تحميل رواية «وش تالت» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مطلوب فتاة شديدة الجمال والأناقة، يفضل أن تكون عيونها زرقاء، وجهها أبيض، ملامحها طفولية، شعرها طويل، نحيفة، متوسطة الطول ولا مانع أن تكون قصيرة إذا استوفت باقي الشروط، تهوى الموسيقى والقراءة، مثقفة، وليس لها ماضٍ يلاحقها. تقطن منزل منعزل، لا تغادره قبل عام على الأقل، مرتب مرتفع لن أذكر قيمته إلا بعد المقابلة الشخصية. لأول وهلة وقعت عيني على إعلان الوظيفة في جريدة صفراء، ظننته مزحة ولم أتوقف عن الضحك. قلت في نفسي: "هذا شخص مختل، دمرته الحياة وقضت على روحه." ورغم تفاهة الإعلان إلا أنه شغلني. كاتب...
رواية وش تالت الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
مطلوب فتاة شديدة الجمال والأناقة، يفضل أن تكون عيونها زرقاء، وجهها أبيض، ملامحها طفولية، شعرها طويل، نحيفة، متوسطة الطول ولا مانع أن تكون قصيرة إذا استوفت باقي الشروط، تهوى الموسيقى والقراءة، مثقفة، وليس لها ماضٍ يلاحقها.
تقطن منزل منعزل، لا تغادره قبل عام على الأقل، مرتب مرتفع لن أذكر قيمته إلا بعد المقابلة الشخصية.
لأول وهلة وقعت عيني على إعلان الوظيفة في جريدة صفراء، ظننته مزحة ولم أتوقف عن الضحك.
قلت في نفسي: "هذا شخص مختل، دمرته الحياة وقضت على روحه."
ورغم تفاهة الإعلان إلا أنه شغلني.
كاتب الإعلان يدرك صعوبة أن يجد فتاة بتلك الملامح في بلد نصف فتياته بشرتهم خمرية.
ثم أنا أيضًا لست بيضاء، عيوني رمادية، وهذا الإعلان المزيف لا يمثلني.
شاب مراهق ورث تركة عن والده يعتقد أن كل شيء سهل المنال.
ثم ما مشكلة الشبان مع الفتيات العاديات؟
شعرت بالغيظ على ذلك الشاب الأرعن، قبيح المظهر الذي يبيع ويشتري في بنات الناس.
لعنته لأنه غير مزاجي وعكر بداية يومي.
تصفحت باقي الجريدة وأدركت أن الوقت تأخر، هناك عمل ينتظرني وصاحب المحل لا يرحم.
بدلت ملابسي وركضت قاصدة الأتوبيس العام، مندسة بين الزحمة.
مجرد فتاة عادية لا يشعر أحد بوجودها.
ثم أطلقت ضحكة عندما تخيلت مجرد وجودي في منزل يطل على بحيرة بين أشجار الغابة أخدم شاب مدلل يلقي الأوامر.
وهو يتحدث مع فتاته المدللة مثله.
وشعرت بالغيرة عندما تخيلت شاب وسيم يجلس مع فتاة جميلة على شاطئ بحيرة وأنا من أقوم على خدمتهم.
إلا في حالة واحدة جعلتني أبتسم.
بعد أن فتحت أبواب المحل وفرشت البضاعة شعرت أنني على غير ما يرام، أفقد تركيزي، لم يحدث ذلك لي من قبل في حياتي.
فليس من السهل على فتاة مثلي لا تمتلك أحلام خاصة بها أن تتشرد.
لكن ذلك ما حدث ولا أعرف السبب، وعلي أن أتقبل الأمر وأنتهي يومي على إشكالية مع أحد المشترين السمجاء الذين لا يملون من الفصال.
قال صاحب المحل: "إنك تحتاجين إجازة، أعصابك تالفة."
بطريق العودة ابتعت طعامي، جبن ولانشون، فينو وكافأت نفسي بلتر بيبسي لتسببي بطردي من العمل.
أكل، وأكل وأكل، والحمد لله أظل نحيفة، إنها واحدة من مكافآت الحياة أن تمتلك جسد نحيل.
كانت الجريدة مفتوحة على نفس الإعلان، بصقت عليها.
هذه الجريدة تسببت في إجازة مفتوحة، على أن أتدبر حالي إذا كنت لا أرغب بالتسول.
ربما كان علي أن أتروى ولا أشتري الفستان الجديد وأحتفظ بالنقود لتلك الظروف العسرة.
الفستان تذكرته.
كان مطبقًا في خزانة الملابس بعلامة الشراء، كأنه سيفقد قيمته إذا قمت بنزعها.
لم أرتديه ولا مرة، كلفني سبعمائة جنيه وها هو ملقى بخزانة الملابس.
ارتديت الفستان، وقفت أمام المرآة.
دونّت عنوان الوظيفة، ودون أن أشعر قلت: "حان الوقت لنزهة."
وصلت المكان بعد العصر، الساعة الرابعة تحديدًا.
روحت أضحك، قلت: "يجب عليهم أن ينتظروا سيادتك إذا كانوا يرغبون بخدماتك."
سألت الحارس: "المقابلات انتهت؟"
قال: "منذ مدة طويلة، حضرتِ متأخرة جدًا."
شكرته وقصدت الباب لأخرج.
دلفت بجواري سيارة مسرعة، خرج منها شاب لم أرَ ملامحه.
وسمعت الحارس يركض خلفي في الشارع: "يا آنسة، يا آنسة."
استدرت، كان متعرقًا، يلهث.
قال: "الحمد لله لم تركبي سيارة أجرة، السيدة ترغب برؤيتك."
كان الممر خاليًا، لا وجود لأحد غيري.
طرقت باب مكتب أنيق ودلفت لداخله.
قالت سيدة بمنتهى الجمال والرقة: "اجلسي."
كانت جميلة ورقيقة، حتى دون عمل لا يمكنني رفض طلبها، جلست.
قالت: "حضرتِ من أجل الوظيفة؟"
قلت: "يصعب تحديد ذلك، لكن أجل."
قالت: "أريد أن أفهم من فضلك."
قلت: "كانت مجرد فكرة، أفسد ذلك الإعلان يومي وتسبب في طردي من العمل."
"أعني لست بيضاء ولا أمتلك عيون زرقاء، لكن أجل حضرت من أجل الوظيفة وكلي أمل أن ألمح طيف ظريف الملامح لأشكره على إفساد حياتي."
"لماذا تعتقدي أنه متعجرف؟"
"متعجرف يا سيدتي، لا أحد يطلب كل تلك المواصفات في بلد ثلاثة أرباع سكانه سمر البشرة."
"حدثيني عن مؤهلاتك."
ابتلعت ريقي وصوبت نظري عليها، قلت: "اسمعي، كلانا يعلم أنني لن أقبل في تلك الوظيفة، يرغب بفتاة بيضاء زرقاء العينين. وأنا كما ترين."
"ولا يمكنني فهم السبب."
