله إحسان قد ألجمها، ليس هي فقط ولكن أسمهان أيضاً، فهو توجه لأسمهان وأخذها بين أحضانه وقبل وجنتيها وقال بصوت منخفض مشتاق:
"وحشتيني.. وحشتيني جداً."
لم تفهم بيانكا ما قاله، ولكنها غضبت وبشدة، فمن تلك التي يأخذها بأحضانها؟ ألم تكن تطلبها منه صراحة أنها تريد أن تشعر بطعم أحضانه ولو لمرة واحدة، فكان يرفض بحجة دينه ووفائه لزوجته.
أما أسمهان فكانت بعالم آخر، فهي لم تشعر بشيء مما حولها، فقط تشعر بارتياح غريب وهي بين أحضانه، اشتياق كامل لزوجها المبتعد عنها، كانت تريد ألا تخرج من بين يديه، ولا تعرف لماذا؟ هل لأنها تشعر بالخجل أم لأنها متلذذة بطعم أحضانه التي اشتاقتها كثيراً؟ لوهلة بسيطة استجمعت قواها وخرجت من بين أحضانه وقالت بحرج شديد وصوت مهزوز من خجلها:
"انت إيه اللي عملته ده؟ إزاي تعمل كده؟"
ضحك عليها بشدة وفرح كثيراً لكونه علم أنه ما زال يؤثر عليها، إذاً هي لا تكرهه وهو راضٍ تماماً عن تلك النتيجة حتى الآن. نظر إليها وقال بعبث:
"والله اللي أنا شايفه إنك كنتي مبسوطة."
ضحكت بسخافة وقالت:
"والله واللي أنا شايفاه إنك بقيت وقح."
ضحك بشدة وقال:
"واللي أنا شايفه برده إن بيانكا حتموت وتاخد حضن زيك."
نظرت له أسمهان بغيظ مكتوم وقالت بلا مبالاة عكس إحساسها بالغضب:
"والله وماله روح اديها وأنا إيه اللي يهمني في الموضوع."
نظر إليها إحسان بعدم تصديق وقال:
"ماشي براحتك، بس ساعتها بقا لو مطلعتنيش من حضنها متبقييش تتكلمي، أصلها بتموت فيا."
نظرت إليه أسمهان وقالت بغيظ:
"لا والله انشاله تموت انت وهي."
غمز بعينيه وقال:
"غيرانة ولا إيه؟"
تكلمت بحزن وقالت:
"لا بس متنساش إنها مراتي، ولا دي كمان هتنساها؟ والمفروض تحافظ حتى على كرامتي، ولا أقولك عادي مانت دست على كل حاجة قبل كده إشمعنى دي."
حزن إحسان بشدة عليها وقال لها:
"عندك حق، أنا دوست على حاجات كتير جداً، بس صدقيني أول حاجة دوست عليها هي قلبي أنا."
نظر إلى بيانكا الواقفة بجوارهم وهي لا تفهم أي شيء بالمرة، ولكنها تنصهر من الغضب والغيرة عليه.
أمسك إحسان بيد أسمهان دون رغبتها.
قبلها بشدة ثم قال موجهاً كلامه لبيانكا:
"أقدم لك عشقي وزوجتي أسمهان، أعتقد أنكِ قد تعرفتِ عليها بصفتها المترجمة الخاصة بنا، ولم تكوني تعلمين أنها زوجتي وحبيبتي."
بهتت بيانكا وقالت:
"ماذا تقول إحسان؟ ألم تقل لي أنك قد طلقت زوجتك وتركتها؟"
أجابها بسرعة عندما رأى نظرة الحزن على وجه أسمهان وقال:
"وأيضاً قلت لكِ أني ما زلت أعشقها وأني لن أكون مع امرأة غيرها مهما كانت فاتنة، وأنها هي فقط من ستكون معي لآخر عمري ولن أتخذ دونها بديلاً."
ابتلعت بيانكا ريقها وقالت بصوت مهزوز:
"حسناً حسناً، هنيئاً لكم العودة لبعضكم البعض."
ثم أمسكت بحقيبة يدها وخرجت مسرعة من المطعم متجهة إلى غرفتها وهي تبكي.
نظر إحسان إلى أسمهان ولسان حاله يقول:
"أصدقتني الآن؟"
جلست أسمهان بارتباك وقالت:
"الساعة دلوقتي 11 ونص والمفروض نروح على المستشفى على الساعة واحدة، ياريت ترن على بقيت الدكاترة عشان يستعدوا إننا نمشي."
جلس إحسان بجوارها وقال:
"مالك حاسة مضايقة ليه؟"
زفرت أسمهان وقالت:
"مفيش حاجة، ياريت تبلغهم خلينا نمشي لو سمحت."
وقفت واتجهت لخارج المطعم وذهبت إلى قاعة الاستقبال في الفندق وجلست على مقعد وثير بانتظارهم، ولسان حالها يقول:
"لما شعرتِ بالغضب عند معرفة أن بيانكا تحب إحسان؟ لا تعرف، ولكن عقلها يقول لها أنه سيتركها مرة أخرى ويذهب مع بيانكا، فهي طبيبة وجميلة جداً وتعشقه وسوف تساعده في تحقيق طموحه اللامتناهي."
زفرت بشدة وهي تصمم أكثر على طلب الطلاق منه، فهي لن تستطيع أن تعيش ما عاشته مرة أخرى.
تمر بنا الأيام ونحن نشتاق لمجرد الكلام مع من نحب، خاصة عندما يكون أمامنا وليس ببعيد.
ظلت إيمان غاضبة على رزق، لا تعرف لماذا، فهو لم يفعل شيئاً، ولكن إحساسها أن غيرها كان بين أحضانه يشعرها بنار تأكل قلبها. عندما أراد معها الكلام أكثر من مرة، فإنها ترفض بهدوء وتتركه.
غضبت منها شهد كثيراً، ولكنها لم تقتنع بغضبها، بل لامتها لكونها لا تشعر بما تشعر هي به.
