اغمض حسام عينيه وهو يتذكر كل ذكرياته التي يحاول نسيانها. ليخرج صوته مهزوزًا حزينًا: أمي قتلت أبي. فتحت ورد عينيها على آخرها بذهول، تحاول استيعاب ما قاله. ليكمل هو بضعف: قاتلته هي وعشيقها أمام عيني. لتضع ورد يدها على فمها تكتم صرختها الفزعة، وتكشر حاجبيها بزعر، لتهتف بتعجب: ده بجد؟ إزاي يعني كده؟ ركز حسام عينيه على نقطة في الفراغ، وابتسم بحزن، وكأن كل المشاهد تعاد أمامه من جديد. ليتنهد
بحزن ويهتف بحنين للماضي: بابا كان أحسن راجل ممكن تشوفيه في حياتك. كنت بحبه أوي، هو اللي حفظني القرآن، هو كان حافظه كله، وكان لسه بيكمل معايا.
ليكمل ببكاء: بس هي ما كانتش بتحبه، ودايمًا في خناق معاه، مع إنه عمره في يوم ما زعلها وبيحاول يرضيها بأي شكل. كانت بتقول إنها بتحبني، بس هي كدابة. اللي زيها ما يعرفش يحب حد غير نفسه. أنا سمعتها، سمعتها بوداني وهي بتتكلم مع الكلب اللي عملت عملتها معاه، وهي بتتفق هي وهو إنه هيجي لها عند بيتنا ويسرقوا خزنة المكتب، ما هي كانت عارفة كل أسرار بابا.
ليبتسم بحسرة ويهتف بسخرية: مهو كان فاكرها مراته وهتحافظ عليه، ما يعرفش إنها خاينة وزبالة. تخيلي عيل عنده 15 سنة يسمع أمه بتتكلم مع راجل غير أبوه، وكمان بتتفق إنها تسرقه؟ كنت هعمل إيه وقتها؟ كل اللي جه في دماغي ساعتها إني أجري أكلم بابا وأقوله ييجي البيت بسرعة، بس ما قلتلوش ليه؟ كنت عايزة بس ييجي عشان يمنعها وما يخليهاش تمشي. ما كنتش أعرف إن كل ده هيحصل. **فلاش باك** يسرا، والدة حسام،
تتكلم في الهاتف: أيوه، ماشي، فهمت، فهمت، هفتح لك باب الجنينة دلوقتي، وإنت نص ساعة وتكون هنا، بس متتأخرش عشان الزفت قرب يرجع من بره، عايزين نلحق قبل ما يتنيل ويرجع. ماشي، سلام يا حبيبي. خلصت كلامها لتتجه ناحية الباب لتنفيذ خطتهم الدنيئة. ليسمع حسام، الواقف أمام باب أوضتها، خطواتها ناحية الباب، ليفر سريعًا إلى أوضته قبل ما تشوفه. دخل أوضته وقفل الباب، ومسك التليفون ليتصل بوالده.
حسام بخوف وصوت مهزوز: أيوه يا بابا، أنا عايزك تيجي البيت بسرعة. لا يا بابا، أنا كويس، بس عايزك في حاجة مهمة، أرجوك تعالي بسرعة. طيب، متتأخرش لو سمحت. وقعد في أوضته مستني مجيء والده بفارغ الصبر، رايح جاي في الأوضة بقلق. بس هو اتأخر أوي. وبعد مرور ساعة ونص، سمع حسام صوت عالي جاي من تحت. توقع إيه اللي حصل؟
نزل جري على السلم، واللي توقعه حصل. والده جه متأخر، وكعادته بيدخل أوضة المكتب الأول يشيل حاجته المهمة في الخزنة، وشافهم، ودار بينهم شجار عنيف. وبعد دقيقة، سمع صوت إطلاق ناري. لسرع إلى الأوضة وفتح الباب بقوة، ليرى أبشع منظر شافه في حياته. والده يسقط أرضًا غارقًا في دمائه ولا يصدر أي حركة. وهي، مصدر تعاسته، تقف جوار جثته وفي إيدها المسدس الخاص بوالده، تنظر له بفزع، وبجوارها يمسك يدها الرجل الخاص بها.
