الفصل 41 | من 51 فصل

رواية وسولت لي نفسي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم روان الحاكم

المشاهدات
21
كلمة
5,124
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

جلس كلا من روان وزين أمام الطبيبة التي تُتابع حالتها. كان كلا منهما يشعر بالخوف الشديد من القادم، وتحديداً زين الذي تسارعت ضربات قلبه بشدة. أمسك يد روان فكانت شديدة البرودة، ضغط عليها برفق، يرسل لها نظرات يبث الأمان داخلها، يخبرها أنه معها. هزت روان رأسها بهدوء وهي تأخذ أنفاسها. رفع زين بصره عنها ووجه أنظاره للطبيبة للتحدث. عدلت الأخيرة من نظارتها، ثم أمسكت

التقارير أمامها وأردفت: "للأسف يا دكتور زين، إن حالتها متأخرة. المفترض إني ما كنتش أقول الكلام ده قدامها، لكن أنا تعمدت إنها تسمعه. لازم يكون عندها صبر وعزيمة إنها تتحمل أي حاجة هتمر بيها وتكون مدركة للوضع اللي هي فيه. وعشان كده حبيت أوضح لكم حالتها بالضبط. لازم تبدأ جلسات من النهارده، لأن كل يوم بيعدي بيكون خطر عليها زيادة."

مع كل كلمة تنطقها الطبيبة، زاد ضغطه على يدها، وكأنه يرفض تصديق كل ما تتفوه به تلك الطبيبة ويخشى تركها. لم تنطق روان بشيء، ظلت صامتة. ماذا ستقول إذاً؟ لقد رضيت بالأمر، عزمت ألا تكون ضعيفة وستتحمل ما يحدث، ولكن هل ستقوى على فعل ذلك؟ "تمام يا دكتورة، هنبدأ جلسات من النهارده." بصعوبة شديدة نطق زين حديثه. لا يجب التأخير كما قالت الطبيبة. يصعب عليه الأمر، لكن ما باليد حيلة، ليس بيده شيء سوى الدعاء.

"اتفضلوا استريحوا لحين ما نجهز الأوضة." غادرت الطبيبة لتفعل ما قالت. أمسك زين يدها ثم خرجا لحين تجهيز الغرفة. "أنا عارف إنك قدها وقوية وهتقدري تتخطي كل ده، وأنا واثق في ربنا إنه هيشفيكي." هزت روان رأسها بابتسامة وهي تود قول شيء ولكنها تراجعت. لاحظ زين ترددها ليقول: "عايزة تقولي حاجة؟ شوفي نفسك في أي وأنا هعملهولك." زاد توترها وأخذت تفرك في يدها. كيف تخبره بما تريده؟ أتخبره أنها تريده أن يحتضنها كي تشعر بالأمان؟

اعتادت روان منذ صغرها حينما كانت تشعر بالخوف أو تحزن، تحتضن من أمامها. ورغم أن زين أصبح زوجها، إلا أنها ما زالت تخجل منه. مع زيادة توترها واحمرار وجنتيها خجلاً، علم ما تريده منه، ولكنه حاول المراوغة معها كي يخرجها من تلك الحالة. "قولي يا روان، متتكسفيش، ده أنا حتى زي جوزك يعني." وإن ظن أن بحديثه هذا سوف يرفع الحرج عنها، فهو مخطئ، ما زادها هذا إلا خجلاً. "هو... يعني... ينفع. ت... تح... "ينفع ت إيه؟ كملي؟

صمتت روان ولم تجب. لا تعلم كيف أصبحت خجولة لهذا الحد. هذا هو زينها الحبيب، ماذا إذاً؟ لم يرد زين أن يزيد من إحراجها. اقترب منها... ثم على حين غفلة جذبها لأحضانه برفق، وكأنها شيء ثمين يخشى كسره. وهي كذلك بالنسبة له. مسح على رأسها برفق، يخبِرها ببعض الكلمات التي طمأنتها. استكانت روان بين يديه وهي تشعر بالراحة وتحاول تناسي الأمر وما هي مقبلة عليه.