قالت الفتاة وهي تطلق ابتسامة ماكرة مريبة: "أنا لست هنا لأشرح طبيعة وظيفتك، هذا أمر لا يخصني، أنا هنا لمعاينتك ظاهريًا وأكاد أجزم أنك غير صالحة لهذا العمل، لكن نهاية الأمر علي تقديم تقرير عن كل مقابلة، السيد سيختار ما يناسبه."
"هل تعني أن هذه المقابلة مسجلة؟"
بصقت الفتاة نظرة على وجهي، "مسجلة ومصورة."
صرخت: "لماذا لم تحذريني قبل أن أفقد أعصابي وأتهور في كلامي؟"
همست الموظفة: "قلتي أنك غير مهتمة بالوظيفة وأنك لا تعتقدي بأي حال من الأحوال سيتم قبولك، لماذا أحذرك عن التعبير عن رأيك؟ أنتِ امرأة حرة."
شعرت بحزن دفين، فعلاً لم أكن أتوقع أن يتم قبولي في الوظيفة مطلقًا، لكن لا أحب أن أفقد فرصة عمل بتلك الطريقة.
رواية وش تالت الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
بعد أيام قليلة، كانت مروة في المطبخ تقطع الخضار بعناية عندما دوى صوت الطرق على الباب. تجمدت يدها فوق لوح التقطيع وحدقت إلى الباب للحظات، ثم مسحت يديها سريعًا بالمئزر وسارت بتوجس.
"مين؟" سألت، محاولة إخفاء ارتباكها.
"أنا أسامة، يا مدام مروة."
تجمدت أنفاسها.
"مدحت مش هنا، أستاذ أسامة." قالتها بحدة، متعمدة إنهاء الحديث قبل أن يبدأ.
"أنا عارف، بس كنت عايز أتكلم مع حضرتك دقيقة واحدة، مش هطول."
القلق تسلل إلى صدرها. لماذا جاء بعدما أوضح له مدحت أنه غير مرحب به هنا؟ ولماذا يصر على الحديث معها تحديدًا؟
"مش وقته، أستاذ أسامة. أي حاجة تخص مدحت كلمه هو فيها." قالتها بصرامة، وهي تحاول إبقاء صوتها ثابتًا.
لكن الرجل لم يبتعد بسهولة. "أنا آسف لو كنت بتقل عليكي، بس فيه موضوع مهم لازم تتأكدي منه بنفسك."
نبضات قلبها تسارعت، لكنها تماسكت. "أنا مش هفتح الباب، ولو سمحت بلاش تحرجني وتحط نفسك في موقف مش لطيف."
ساد صمت قصير، ثم سمعت خطواته تبتعد. لم تخرج لتتأكد من رحيله، بل ظلت واقفة خلف الباب، تشعر بأن الأمور لم تنته بعد.
في المساء، عندما عاد مدحت، كان واضحًا أنه مرهق، لكنها لم تستطع تجاهل الأمر.
"أسامة رجع تاني." قالت بهدوء، وهي تراقب تعابير وجهه.
رفع رأسه ببطء، وكأن كلمتها ضربته بسوط. "إيه؟"
"خبط على الباب وطلب يتكلم معايا."
نهض مدحت على الفور، الغضب يشع من عينيه. "أنا كنت فاكر إنه فهم، بس واضح إن الموضوع أكبر من كده."
"أنا مش مرتاحة يا مدحت." همست مروة، وشيء ثقيل يجثم على صدرها.
"ولا أنا." قالها مدحت، وهو يتناول هاتفه، ثم توقف لحظة قبل أن يتنهد ويضعه جانبًا. "هشوفه بنفسي."
لكن مروة شعرت أن الأمر قد تجاوز مجرد لقاء عابر أو سوء تفاهم... كان هناك شيء غريب في الأفق، شيء لم تفهمه بعد، لكنه يقترب.
في اليوم التالي، لم ينتظر مدحت أن يتصل بأسامة، بل توجه إلى المقهى التي اعتاد أن يجلس فيها، محاولًا أن يستشف منه سبب إصراره الغريب على زيارة المنزل.
عندما وصله، وجده جالسًا في الركن المعتاد، ينفث الدخان ببطء بينما يراقب المارة بنظرة جامدة. لم يكن في وجهه ذلك الود الذي اعتاد عليه، بدا وكأنه يحمل أمرًا ما لكنه لا يعرف كيف يبوح به.
اقترب منه مدحت وسحب كرسيًا، جلس دون مقدمات وقال بصوت منخفض لكنه حاد: "أسامة، أنا مش فاهم، هو فيه إيه؟"
رفع أسامة عينيه إليه، ثم ارتشف من كوب الشاي أمامه قبل أن يرد بهدوء: "مدحت، أنا مش جاي أضايقك ولا أضايق مراتك، بس فيه حاجة كنت مضطر أقولها لها بنفسي."
قطب مدحت حاجبيه. "إيه الحاجة اللي كنت عايز تقولها لمروة بالذات؟"
تنهد أسامة ببطء، ثم قال بصوت خافت: "أنت متأكد إن كل حاجة تمام عندك في البيت؟"
ارتفع حاجبا مدحت في دهشة. "يعني إيه؟"
أسامة نظر حوله للحظات، وكأنه يتأكد من أن لا أحد يسمع، ثم انحنى قليلًا وقال: "أنا شفت حد بيخش بيتك وإنت مش موجود."
جمدت ملامح مدحت، ثم انفجر ضاحكًا بسخرية. "بتهزر؟!"
لكن أسامة لم يضحك، بل أكمل بصوت جاد: "مش بهزر يا مدحت. أنا كنت ماشي في الشارع من يومين، وشفت راجل غريب بيقف قدام باب شقتك، وبعدها بلحظات فتح الباب ودخل. أنا كنت هاجي أقولك، بس قلت يمكن حد تعرفه، لحد ما شفت نظرة مراتك لما قلت لها إن عندي حاجة مهمة."
شعر مدحت بقبضة باردة تعتصر صدره. مروة لم تخبره بشيء عن أي شخص غريب، لكنها كانت متوجسة وقلقة منذ فترة. هل يمكن أن يكون هناك شيء لا يعرفه؟ أم أن أسامة يتوهم؟
حاول أن يتمالك نفسه، فسأله بحذر: "ووصفتك للشخص ده؟"
أسامة هز رأسه. "مشفتهوش كويس، كان لابس جاكيت أسود وكاب مغطي نص وشه. بس حركة جسمه غريبة، وكأنه بيبص حواليه كل ثانية، كأنه مش عايز حد يشوفه."
ساد الصمت بينهما. مدحت شعر بالغضب، لكنه لم يكن يعرف تجاه من يوجهه. هل كان أسامة يحاول التلاعب به؟ أم أن هناك سرًا في بيته لا يعرفه؟
في تلك الليلة، عاد مدحت إلى المنزل بعقل مشوش، وعندما رأى مروة تحركت بداخله تساؤلات لا تنتهي. لكنها كانت جالسة على الأريكة، تتابع التلفاز بهدوء، كأن كل شيء طبيعي.
"مروة." ناداها بصوت متزن، لكنها التفتت إليه فورًا، وكأنها تشعر بأنه يحمل شيئًا غير عادي.
"فيه حاجة حصلت؟" سألت بقلق.