جلست شهد أمامها وقالت:
"يلا بينا يا زفتة، عندنا محاضرة دكتور رزق، ولا مش ناوي تحضريها؟"
وقفت إيمان بغضب وقالت:
"طبعاً هحضرها، أمال إيه يعني؟ زعلي منه حاجة والمحاضرات حاجة تانية."
ضربت شهد كفاً على كف وقالت:
"آآآآه يا مثبت العقل والدين يا رب، يا بنتي هو عمل إيه؟ أموت وأعرف، ده حتى يومها على طول طلع على رئيس الجامعة وقدمهم لمجلس تأديب، عايزة إيه تاني يعني؟"
وقفت إيمان وقالت بشدة:
"ياسلام يا أختي، انتي شايفة إن مفيش حاجة حصلت؟ وست زفتة وهي في حضنه."
غضبت شهد وقالت:
"اديكِ قلتيها، هي اللي في حضنها مش هو."
قالت إيمان بغيرة:
"بقولك إيه؟ أنا كل ما أفتكر ببقى عايزة أولع فيه وربنا."
ضحكت شهد وقالت:
"يا بنتي ماهو ولع في هدوم اللي كان لابسها عشان خاطرك، لأ وصورهالك كمان عشان ترتاحي، وحلفلك إنه استحمام بديتول، يعملك إيه تاني؟"
ضحكت شهد بخفة وأكملت بغمزة وقالت:
"انتي عارفة يا بت يا إيمان إيه اللي هيريحك؟"
نظرت إليها إيمان بريبة وقالت:
"إيه يا أم العريف؟"
ضحكت شهد وقالت:
"إنك تروحي انتي وتحضنيه جامد."
قالت شهد هذا الكلام ثم أشرعت بالفرار من أمام إيمان والتي كادت أن تقتلها لما تفوهت به.
ظلت إيمان تتكلم بصوت منخفض وهي تقول:
"قال أحضنه قال، هبلة وكلامها أهبل وربنا."
وجدت من يقول من ورائها بصوت منخفض:
"لو هيتحضن ده يبقى أنا فأنا موافق جداً."
قفزت أمامها من الخوف فوجدته رزق يضحك بعد ما قال ما قاله. نظرت إليه شرزاً وقالت:
"تعرف تسكت أحسنلك، ولا لأ؟"
أغلق فمه بيده وكأنه يغلق سحاب على فمه.
أشار لها بيده بأن تمشي معه حتى المحاضرة.
مشت إيمان تحت غيظها من شهد ورزق، ولكنها تنهدت وقالت:
"بس ياترى هيبقى شكله إيه؟"
أجابها رزق بعبث:
"حلو والله، عايزة تجربى أنا موافق جداً."
لكزته في يده وقالت:
"على فكرة عيب على دكتور محترم زيك يقول الكلام ده."
ضحك بشدة وقال:
"والله أنا حالياً بكلم مراتي المستقبلية وخطيبتي وحبيبتي، مش بكلم طالبة عندي، فيه فرق حضرتك."
وقفت أمامه وقالت وهي تجز على أسنانها:
"هو انت عايز تكلم الطلبة بتوعك كده؟ دانا كنت موتُك وموتهم."
غمز بعينه وقال:
"أموت أنا في الشرير اللي بيغير يا ناس."
ابتسمت لدعابته وتغيره معها وقالت:
"على فكرة بقا انت اتأخرت على المحاضرة يا دكتور."
ضرب جبهته بيده وقال:
"روحي منك لله، نسيتيني نفسي وربنا، يلا يا أختي قدامي على المحاضرة يا أخرة صبري."
لم يكونوا قد تقدموا بعد، وجاءت طالبة من المدرج إليهم ثم توجهت بالكلام لرزق وقالت برقة متصنعة:
"دكتور رزق حضرتك نسيت المحاضرة ولا إيه؟"
إحنا مستنينك من بدري.
رفعت إيمان إحدى حاجبيها وهي تنظر لها، وهي تتحدث. أما رزق فقال بينه وبين نفسه:
"الله يرحمك، والله كنتي طالبة مجتهدة، مع إني معرفش اسمك."
نظر إلى إيمان وقال بابتسامة:
"اتفضلي، وأنا جاي وراكي على طول. وأسف على التأخير."
نظرت إليه إيمان بغيظ وقالت لتلك الطالبة:
"هو مش انتي برضه سمعتيه وهو بيقولك جاي؟ وكمان عايزة أكلم خطيبي في حاجة مهمة، ولا إيه؟"
ثم ابتسمت لها ابتسامة متكلفة. ارتبكت الطالبة وذهبت من أمامهم وهي تهرول من نظرات إيمان. فالجميع قد علم بما فعلته بجنة وضربها لها بالقلم.
نظرت لرزق فوجدته يكتم ضحكته حتى احمر وجهه. صرخت به وقالت:
"إضحك، إضحك بدل ما يحصلك حاجة. انت تضحك وأنا أفرقع عادي."
ثم قلدتها وقالت:
"حضرتك نسيت المحاضرة يا دكتور رزق."
ضحك رزق وقال:
"بزمتك هي كانت بتتكلم كده يا شيخة؟ دي كانت بتتكلم برقة تهبل."
نظرت إيمان إليه بغيظ وقالت:
"لا والله. طب روح اشبع بيها يا دكتور."
ذهبت وتركته. أما هو فلحق بها وهو يضحك بشدة عليها. وعندما وصلت للمدرج وقفت ونظرت إليه وقالت:
"يلا يا دكتور اتفضل ادخل، وأنا جنبك عشان البنات اللي جوا تعرف إنك ملكية خاصة."
ابتسم لها وقال بفرحة من غيرتها:
"تحت أمر البرنسيس إيمان."
ثم أمسك يدها ودخل إلى القاعة أمام الجميع. فهي تمثل له كل شيء في حياته.
عندما يحتاج الإنسان لشخص قريب لكي يروي له آلامه، شخص يستمع فقط دون أن يبدي أي نصيحة، بل يصبح كالإسفنجة يمتص الألم وفقط دون أن يرجعه، عندها وفقط يبحث الإنسان إلى أقرب شخص إليه، أو إلى شخص غريب كليًا عنه.