أراحت رأسها على كتفه وظلت متشبتة به كطفلة صغيرة تخشى ترك والدها. ابتسمت بفرحة شديدة لكون زين علم ما تريده دون التحدث، متذكراً عادتها منذ أن كانت صغيرة. أغمضت عينيها وهي تشعر بأنها أسعد شخص في هذا العالم وقد تناست كل شيء حولها، وتردد الحمد فقط. ما عن زين، يشعر بتسارع دقات قلبه وعقله لم يصدق بعد. محبوبته أصبحت حلاله وبين يديه. وإن كان هناك بعض الصعاب، ولكن يكفي كونها داخل أحضانه الآن. يشعر وكأن العالم بأجمعه بين يديه.

لم يفق إلا على صوت عمر وهو يقول: "الله الله، بقى هي دي الأمانة اللي مأمنك عليها يا زين؟ ابتعدت روان عن زين بحرج وهي تنظر لعمر بتوتر، ليس وكأن من كانت معه زوجها. "زوجتي يا حبيبي... بفكرك لو كنت ناسي يعني." قال زين حديثه بارتياحية. نظر له عمر بغيظ من هذا زين، والذي أصبح شخصاً مختلفاً عن زين الذي كان يعرفه. اقترب من روان ثم احتضنها هو الأخير وهو يحاول تهدئتها، يخبِرها أنه معها ولن يتركها.

"مكنش له لازوم تتعب نفسك وتيجي يا عمر." أردف زين بجدية شديدة، فهو لم يكن يريد أن يأتي أحد معه. هو كفيل لأن يهتم بها وحده، وأيضاً لا يريد لأحد أن يراها هكذا. ولكن كان لابد أن يخبر عمر ووالدتها. "أعتقد روان أختي ومينفعش أسيبها في ظرف زي ده. وعموماً متقلقش، أنا مجبتش سيرة لحد خال... " لم يكد عمر ينهي حديثه حتى وجد باقي العائلة أمامهم.

"غير دول بس." أكمل باقي حديثه حين أبصر الجميع أمامه، حيث كانت ياسمين في المقدمة ومعها والدة روان، وعمها وزوجته، وأخيراً والدته. لم يكن يعلم بأن الجميع سيأتي بعدما أخبره. نظر له زين بضيق من تصرفاته الطائشة. لم يكن يريد أن يقلق أحد. هي أصبحت زوجته وهو فقط من له الحق الاعتناء بها. اقترب الجميع من روان يحتضنوها. أدمعت عيونها بتأثر. لولا هذا الابتلاء ما كانت لترى نظرات الحب في أعين الجميع.

"جه ميعاد الجلسة، عمر خد الجماعة كلهم استريحوا تحت عشان مينفعش ندخل كلنا." أومأ له عمر وهو يشير بيده للجميع. أما عن روان، شعرت بالخوف يتسرب إليها مجدداً، فما هي مقبلة عليه ليس بالهين، سوف تخوض تجربة ألم لأول مرة.

أمسك زين يدها برفق وسار معها. "الجلسة مش سهلة يا روان. افتكري إنه اختبار من ربنا ليكي، لعل الابتلاء ده يكون سبب لدخولك الجنة. افتكري إن الجنة تستاهل إنك تتعبين. الجنة اللي فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيها الرسول والصحابة. كل التعب ده هيعدي وهتنسيه، لكن أجرك وحسناتك عند ربنا مش هتروح. بعدين هتحمدي ربنا على الابتلاء ده وتقولي يا ريت كنت فضلت عمري كله كده."

