في اليوم التالي، كان رعد نائماً على الكنبة الطويلة في الصالة. بعدما تركها الليلة الماضية، لم يرضَ بدخول غرفته، احترم دموعها وغضبها منه وقرر أن يمنحها المساحة التي تحتاجها. استيقظ وهو يشعر بثقل في عينيه من قلة النوم، لأنه قضى الليل كله في التفكير بديما، وكيف يفهمها ويثبت لها أنه يحبها، وأن الرهان كان مجرد وسيلة لتكسب حبه لا ليلعب بها ويربح الرهان.
نظر إلى باب غرفة ديما، كان يريد الدخول للاطمئنان عليها، لكنه تذكر كلامها القاسي الذي قالته له بالأمس. أغمض عينيه بتعب وقام، متوجهاً نحو الحمام ليأخذ دشاً يفيق به.
أما ديما، فكانت في غرفتها، عيناها منتفختان من كثرة البكاء. بعدما نامت بالعافية، انهارت طوال الليل. عندما استيقظت، شعرت بوجع في رأسها من كثرة التفكير. قامت من السرير بتعب، وانتبهت أنها لا تزال بفستان الفرح. ابتسمت بسخرية على حالها، واتجهت نحو الدولاب، خرجت منه بيجامة بكم، لونها أسود. مسكت البيجامة بين يديها، وابتسمت بتوعد لرعد وقالت: "إن ما خليت حياتك سودا زي البيجامة دي، ميبقاش اسمي ديما". ودخلت الحمام.
بعد مدة، خرجت وسرحت شعرها، وقررت الخروج من الغرفة. بالتأكيد لن تحبس نفسها فيها حتى لا تراه. أول ما خرجت، لقت رعد جالساً في الصالة، يمسك فنجان قهوة يشربه. رفع عينيه عليها بعدما حس بها، ابتسم لها ابتسامة هادئة، ووقف بسرعة وقال: "صباح الخير". نظرت إليه ببرود، وقالت وهي تعدي بجانبه دون أن تتوقف، بسخرية: "خير!! وهييجي منين الخير". أغمض عينيه بصبر، محاولاً أن يهدي نفسه ولا يتعصب عليها. فتح
عينيه وقال لها بصوت دافئ: "الفطار جاهز، قومي علشان نفطر، أكيد جعانة". رفعت عينيها إليه وقالت بجفاف: "مش عايزة". بلع ريقه، وابتسم باصطناع. أما هي، فربعت يديها وهي تتأمل الجناح بعينيها، أو بالأصح، تهرب بعينيها منه. نظر إليها للحظات، وبعدها قال بصوت هادئ، يرجو: "ديما، أنا مش هضغط عليكي ولا هطلب منك تسامحيني بسرعة، بس كل اللي عايزة إنك تديني فرصة أثبت لك إني مكنتش بلعب بيكي".
برغم تأثرها بكلامه وحسها بصدقه، لكن عقلها كان يقاوم تصديقه، فردت بنبرة باردة، تحاول أن تخفي بها ارتباكها: "أنا اتخدعت مرة، ومش هعيد غلطي مرة تانية". ابتسم ابتسامة حزينة، وقال: "يبقي دوري إني أخليكي تتأكدي إني مستحيل أخدعك، حتى لو كرهتيني، عمري ما هأذيكي أو أخدعك".
سكتت لفترة، وعيناها على الطاولة التي أمامها. كانت تحاول أن تخفي رجفة مشاعرها. قلبها لم يكن مطاوعها على العناد، لكن عقلها متمسك بقراره، وأنها مستحيل توثق فيه أو تديله فرصة تانية. رعد حس بصراعها الداخلي، فقرب منها بهدوء، ومسك يديها وقال: "هي فرصة اللي محتاجها منك، فرصة واحدة بس أثبت لك فيها حبي، مش هتقدري تديهالي؟! رفعت عينيها إليه، وتوترة من قربه. ومع ذلك، حاولت أن تظهر جمودها،
وقالت ببرود: "لو اديتك فرصة ومقتنعتش بحبك ليا، هتعمل إيه؟! "بس أنا متأكد إني هقدر أثبت لك حبي، ومش هفشل أبداً". رد عليها بثقة كبيرة، وهو متأكد أنه سيقدر أن يجعلها تحبه، حتى لو نصف الحب الذي بداخله لها. ثقته أربكتها، فسألته بسخرية: "وإنت جايب الثقة دي منين؟! مال عليها وقال بمشاكسة: "من حبي ليكي".