كانت أسمهان تجلس داخل مقهى المستشفى كالعادة حتى ينتهي الفريق الطبي من العمليات المخصصة لهم في ذلك اليوم. وكانت ليست بالكثيرة، فهم عمليتان فقط. تمت واحدة بالفعل، وهم الآن في الثانية وعلى وشك الخروج.
رن هاتف أسمهان فوجدتها نورين أختها. تذكرت أن اليوم هو الخميس وأن نورين ستأتي إليها اليوم. كادت أن تجيبها بسعادة، ولكنها فجأة تذكرت إحسان وأنه من الممكن أن يأتي للمنزل، فماذا ستقول عندها؟
أجابتها وهي تدعو الله بداخلها أن تسافر هذا الأسبوع إلى منزلهم.
"ألو، أيوه يا حبيبتي عاملة إيه؟"
"أيوه طبعًا تنوريني، إخص عليكي مانتي عارفة إني بستنى لما تجيلي عشان نرغي مع بعض."
"خلاص ماشي، أنا ساعتين وأخلص، وكده كده أنا معايا عربية، هفوت عليكي وآخدك من قدام السكن. ماشي يا حبيبتي، يلا سلام."
أغلقت الهاتف وهي تزفر بشدة. ماذا تفعل في هذا الأمر؟
قررت أن تكلم إحسان وترجوه ألا يأتي في هذه الأيام، ولا تعلم أن إحسان سيستغل هذا الوضع لصالحه.
انتهت العمليات الجراحية وانتهى الفريق من متابعة المرضى، والتي كانت معهم أسمهان بالطبع تقوم بالترجمة بين البروفيسور وأهل المرضى.
أما بيانكا فكانت لا تتحدث إلى أسمهان مطلقًا رغم تقاربهم في الصباح. علمت حينها أسمهان أن بيانكا بالفعل عاشقة لزوجها. شعرت بالغيرة منها. نعم، الغيرة، حتى أن أسمهان نفسها نبذت هذا الشعور، ولكن ما باليد حيلة.
انتهوا من العمل. طلبت أسمهان أن تتكلم إلى إحسان. أخبرته بما تريده منه.
نظر إليها إحسان وقال:
"يعني انتي عايزاني مجيش البيت اليومين دول؟"
أومأت برأسها وقالت:
"ياريت. مش عايزة مشاكل مع أختي، خاصة يعني إنهم ميعرفوش بموضوعنا. هم مفكرين إنك مسافر وبتعتذر وبتكلمني والأمور بينا طبيعية، وكمان ميعرفوش بموضوع الحمل ده، فارجوك مش عايزة حد يعرف حاجة. وأنا هخترعلهم أي حاجة عشان نتطلق."
أمسك إحسان يدها بقوة وقال بغضب:
"طلاق مش مطلق يا أسمهان، سامعاني؟ وإياكي أسمعك تقولي كده تاني. أنا سايبك براحتك عشان عاذرك وعارف إن اللي عملته فيكي صعب، بس مش معنى كده إني هطلقك. وأنا بقولهالك أهو، هتقعدي سنة هتقعدي عشرة، فانتي ليا ومش لحد تاني، سامعة؟ إنتي مراتي أنا، وأنا مش هسيبك. أنا غلطت مرة ومش هعيد غلطي تاني."
تركها وذهب وهو غاضب، ولا يعرف أن هناك من سمع كلامهم وينوي أن يكون هذا الكلام لصالحه.
كانت أسمهان واقفة مكانها ولا تعرف ماذا تفعل. وما هذا الشعور بالفرح لكونه متمسك بها؟ فهي ترى ندمه داخل عينيه، ولكن مازال جرحها غائر ولم يلتئم بعد.
تنزل حبات المطر على الأرض لترويها وتخرج ما في بطنها من خيرات. كذلك الأمل نروي به حياتنا فنخرج أحسن ما فيها، لعلنا يومًا نصل إلى ما نريد.
رجعت أسمهان هي ونورين إلى منزل عبد الرحمن. كان في استقبالهم، مرحبا بنورين بشدة، فهو يحبها كثيرًا لمرحها وشبهها القريب جدًا لأسمهان.
دخلت أسمهان ونورين وقد أبدلوا ملابسهم وأخذوا حمامًا منعشًا.
كانت نورين ترتدي عباءة بيتية رقيقة بكم وعليها حجابها، لأنها ستجلس مع اللواء عبد الرحمن. أما أسمهان فكانت ترتدي كاش مايوه طويل وبربع كم وتترك لشعرها العنان.
قال عبد الرحمن:
"إيه يا أسمهان، مش هتاكلوا ولا إيه؟"
ضحكت أسمهان وقالت:
"أيوه طبعًا، دانا ميتة من الجوع. بس الأخت نورين نفسها في بيتزا، وأنا بصراحة مفييش دماغ أعملها، فطليتها وأنا جايه، وزمانها على وصول."
غضب عبد الرحمن وقال:
"يا بنتي عمك إلهامى عامل أكل كتير قبل ما يمشي."
قبلته أسمهان بحب وقالت:
"معلش بقى. وكمان متقلقش، إحنا سهرانين وهناكل تاني، ولا يهمك."
ضحك عبد الرحمن وقال:
"طب يا ستي، بالهنا والشفا."
رن جرس الباب، فقامت نورين لتفتح لكونها بكامل ملبسها.
وجدت إحسان أمامها فقالت بصدمة:
"إيه ده، أبيه إحسان. حضرتك جيت إمتى؟"
رواية ونسيت أني زوجة الفصل العشرون 20 - بقلم سلوى عليبة
كان إحسان يقف أمام الباب ويبدوا عليه الثبات، أما بداخله فهو لا يعرف رد فعل أسمهان على فعلته تلك. فالآن فقط يود أن يقتل استيوارت وباهر صديقيه، فعندما علموا ما قالته له أسمهان. طرأت هذه الفكرة لباهر وحثه على أن يستغل الفرصة. كان خائفًا جدًا، ليس من شيء محدد، ولكنه كان خائفًا من أسمهان أن تعند معه وترفض دخوله ولا يهمها ما قد يحصل وقد يكون.