في هذا اللحظة، كانت تشعر بمشاعر عديدة مختلطة. شعرت أيضاً بالحماس. ستقاوم لآخر نفس بها، سوف تستعوض كل هذا عند الله لكي تأخذ الثواب. وصلا إلى الحجرة المخصصة، أجلسها زين على الفراش وهو يمسح على رأسها، ثم بدأ يتلو بعض آيات الله بصوته العذب لكي يبث الأمان داخلها، حتى أتت الطبيبة وهي تقول: "ها يا روان، جاهزة عشان نبدأ أول جلسة؟

ارتجفت أوصالها بشدة وخفق قلبها. ها هي أتت اللحظة التي تخشاها. نظر لها زين بألم ولا يدري ما يفعل كي يخفف عنها الألم. "إيه رأيك أحكيلك قصص عن الصحابة طول الجلسة؟ " أومأت له روان بهدوء وداخلها يبكي خوفاً. نعم، هي رضيت، ولكنها تشعر بالخوف وهذا أمر خارج عن إرادتها. بدأت الطبيبة في عمل الجلسة في الوقت الذي بدأ فيه زين الحديث:

"هحكيلك قصة جميلة أوي وأنا بحبها. قصة سمية بنت الخياط، ودي أول شهيدة في الإسلام. لما أسلمت، مكنش لسه فيه من الناس أسلم، واللي بيعلن إسلامه معروف إن الكفار بيفضلوا يعذبوا فيه لحد ما يموت. المهم، لما الرسول بدأ يدعي الناس لعبادة الله وحده وللدين، هي أسلمت هي وجوزها وعيالها. فلما الكفار عرفوا بإسلامهم، خدوهُم عشان يعذبوهم. وربطوهم في صخر على رمال شديدة السخونة من شدة الشمس وفضلوا يعذبوا فيهم عشان يرجعوا، ولكن هي مترددتش لحظة واحدة. لدرجة كل ما الرسول والصحابة يعدوا ويشوفوها بيتأثروا جداً.

لما كان بيعدي كان بيقولهم: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة." لما اشتد عذاب الكفار عليها، الرسول طلب منها إنها تمثل إنها ارتدت عشان يسيبوها. أداها الرخصة لكده. قالها: "قولي لقد تركت دين محمد." وطلب منها إنها تسب لما أمروها إنها تسب الرسول. تخيلوا كان رد فعلها إيه؟

قالت: "واللهِ اللسان الذي ينطق بإشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله لا يسب الرسول أبداً." تخيلوا الرسول أعطاها رخصة إنها تسبه قدامهم، أو حتى تقول إنها ارتدت عن الإسلام عشان يسيبوها هي وعيالها، ولكنها مدام قلبها مليء بالإيمان، ولكنها فضلت؟ شافت العذاب أشكال وألوان وبرضو فضلت ثابتة على موقفها. لما أبو جهل سب الرسول قدامها، بصقت في وشه. قام شقها نصين؟

فضلت تتحمل العذاب وتشوف جوزها وأولادها بيتعذبوا على حاجة لو عملتها كمان مكنتش هتاخد ذنب عليها، ولكنها فضلت مصرة على موقفها. شفتي دلوقتي إيه اللي حصل؟

هي بتنعم في الجنة في الفردوس الأعلى، وأبو جهل والمشركين في النار. إحنا جايين الدنيا عشان نبني لنفسنا مكان في الجنة. بل إحنا مش عايزين الجنة بس، إحنا طمعانين في الفردوس الأعلى، نبقى جيران الرسول والصحابة. تخيلي كده تبقي عايشة مع الرسول والصحابة وفي الجنة كمان، اللي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. طب تفتكري الجمال ده كله هيكون بالساهل؟ مش لازم نتعب عشان نوصل للي إحنا عايزينه؟ ...

كان زين على وشك استكمال حديثه والموعظة من القصة، ولكن أبصر وجه روان والذي شحب بشدة. في البداية كانت تستمع لحديثه وتحاول المقاومة، ولكن يبدو أن قواها خارت. كانت تضغط على يده بقوة وعيونها حمراء وقد تعرق جسدها وهي تجاهد ألا تبكي. شعر زين بأنه أخطأ من البداية. ما كان عليه أن يخبرها بما قد لا تتحمله الآن. كان من المفترض أن يخبرها القصة قبل الجلسة أو بعدها. فلا هي بسمية بنت الخياط، ولا نحن بعهد الصحابة. فما زادتها إلا عجزاً وهي تكتم شهقاتها خوفاً من أن يكون هذا عدم رضى.