نظر إليها طويلًا قبل أن يقول: "أنا عايز أعرف... كان فيه حد دخل البيت وإنت لوحدك؟"
ارتبكت قليلًا، ثم قالت: "طبعًا لأ! هو إنت شاكك فيا ولا إيه؟"
"مش بشك، بس أسامة قال لي إنه شاف حد داخل بيتنا."
ساد صمت ثقيل. ثم تمتمت مروة بصوت منخفض: "انت بتصدق اسامه ده بعد كل إلى عمله؟"
رواية وش تالت الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
نظر مدحت إلى مروة نظرة طويلة، محاولًا أن يلتقط أي ارتباك في ملامحها، لكنها كانت ثابتة.
لم يكن قادرًا على تجاهل الإحساس الثقيل الذي بدأ يتسلل إلى داخله.
"أنا مش بصدق ولا بكذب، بس عايز أفهم."
أشاحت مروة بوجهها عنه، كأنها تحاول كبح انفعالها، ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاد:
"إحنا اتفقنا إن أسامة ميبقاش له علاقة ببيتنا تاني، مش كده؟"
"فعلاً، بس لما واحد زي أسامة يقولي إنه شاف حد داخل بيتنا، يبقى لازم أسأل ولازم أفهم. أنا مش كوز درة يا مدام."
لم تجبه هذه المرة. اكتفت بالنهوض من مكانها بغضب، ثم توجهت إلى المطبخ وهي تقول بفتور:
"أنا تعبت، مش عايزة أتكلم في الموضوع ده تاني."
شعر مدحت أن هناك شيئًا تخفيه، لكنه لم يرد الضغط عليها. قرر أن يراقب الأمور بصمت، ويتأكد بنفسه.
في اليوم التالي، عاد مدحت مبكرًا من العمل، لكنه لم يصعد إلى الشقة مباشرة. وقف في الشارع، في الجهة المقابلة للعمارة، متظاهرًا بأنه يتحدث في الهاتف. أراد أن يرى إن كان هناك شخص غريب يقترب من شقته كما قال أسامة.
مرت ساعة، ولم يحدث شيء، إلى أن لمح رجلاً يرتدي جاكيت أسود وكاب ينزل من العمارة بسرعة، متلفتًا حوله وكأنه يخشى أن يراه أحد.
شعر مدحت بانقباض في صدره. لم يتردد، واندفع ليعبر الشارع بسرعة، لكنه لم يتمكن من اللحاق به. اختفى الرجل بين الزحام قبل أن يتمكن من رؤية وجهه.
صعد إلى الشقة بسرعة، وفتح الباب دون أن يطرق. وجد مروة واقفة في منتصف الصالة، ممسكة بهاتفها، وعيناها متسعتان بدهشة لرؤيته يدخل بهذه الطريقة.
"إنت جيت بدري ليه؟" سألته، محاولة الحفاظ على هدوئها.
"كنت تحت، وشوفت واحد نازل من عندنا... مين ده، مروة؟"
تجمدت ملامحها للحظة، ثم تمالكت نفسها سريعًا. "حد إيه؟ إنت أكيد بتتخيل."
"أنا مش بتخيل! شفت بعيني، وكان شكله غريب. عايز أفهم، مين اللي كان هنا وأنا مش موجود؟"
نظرت إليه نظرة طويلة، ثم أطلقت تنهيدة بطيئة قبل أن تهمس:
"مدحت... في حاجة لازم تعرفها."
جلست مروة على الأريكة، متوترة، بينما جلس مدحت أمامها متحفزًا، ينتظر أن يسمع الحقيقة التي أخفتها عنه.
"أنا ماكنتش عايزة أقولك، عشان الموضوع معقد... بس الشخص اللي شفته داخل بيتنا هو—"
توقفت فجأة عندما دوى صوت طرق سريع على الباب. ارتبكت، ونظرت إلى مدحت بخوف.
تقدم مدحت إلى الباب، وعندما فتحه، وجد أسامة واقفًا، يلهث كأنه كان يجري، ووجهه شاحب بشكل غير طبيعي.
"إنت لازم تسمعني كويس، مدحت." قالها بصوت متقطع، ثم أضاف وهو ينظر إلى مروة:
"في حد بيدور عليك... والموضوع كبير أكتر مما كنت متخيل."
مدحت لم يعد يفهم شيئًا. التفت إلى مروة، ثم إلى أسامة، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب:
"صرخ مدحت بجنون: حد يتفضل يقولي إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟"
نظر أسامة إلى مروة، ثم قال:
"قولي له الحقيقة... قولي له مين اللي بييجي عندك، ومين اللي مستخبي عنه من زمان."
ارتجفت يد مروة، وعيناها امتلأتا بالخوف، لكنها لم تقل شيئًا.
رواية وش تالت الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
ساد الصمت للحظات، لكنه كان صمتًا ثقيلًا، كأن الهواء في الغرفة قد تجمد.
نظرت مروة إلى أسامة نظرة حادة، وكأنها تحذره من التمادي، لكنه لم يتراجع.
"أنا ماليش دعوة يا مروة، بس لازم تقولي الحقيقة دلوقتي، قبل ما يحصل اللي أسوأ."
مدحت شعر بأن الغضب بدأ يغلي في عروقه. نظر إلى مروة مباشرة، وقال بصوت منخفض لكنه حاد:
"كفاية لف ودوران. أنا عايز أفهم. مين اللي بييجي هنا وإنتِ مخبية؟"
ارتجفت شفتاها، وكأنها تحاول أن تجد الكلمات المناسبة، لكنها لم تجدها.
وأخيرًا، بعد لحظة طويلة، همست بصوت بالكاد يُسمع:
"أخويا، مدحت… اللي إنت فاكر إنه مات من عشر سنين."
حدّق مدحت في مروة بذهول. مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يستوعب ما قالته.
"إيه! إنتِ بتهزري؟ كريم مات، إحنا حضرنا عزاه، ودفناه بإيدينا!"
أخفضت مروة عينيها، وكأنها تخشى مواجهة الحقيقة التي كشفتها.
"هو ما ماتش يا مدحت. كان لازم نخلّي الناس تصدق إنه مات، كان في خطر."
ضاقت عينا مدحت، وصوته جاء حادًا وهو يقول:
"خطر؟ خطر إيه اللي يخليكي تخبي عني حاجة زي دي؟"
تدخل أسامة، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:
"الخطر اللي بتتكلم عنه مروة لسه موجود، ويمكن يكون أقرب مما تتخيل."
رفع مدحت عينيه إلى أسامة، مزيج من الغضب والريبة في نظرته. "إنت كنت تعرف؟"
أومأ أسامة ببطء. "عرفت قريب. وأنا اللي قلت لك إني شفت حد داخل بيتك، عشان أتأكد. لما شفت رد فعل مروة، فهمت كل حاجة."