وافق على خطتهم، فهي بالفعل تروقه جدًا، رغم أنه شخص كان ينحي العواطف جانبًا، إلا أنه قد غيرته الأيام والبعد، خاصة عندما لم يجد الأمان في أحضان عمله، بل وجد أن عمله يأخذ منه أكثر ما يعطيه.
استفاق على كلام نورين وهي تسأله:
"جيت إمتى يا أبيه وليه محدش بلغنا؟"
ابتسم لتلك الفتاة التي تشبه حبيبته بشدة، ولكن مهلاً ما كان اسمها. اللعنة عليك إحسان ماذا ستقول الآن. عندها تذكر كلام أسمهان وأن نورين أختها ستصل اليوم، فابتسم بإتساع وقال:
"أهلاً أهلاً إزيك يانورين عامله إيه؟"
أجابته بهدوء:
"الحمد لله."
وقف وهو يضحك وقال:
"إنتى مش ناويه تدخلينى ولا إيه؟"
ضربت على رأسها علامة لتذكرها لشيء وقالت:
"ياخبر أبيض أنا آسفة والله معلش من فرحتي برجوعك نسيت إنك واقف على الباب."
تنحت عن الطريق حتى يدخل هو تحت نظرات أسمهان المندهشة بشدة والتي تود أن تقتله. أما والده فينظر له بخبث، فهو مهما فعل فهو ابنه ويحفظه عن ظهر قلب ويعلم أن قسوته ما هي إلا رد فعل وليس فعل. فأصبح ذلك الشخص العملي الجاد، ولكن بداخله قلب يود أن يخترق ضلوعه فيخرج منه ويذهب لمن أراد.
ذهب إحسان إلى أسمهان وقبل وجنتيها وقال وهو يهمس بأذنها:
"إيه هتفضلي متنحة كده كتير ولا إيه؟ اتصرفي طبيعي، دانا حتى جوزك ولسه جاى من السفر."
تركها وذهب باتجاه الأريكة وجلس عليها وقال:
"إيه يا أسمهان أنا ميت من الجوع مش هتوكليني ولا إيه؟"
لو كانت النظرات تقتل لقتلته أسمهان بنظراتها.
شعرت نورين بوجود شيء غير صحيح، فأختها واقفة بهدوء قاتل وإحسان تشعر وكأنه يستعطف أسمهان بنظراته. وكيف لم تقل لها أسمهان شيئًا عن رجوعه.
أرادت نورين أن تعرف، خاصة وأنها عندما حاولت أن تستدرج أسمهان بالكلام عنه أثناء سفره، فكانت تراوغ في الحديث ولا تقول شيئًا.
وقفت نورين وقالت:
"زمان البيتزا هتوصل دلوقتي، ها تحب تاكل معانا بيتزا ولا حاجة تانية؟"
نظر إحسان لأسمهان بأسف وقال:
"اللي هتاكل منه أسمهان، أنا هاكل منه."
ضحكت نورين وقالت:
"ياسلام على الحب! بس مقولتليش انت برده جيت امتى؟"
عندئذ تكلمت أسمهان وهي تجلي صوتها حتى لا يقول مالا يرضيها:
"إحححم جه من يومين يانورين."
اندهشت نورين وقالت:
"بجد؟" ثم أكملت بخجل:
"طب مقولتيش ليا ليه؟ كنت روحت أو فضلت في السكن؟"
نظرت أسمهان إليه بحدة وقالت:
"اهو ده السبب إني مقولتلكيش، خفت أقولك تصممي تقعدي في السكن لوحدك، وكمان متقلقيش إحسان هيبات مع عمو عبد الرحمن وأنا هبات معاكي فوق في شقتي."
غضب كل من إحسان ونورين، ولكن كل له أسبابه. فإحسان كان يتمنى أن تكون معه بنفس الغرفة، أما نورين فكانت تشعر بالخجل كون أسمهان ستترك زوجها لكي تنام معها، وطبعًا لا تستطيع أن تبيت مع عبد الرحمن بمفردها، فهو حتى لو كان كبيرًا في السن، فهذا لا يجوز.
وقفت نورين وقالت بكسوف:
"بصي يا أسمهان ماهو مش معقول جوزك يبقى لسه راجع وإنتي تباتي معايا، مينفعش الصراحة."
تهللت أسارير إحسان بشدة. فنظرت إليه وقالت بغضب:
"لا متقلقيش خااالص، هو موافق مش كده؟"
نظر إليها بنصف عين وقال بغيظ:
"آه طبعًا، اللي يريحك."
دق الباب مرة أخرى، فأمسكت أسمهان بيد إحسان وقالت:
"روحي افتحي يانورين أكيد البيتزا جت والفلوس عندك في الشنطة، وأنا بس هقول لإحسان كلمة."
دخلت إلى حجرة إحسان القديمة والمقيمة بها هي حاليًا.
جلست على السرير بعصبية شديدة، وهو ظل واقفًا ينتظرها أن تتحدث. قالت مرة واحدة:
"أنا مش عارفة إنت لييييه غاوي تأذيني؟ أنا استحملت كتيييير عشان ميحسوش بحاجة وموجعهمش في بنتهم اللي جوزها قضى معاها يومين حلوين يحلل بيهم الجوازة وبعدين سابها وهرب."
طوى المسافة التي بينهم بخطوة واحدة، وقد قتلته كلامها. أمسكها من يديها الاثنتين وهو يهزها بشدة وقال بغضب:
"متقوليش كده ولا توصفي نفسك الوصف ده. إنتي مش حاجة رخيصة عشان أقضي معاها وقت وأسيبها لا. دا يمكن اللي حصل خلاني أعرف إن مفيش غيرك دخل قلبي. إنتي متوقعة إني محاولتش أقرب من ستات تانية؟ لا حاولت عشان أثبت لنفسي إنك متعنيش ليا شيء، بس مقدرتش والله مقدرت. مع إني كنت ممكن أكون كل يوم مع واحدة مختلفة عن التانية. بس الحب لا. الحب بيخلينا منعرفش نقرب غير من الشخص اللي إحنا بنحبه وبس، غير كده صعب. ساعتها بس عرفت قد إيه كنت غبي لما سبتك."