حسام جري على والده الملقى أرضًا، ونزل جنبه، وربت على وجهه بخفة يحاول إفاقته، ويحركه بقوة، ويصرخ باسمه على أمل أن يرد عليه. حسام يصرخ من بين دموعه: بااابا! قوم أرجوك يا بابا! رد عليا يا بابا! متسبنيش! أنا آسف، ياريتني ما كنت كلمتك ولا قلتلك تعالي! ياريتك ما جيت! ليرفع وجهه إليهم ويصرخ فيهم بغضب: عملتوا فيه كده ليه؟ ليه؟ حرام عليكم! عملك إيه عشان تعملي فيه كده؟
ليرد عليه ذلك الرجل بجمود: إنت اللي خليته ييجي، يعني إنت السبب في كل اللي حصل. إحنا كنا هنسيبه وماشين، بس أبوك هو اللي حاول يقتلنا، وإحنا دافعنا عن نفسنا. لينظر له حسام بغضب، ويريح جسد والده على الأرض، ويهب واقفًا بسرعة، ويهتف بغل: اللي أبويا ما قدرش يعمله، أنا هعمله وهقتلك إنت وهي، والله العظيم ما هسيبكم.
وهجم عليه بغضب، ولكن لصغر سنه وقتها، فهو لم يقدر عليه، ولا على ضربه، ولا حتى الدفاع عن نفسه. ولكن لم يتركه، وظل يصد له لكمات طائشة. ولكنه سقط أرضًا، فاقدًا للوعي، نتيجة خبطة قوية على رأسه من الخلف. **بااااااك** ليكمل حسام ودموعه تتساقط بغزارة كالامطار، وكأنه يرى المنظر أمامه من تاني: فوقت لقيت نفسي في المستشفى.
وجنبي عمي ناصر، الطباخ بتاعنا، وقتها. ولما سألته على بابا، قالي إنه مات، وقالي كلام كتير طبعًا يصبرني بيه. وكان شاف كل حاجة حصلت، وشافهم وهما بيهربوا، بس أنا طلبت منه ميجبش سيرة باللي حصل لحد. وفي التحقيق يقول إنه حرامي، وإنا ما شوفناهوش. ولحالي وقتها، هو اقتنع وحب يريحني.
ليكمل ببكاء: بس اقسمت جوايا إني مش هسيبهم، ولا هرتاح غير وأنا جايب الاتنين قدامي وأقتلهم بإيدي، وأشوف في عينيهم نظرة الذل والكسرة اللي عيشوني فيها سنين. بقالي سنين بدور عليهم في كل حتة. كل اللي قدرت أوصله إنها ماتت. ماتت وريحت من اللي كنت هعمله فيها. كان نفسي موتها يكون على إيدي، بس ربنا رحمها، مع إنها متستاهلش الرحمة. بس اللي متأكد منه، إن الكلب اللي معاها هو اللي قتلها، زي ما هي عملت في أبويا، هو عمل فيها.
وبعدها هو اختفى، ولغاية دلوقتي مش قادر أعرف هو فين. بس برحمة أبويا، ما هسيبه ولا هسكت غير لما أجيبه وأخلص منه عذاب السنين اللي أنا عيشتها. آه لو إيدي تطول. ورد كانت بتسمع كل كلامه في ذهول، مش قادرة تصدق إن فيه ناس ممكن تعمل كده بجد، وإن واحدة تعمل كده في جوزها وابنها. دموعها نزلت غصب عنها من تأثرها بكلامه ودموعه اللي هي أول مرة تشوفها. كمية الضعف اللي في صوته.
مسكت إيده بهدوء لتهتف: ما تبقاش زيه يا حسام. أنا مش هقولك سيبه عشان هو يستاهل القتل ألف مرة، بس بلاش إنت اللي تقتله. اعرف مكانه وبلغ عنه. وليصرخ فيها بغضب: أبلغ عنه؟ جاية بعد السنين دي تقوليلي بلغ عنه؟ ما أنا لو عايز أعمل كده، كنت عملت كده من زمان، بس أنا عايز أقتله بإيدي، وما فيش قوة في العالم هتمنعني من ده. ليكمل بدموع: ده قاتل أبويا قدامي، وبكل برود بيقولي إنت السبب! أنا السبب يا ورد! أنا اللي قتلته! ردي عليا!
أنا السبب! هزت رأسها بالنفي، وهتفت بهدوء: ده نصيبه ومكتبله، والمفروض إنك تصبر وتستحمل. مش إنت كنت لسه بتقولي كده وبتقولي إزاي من أول خبطة تقعي وتعملي كده؟ ليه مش بتقول الكلام ده لنفسك؟ ليه بقيت كده؟ بصلها بنظرات حزينة والدموع تغطي عينيه كسحابة تحجب ضوء الشمس، ليهتف بانكسار: ومين قالك إني ما حاولت أعش حياتي طبيعي وما بقاش زي ما إنت شفتيني؟ بس زي ما يكون الدنيا كلها بتمشي ضدي وعايزة تكسرني. حاولت أكمل وأعيش طبيعي.