مدحت شعر أن الأرض تهتز تحته. كريم كان أقرب شخص له قبل أن يموت… أو بالأحرى قبل أن يختفي. والآن، مروة كانت تخفي هذا السر عنه طوال هذه السنوات؟
استعاد صوته، لكنه كان أكثر حدة:
"إنتِ كنتِ بتخدعيني طول العشر سنين دول؟ إزاي قدرتِ تعملي كده؟"
دمعت عينا مروة، لكنها تماسكت وقالت بصوت متهدج:
"كان لازم، مدحت كنت لازم أخفيه عن الجميع، حتى عنك. ولو رجع الزمن، كنت هعمل نفس الحاجة."
صوته ارتفع وهو يسأل بغضب: "ليه؟ ليه كل ده؟"
نظرت إليه مروة، وعيناها تحملان خوفًا حقيقيًا هذه المرة، ثم قالت:
"عشان كريم كان متورط مع ناس… ناس مش هيسيبوه يعيش لو عرفوا إنه لسه على قيد الحياة."
أسامة أضاف بهدوء: "وأظن إنهم عرفوا… وإلا ما كانش اضطر يخرج من مخبأه وييجي لبيتك."
شعر مدحت بأن الغرفة أصبحت أضيق، وكأن الجدران تطبق عليه. كان كريم هو الشخص الذي ظن أنه فقده، والآن يعود بهذه الطريقة، محاطًا بأسرار ومخاطر لم يكن مستعدًا لمواجهتها.
نظر إلى مروة نظرة طويلة، ثم تمتم بصوت منخفض لكنه محمّل بالغضب والخذلان:
"إنتِ كنتِ المفروض تبقي صادقة معايا، مروة… دلوقتي، أنا مش عارف أصدق مين فيكم."
ثم استدار، واتجه إلى الباب، لكن قبل أن يخرج، استوقفه أسامة قائلًا:
"على فكرة يا مدحت… اللي كان بيراقب بيتك مش كريم."
توقّف مدحت في مكانه، جسده متوتر بالكامل. استدار ببطء وسأل:
"أومال مين؟"
نظر أسامة إلى مروة نظرة حذرة، ثم عاد إلى مدحت وقال ببطء:
"الناس اللي كانوا بيدوروا عليه… شكلهم عرفو انه ظهر."
"ناس مين؟" صرخ مدحت من على الباب، "وانت ايه إلى عرفك دا كله؟"
تلعثم أسامة لحظة قبل أن يستعيد تركيزه.
"فاكر لما مروة قالت لك إني جيت البيت أسأل عنك؟
دي كانت أول مرة أجى شقتك، كنت عايزك فى موضوع مهم.
لكن مروة مرضيتش تتكلم معايا ولا ترد عليا.
سبت شقتك ويدوبك همشي لقيت شخص طالع الشقة عندك.
ولأنك صاحبى، وقفت أرقبه لأن مروة فتحت الباب بسرعة ليه، وبعد ما مشى اتقصيت وراه لحد ما عرفت السر اللي مخبيه.
وجيت هنا عشان أسأل مراتك من غير ما أعمل شوشرة.
لكن حصلت حاجة غريبة، لقيت شخص بيراقب الشقة.
مكنش كريم، لا، كان شخص تاني وكان واضح عليه إنه مجرم.
ساعتها حاولت أحذر مراتك، لكن حصل إلى حصل."
"دول ناس مين وعايزين إيه؟"
"معرفش،" صرخت مروة وهي تبكي، "أسامة فتح الشباك وبخضة همس: قرب يا مدحت.
بص هناك شايف الشخص ده؟ هو دا إلى أنا شفته بيراقب الشقة."
"أنا لازم أبلغ الشرطة،" صرخ مدحت بتوتر.
"شرطة؟ هتقول إيه للشرطة يا مدحت؟ لازم نقابل كريم ونعرف منه إيه اللي بيحصل قبل ما نعمل حاجة."
صرخ مدحت وهو بيسيب الشقة، "وانتي حسابك معايا بعدين."
نزل مدحت درجات السلم. توقف أسامة لحظة.
بص على مروة نظرة غضب، خليتها تتيبس في مكانها، وساب الشقة وهو بيشاور على جرد المكتب.
رواية وش تالت الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
كان مدحت يهبط الدرجات بسرعة، أنفاسه متلاحقة وعقله مشوش.
لم يكن يعرف ما الذي يجب عليه تصديقه، لكن شيئاً واحداً كان واضحاً: هناك شيء خطير يدور من حوله، وهو آخر من يعلم.
خلفه، سمع خطوات أسامة السريعة تلحق به.
"مدحت، استنى!"
لكنه لم يتوقف، خرج من البناية إلى الشارع المظلم، نظر بسرعة في الاتجاه الذي أشار إليه أسامة من نافذة الشقة، فوجد رجلاً يقف بجانب سيارة سوداء، يضع يديه في جيوبه، وينظر إلى المبنى بنظرة متفحصة، بدا كواحد من أولئك الذين لا يريدون لفت الانتباه، لكن مجرد وجوده كان مريباً.
مدحت شعر بقشعريرة تزحف على جسده، لكنه لم يكن يعرف هل السبب هو الخوف أم الغضب. التفت إلى أسامة وقال بصوت منخفض لكنه حازم:
"أنا مش هفضل مستني لحد ما ييجوا ياخدوني في نص الليل، لازم أواجه كريم بنفسي."
هو فين كريم يا عم مدحت؟ كريم تلاقيه مختفى أو مرمى فى أي حتة خرابة ومش هيظهر غير لما الناس دول يوقفوا بحث عنه أو وتردد أسامة قبل أن يقول: يقضوا عليك انت ومراتك.
استدار مدحت تجاه أسامة: عايزني أعمل إيه يعني؟ أقعد كده مكسور الإيد؟
"لا،" همس أسامة وهو يشير تجاه الرجل المريب. "احنا نمسكه ونستجوبه ونعرف مين اللي مشغله."
"انت مالكش دخل في الموضوع ده يا أسامة، كفاية لحد كده. أنا هعرف أحمي بيتي إزاي. امشي انت وأنا هتصرف."
"انت اتجننت يا مدحت؟ لا يمكن أسيبك لوحدك، لازم أكون معاك."
"انت صاحب عمري يا جدع،" همس مدحت. "طيب يلا بينا."
انطلق مدحت وأسامة يسيران بطريقة طبيعية من خلف الرجل يتسحبان كلصين غبيين. وضع مدحت يده فوق فم الرجل من خلف ظهره وشل حركته، بينما ضربه أسامة فوق رأسه ضربة أفقدته الوعي قبل أن ينقلوه لقبو المنزل.
بعد أن قيدوه، صفع مدحت وجه الرجل: "فوق يا حيلتها."
فتح الرجل عيون مرعبة: "انتوا مين وعايزين إيه؟"
"هتستهبل ياض؟" صرخ أسامة. "انطق اعترف انت كنت بتراقب بيت مدحت ليه؟"
"مدحت مين؟"
"مدحت أنا يا حلو،" ولكزه مدحت في صدره. "اخلص وقول انت تبع مين، ومين باعك تراقب بيتي."
"أنا معرفش حضرتك بتتكلم عن إيه."
همس أسامة في أذن مدحت: "مش معقول مجرم زيه يعترف بسهولة. سيبني أتصرف معاه."