تركها وأعطاها ظهره كي لا ترى انكسار عينيه وهو يقول:
"عايزاني أعمل إيه؟ وأنا عمري ما عرفت يعني إيه حب. كل حياتي هات وخد. هات مجموع خد هدية. عايز أشتري حاجة طب أعمل قصادها حاجة. حتى جوازنا. عايز أسافر أكمل دراساتي العليا بره يبقى تتجوز."
صرخ بصوت عالٍ وقال:
"وافقت أيوه وافقت، عارفة ليه؟ لأني متعود على كده. كلكم بتقولولي إني غلطان، مفكرتوش أبداً إني ممكن يكون الغلط مش من عندي، الغلط على تربيتي مثلاً."
ثم أكمل بسخرية وهو يجلس بجوارها على السرير:
"ماهو مش ذنبي إني ولد وحيد ومش شرط كل ولد وحيد يبقى مدلل وبايظ. أمي جابتني بعد فترة، يعني المفروض أبقى حاجة تانية، بس لا. بابا كان بيعشقها، لكن هي لا، وكانت بتقولها لي دايماً: إنت نسخة من أبوك عشان كده مكنتش بتهتم بيا. وبابا شايفني ولد جيتله بعد صبر فمش عايزة يبوظ فطلع العسكرية بتاعته عليا. ورغم كده شايف حبه لماما وتجاهلها ليه، وفي النهاية قالتها لي صراحة كده: أنا خلفتك غصب عني."
نظرت إليه أسمهان بإشفاق.
فرد لها نظرتها بأخرى ساخرة وقال:
"على فكرة أنا مش عايز أصعب عليكي، أنا بس بعرفك إني حتى لو غلطت، فمش أنا الغلطان الوحيد. لا بابا كان غلطان لما ساومني على سفري، وأمي كانت غلطانة لما متعملتش معايا بحب. أنا مش ذنبي إنها اتجوزته وهي مش بتحبه. بس الحق يتقال إنه كان بيحاول بكل الطرق إنه يحببها فيه، بس معرفش، وفي النهاية عرفت إنها كانت بتحب واحد تاني. حلفت ساعتها إني مش هرهن قلبي تحت رحمة حد. كفاية حياتي اللي اتدمرت بسبب الحب الغلط. أبويا حب الست الغلط، وأمي حبت الراجل اللي مش من نصيبها، يعني برده حب غلط. عرفتي ليه بعدت؟"
صرخ وقال وعيناه شديدة الاحمرار:
"بعدت عشان خفت أقع في اللي أنا ببعد عنه. أقع في حبك وبعدين معرفش أسـيطر على نفسي. أيوه قضيت معاكي يومين حلوين، بس مش بمفهومك، لا بمفهوم إن دول أحلى أيام عمري. أكتر أيام كنت مبسوط ومرتاح فيهم. ورغم كده غبائي هو اللي حركنى عشان خفت أتعلق بيكي أكتر. بس رجعت بعد سنتين، أيوه، بس رجعت ندمان والله ندمان. أعمل إيه عشان تغفري وترجعي؟"
وقفت أسمهان وهي تحاول أن تتماسك وقالت:
"منكرش إن كلامك أثر فيا، بس مش معنى إنك مجروح يبقى تجرح غيرك. مش معنى إنك موجوع يبقى تدوس على اللي قدامك. طب ده إحساسك بسبب غلط اللي حواليك. ذنبي أنا إيه في ده كله؟ إنت خليتني أخاف أتعامل مع حد. أخاف أقرب من الناس. حتى أبويا وأمي بقيت بكذب عليهم. دخلت المستشفى لوحدي ونزلت ابني لوحدي، حتى مقدرتش أكلم أمي تكون جنبي عشان متعرفش باللي عملته. إنت وجعك في الأول مكنش باختيارك، بس للأسف لما وجعتني كان باختيارك انت. فأرجوك سيبني وشوف طريقك، لأن صعب نتقابل في طريق تاني."
وقف هو الآخر وقال بعصبية شديدة:
"وأنا بقولك يا أسمهان طلاق مش مطلق. إنتي مراتي حبيبتي بتاعتي، وإنتي كمان بتحبيني بس موجوعة، ودليل كده إنك لسه على ذمتي ورفضتي تشوهي صورتي قدام أهلك. وإذا كنت غبي مرة، فعمرى ما هكرر غلطي مرة تانية، ومش هسيبك ومش هبعد عنك. وعلى فكرة أنا خلاص هرجع أقعد هنا، ليه أقعد في الفندق وأنا شقتي موجودة، ومش هسيبك تنامي بعيد عني تاني."
تركتة وذهب بعد أن ألقى عليها ما أراد قوله. أما هي فكانت حقًا مشفقة عليه وتشعر بالفرحة لتمسكه بها بهذا الشكل، فكلامه صحيح، فهي لن تنكر أن قلبها ينبض بجواره، ولكنها صدقًا لن تسامح بسهولة.
كان علاء يجلس على كرسيه داخل مكتبه يفكر في نورين وكيف أنه لم يراها منذ مدة. فهو مشغول في مشروعه الذي افتتحه منذ مدة بمساعدة نور بن عمه. كان يود أن يهاتفها، ولكن صدقًا هو لا يريد أن يغضبها، ولكنه يشتاقها جدًا، فماذا عليه أن يفعل.
دخل عليه نور في ذلك الوقت وهو يقول:
"مالك سرحان في إيه؟ بنادي عليك من مدة وانت مش واخد بالك."
نظر إليه علاء وقال دون مقدمات:
"نور أنا بحب نورين وعايز أتجوزها."
بهت نور مما قاله علاء وظهرت على وجهه معالم الدهشة، فاعتقد علاء أن نور غاضب منه.
قال علاء بحزن:
"خلاص يانور أنا آسف إني قلت كده، وبصيت لنورين، أنا عارف إنها صعب توافق بيا، بس غصب عني. وغير كده أنا قولتلك لأني قربت منك وحسيت قد إيه إني كنت غبي في بعدي عنكم، فمحبتش إني أعمل حاجة من وراك أو يكون فيه مشاعر جوايا لأختك ومقولكش."