مقدرتش تمنع ابتسامة صغيرة جداً إنها تطلع على شفايفها. ابتسامة قدرت تكسر الحاجز اللي بينه وبينها للحظة. حس بأمل لما شاف ابتسامتها، فقال بمكر: "اعتبر الابتسامة دي موافقة منك؟! زقته بعيد عنها لما حست بالخطر من قربه، وأنها بدأت تميل وتحن له، فقالت وهي بتجري على أوضتها: "إن شاء الله". ضحك على ردها وهروبها منه، وبعثر شعره بسعادة وقال: "المرة دي هتحبيني يعني هتحبيني، أصلاً مفيش بنت تقدر تقاوم رعد المنشاوي". ***
رزان جهزت شنطة هدومها، بعدما قالت للؤي يجهز نفسه، لأنهم سيسافرون اليوم. وقفت قدام مرايتها، وملامحها كانت حزينة. فابتسمت بسخرية على حالها. وفجأة، الباب انفتح بعنف. بصت ناحيته بخضة، ولقت أدهم، الذي عيونه تطلق شرار. خافت من شكله ودخوله عليها بالطريقة دي، وكانت لسه هتسأله ليه جه عندها. لقته قرب منها، ومسك ايديها وشدها ناحيته وقال برفض قاطع أنها تمشي وتسيبه: "مستحيل اخليكي تروحي، رجعي هدومك لمكانها، لأنك مش هتروحي لمكان".
كانت بتسمعه بصدمة، مكنتش فاهمة سبب رفضه لروحتها. ومع ذلك، حاولت تبعد إيده عنها وهي بتقول بخوف من حالته، اللي مبتبشرش بالخير: "بعِد أدهم شو بتعمل؟ إنت جنيت؟! قربها أكتر وقال بنبرة تملك، زادت صدمتها: "آيوًا اتجننت، بقيت مجنون فيكي، وبعدك عني فيه موت، وأنا بحب الحياة، عشان كده مش هسيبك تمشي، إنتِ هتفضلي هنا ومعايا طول العمر".
فتحت بقها من الصدمة، ومكنتش مصدقة إن اللي واقف قدامها دلوقتي هو نفسه أدهم، الشاب البارد اللي أول ما قابلته وهي مش بتطيقه، وكمان رده امبارح عليها البارد خلاها تتأكد إن الشاب ده بلا مشاعر. بس النهاردة، كل كلامه بيدل على حاجة واحدة بس، إنه بيحبها، بس إمتى وإزاي حبها؟
كان مركز في ملامحها المصدومة، فابتسم بخبث، وتبدل حاله من العصبية للمشاكسة، وده كله تحت أنظار رزان، اللي بتحاول تستوعب إيه اللي بيحصل في أدهم والدنيا. مال على ودنها وقالها بمكر ثعلب: "على فكرة، مفيش مشكلة لو البارد وقع في الحب. ويا سلام لو وقع في لبنانية. مع إن نص كلامك مبفهمهوش، بس متقلقيش، أنا هعرف إزاي أعدلك لسانك. اطمني يا روح الأدهم". قال كلامه بابتسامة واسعة. رفعت عينيها إليه بخجل من كلامه. حاوط
وشها بحب وقال بنبرة عاشقة: "عارف إنك مصدومة، بس أوعدك إني هفهمك إمتى وإزاي حبيتك". حرك عيونه ناحية شنطة هدومها وقال بثقة: "ملوش لازمة تاخدي شنطتك معاكي، كده كده إنتِ راجعة معايا". كلامه كان مبهم بالنسبة ليها، فسألته بجهل: "كيف رح أرجع معك؟ أنا ما عاد أفهم شي؟!