"عيطي يا روان، متكتميش جواكي... صرخي." وكأنها كانت بحاجة لكلماته، حتى انطلقت منها صرخة مدوية في المكان. سقط قلب زين معها. أخذت تصرخ بشدة وتبكي، لقد فاق الألم تحملها. تشعر بأن روحها تنسحب منها. سمع عمر صراخها، فقد كان يقف بالخارج بعدما ترك الجميع. جلس أرضاً وهو يبكي كطفل صغير. وياسمين تقف على بعد منه تتساقط دموعها وتدعو الله لها.

أما عن روان، فقد كان سؤالاً واحداً كان يتردد داخل عقلها. ما الذي كان يحزنها قبل هذا البلاء؟ كانت تغضب وتتذمر وهي معافاة تماماً وترى حياتها بائسة. الآن فقط أدركت نعمة أن تجلس دون ألم. يا الله، لا يشعر بالنعمة إلا من يفقدها. كانت روان كغيرها تتذمر على أي شيء وترى بأنها حزينة وحياتها ليست على ما يرام. والآن ماذا؟ تتمنى فقط أن تعود لسابق عهدها دون مرض ولن تشتكي شيئاً.

حاولت تهدئة ذاتها وتحمل ألم الكيماوي، ولكنها لم تستطع، حتى ازدادت صرخاتها مرة أخرى هزت أركان الغرفة. سقطت دموع زين وهو عاجز عن فعل شيء لها. يتمنى فقط لو يأخذ الألم عنها. فهو يشعر وكأن ألم الكيماوي يسير داخل أوردته هو وليس هي. كان سينهار معها هو الآخر، ولكنه تماسك على آخر لحظة. لا يجب عليه أن يضعف الآن، يجب أن يمدها بالقوة لتحمل ذلك الألم الشديد.

"اهدي يا حبيبتي، اهدي يا روان، هتكوني بخير. قاومي عشاني يا روان، إنتِ قدها. افتكري إن الجنة تستاهل." "يا الله يا سميع... يا الله يا مجيب يا غفور يا رحيم... " تحولت صرخاتها إلى ذكر الله تعالى. أخذت تردد بعضاً من أسماء الله الحسنى. "يارب اغفر لي كل ذنوبي وذلاتي... يارب ارزقني الجنة." ظلت تدعو تارة، وتذكر أسماء الله الحسنى تارة، وأخرى تبكي بالم حين يشتد بها الألم. حتى أخيراً، بعد مرور ما يقارب الساعة، انتهت الجلسة.

أغمضت روان عينيها بألم وهي تبكي وتردد بين شهقاتها: "والله يا زين... أنا... أنا. كنت هستحمل... ومكن.. مكنتش هصرخ وأعيط، بس غصب عني مقدرتش. أنا والله راضية ومش معتر...

"هش خلاص، كل ده انتهى والجلسة خلصت." احتضنها زين وهو يمسح على رأسها وقلبه يأن وجعاً لأجلها. ليته يستطيع تخفيف شيء عنها. ظل يربت على رأسها بحنان ويمسح دموعها، ثم قبل رأسها برفق. "خلصنا خلاص ومعدش فيه تعب، انسي كل حاجة وأنا عارف إنك راضية ومش معترضة. الألم كبير عليكي وعياطك ده نتيجة وجعك مش عشان إنتِ مش راضية." احتضن وجهها بين كفيه وهو يلقي عليها بعض الكلمات حتى هدأت تماماً وتوقفت عن البكاء.

"يلا عشان الكل مستنينا بره، وكمان عاملك مفاجأة." ساعدها زين للوقوف وعدل ملابسها وأسندها عليه كي تستطيع السير. بينما في الخارج كان يقف عمر وهو يبكي لأجلها. اقتربت منه ياسمين تعطيه مناديل وهي تبكي هي الأخرى. الجميع يعلم تعلق عمر بها. نظر لها عمر بين دموعه، ثم أخذ منها علبة المناديل وأخرج منها واحداً لها وواحد له، ثم أعطاه إياه. أخذته ياسمين. "هي محتاجة إننا ندعيلها...