نظر إليه نور بحزن وقال:
"إخص عليك يا علاء، إنت مفكر إني زعلان عشان فكرت في اختي؟ لا طبعًا."
تهللت أسارير علاء وقال بجد:
"يعني إنت مش زعلان؟"
هز رأسه دليلاً على النفي وقال:
"لا طبعًا، لو علاء القديم، أنا مش كنت بس هزعل، لاااا أنا كنت موتك لو قربتلها حتى. لكن علاء اللي قدامي اللي أنا قربت منه بقالي أكتر من سنة وعرفته، لا طبعًا، دانا أتمنى وصدقني مش هلاقي لأختي أحسن منك، بس ااااا."
حثه علاء على الكلام وقال:
بس إيه يا نور!
تنحنح نور بتردد وخجل وقال:
بس يعنى مامتك مش هتوافق، انت عارف كويس هي مبتحبش حد فينا مش عارف ليه، وأنا مش عايز حد يجرح أختي أو يقربلها، معلش يعني حتى لو كانت مامتك دي مش بس أختي دي توأمى، فاهم يعني إيه...
زفر علاء وهو يقول بينه وبين نفسه:
دي هتفرح قوووى، ياريتك تعرف نواياها، كنت رفضت الجوازة كلها، بس أنا مش هسمح لحد إنه يأذيها، حتى لو كانت أمي...
ربت نور على كتفه وقال:
مالك؟ رحت فين؟
نظر إليه علاء وقال بثقة:
بص يانور، أنا عارف إن موافقة نورين صعبة، بس مش مستحيلة، وأنا عارف إنك هتساعدني. غير كده، أنا كمان عمري ما هخلي حد يجرح نورين، حتى لو كانت أمي نفسها. وأنا مش ناوي أقعد معاهم في نفس البيت، أنا هشتري ليا شقة مستقلة بعيد عنهم، وبرده مش هسيبهم، بس عشان حياتي تكون مستقرة.
نعم، فهو بداخله يعلم حتى لو وقف أمام والدته، فستنتهز فرصة نزوله إلى عمله وستفعل بنورين الأفاعيل. فهو حقاً لن يجاذف أبداً.
ضحك نور وقال:
خلاص، أنا لو عليا موافق، وربنا بقى يعينك عليها، دي عليها لسان قد شريط القطر، هههعههههههه.
ثم تذكر نور شيئاً وقال:
بس عمي هيوافق إنك تاخد شقة بعيد عنهم؟ دا عمي مشطبلك شقتك من زمان، هتقوله إيه؟
إبتسم علاء وقال بهدوء:
متقلقش من ناحية عمك، أنا لما هكلمه أكيد هيوافق، مش بعيد هو اللي يدورلي بنفسه على شقة. بس المهم عمي ممكن يوافق ولا لا؟
ابتسم نور وقال بهدوء:
صدقني ياعلاء، بابا حتى أيام ما كان يعني متزعلش مني، بايظ وكده.
أخفض علاء رأسه وقال:
مش زعلان، عادي.
أكمل نور وقال:
صدقني، رغم اللي كنت بتعمله، بس دايمًا بابا كان بيقول علاء طيب وجواه بذرة خير، بس عايز اللي يطلعها. وصدقني، بابا اللي شجعني إني أقرب منك. كان دايمًا بيقول فلوس أخويا حلال، وأكيد ابنه ربنا هيهديه في يوم من الأيام.
ربت على كتفه وقال:
فلو على عمك متقلقش، إنما القلق كله من نورين، ربنا يستر بقى.
تنهد علاء بقلق وقال:
إن شاء الله هيستر وهتوافق، ولو موافقتش...
نظر إليه نور بترقب فقال علاء:
لو موافقتش هفضل وراها لحد ما توافق بإذن الله. ولو حكمت هطفش كل العرسان اللي بيتقدمولها.
ضحك نور وقال:
من الناحية دي متقلقش، هي كده كده بتطفشهم، معرفش إزاي.
ما الحب إلا نبتة نرويها بالإهتمام فتعطينا حنانًا وطيبة.
كانت إيمان تجلس في الكافيتريا مع شهد.
بدأت إيمان بالكلام وقالت:
إيه ياشهد، نويتي على إيه؟
ردت عليها شهد بإستفسار:
في إيه؟
ردت إيمان بغيظ:
في موضوع جوازك يازفتة انتي وأحمد.
ظهرت علامات الحزن على شهد وقالت:
تصدقي إني كلمتهم إمبارح، تخيلي بابا كان رده إيه؟
نظرت إليها إيمان بإستفسار فأكملت شهد وقالت:
قالولي مش هنجهزك، لو عايزة تتجوزيه روحي اتجوزيه كده من غير جهاز.
اندهشت إيمان وقالت:
معقول؟ طب ليه كده؟ مش كان في الأول راضي ومبسوط وكان فيه اتفاق، إيه اللي غيره كده؟
ضحكت شهد بإستهزاء وقالت:
اللي غيره ياستي إن عمي اللي كان مقاطعنا اتصالح مع بابا.
قالت إيمان بهدوء:
وإيه المشكلة في كده؟ ماهم اتصالحوا بقالهم أكتر من 7 شهور.
نظرت اليها شهد وقالت:
بالظاااااابط، اهو ده اللي حصل. أنا ربطت الأمور ببعض. وليه موقفهم اتغير مرة واحدة؟ لغاية ما سألت ماما صراحة كده بيني وبينها، وقالتلي إن عمي قاله إن نفسه يجوزني لابنه، واهو يلقى زيتنا في دقيقنا. وكما وعد بابا إنه مش هيكلفه حااااجة خااالص، ده غير الشبكة والمهر واللي منه.
اندهشت إيمان وقالت:
بس باباكي مش محتاج.