رفع حاجبه بمشاكسة وقال: "ما أنا ناوي أطلب إيدك من أبوكي وأطير زفت الطين اللي متقدملك، عشان كده هاخدك معايا ونروح لأبوكي، ومش لوحدنا. جدي هييجي معانا عشان يقنعه، زي ما هيقنع أبو رهف برجوعهم لبعض. بقولك إيه، أنا مستنيكي برا، إياكي تتأخري". قال كلامه وخرج برا الأوضة بسرعة، كإنه بيهرب من شبح، أو الأصح، من أسئلة رزان، اللي مكنتش فاهمة حاجة من اللي بيحصل، غير إن أدهم بيحبها. *** "إيه الجمال ده كله؟
معقول القمر ده ملكي أنا وبس". كانت جملة قالها علي، بعدما خرج من الحمام وشاف سلمي بتجهز نفسها قدام المرايا عشان هينزلوا. ابتسمت بخجل من كلامه، ومردتش عليه. أما هو، فقرب منها بعدما رمى الفوطة على السرير، ووقف وراها وحاوطها بإيديه بحب، وقال وسط خجلها الظاهر في المرايا: "أبوس إيدك، بلاش تظهري الفراولة اللي في خدودك دي، لأنها نقطة ضعفي".
في اللحظة دي، تمنت سلمي إنها تهرب من على، بسبب كلامه اللي بيربكها وبيزيد خجلها أضعاف. وهو كان مستمتع بخجلها ده. دفن وشه في شعرها، بيتنفسه بحب، وقال: "سلمي، معرفش أجبهالك إزاي، بس أنا مدمن". شهقت بصدمة، ولفّت له بسرعة، فحاوط وسطها باستغراب بسبب ردة فعلها وصدمتها الظاهرة على وشها، فسألها بقلق: "مالك يا سلمي؟ إنتِ كويسة؟! سألته بتقطع من صدمتها: "إنت.. إنت.. إنت مدمن يا علي؟!
رن صدى صوت ضحكاته في المكان، بسبب سؤالها الغبي بالنسبة ليه. كان شايفها في اللحظة دي أغبي بنت في الدنيا، لأنها مفهمتش قصده بكلامه. كان ماسك بطنه من الوجع بسبب كثرة الضحك. وهي كانت متابعاه بغيظ شديد، ومش عارفة سبب ضحكه ده. فكرت إنه من تأثير الزفت اللي بيشربه، وصدمتها فيه في الوقت ده كانت كبيرة جداً. قد إيه هي اتخدعت فيه! وقف ضحك لما لاحظ ملامحها المصدومة، فشدها لحضنه مرة تانية، وقال وهو بيحاول
يكتم ضحكته على غباءها: "سلمي حبيبتي، إنتِ فهمتي إيه من اللي قولتهولك؟ للدرجة دي مبتفهميش في الغزل والحب؟ بس عادي، من هنا ورايح أنا هعلمك". اتغاظت من تريقته عليها، وقالت بغضب: "إنت بتتريق عليا!! ". وبعدين قالت باستدراك عقيلة كونان الخطير: "آه، قول كده، إنت بتحاول تتوّهني عن الحقيقة، بس لأ يا علي، أنا مش هسكت إلا لما أعرف الحقيقة، وإزاي أدمنت؟ قولي حصل إمتى الكلام ده؟ وحد من العيلة يعرف؟!
أغمض عينيه بيأس من فهمها لكلامه. فتح عينيه وبصلها بغيظ، وقرر إنه يكمل في الكذبة دي عشان يثبتلها إنها غبية، وقال بحزن مصطنع: "الموضوع بدأ من سنتين، اتلميت على شلة زبالة بعيد عنك، بوظولي أخلاقي، حسبي الله ونعم الوكيل فيهم. أنا اتدمرت بسببهم. بس يا سلمي، إياكي تقولي لحد الحقيقة دي، لأني مش عايز أشوف نظرة الخذلان منهم. من هقدر أستحمل النظرة دي".