"استنى انت يا أسامة شوية، متتعبنيش. مش عايز أقتلك. قولي انت كنت بتعمل إيه برا بيتي."
"والله يا أستاذ مش عارف حضرتك تقصد إيه. أنا كنت منتظر صديقي محمود كان بيعمل حاجة في البيت وهنروح مشوار."
شعر مدحت أن الرجل يقول الحقيقة.
"محمود مين؟"
فتح الرجل فمه ليقول شيئاً، لكن أسامة باغته بضربة قوية شجت أنفه: "انطق يا روح أمك لو كنت مجرم، إحنا كمان مجرمين أقوى."
ثم أخرج من جيبه طبنجة وصوبها على رأس الرجل.
"حاسب يا أسامة، هتعمل إيه؟" صرخ مدحت بفزع.
"هعمل الصح يا مدحت، دا كلب ومحدش هيسأل عليه."
بحركة فجائية، اختطف الرجل الطبنجة من يد أسامة وصوبها تجاه صدره وأطلق عدة رصاصات أسقطت أسامة أرضاً.
ثم صرخ في مدحت: "فكني قبل ما أقتلك."
نفذ مدحت الأمر، وبعد أن نهض الرجل، ضرب مدحت على مؤخرة رأسه أسقطه على أرض القبو.
فقد مدحت وعيه، وبعد وقت غير محدد، فتح عينيه، لم يجد أسامة ولم يجد الرجل.
كانت هناك بقع دم متناثرة على الأرض، لكن مدحت لم يبالِ. غادر القبو راكضاً نحو شقته.
فتح الباب وأغلقه خلفه وجسده يرتعش. "فيه إيه؟" صرخت مروة برعب.
لم يرد مدحت. فتح الشرفة وراقب الشارع ثم أغلقها.
وبعد دقيقة، فتح الشرفة مرة أخرى قبل أن يغلقه.
ثم انهار على الأريكة برعب: "أسامة مات، قتلته العصابة."
صرخت مروة: "يا مراري! مات إزاي وفين؟"
"في القبو بتاع البيت. الراجل أطلق عليه الرصاص قدام عيني أكتر من مرة."
"وهو لسه في القبو؟" همست مروة بخوف.
قال مدحت: "لما فقت جثته كانت مختفية، لكن الدم لسه مكانه زي ما هو."
"يا دي المصيبة يا رب! طيب هنعمل إيه؟ هيتَّهموك بقتله."
"اسكتي يا مرة، بقولك مفيش جثة!"
"لكن فيه دم! زمان البوليس جاي ناحيتنا دلوقتي، لازم نتصرف."
"نتصرف نعمل إيه؟" صرخ مدحت بقلة حيلة.
"نمسح الدم يا مدحت، طالما الجثة اختفت لازم نمسح الدم."
حمل مدحت دلو الماء والصابون، وسارت مروة خلفه ببطء.
فتح باب القبو بتردد قبل أن يشعل الإضاءة التي كانت انطفأت.
"هنا، الدم هنا."
بصت مروة، لم تجد شيئاً: "فين الدم يا مدحت؟"
"كان هنا!" صرخ مدحت وهو بيلف ويدور. "كان هنا تحتي، أسامة وقع هنا والدم. الدم كان هنا وهنا."
فتشت مروة القبو بتركيز ولم تجد ولا بقعة دم.
اتكأت على الجدار تسترد أنفاسها: "مفيش دم."
همس أسامة بقلق: "يبقى العصابة رجعت تاني وأخفت آثار جريمتها."
"دخلوا القبو ومسحوا الدم. لكن الغريب إن الراجل ما قتلنيش أنا. كان ممكن يقتلني، ليه قتل أسامة؟"
"متجيش سيرة أسامة على لسانك خالص دلوقتي."
"ولو الشرطة استدعتك قول مش شفته، وأنا كمان هنكر. إحنا مشفناش أسامة من تلت أربع أيام، وإحنا كده كده بيتنا بعيد، والرجل عليه قليلة ومحدش شافه عندنا."
رواية وش تالت الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
هل تعرف ما يعنى اسمك اليوم؟
ما يعنى وجودك حتى غروب الشمس؟
مر يوم لم تظهر فيه الشرطة ولا خبر عن موت أسامة أو حتى اختفائه.
كريم أخو مروة لم يظهر، ومدحت لم يغادر بيته، والعصابة التي كانت تراقب البيت اختفت.
في الليلة الثانية خرج مدحت إلى المقهى يتقصى، يمكن يسمع كلمة كده ولا كده عن موت أعز صحابه.
لكن المقهى كان كعادته هادئة، لا يُسمع فيها سوى صوت قرقرة الشيشة، صوت خبط الضمنة على خشب الطاولة.
شيش. بيش.
لم يكن مدحت في مزاج يسمح له بالجلوس والتسامر.
جسده ملتهب وعقله لا يرحمه.
"يا بهجت مشفتش أسامة النهرده؟"
صرخ مدحت وهو يلقي بلي الشيشة على الطاولة.
"لا مشفتش يا أستاذ مدحت."
تنهد مدحت، هذه الحركة كان يخطط لها منذ أول أمس.
عندما يعلن أنه يبحث عن أسامة ليضع الشبهات بعيداً عنه.
كان يعرف الإجابة مسبقاً.
وفور أن غادر المقهى ووضع قدمه على الطريق سمع صوت خلف عبد الموجود.
"يا أستاذ مدحت أنا سمعتك بتسأل عن أسامة؟"
سقط قلب مدحت عند قدميه.
هل وجد أحد جثته؟
اكتشف أحد أنه كان عنده في المنزل أو القبو؟
"أسامة كان واخد نقلة خضار وساحب بيها على المنيا."
"نقلة خضار؟"
"إمتى ده؟"
"امبارح يا أستاذ مدحت قبل العصر."
تردد مدحت، لكن كان عليه أن يتأكد، "انت شفته بعينك يا خلف؟"
"أيوه يا أستاذ مدحت هو جرى إيه؟"
بسرعة همس مدحت، "مفيش، أصل بحاول أتصل بيه من امبارح تليفونه مقفول."
"إزاي يا جدع دا أنا لسه مكلمه من شوية وقال إنه في طريقه لهنا."
أسامة.
سيارة خضار.
ابتعد مدحت عن خلف وأخرج هاتفه بتردد وطلب رقم أسامة.
بعد شوية وصله صوت أسامة لكنه كان بيقطع.
"أسامة."
"أيوه يا مدحت فيه إيه؟"
"انت أسامة؟"
"خبريه يا مدحت مالك؟"
حاول مدحت أن يبدو هادئاً، أن يستشعر من نبرة أسامة أي لغز أو سر.
ربما تكون الأعصاب معه تراقبه وتجبره على قول هذا الكلام.
"انت كويس يا أسامة؟"
"أيوه كويس يا مدحت أنا في الطريق ولما أوصل هجيلك البيت."
"لا،" همس مدحت، "هنتقابل في القهوة."
أغلق مدحت هاتفه، وركض تجاه المنزل. "مروة أسامة حي."
"حي؟ انت لقيته في مستشفى ولا حاجة؟"
"أسامة سايق العربية بتاعة الخضار."