تنهدت شهد بضيق وقالت:
أيوه، بس عمي أغنى مننا بمراحل، فطبعًا مش عايز يضيع الجوازة منه. طب وابنه إيه أخباره؟
أكملت شهد بهدوء:
ابنه مهندس ومحترم جدًا، ويمكن لو مكنتش بحب أحمد كنت وافقت عليه. بس حتى هو لما عرف إني مخطوبة، سألني وقولتله إني بحب أحمد من واحنا صغيرين ومش هقدر اتجوز غيره. الصراحة قالي: "وانتي أختي وهو جوز أختي، وربنا يهنيكم". ومن يومها مشفتوش. بس طبعًا بابا قلب عليا زي ما انتي شايفة.
سألتها إيمان بحزن:
طب ومامتك؟
ضحكت شهد بسخرية وقالت:
ماما سلبية، ملهاش كلمة قصاد كلمة بابا. بس أنا خلاص مش عارفة أقول لأحمد إيه. أقوله عشان اتجوزك مش هجيب قشاية؟ هدخل بيتك بفستان فرحي اللي انت برده اللي هتدفع تمنه.
بكت شهد بشدة. قامت إيمان وجلست بجوارها وأخذتها بأحضانها وقالت:
أحمد بيحبك ومش هيسيبك، ولو حتى روحتيله من غير شنطة هدومك برده هيفضل يحبك ياخايبة.
كان يقف خلفهم سمع كلامها بأكمله ولكنه لم يظهر لهم، فهو أراد أن يعرف وبشدة ما سر حزن حبيبته شهد، والآن قد عرف السبب. فهو أبداً لن يتركها وسيتمم زفافه بعد امتحانات الترم الأول وبسرعة.
ذهب إليهم وكأنه لم يصل إلا الآن. دخل بخفة دمه وقال:
خياااانة عظمى! بزمتك مش أنا أولى من إيمان؟ اخص عليكى، اخص! لا أنا زعلان.
ضحكت من بين دموعها وقالت:
إنت جيت إمتى؟
قال لها بحنان:
مالك بتعيطي لييه؟
نظرت إلى إيمان فقالت:
أبداً، أصل كان عندنا امتحان عملي وهي بتقول محلتش فيه.
ضحك بخفة يداري حزنه عليها وقال:
ياستي ما يغور الامتحان والدكاترة كمان لو هيزعلوكي.
شهقت إيمان وقالت:
بقه كده ياكابتن؟ بتقول على الدكاترة يغوروا؟ وانت عارف إن رزق من الدكاترة.
ضحكت شهد، أما أحمد فقال بحرج:
أوبس! لا أسف، يغوروا كل الدكاترة إلا دكتور رزق.
ضحكت إيمان وقالت:
أيوه كده! أوعى تدعي عليه تاني، ادعي على كل الكلية إلا هو.
جلس بجوارها فجأة وقال وهو ينظر لأحمد بإبتسامة:
تصدق أنا أول مرة أفرح إن حد دعى عليا عشان أسمع الكلام الحلو ده من إيمان.
ضحك أحمد وشهد، والتي تناست حزنها بدخول أحمد المبهج، والآن رزق. خجلت إيمان بشدة وقالت:
على فكرة يعني، أنا كنت بقوله كده بس عشان... عشان...
صمتت لم تكمل. فضحك رزق وقال بخفوت:
عشان بتموووتى فيا وخايفة عليا، مش كده؟
ردت عليه بسرعة وقالت:
لا طبعًا مش كده خاااااااص.
ضحك رزق بصوت عالٍ فقال أحمد:
ما تضحكنا معاك ياعم.
جلسوا جميعهم وطلب رزق وأحمد وجبات سريعة لهم وأخذها رزق من على باب الجامعة.
كانت جلسة جميلة بكل معانيها حتى قال رزق مرة واحدة:
بقولك إيه يا أحمد.
خير يادكتور.
ابتسم رزق وقال:
أنا بقولك يا أحمد من ساعتها، يبقى بلاش دكتور دي.
ابتسم أحمد وقال:
ماشي، خير يارزق. أنا بفكر أعمل كتب كتابي يوم فرحكم، إيه رأيك؟
صفقت شهد بفرح وقالت:
أيوه كده! أنا موافقة جداً.
نظرت اليه إيمان ببهتان وقالت:
ومين قال إني موافقة؟
نظر اليها رزق بسماجة وقال:
وأنا مباخدش رأيك على فكرة.
قللت له بغيظ:
ياسلام! خلاص ابقى اكتب كتابك على نفسك بقى.
ضحك رزق وقال:
ما ده اللي هيحصل، مش إنتي نفسي برده.
صمتت إيمان ولم تعرف بماذا ترد، غير أن وجهها أصبح مثل الطماطم من شدة الخجل.
غمز أحمد بعينيه وقال.
لعييب يا دكتورة. ثبتها بكلمة، هبقى آخد عندك دروس تقوية بقى.
ضحك الاثنان بشدة وقررا أن يلتقيا مرة أخرى لكي يرتبا الزفاف وكتب الكتاب بعد أن يأخذ موافقة عبد القادر والد آيمان.
لو كانت الجراح علا جها بأيدينا لنزعناها نزعًا من قلوبنا وأكملنا باقي أيامنا مع من نحب دون جراح، ولكن هيهات.
كانت أسمهان تجلس بضيق شديد، فهي لا تعلم ماذا تفعل، فهي حائرة وبشدة.
ظلت طوال فترة الطعام وهي بلا كلام. أقسمت نورين بينها وبين نفسها أنها ستحاول أن تعرف ما بها مهما كان الأمر.
استأذنت منهم بحجة تعبها وقامت لكي تستريح. ذهبت إلى شقتها ومعها نورين.
أما إحسان فكان يجلس وهو شارد ولا يعرف كيف يداوي جراحها.
جلس والده بجواره وقال: ناوي على إيه يا إحسان؟
نظر إليه إحسان وقال بسخرية: مش ملاحظ يا سيادة اللوا إنك أول مرة تسألني ناوي أعمل إيه من غير ما تطلب حاجة بالمقابل؟
غضب عبد الرحمن وقال: إيه اللي بتقوله ده يا ولد انت؟ إيه هي الغربة علمتك الجحود ولا إيه؟
قال إحسان له ما قاله لأسمهان مما جعل عبد الرحمن يشعر بالحزن وبشدة على ولده الوحيد، فهو لم يعرف أنه قد آذاه بهذا الشكل.