كانت بتسمع كلامه بحزن وشفقة عليه، وقررت إنها تساعده في مشكلته دي، لأن ده واجبه. دخلت في حضنه وسندت راسها على صدره، وقالت بإصرار على علاجه: "متقلقش يا علي، أنا هفضل جنبك طول العمر، وكمان هساعدك عشان تتعالج وتبعد عن الزفت اللي إنت بتشربه، وأوعدك إني مجبش سيرة لحد عن الموضوع ده". كان بيسمعها وهو كاتم ضحكته بالعافية، واتضحله إنها بالفعل أغبي بنت في الكون. بادلها الحضن، وقال بثبات ظاهري وهو بيحاول
يمنع ضحكته إنها تطلع: "شكراً يا سلمي، شكراً يا حبيبتي على وقوفك جنبي". "ده واجبي يا علي". خرجها من حضنه، وقالها بتذكر: "إحنا اتأخرنا على العيلة، لازم ننزل عشان ميقلقوش علينا". هزت راسها بموافقة، وهو مد إيده ومسك إيديها، وخدها ونزل للعيلة. ***
ديما جهزت نفسها، وكانت خارجة برا الجناح قبل ما رعد يشوفها. كانت عايزة تهرب منه بعدما ادتله فرصة إنه يثبتلها حبه. فمن خجلها، كانت عايزة تنزل قبله، لكن مش كل حاجة بيتمناها الإنسان بتتحقق. رعد كان واقف وساند على الحيطة، ومربع إيده، ومتابع هروبها باستمتاع. وقبل ما تفتح الباب، قالها بخبث: "مفكرة إنك هتعرفي تهربي مني؟! اتخضت من صوته، وغمضت عينيها بغيظ لأنه شافه. لفت له، وقالتله ببرود مصطنع: "واهـرب منك ليه؟
أنا عايزة أنزل ماما وبابا وحشوني أوي". رفع حاجبه بسخرية وقال: "على أساس إحنا في المالديف عشان يوحشوكي؟ ما إحنا في نفس البيت. وكمان مبقالكيش كتير متجوزة على حسب علمي، مكملتيش ٢٤ ساعة كاملين يا مراتي". ردوده بتستفزها، فمحستش بنفسها إلا وهي بتزعقله بغيظ شديد: "رعددددد! متجننيش! ضحك على عصبيتها، وقرب منها، مسك إيديها بإحكام، وقال بجمود مزيف عشان
تخاف منه ومتعارضش كلامه: "اسمعك مرة تانية بتزعقي في وشي، ووقتها شوفي هعمل فيكي إيه. ويلا قدامي يا نين عين ماما، خلينا ننزل عشان تشوفي عيلتك حبيبتك". كانت بتتنفس بسرعة عشان تهدي نفسها ومتتهورش وتضربه. وهو كمل كلامه وقال: "وحسك عينك تعملي تصرف كده ولا كده يخليهم يحسوا إن فيه مشكلة بينا، وإلا وقتها... كمل كلامه بغيظ: "هشوف هتعمل فيا إيه. حفظت؟ خلينا ننزل بقى". منع ابتسامته إنها تظهر عشان يحافظ على جموده،
وقال: "يلا يا آخرة صبري". *** كان قاعد على الكنبة قدام أوضتها، وعيونه على الباب، مستنيها تخرج. برغم كلامه اللي قالهولها امبارح وتهديده ليها إنه هيعيشها أيام سودا، بس قلبه الغبي ميقدرش يعمل كده. قلبه اللي حبها ميقدرش يشوفها بتتعذب. بس عادي، ليه إنه يتعذب بسببها؟ لقى نفسه قام وقف، وتوجه ناحية الأوضة عشان يشوفها صحيت ولا لأ. عايز يتطمن عليها بعد رفضها ليه بكل قسوة. فتح الباب ودخل. لقاها نايمة ومنكمشة على نفسها.
لما قرب منها، لاحظ ارتعاش جسمها، فخاف عليها ونادى اسمها بقلق: "عليا.. عليا.. إنتِ كويسة؟! ملقاش منها استجابة، فزاد خوفه عليها. حط إيده على جبينها، ولقى حرارتها مرتفعة. بعد إيده عنها وهو مش عارف يتصرف إزاي. ملقاش حل غير إنه يعملها كمادات، لأنه استبعد فكرة استدعاء دكتور يتطمن عليها، عشان الموضوع ما يوصلش للعيلة.
خرج من الأوضة، وبعد دقايق رجع تاني وهو ماسك طبق فيه مياه، وفي إيده التانية فوطة صغيرة بيضا ونضيفة. حط الطبق على الطاولة اللي جنب السرير، وجاب كرسي وحطه جنبها وقعد عليه، وبدأ يعملها كمادات، والقلق باين في قلبه عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!