"سايق العربية إزاي وهو مضروب بالرصاص؟"
"معرفش يا مروة معرفش، أنا شفته ميت قدامي ودمه سايح."
"انت متأكد إنه أسامة؟"
"أنا مش هتوه عن صوت أسامة يا مروة، كلمته وكان واضح إنه كويس جدا."
"بتفكري في إيه يا مروة؟"
"بفكر إن عقلك خلق كل ده، وإن أسامة مات واللي كان بيكلمك حد غيره."
"انتي اتجننتي يا وليه؟ بقلك هو أسامة وكمان شوية هقابله في القهوة."
رواية وش تالت الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
اعملي كوباية شاي دماغي هتنفجر. وانت ياض انت بطل دوشة. هقوم أربطك من رجليك وايديك.
حاضر يابا.
كان طعم الشاي متغير. يشبه حمض على بقايا عفونة علقت في بطن طبق أكل.
أنا هنزل أستنى أسامة في القهوة. مش قادر أقعد هنا.
ارتفع صوت مروة من المطبخ: "بلاش يا مدحت تنزل. خليك هنا. واللي حصل حصل."
اسكتي يا ولية. أنا عقلي هينفجر. لازم أعرف الحقيقة.
مش هرتاح غير لما أعرف الزفت ده صحي من الموت إزاي بعد ما كان ميت.
رزع مدحت الباب خلفه مخلفاً رائحة الدخان والعفرة.
في المقهى جلس على نار. لا قادر يدخن الشيشة ولا يشرب الشاي. كل شوية يبص على الطريق.
لديه أمل أن يكون كل ما سمعه كذب. وأسامة مات وشبع موت.
لكن السيارة ظهرت على أول الطريق. وسرعان ما توقفت أمام المقهى. ونزل منها أسامة بحلبابه الصعيدي.
قهوة معاك يا مرجان. صرخ أسامة وهو يجلس على المقعد جوار مدحت.
تفحص مدحت أسامة من فوق لتحت. لا يعرج. لا يسعل. أنفاسه هادئة. لا يعاني من مرض أو جرح.
الشيشة يلا.
حمامة يا معلم أسامة.
مالك يا مدحت منفعل. عينيك زي التعلب المكار. فيه إيه يا أخي؟
انت مش عارف فيه إيه يا أسامة؟
لا مش عارف يا مدحت. انت يا أخي تغيب تغيب وترجع متغير كده؟
أغيب إزاي؟ وغمز مدحت بعينه. ده احنا كنا مع بعض أول مبارح. فاكر ولا أفكّرك؟
لا مش فاكر يا مدحت. أنا مليت الحوارات بتاعتك دي.
إحنا بقالنا أكتر من أسبوع متقابلناش. آخر مرة اتخنقنا مع بعض. وانت طلبت مني مقربش ناحية بيتك في غيابك.
وأنا قلت لك: لا في غيابك ولا في حضورك.
تنهد مدحت بغضب: أسامة بلاش أنا. لو كنت زعلان إني هزمتك دورين طاولة. هلاعِبك عشرة تانية. لكن بطل هري.
همس مدحت بصوت واطي: كريم أخو مراتي. العصابة.
وضرب النار. الدم اللي ساح منك قدامي.
انت هربت منك خالص يا عم. دم إيه وعصابة مين؟
ده انت عديت محمد سامي.
كريم أخو مراتك ميت من عشر سنين. أنا دفنته معاك. اللي هيطلعه من القبر هو انت. فاكر حمادة هلال في المداح؟
كفاية هزار. صرخ مدحت والعيون صوّبت عليه.
تعالى نكمل كلامنا في مكان تاني يا أسامة.
الله ما أطولك يا روح. يلا بينا.
وصل أسامة أمام بيته. هنا كان فيه شخص بيراقب البيت.
وأنا وانت قبضنا عليه ودخلناه القبو. وهناك ضربك بالرصاص.
قدامي.
استغفر الله العظيم يا رب. يا عم انت جاي تطلع جنانك عليه؟
أنا لا جيت عندك ولا دخلت بيتك.
لا بقا يا أسامة. انت كنت معايا. وانت اللي قلت على حوار العصابة وكريم.
ثم جذب أسامة من يده تجاه الشقة. يمكن أنا كداب. لكن مراتي كمان هتكدب؟
ضرب مدحت البيت بقدمه وصرخ: مروة!
ركضت مروة تجاه الصوت الصاخب.
صرخ مدحت: أسامة ده مش كان معايا هنا من يومين تلاتة. وكان بيحكي عن عصابة قدامك؟
صمتت مروة. كادت الدموع أن تنزل من عينيها. لا محصلش يا مدحت. أنا اشتكيت من أسامة ليك. وانت قابلته في القهوة.
وأمرته ميقربش من الشقة مرة تانية.
الموضوع ده فات عليه كتير.
لا بقا دي لعبة بتلعبوها عليا. انتي والأمور ده. بتخونيني يا مرورة؟
وصفع مروة على وجهها. ثم ركلها بقدمه في معدتها. تدحرجت على الأرض.
أوقفه أسامة بالعافية: انت ما خدتش الدوا صح؟
من إمتى جوزك وقف الدوا يا مدام مروة؟
ليه؟ أكتر من أسبوع مش بياخد الدوا.
علاج إيه؟ انتوا هتجننوني؟ فتحت مروة درج التسريحة.
كانت أكوام البرشام وزجاجات الدواء متراكمة فوق بعضها.
انت بتتعالج من الاكتئاب يا مدحت.
ترنح جسد مدحت. اكتئاب؟ دواء وعلاج؟
أيوه يا مدحت. همس أسامة بحزن. انت بتتعالج من مرض نفسي. وأنا كنت معاك. رجلي على رجلك.
لحد ما شكيت إن فيه علاقة بيني وبين مراتك. بعدها بعدت عنك خالص.
رواية وش تالت الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
ترنح مدحت بجسده الهائل.
برشام إيه وأدوية إيه؟
إيه الخبل اللي بتقولوه ده؟ أنا مش مجنون ولا عمري دخلت مستشفى ولا اتعرضت على طبيب.
بوجه شاحب ودموع منهمرة، اختفت مروة داخل غرفتها، ثم عادت تحمل ملفًا وأوراقًا وروشتات وملاحظات، وضعتها أمام مدحت على الطاولة.
تفحص مدحت الروشتات التي كانت تحمل اسمه. الأدوية النفسية التي امتلأت بها. ملاحظات واستشارات من أكتر من مشفى. انفتحت عيناه على اتساعهما، وارتعشت أصابعه التي تحمل الأوراق. تلعثم لسانه. مسح الشقة بأم عينه. همس: "هاتولي ابني، أنا عايز أحمد ابني".
نظرت مروة تجاه أسامة بوجة أصفر فارقه الدم. كان وجهها شاحب مثل ورقة عنب.
"سلامة عقلك يا مدحت، إحنا معندناش أولاد."
"كفاية لحد كده!" صرخ مدحت وضرب الطاولة بيده. "إنتي عايزة تجنيني يا مرة؟ فين ابني؟ أحمد، يا أحمد؟"
"مدحت!" قال أسامة بنبرة مكسورة. "انت مش بتخلف."