ربنا الوحيد القادر على شفائها ولازم نكون أقوياء عشان نقدر نقف جنبها لأنها محتاجانا في الوقت ده ومينفعش نضعف قدامها." أومأ لها عمر بابتسامة وهو يجفف دموعه. ابتعدت عنه ياسمين ووقفت تنتظر خروجهما وهي تدعو الله أن يلطف بها، ولا تدري ما فعلته خطأ أم صواب، ولكن هيئته وهو يبكي أوجعت قلبها حقاً.

بعد قليل خرجت روان وهي تستند على زين بعدما رفضت أن يحملها حتى لا تقلق أحداً. اقترب منها عمر وهو يحضنها مجدداً، كما فعلت ياسمين هي الأخرى. وصلا لمكان جلوس الجميع، ركضوا جميعاً لها يطمئنوا عليها. ابتسمت روان بتعب وهي ترى نظرات الحب بين الجميع وحاولت جاهدة أن تبدو بخير كي لا تقلقهم. "عمر...

وصلهم كلهم وأنا هاخد روان أخرجها شوية." رحب الجميع بالفكرة، فهي بحاجة لتغيير مزاجها أثر الجلسة. وافق عمر وذهب مع الجميع، بينما زين أمسك يدها وأوصلها لسيارته وركب بجوارها. توقفت السيارة أمام البحر. نظرت روان حولها، كان المكان مزيناً بشدة وحولها العديد من البلالين باللون البنفسجي. أنزلها زين ثم سار بها تجاه الشاطئ، فقد أتى إلى هنا خصيصاً لأنه يعلم كم تعشق البحر.

تطلعت روان المكان حولها بفرحة. وما زاد فرحتها كون أن زين يتذكر كل صغيرة وكبيرة بها. عادت ببصرها له وهي تقول من بين فرحتها: "زين، المكان حلو أوي... عملت كل ده عشاني؟ "لو معملتش كل ده عشانك، أعمله عشان مين؟ " اقتربت منه هي هذه المرة ثم احتضنته. "أنا بحبك أوي يا زين... أنا مش عارفة عملت إيه في حياتي عشان ربنا يرزقني بيك." نظر لها زين بفرحة. ها هي صغيرته عادت إليه من جديد، لكن هذه المرة وهي زوجته وحلاله.

"وأنا بحبك من أول يوم ما اتولدتي يا روان، كنتِ أول حاجة أتمناها من ربنا ودعوتي الثابتة في كل صلاة. لدرجة وأنا بصلي بالناس مرة دعيت بصوت عالٍ وأنا ساجد إن ربنا يرزقني بيكي. من كتر ما أنا بقول الدعوة، الجامع كله رد ورايا آمين. وربنا استجاب لدعائي بعد سنين وبقيتي معايا أهو."

أدمعت عيونها مجدداً. شعرت روان بالخجل من سوء ظنها بالله. ها هو الله رزقها بأحن شخص على الوجود. ستحارب السرطان لأجله ولأجل أن تبقى معه وتنعم بدفء أحضانه. لقد انحرمت من مشاعر الأبوة منذ أن كانت صغيرة، ولكن ها هو زين يعاملها كما لو كانت طفلة صغيرة مدللة.

"شوفي جبتلك إيه." أعطاه زين صندوقاً مليئاً بالأشياء. أمسكته روان وهي تخرج ما بداخله، فكان به الكثير من الشوكولاتة التي تفضلها، والحلوى، والكثير من الأشياء حتى وقعت عيناها على شيء يلمع. تركت ما بيدها ثم أمسكته. كانت علبة حمراء مزينة بطريقة تجذب الأنظار. فتحتها روان ثم وجدت بداخلها سلسلة فضة على شكل فراشة.