لتظهر على وجهه شبح ابتسامة حزينة
لذكري مؤلمة أخرى في حياته: ما كانش ليا بعد موت أبويا غير مالك، صاحب عمري. كان بيهون عليا وملازمني في خطوتي، نصي التاني. كبرنا سوا، وشغلنا سوا، بس هو كان ملاك في صورة بشر. طيب جدًا، عكسي تمامًا. حب واتجوز. ده مش بس حب، ده عشق لحد الجنون. وقرر يعمل أسرة معها اللي اختارها تبقى شريكة حياته، وكنت فرد من الأسرة دي. بعتبره هو ومراته أهلي وناسي، ما أنا مليش غيرهم. بس هي طلعت شايفاني حاجة تانية خالص.
ليضغط على أسنانه بغل لمجرد تذكره كلامها، ويهتف ببكاء من بين أسنانه: الحقيرة! جاية تقولي أنا بحبك ومش بحب مالك، وإنها اتجوزته هو عشان تقرب مني أنا!
وفكراني إني هسيتجيب للوساخة اللي في دماغها، أو إني ممكن أبصلها أصلًا. ضربتها وشتمتها، وقولتلها تبعد عني. وما قدرتش أقوله عشان كنت عارف هو بيحبها إزاي. كنت عايز أقوله اختيارك غلط، إنت حبيت واحدة متستاهلش، بس ما كانش ينفع. كنت عارف إن دي صدمة هو مش قد إنه يستحملها. وقررت إني أبعد عنهم، وما أروحش بيته، ولا حتى أخليهم هما ييجوا عندي. بس هي مسكتتش وفضلت تبعت في مسجات، لغاية ما هو في يوم شاف مسج منهم. وزي ما توقعت، مستحملش حاجة زي دي. انتحر. قتل نفسه وقتلها. يا ورد، عمري ما هنسى.
لينهار حسام كليًا عند تذكره لكل اللي حصل، ليبكي وينتحب كالاطفال. ويكمل من بين دموعه بصوت مبحوح: مش قادر أنسى منظره. مش قادر. وهو كمان كان بيلمني. هو كمان قالي إني أنا السبب. ليه قالي كده؟ ليه؟ وأنا والله العظيم ما اتكلمت معاها وصدتها، وكنت بعتبرها زي أختي. ليه هو قالي إنت السبب؟ ليه أنا أشيل ذنب ما عملتهاش دي؟
هي السبب إني أخسره. هي خلتني أبقى وحيد في الدنيا من تاني. خلتني أجرب نفس الإحساس مرتين. هي السبب مش أنا. أنا المظلوم، ودايمًا ببقى في دور الاتهام. كنت عايز أقوله أنا اللي خسرتك يا صاحبي، هي متستاهلش اللي إنت عملته. أنا اللي هبقى تايه من بعدك، وحيد. إزاي هونت عليه يسيبني كده وأنا مليش غيره؟ ليه اختارها هي؟ ليه مكتوب عليا أفضل طول عمري لوحدي؟ عايز أقوله وحشتني أوي يا صاحبي، أوي.
وبدأ بكائه يعلو ويشهق كأطفال صغار يبكي على فراق أمه. مع كل حرف ينطقه، كانت تزيد دهشة ورد، غير قادرة على استيعاب هذا الكم من المفاجآت في وقت واحد. أيعقل يوجد بشر بهذه الحقارة والانحطاط؟
وكأنها في فيلم سينما وتندهش بمشاهده في كل لحظة. دلوقتي بس فهمت سبب كره حسام ليها ولغيرها. فهمت ليه هو عدو لأي امرأة أخرى. فما رآه منهم لن يين أبداً، كانوا سببًا في تدميره وهدم حياته. وغصب عنها مع كل كلمة منه تتساقط دموعها بحرارة على وجنتيها. فحياته بقسوتها مشابه لحياته في كثير. هي أكثر واحدة فاهمة كلامه كويس وحاسة.
ومع انتهائه من الكلام، كان انهار كليًا. لتضمه ورد إلى حضنها بتلقائية كأم تحضن طفلها لتشعره بالأمان وتبثه حنانها. شدد حسام من قبضته عليها وبيخبي وجهه في حضنها، يقتصرها بين يديه، عايز يقربها ليه لأقرب حد ممكن. وهي مستجيبة معه، ويمكن كانت محتاجة الحضن ده أكتر منه. وأخذت تربت على ظهره بهدوء وخفة حتى هدأ وتوقف عن البكاء وانتظمت أنفاسه. لتسمع صوته يهتف باسمها بهدوء وهو لسه على نفس وضعه، وكأنه خايف تهرب منه،
محاوطها بيديه: ورد، متسبنيش. ق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!