"مش بخلف؟ أمال الواد اللي كنت عمال ألعب معاه أول امبارح راح فين؟ دا أنا كنت لسه بصرخ فيه من يومين!"
"من يومين؟ وبعد اليومين دول شوفته هنا في الشقة؟" همست مروة بدموع.
وضع مدحت أصبعه على مخه. "أنا... آه... لا... يمكن كان بيلعب في الشارع أو راح المدرسة."
"يعني يومين كاملين ابنك في الشارع والمدرسة؟"
"انتو كدابين."
"كدابين!"
"أحمد، يا واد يا أحمد!" نهض مدحت. "أنا هجيب لكم أحمد." دخل أول غرفة، ثم الغرفة التالية، ثم غرفة النوم، قبل أن يركض على المطبخ. "هو فيه إيه؟ الولد فين؟ انتو عملتوا فيه إيه؟"
"انت مجرم يا أسامة مجرم! من زمان وأنا حاسس إنك بتلوف على مراتي. اطلع بره بيتي، بره، بره! وانتِ غوري من وشي، مش عايز أشوفك، امشي من قدامي."
ألقى مدحت بجسده على الكنبة. اختفى أسامة ومروة. هدأت الشقة. كانت الروشتات أمامه، تفحصها مرة أخرى. التواريخ، المشفيات، نوعية الأدوية. كل شيء يقول إنه مريض نفسي، مشخص بانفصام في الشخصية.
"لا، أنا مش كده. العصابة، كريم، الراجل اللي ربطناه في القبو." فتح الشرفة، راقب الشارع، يده على قلبه. لمح شخصًا على الناحية الأخرى يقف يدخن سيجارة. "هو ده، أنا متأكد. أنا هثبتلهم إني مش مجنون."
وقبل أن يفتح باب الشقة، ظهرت مروة تحمل تحاليل من معمل المختبر.
"تحليل سائل منوي، ده التحليل بتاعك يا مدحت. النسبة أقل من خمسة في المية، عدد الحيوانات المنوية أقل من النسبة بملايين. إحنا روحنا لدكاترة كتير يا مدحت وحاولنا لكن محصلش نصيب. دي آخر مرة عملنا فيها حقن مجهري والعملية فشلت. انت كان نفسك نخلف ويبقى ليك ابن تسميه أحمد."
شعر مدحت بصداع يشق رأسه نصفين، ثم انهار على الأرض.
بعد ساعات، فتح عينيه. كان في سريره. المحاليل الطبية في عروقه. مروة جالسة تحت قدميه، نصف نائمة.
سعل مدحت. "إنتي صاحية يا مروة؟"
"أيوه يا حبيبي صاحية. لحظة واحدة، خدي الأدوية دي علشان خاطري."
استسلم مدحت، فتح فمه وابتلع الأقراص المهدئة. شعر أن رأسه تتضخم، جسده يرتخي. فتح فمه، أطلق ضحكة ساخرة.
"نام يا حبيبي، أنت محتاج راحة. بقالك أكتر من أسبوع مش بتاخد الأدوية."
"حاضر." أغمض مدحت عينيه وغط في نوم عميق.
كم ساعة مرت وهو غافي، لا يعلم تحديدًا. لكن عندما فتح عينيه، كانت الشقة هادئة ورائحة طبخ قادمة من المطبخ.
رواية وش تالت الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
شعر مدحت ببعض الحيوية، فتح باب الشقة ونزل إلى المقهى. جلس على المقعد وطلب شيشة وشاي.
كان بحذاء المنزل وجلباب بلدي ووجهه أصفر مثل الليمونة التي طرحتها الشجرة بعد انتهاء موسمها. لا شيء يقضي على روح المرء أكثر من الهموم. كان يتابع نظرات الناس وأحيان همساتهم ويتصعب على نفسه وعلى الأيام. أيام زمان. لكنه لم يبلغ الأربعين بعد. ماله يشعر أنه رجل مسن رجله والقبر. إن كان مريض سيأخذ الدواء والله قادر على كل شيء. إنه لا يهذي ولا يركض في الطرقات نصف عارٍ.
"والله صعبان عليه المعلم مدحت، يوم هنا ويوم هناك." همس النادل مع عامل المكتب الذي يعد المشاريب. "الدنيا دي مش سايبة حد في حاله."
سعل المعلم مدحت. الدخان طعمه علقم. والشاى الذي كان يوزن دماغه لا يستسيغه. وزوجته مروة، بنت الأصول التي صبرت معه، مع رجل لا يستطيع أن ينجب تستحق كل الخير. وكان على وشك أن يعود إلى شقته ويأوي إلى سريره ويكفي خيره شره. إلا أن أسامة ظهر وجلس بعيدًا عنه يدخن الشيشة ويضحك مع أهل المقهى. الذي يموت لا يعود مرة أخرى. والرجل يقف أمامه سليم معافى. وإن كان صديقه يستحق اعتذارًا، وإن كان عدوه ولا يعلم لأن عقله ترك مرابطه فعليه أن يعامله بالحسنى.
شرفة بيته قريبة من المقهى وأحيان إذا مر أحد بالقرب منها يراه من في الشارع. لمح مدحت طيب طفل من الشرفة.
"طفل كبير، ربما أحد عشر عام أو أكثر."
ترك مدحت لي الشيشة وشمر جلبابه وصعد إلى الشقة.
ليس لديه أمل. يعلم أن عقله يخونه لكنه إن يفضح نفسه.
طرق باب الشقة ودلف إلى الداخل.
"مروة انتي عمللنا ايه على العشاء؟"
"إلى قلبه يحبه يا مدحت، محشي وبط ورز وخضار."
استدار مدحت ناحية الغرف ونظر داخلها مرة بعد مرة. وفي كل مرة قلبه يهوي بين قدميه.
"بتدور على حاجة يا مدحت؟"
"لا مفيش، محفظتي كنت بدور عليها."
"لحظات والعشاء يكون جاهز."
لكن مدحت لم يشعر بالجوع ولا رغبة له في خنقة الشقة.
نزل إلى القبو وجلس على المقعد وسط الظلام.
هنا ابتدأت حكايته. هنا تفجر جنونه. مر وقت طويل وهو جالس في مكانه حتى سمع حركة.
جرذان كان يتحرك بين الأثاث المخزن. في الماضي كان هناك هر يربيه يقضي على الفئران لكن ابنه أحمد أضاعه في الشارع.
لكنه لا يمتلك ابن اسمه أحمد. ولا يستطيع الإنجاب.
ضغط على قابس النور جواره، الذي أضاء القبو بأكمله.
لمح الجرذان الذي هرب بسرعة. كان تحت مقعد خشبي مكسر.
"هو الفقر ده بياكل ايه؟"
رفع المقعد. ونظر تحته. وجد بقعة دم كبيرة. ولم يجد طائر ميت أو دجاجة أو عصفورة.
"من أين أتت بقعة الدم؟"
قرب مدحت عيونه من الدم وحدق فيه.
"دم بشري؟"
ثم سمع صراخ مروة.