تطلعتها بانبهار، فقد كانت أجمل ما رأت دون مبالغة. أمسكها زين منها ثم قام بتلبيسها، فقد كان المكان خالياً من البشر ولا يوجد سواهما. "شكراً أوي يا زين... أنا مش عارفة أقولك إيه." "فيه واحدة تشكر زوجها برضه؟ ... نبدل كلمة شكر دي بكلمة بحبك يا زين، اتفقنا؟ خليها تروي سنين الجفاف اللي عشتها بقى." ضحكت روان على حديثه. لم تعتد على زين الجديد الذي أمامها بعد. منذ متى وأصبح زين رومانسياً؟

"خلاص اتفقنا، بحبك يا زين." ضحك زين عليها وهو يعطيها ما قام بجلبِه لأجلها، حتى انقضى اليوم بسلام بعد تعب طويل أرهق كلاهما ليكون تعويضاً لهم عن ما مروا به. في صباح اليوم التالي، استيقظت روان مبكراً. أدت فريضتها وارتدت ملابسها للذهاب إلى جامعتها. كانت لا تزال تشعر بالإرهاق الشديد أثر جلسة الكيماوي الخاصة بها، ولكنها تحاملت على نفسها. يجب ألا تستسلم وتكمل باقي حياتها بشكل طبيعي.

خرجت حتى وجدت زين بانتظارها. كان زين ما زال رافضاً لفكرة ذهابها كي لا تتعب ويبقى بجوارها، ولكنها صممت على رأيها. انتبه زين لملابسها الفضفاضة التي ترتديها. كانت روان ترتدي فستاناً وفوقه يزين وجهها الخمار والذي زادها جمالاً على الرغم من الإرهاق البادي على وجهها. ابتلع زين ريقه وهو يقول بمزاح: "هو إحنا مينفعش نقدم ميعاد الفرح ونكمل الجلسات في بيتنا؟

عشان كده كتير عليا بصراحة." يُغازلها بطريقته المميزة. سعدت روان بحديثه. كانت تشعر بأنها لم تعد جميلة كسابق، ولكن نظرات زين لها نفت أي شك داخلها لتعود ثقتها لها من جديد. فتح لها زين باب السيارة. ابتسمت له روان وركبت بجواره. تذكرت عدم وجود ياسمين. "أمال ياسمين فين؟ "مش هتيجي النهارده، بتقول معندهاش محاضرات مهمة." أومأت له روان وأسندت رأسها على المقعد حتى سمعت صوت زين يدندن بخفوت: "هي دي اللي اختارتها...

اللي دينها مهرها... هي دي اللي اختارتها... اللي دينها مهرها... قالتلي أنا شاري وبيتي حلالي في قلبي حطيها... قالتلي دا بيتنا يا زين، فرحتنا بالصورة والقرآن والحب حياتنا، يبعد عنا شيء اسمه الشيطان.... لقيتها هي اللي لايقالي بس المهر هو حلالي... آيات القرآن الغالي... آيات القرآن الغالي.. عشانه اختارتها."

ضحكت روان والهواء يداعب وجهها مع كلمات زين. مشاعر عديدة داخلها. هنا فقط علمت أن الحلال أجمل بكثير. ماذا إن قامت بتجربة تلك المشاعر قبل عقدها في الحرام؟ هل كانت لتستمع بكل تلك المشاعر داخلها وهي تجربها لأول مرة فقط مع زوجها؟ عكس كثير من الفتيات التي يرخصن أنفسهن تحت مسمى الحب.

وصلا إلى الجامعة. دلف زين منها وفتح لها الباب ثم أمسك يدها وهو يسير بجوارها ولم يترك يدها حتى وصلا إلى المدرج والذي كانت جميع الأنظار عليهم. بدأت الهمهمات من بعض الطلبة، فقد علم الجميع بشأن عقدهما بعدما أعلن زين يوم العقد، كي يعلم الجميع بعلاقتهما كي لا يثير أي شك نحوهما.

