الفصل 16 | من 16 فصل

رواية وش تالت الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,277
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

عندما جلس مدحت على شاطيء البحر اكتشف أن الأمواج تكرر نفسها. رغم ذلك، الموجه ذاتها لا تتكرر مرتين. إن الذين يكررون أنفسهم باستمرار حتمًا سيأتي يوم ويشعرون بالملل. رغم ذلك، الملل موجود منذ أول مرة، فكل شيء يفقد متعته بالتكرار حتى إذا كنا نحبه. ثم أنه وجد أن الفوضى تجتاح كل الأماكن التي يعيش فيها. إذا كان البحر غير قادر على أن يمنحه الهدوء، فلما العجلة؟

ورغم أفكاره غريبة ومجنونة، إلا أنه يحب زوجته مروة. الحب ليس قصة خيالية، بل حقيقة ملموسة على أرض الواقع. أن أغلب التنازلات التي تحدث للكائن البشري منبعها الحب في الغالب. أنه يحبها، ولطالما أحبها منذ حتى قبل زواجه. وقد كان وقوفها إلى جواره يمنحه شعورًا بالشفقة في الليالي المظلمة التي لا قمر فيها. ذلك الحب الذي راح يتضخم لدرجة لا يسعها صدره وقلبه.

بعد أن عرى قدميه، مشى مدحت داخل المياه الضحلة حتى ابتل بنطاله، ثم ودع البحر بنظرة أخيرة. واستقل السيارة نحو منزله. وقبل أن يصعد المنزل، جلس في المقهى. وحتى وهو مجنون، لا أحد يضايقه لأنه يدفع. ثم سمع همسات وغمزات عن زوجته وأسامة الذي يصعد شقته في غيابه. وداخل الشقة، أسامة لا يعلم زوجته اليوجا أو يشرح لها دروس الرسم، بل تحدث أشياء قذرة.

لكنهم يعلمون أنهم متوهمون. إن هو المتوهم الكبير، فما يسمعه ليس الحقيقة، بل ما يحبه عقله. وعندما سمع هذا الكلام، ارتجفت يده. فنهض بسرعة كأنه هارب. لم يذهب إلى شقته على الفور، بل ذهب إلى القبو حيث توجد الحقيقة الوحيدة التي تأكد منها. كل الأطباء الذين قصدهم مع مروة أكدوا له أنه مريض نفسي. مريض انفصام في الشخصية. أخرج صندوقًا وفتحه، ثم وضع يده على الحديد البارد. ثم أغلق القبو وصعد الدرج تجاه شقته. فتح الباب بهدوء.

لطالما تعلم ذلك حتى لا يزعج زوجته. ثم نزع حذائه بنفس الهدوء وسار تجاه غرفة النوم حيث يسمع الهمسات الكاذبة. كان الباب غير مغلق تمامًا، موروب. ألقى نظرة متفحصة، ثم بيد مرتعشة فتح الباب. وقبل أن يتحرك أي شيء.

قبل أن يهرب جرذان القبو الكاذب، أطلق الرصاص من طبنجته. افرغ الخزنة كلها. ثم وقف دقيقة يتأكد أن كل شيء خمد. اقترب من السرير ورفع الملاءة. كان دم كثير يسيل. وضع أصبعه وتذوقه، ثم أشعل سيجاره وفتح باب الشقة على مصراعيه. صوت إطلاق الرصاص وصل لجيرانه الذين ركضوا من باب الشقة المفتوح نحو غرفة النوم. عندما حضرت الشرطة، كان مدحت جالسًا في الصالة غير مبالٍ بصرخات النساء أو رجال الشرطة والإسعاف.

قيده ضابط الشرطة، وضع في يده الكلابشات، ومدحت لا يعرف ماذا حدث. "مريض نفسي يا باشا، دماغه من زمان مكنتش فيه." سمع ضابط الشرطة كلام جيرانه ورواد المقهى الذي يجلس فيه مدحت. ثم أخرج رجال الإسعاف جثتين عاريتين من غرفة نوم مدحت، زوجته وأسامة. وفي النيابة، كان مدحت يهذي بكلام كثير لم يفهمه وكيل النيابة. وعرف بعدها أنه مريض نفسي.

قيدت القضية دفاعًا عن الشرف، رغم تأكد النيابة أن مدحت مشخص بمريض نفسي من شهادة الأطباء الذين تلقى العلاج على أيديهم. وبعد فحصه من الجهات المعنية، تأكد ما سبق. وفي المحكمة، أصدر القاضي حكمه بالحبس بدلًا من الإعدام لثبوت جريمة الزنا. ثم علق الحكم نفسه لأن مدحت مريض نفسي كما أثبت محاميه، وتم إيداعه في مشفى نفسي ليتلقى العلاج والعقوبة المخففة التي أقرها القاضي عام واحد.

بعد عام وشهر واحد، خرج مدحت من المشفى. كان قد قضى عقوبة جريمته، وكان الأطباء أقروا تحسنه الملحوظ الذي يسمح له بممارسة حياته العادية. عاد مدحت إلى شقته، وبعد أيام قرر بيعها وشراء شقة أخرى. أعاد طلائها وتأثيثها، شقة واسعة ورحبة متعددة الغرف. ثم استأجر خادمة. وفي اليوم الأول لعودته إلى المحجر، أجرى حملة إقالات واسعة لمجموعة من الأشخاص. وللسخرية، كان جميعهم متورطون مع أسامة في الماضي.

حتى أن بقية العاملين اندهشوا كيف تتطال الإقالات كل العمال الفاسدين دفعة واحدة، ودون خطأ، ودون أن يظلم عامل بريء. لكن لم يتجرأ أحد على فتح فمه. ثم بعد خمسة عشر يومًا، أحضر ابنه الوحيد من عند حماته. فقد اتضح أن له ابنين، زوجته في السنة الأخيرة كانت تتعمد أن تتركه عند والدتها متحججة بمرض مدحت النفسي. كانت حماته قد رفضت وقررت أن تصعد الأمر إلى المحكمة والشرطة، ولا يعرف أحد كيف استطاع مدحت أن يقنعها.

حتى أنها أغلقت فمها تمامًا عن ذلك الموضوع. وفي المقهى، دخل مدحت في مجموعة مشادات مع خلق كثير، كان بعضها ينتهي بأقسام الشرطة ثم الصلح. كان مدحت كل يوم أو يومين يوسع أحدهم ضربًا حتى يفقده الوعي. ومن باب الصدفة والغربة أيضًا، أنهم كانوا نفس الأشخاص الذين يطعنون في شرفه ويتهمونه بالجنون. بينما كان يعامل الآخرين بطريقة جيدة جدًا. وبعد ثلاثة شهور من خروجه من المشفى، وجد شابًا مصابًا بجروح وعاهة مستديمة في مقلب قمامة.

وقد كان هذا الشاب يعيش في الحي المجاور، ولم يعرف أحد سبب الجريمة. لكنه وجد فاقد الوعي على بعد شقتين من عمارة مدحت. تعرف عليه عامل المقهى، حيث أكد أنه رآه منذ زمن بعيد يراقب شقة مدحت قبل أكثر من عام، قبل أن يختفي من الحي ولم يراه إلا اليوم. وبعد تلك الحادثة بأيام، أقام مدحت احتفالًا ضخمًا ذبح فيه عجلًا وزعه على أهل الحي، وظهر يضحك للمرة الأولى منذ أكثر من عامين.

وسرعان ما اختفت الهمسات القائلة إن مدحت عاد ليصفّي حساباته القديمة ويغلقها بالضفة والمفتاح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...