"العشاء جاهز، لحظة واحدة وجاي."
مرر أصبعه على الدم قشطه ولمس به طرف لسانه.
"دم، مؤكد دم. حتى لو كان عقله كاذب مغيب عينه ترى الدم ولسانه تذوقه."
جلس على المنضدة وهو يأكل قال لزوجته.
"تصدقي أنا لقيت بقعة دم في القبو!!"
"مدحت." همست مروة بزعل. "احنا كنا نسينا الموضوع ده وبقينا تمام. هترجع تاني للأوهام؟"
"مش أوهام يا مروة المرة دي أنا متأكد إنه دم. دم ناشف يابس لازق في البلاط."
"مدحت ارجوك بطل. أنا تعبت مش متحملة حاجة تانية ومصدقت إنك أخدت الدوا وبقيت كويس."
تلعثم لسان مدحت. كاد أن يعترف أنه لم يأخذ الدواء بل ووضعه في قاعدة الحمام.
"طيب ممكن تصدقيني المرة دي بس؟"
"ناكل وننزل نبص على القبو."
"يوه كفاية بقا يا مدحت، انت ايه مبتزهقش؟"
"رايحة فين؟" همس مدحت بتساؤل بعد أن تحركت مروة تجاه المطبخ.
"هجيب الملح، نسيت الملح."
بعد أن أنهى مدحت العشاء رافقته مروة تجاه القبو.
فتح الأضواء وسار تجاه المقعد الذي تركه مكانه.
"رفع المقعد بص هنا."
وكان قد سبقها بالنظر ولم يجد شيء.
لا بقعة دم ولا يحزنون.
"فين الدم يا مدحت؟"
"كان هنا والله أنا شفته بعيني."
"مدحت ارجوك كفاية، كفاية." تركت مروة القبو غاضبة.
شعر مدحت بحزن وكآبة تزحف على صدره. ضرب الأرض بقدمه عدت مرات. ثم توقف مكانه واقترب بوجهه من الأرض.
"الدم كان هنا."
لكن البلاط كان يبرق من النظافة ولا أثر لأي بقعة دم.
رواية وش تالت الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
العاشرة
رجع مدحت على الشقة، كان منكسر مثل عود شجر ضعيف هبت عليه عاصفة. كان شارد لحد بعيد.
"مروة فين البرشام؟"
لم ترد مروة، واخده على خاطرها. زمت شفتيها بتمنع.
"أنا عارف إنك زعلانة، بس أنا هاخد البرشام، هاخده على طول ومش هسبب ليكي ولا ليا الاحراج مرة تانية."
أربعة برشامات:
Haloperidol
Chlorpromazine
Thiothixene
Fluphenazine
شعر بلسعة في يده وعدم اتزان، ثقل تملك رأسه.
"أنا هدخل أنام، مش قادر أصلب طولي."
رقد مدحت على السرير يشعر بسكون غريب.
"خد ده كمان هيخليك كويس."
ناولته مروة برشامة بريدنيزون.
ابتلعها مدحت وراح في نوم عميق.
توالت الساعات وهو راقد، وعندما أفاق شعر ببعض الحيوية.
كانت مروة في الصالة تشاهد التلفاز.
جلس مدحت بعد أن قبل يديها.
"أنت كويس يا حبيبي؟"
"الحمد لله، أنا حاسس إني كويس جداً، العلاج ده ممتاز."
"أنا هخليه في أوضتي دايماً وآخد منه على طول."
"بقلك يا مروة، بيتهيألي إني سمعت ذي ما تكوني بتتكلمي مع حد وأنا نايم."
"هكلم مين يا مدحت ومين بيجي عندنا أصلاً؟"
"ده من أثر العلاج يا مدحت، معاكي حق. أنا دماغي بقت تتخيل حاجات كتير جداً."
"هنزل أقعد على القهوة شوية وارجع."
قضى مدحت جلسته في المقهى، ثم في طريق عودته مر على القبو.
رفع المقعد المكسور ونظر تحته. البلاط النظيف الذي تراكمت فوقه حبات تراب قليلة.
ترك مدحت القبو وعاد إلى الشقة، قصد غرفته وفتح الدولاب، ثم أخرج نقوداً كان يحتفظ بها للأيام السوداء.
"انت هتعمل ايه بالفلوس دي يا مدحت؟"
دخلت مروة فجأة.
"هشترى بيها تليفون جديد، تليفون حديث من بتاع التتش."
"ليه يا مدحت تليفونك اشتكى؟"
"مشتكاش ولا حاجة، بس أنا مريض دلوقتي ومحتاج تليفون أنزل عليه ألعاب أتسلى بيها بدل ما أقعد على القهوة."
اشترى مدحت هاتفاً جديداً وعاد به إلى الشقة. أخذ جرعات الدواء ثم جلس في غرفته يتسلى ببعض الألعاب.
مضت أيام ومدحت يواصل أخذ العلاج والجلوس في غرفته لا يخرج منها. وكان عقله بدأ يمتلأ بالأوهام والهذيان ويتخيل علاقات وهمية تدور داخل عقله.
كانت مروة تتابع جرعات الدواء باستمرار وتتطمأن أنها تنقص باستمرار.
ثم زهق مدحت من الحبس، فخرج إلى المقهى. وكان بين الناس شخصية محبوبة، إلا أن غمزاتهم ولمازاتهم كانت تقتله.
كان الجميع ينظر إليه بعين الرهبة.
وعندما تأخرت الشيشة، صرخ مدحت: "فين الشيشة؟"
صاحب القهوة قال: "انت هتطلع جنانك علينا ولا ايه؟"
وضحك الجالسين، وضحك معهم أسامة. لم يتحمل مدحت الكلام. ترك المقهى وسمع أذان العشاء فدخل يصلي. وبعد أن خرج وقف تحت منزله غير قادر على الصعود.
ومضى وقت طويل وهو جالس في ركن مظلم لا يراه أحد، لكنه يكشف الشارع.
وبعد أكثر من ساعة، مر أسامة تحت بيته، ثم وقف ونظر تجاه الشرفة قبل أن يطلق ضحكة كبيرة.
أخرج مدحت هاتفه والتقط صورة لأسامة قبل رحيله.
ثم عاد أسامة بعد مضي ساعتين أو أكثر. وكلما مر تحت المنزل نظر تجاه الشرفة مدة دقيقة قبل أن يرحل.
لكن تلك المرة، وضع هاتفه على أذنه وهو راحل.
صعد مدحت شقته، لم يتحدث مع مروة، دخل شقته وأغلق الباب على نفسه.
فتح الاستديو وتأمل صورة أسامة. "إذا كان عقلي يكذب، فإن الهاتف لا يكذب."
وخلال نومه، فعل برنامج التسجيل وترك هاتفه قرب باب الغرفة في أقرب نقطة للصالة. ورغم أنه سمع صوت همس خارج غرفته وكلام لم يخرج.
كان لا يزال تحت تأثير الهذيان ويتخيل أن عقله يكذب عليه.
وعندما فتح عينيه في الصباح، أمسك هاتفه بسرعة وفتح تسجيل الصوت.