ظل زين ممسك يدها حتى أجلسها تحت تذمر روان بأن يتركها، لكن زين لم يأبَ. يخشى أن يتركها ولو لدقيقة واحدة. أما عن الجميع، فقد رأوا بأن تصرفه مبالغ فيه. لا أحد يعلم حقيقة مرضها ولحقدهم لم ينتبهوا للتعب البادي على وجهها وعدم قدرتها على السير بشكل متزن. نحن هكذا دائماً ما نسيء الظن دون معرفة الحقيقة. ابتعد زين وقف لكي يعطي المحاضرة، لكن عن روان، انتبهت لبعض الهمهمات من إحدى الطالبات: "معقول الدكتور زين في النهاية يتجوز دي؟

" "بيقولوا إنه كان بيحبها من زمان." "أكيد بقى هي لبست الخمار عشان يرضى بيها." "أو يمكن هو اللي لبسهولها." "خسارة فيها والله.. حظها بقى." "تفضل عايشة حياتها خروج ولبس وفي النهاية تقع مع واحد زي زين، شوفي حظنا إحنا." كانت روان تستمع لحديثهم بعيون مغرقة بالدموع. لهم الحق يحسدها على زواجها من زين، لكن هل يعلموا مقابل هذا؟

لقد أهلك المرض جسدها. فقدت والديها منذ صغرها. ولكن يحسدونك فقط على شيء حصلت عليه ولا يروا ما خسرت مقابل ذلك. لم يروا كم الوجع الذي تحملته أثناء جلستها للكيماوي. نظرت لزين فكانت عيونه ثابتة عليها. ابتسمت له وهي تحمد ربها على نعمة وجوده. ترى لهم الحق في حسدها عليه وهي بنفسها تستكثر شخصاً مثل زين عليها.

انتهت المحاضرة أخيراً، والذي كان زين مشغولاً بها خوفاً من أن تتعب. كان سيؤجل محاضراته ويجلس بجوارها لولا إصرارها على الذهاب. ذهب زين ثم جلس بجوارها يطمئن عليها. تشعر بأنها طفلة صغيرة يهتم بها والدها ولم يهتم للنظرات حوله. كل ما يهمه هي فقط. كم هي ممتنة لهذا الزين بشدة. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

ازيك يا دكتور زين." رفع زين أبصاره ليجد دكتور المادة الذي يأتي بعده. رد عليه زين السلام وظل جالساً بجوار روان مما أثار تعجبها. "إيه يا زين مش هتخرج... مش أنت خلصت المحاضرة؟ "أنا استأذنت منه إني أقعد هنا معاكي عشان لو تعبتي ولا حاجة." "يا زين مينفعش كده، أنا كويسة. اخرج أنت متقلقش، هيقولوا إيه كده."

"كله عارف إنك بقيتي زوجتي، وبعدين أنا عايز أحضر يا ستي، عايز أرجع أيام الشباب." غمزه زين في نهاية حديثه لها. ضحكت روان بوهن وهي تضع يدها على وجهها، نسيت كل شيء حولها. أما عن زين، فكان ملتصقاً بها وكأنه ما زال لم يستوعب أنها أصبحت زوجته بعد. يريد أن يبقى معها لأطول وقت ممكن كي يروي ظمأه منها طوال تلك السنين التي مضت خوفاً من ربه. وها هو حظه نتيجة صبره. كان ممسكاً بيدها وكأنه يخشى تركها حتى انتهت المحاضرة وخرجا سوياً تحت أنظار الجميع وهم متعجبون بشدة تصرفات دكتورهم. كيف يعاملها بهذا الرفق وهو يتحدث مع الجميع برسمية شديدة.

"هوصلك للمسجد تصلي الظهر وأروح أنا أصلي وبعدين أرجع آخدك عشان نروح، كفاية محاضرات النهارده كده." "بس أنت لسه عندك محاضرات تانية؟ "سبتهم...