قال عبد الرحمن بحزن: عمري ما كنت أتوقع أن جواك كل ده وشايله لوحدك. وقف إحسان وقال بسخرية لاذعة: يمكن عشان ملقيتش حد قريب مني عشان يشيل معايا، حتى أبويا محاولش يعمل كده. ودلوقتي كلكم بتحاسبوني على إيه مش عارف.
انت أكتر واحد المفروض تتحاسب يا سيادة اللوا، لأن أنا تربيتك انت. كنت عارف إن أمي عمرها ما اهتمت بيا ورغم كده حبك ليها كان عاميك، وبدل ما تعوضي عن إهمالها، لاااا جيت وزودت عليا. وفي النهاية بتقولي إني جاحد.
للأسف الجحود ده انت اللي زرعته فيا لما عرفتني إن مفيش حاجة بتتعمل بدون مقابل. ولما لقيت نفسي حبيت خفت أبقى زيك فهربت، بس للأسف بعد ما سببت أكبر جرح لأكتر إنسانة نقية في حياتي.
تركه وذهب وهو يقول: تصبح على خير يا سيادة اللوا.
جلس عبد الرحمن وهو يحاسب نفسه، فهو فعلاً أخطأ في تربية ولده الوحيد وأبعده عنه وبشدة، حتى زواجه فهو المذنب الوحيد فيه.
عرف الآن لما كان يساعد أسمهان، فهو كان يشعر تجاهها بالذنب ولهذا كان يساعدها.
نهض من مكانه وهو قد أخذ قرارًا بداخله وهو أن يقرب بينهم ويحاول أن يصلح ما أفسده هو.
أما في الطابق الأعلى كانت تجلس أسمهان على سريرها وهي تفكر ماذا ستفعل.
دخلت عليها نورين وقالت: أسمهان فيكي إيه؟ أرجوكي احكيلي، مش أنا أختك برده.
بكت أسمهان بشدة وارتمت بأحضان أختها، والتي ظلت تربت على ظهرها حتى تهدأ.
أخيراً هدأت أسمهان وقررت إفراغ ما بداخل قلبها من هموم، علها تجد الراحة والسكينة.
قصت كل ما حدث منذ أول يوم بالزفاف حتى ما حدث منذ قليل.
كانت نورين تستمع لها وهي مذهولة من كثرة ما حدث مع أختها وهم لا يشعرون.
قالت نورين بغضب: أنا كنت حاسة كب ما أسألك عليه كنتي بتهربي بعينك وانتي بتجاوبي، بس هقول إيه.
زفرت بهدوء وقالت: بصي يا أسمهان، احسان رغم اللي عمله باين عليه الندم، وصراحة بعد كلامه اللي قاله لازم تعذريه.
غضبت أسمهان وقالت بعصبية: طب وكسرتي يا نورين وجرحي منه أعمل فيه إيه!
أمسكت نورين يدها وقالت: الأيام كفيلة إنها تداوي، وغير كده مبقولكيش ارجعي له دلوقتي، لا اقعدي وخذي وقتك، واللي انتي حكيتهولي محدش هيعرف بيه. بس أنا قصدي إنكم انتو الاتنين مجروحين، وصدقيني انتو الاتنين برده اللي هتداوا بعض.
جاء الصباح ولانعلم هل بخير أم بجراح، ولكننا سنمضي بحياتنا مهما كانت.
كان عبد القادر يجلس في عمله. دخل عليه الساعي وقال أن هناك من يريد رؤيته.
دخل حمزة وعلى وجهه نظرة خبث، فها هو قد جاء الوقت للتفريق بين أسمهان وإحسان، بل سيطلبها لنفسه. وقف عبد القادر بحيرة وقال: خير حضرتك طالب تشوفني، مين حضرتك؟
جلس حمزة وقال: أنا أبقى حمزة عبيد، رجل أعمال من القاهرة وجاي لحضرتك في موضوع خير إن شاء الله.
قال له عبد القادر بهدوء: اتفضل حضرتك أنا سامع.
قال حمزة بخبث: أنا طالب القرب منك في بنت حضرتك.
توقع عبد القادر أنه يتكلم عن نورين فقال: والله أنا معرفش عنك حاجة، وفي نفس الوقت البنت عندها امتحانات و...
رد حمزة بإندهاش: امتحانات إيه اللي أعرفه إن أسمهان مخلصة تعليمها وبتشتغل.
غضب عبد القادر وقال: أسمهان مين!!!!!!!!!!!!
رد حمزة: بنت حضرتك.
قال عبد القادر بعصبية: بس بنتي متجوزة.
أكمل حمزة وهو يدعي البراءة: إزاي، أصل اللي أعرفه إن جوزها سافر من أسبوع الفرح وطلب من باباه يطلقها، حتى أيامها فقدت جنينها، فأنا جاي لحضرتك على أساس أنها منفصلة، لأن جوزها بقاله أكتر من سنتين مبيسألش عنها حتى بتليفون، يبقى متجوزة إزاي حضرتك...!!!
لم يستوعب عبد القادر أيًا من كلام حمزة، حتى أنه لم يستطع الرد، فألجمته الصدمة. كل ما فعله أنه ترك مكتبه وقام من عليه وهو تائه ولا يعرف هل هذا الكلام صحيح أم لا.
أما حمزة فقال بإبتسامة خبيثة: سوري بقى يا دكتور عشان تعرف أنت بتتحدى مين. اهو غصب عنك دلوقتي هتطلقها. ثم ضحك ضحكة خبيثة.
لا يعرف الإنسان أين الخير أو أين الشر، ولكنه بالتأكيد هناك أشخاصا يتمثل فيهم الشر بأبهى صورة، فلا يهدأوا حتى يهدموا حياة الآخرين.
كانت أسمهان نائمة بين أحضان نورين، والتي ظلت تهدهد فيها كطفل صغير حتى هدأت ونامت.
دق جرس الباب بشدة. قامت نورين من جوارها ولبست إسدالها وهي تدعو الله أن يكون خير.
ذهبت لتفتح الباب وقالت بدهشة: بابا!!!!!