عشانك." قال زين جملته مع ابتسامة خفيفة ثم رحل. بضع كلمات قليلة كانت كفيلة لجعل الفراشات تدور حولها. أخذت روان تضحك بشدة وهي غير مصدقة لأن الذي أمامها هو نفسه زين ابن عمها والذي لا يكره شيئاً في حياته سوى الحديث مع الفتيات. زين الشاب الجاد والذي لا يمزح إلا قليلاً ولا يغازل أحداً. ما اللعنة التي حلت عليه إذاً؟

لا تعلم بأنها أكبر لعنة أصابته. دخلت للمسجد وأدت فريضتها، ولم تجد أحداً من الفتيات، لذا خرجت تنتظر زين. وقفت بملل وقد بدأت تشعر بالدوار الشديد وزاد إرهاقها وقد بدأ السرطان ينهش جسدها. تساقطت دموعها وبدأ الحزن واليأس يتسلل داخلها. همت لتدخل ولكن استوقفها بعض الفتيات. "شكلك جميل أوي...

أنا أول مرة أشوف حد بالخمار شكله جميل كده." نظرت روان حولها لتجد مجموعة من الفتيات ينظرن لها بإعجاب. شعرت بالخجل والفرحة أيضاً من حديثها ولا تدري ماذا تقول. "إنتِ اللي جميلة، شكراً." "ينفع تكلمينا عن الخمار؟ أنا حبيته أوي." "وأنا كمان نفسي ألبسه من زمان بس عايزة حد يشجعني." "أيوه وأنا كمان."

شعرت روان بالتوتر، فهي ما سبق لها أن نصحت أحداً. دائماً هي التي تستمع لحور وياسمين، ولكن هذه المرة هي بمفردها. كانت سترفض معللة أنها ما زالت في بداية الطريق، ولكن شيئاً ما داخلها حثها إلى النصح. أخذت نفساً عميقاً وسمت الله وهي تتذكر كل تلك النصائح التي كانت تسمعها، ثم شرعت في الحديث:

"الخمار ده حاجة جميلة أوي، يمكن أجمل حاجة ممكن تعملوها في حياتكم. يكفي الراحة اللي بتحسوها وانتوا لابسينة وانكم بتأدوا فريضة ربنا أمركم بيها. يعني لو أنا مت دلوقتي هكون مرتاحة عشان لابسة اللي ربنا أمرني بيه، لأن كلنا عارفين إن الخمار فرض لا خلاف عليه. إننا نتخلى عن اللبس والموضة ونلبسه ده في ميزان حسناتنا. على عكس اللبس الضيق والبناطيل، طول ما إحنا ماشيين بناخد في سيئات بس وأي حد هيقلدنا هناخد سيئاته. الدنيا مش مستاهلة، إحنا جايين نبني لنفسنا مكان في الجنة. شوفوا الرسول والصحابة ضحوا بأيه، وإحنا مش قادرين نلبس خمار ربنا أمرنا بيه؟

اسمعوا فيديوهات عن الخمار واللبس الواسع وهتحبوه أكتر." انتهت كلامها والذي شعرت بأنه غير مرتب. يوجد كلام كثير كانت تود قوله ولكن ارتباكها منعها، فهي أول مرة تنصح أحداً. علت البسمة وجوه الفتيات. "بجد كلامك جميل أوي، وأنا هحاول عشان ألبسه، ربنا يجازيكي خير."

شكرها بقية الفتيات وروان تشعر بالفرحة. الموضوع بسيط للغاية. كانت دائماً ترى نفسها بعيدة ولا تصلح لنصح أحد، ولكن ها هي تنصح الفتيات. لم تتم سعادتها على خير وهي تشعر بالدوار يعصف بها وهذه المرة بشدة حتى أنها فقدت اتزانها. لم تجد زين حولها. حاولت العودة إلى المسجد ولم تستطع. ليتها سمعت تحذيرات زين لها ألا تخرج إلا حين يأتي لها.

حاولت المقاومة ولكنها فشلت حتى وقعت وآخر شيء وقعت عيناها مجموعة من الشباب حولها. لا، لا تريد لأحد أن يلمسها. هذا الموقف أشبه بموقف حور حينما فقدت وعيها، حينها أرسلها الله لها لكي يساعدها. أما هي... هل سيأتي زين يساعدها قبل أن يقترب منها أحد؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...