"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير" نطق المأذون جملته الشهيرة، وما إن انتهى حتى امتلأ المنزل بالتصفيق. فقد أمرهم زين بأن لا يزغردوا، رُغم أن الجميع هنا نساء، ولكن حتى لا يسمع صوتهم الرجال بالخارج. تجمعت الدموع بعيون زين وهو يُقاوم ألا يبكي. ها هي أصبحت زوجته.
اقترب منها ثم قدم يده لها لكي يلبسها خاتم الزواج. مدت الأخيرة يدها بتوتر. حاول زين إمساك يدها ولكنه ما زال لم يستوعب الأمر بعد، أخذ يقنع نفسه بأنها أصبحت زوجته وحلاله. بيدٍ مرتجفة أمسك يدها. ولأول مرة منذ أن كبر، يمسك يد فتاة. والأجمل أن تلك الفتاة زوجته، ومن أحبها قلبه. شعور جميل يغمره ما كان ليشعر به لولا تحفظه دائمًا حتى مع محبوبته. من قال بأن الحبيب لا يستطيع أن يصبر عن محبوبته؟ ها هو فعل ولم يغضب ربه.
ألبسها زين الخاتم بسعادة كبيرة. كان يريد في هذه اللحظة احتضانها بشدة ولكنه منع نفسه أمام الجميع. يعلم بأنه يجوز له احتضانها، ولكن حياءً منه وحفاظًا عليها أمام الجميع لم يفعل. فهو لا يحبذ من يحتضن زوجته أمام الكل. اكتفى فقط بتقبيل رأسها مع تصفيق الجميع مرة أخرى. اقترب عمر منها وهو سعيد لأجلها. هم ليحتضنها ولكن أوقفته يد زين قائلًا: "بتعمل إيه... إذا كان أنا جوزها معملتهاش؟ أردف زين بغيرة وهو يمنعه من احتضانها.
"لأ مش هنبتديها تحكمات من أولها بقى." قال عمر حديثه وهو يحتضنها عنوة، رُغم اعتراض زين، ولكنه لم يُرد أن ينزع فرحتها. اقتربت ياسمين تحتضن زين بفرحة وهي تبارك له. نظر لها عمر ثم ابتلع ريقه وهو يقول: "هو اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيه." انفجرت روان ضاحكة عليه، بينما شدد زين من احتضانه لها قاصدًا إثارة غيظه. أردف عمر مرة أخرى: "خلاص يا أخ زين، مش لازم يبقى عندك ضمير أوي كده." ابتعد زين عنها أخيرًا.
اقترب عمر من زين وهو يهمس: "بما إن المأذون هنا... ماتكسب فينا ثواب وتوافق تجوزني أختك وتخلي المأذون يكتب كتابنا بالمرة، واهو زيتنا في دقيقنا." تحدث عمر بتوسل له وهو ينظر لزين برجاء. صمت زين لحظات جعلت عمر يتوقع موافقته، ثم أردف: "لأ." رفض طلبه ببساطة شديدة، ثم أمسك يد روان ورحل مع تذمر عمر. "طب جوزني أمك حتى... أي حد طيب." لم يجب عليه زين واكتفى بابتسامة فقط.
وقفت روان أمام والدة زين وهي تنظر لها بتردد، فهي تعلم بأن زوجة عمها لا تحبها. طالعتها الأخيرة بضيق. ما لبثت أن تذكرت خبر مرضها وبأنها أصبحت زوجة ابنها. لم تسمع لوساوس شيطانها هذه المرة، ولم تسمح لنفسها بأن تسول لها. حتى رق قلبها لها، ثم ابتسمت فاتحة ذراعيها لاحتضانها. توسعت عين روان بفرحة وهي لا تصدق، ثم ارتمت داخل أحضانها. فاليوم من بداية مفاجآت بالنسبة لها. أخذت تدعو الله بأن يديم عليها سعادتها.
قبل زين يد والدته فرحًا لأجل تعاملها الحسن مع زوجته. ثم أمسك يدها وذهب بها تجاه الشرفة، والتي هي خالية عن أنظار الجميع. أمسك يدها برفق ثم تحدث: "مبارك عليا انتِ... حاسس إني بحلم وهصحى من الحلم." إن كان قد أخبره أحد سابقًا بأن الحلال له مذاق حلو، هذا ما كان ليصدق. يشعر وكأن الدنيا لا تسع فرحته. وهكذا روان. "أنا كمان مش مصدقة يازين...
أنا عمري ما كرهتك يازين زي ما كنت مبينة. بالعكس، أنا كنت بعاملك وحش عشان أنت بعدت مرة واحدة، لأنه حرام وأنا مكنتش قادرة أستوعب ده ومعرفتش إنه صح غير دلوقتي." "أنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي ياروان. من لما اتولدتي وأنا طول الوقت حاسس إنك مسؤولة مني، وحاليًا بقيتي مسؤولة رسمي."
صمتت روان ولم تجب. ظلت تنظر له بحب مثلما فعل زين. لا يوجد كلمات تصف ما بداخله. سوف ينظر لها دون خوف ولن يجبر نفسها على غض البصر عنها لأنها أصبحت زوجته. سوف يحادثها ويهتم لأمرها دون خوف من استباحة الحديث معها. فمن آداب التحدث مع الأجنبي إذا كان لا بد من الاختلاط لضرورة... أن لا تطيل النظر، ولا تستبيح الحديث، وكفّ عن المزاح، والزم الكلفة، واجتنب حدوث الألفة، وإياك والخلوة، والكلام الذي له معنيان، واترك مسافة كافية...
وإلا فاحفظ نفسك ونفوس من حولك ولا تختلط. والاختلاط في الحقيقة مثله مثل الاختلاط على منصات التواصل. فلا تتهاون واتق الله حتى يجعل لك مخرجًا. وهذا ما كان زين حريصًا عليه مع الجميع حتى أقاربه. فاقت روان من شرودها على صوته وهو يقول: "بكرة هنروح للدكتورة. أول يوم في جلسات الكيماوي." "اهي ياماما.. هي دي البنت اللي قولتلك إني عايز اتجوزها." التفت سميرة لما يشير إليها ابنها بفرحة شديدة حتى توسعت عيناها بصدمة.
"هي دي اللي رافض كل البنات اللي جبتهم عشانها؟ أنت اتجننت ياعمر... عايز تتجوز المعقدة دي، دي تلاقيها هي اللي أثرت على روان وغيرتها كدا.. إحنا ناقصين تخلف." غضب عمر من حديث والدته عن ياسمين. كان خائفًا من رد فعل والدته لأنها متأثرة بالخارج.
"ومالها دي يا ماما.. مش عاجباكي عشان محترمة ومحافظة على نفسها، هي الوحيدة اللي وقفت قصادي ومسمحتليش أتخطى حدودي معاها، مش اللي حضرتك بتتكلمي عنهم وكانوا بيترموا تحت رجلي.. أنا أه عشت بره كتير بس لسه عندي مبادئ. اللي انتِ بتقولي عليهم دول آخري أصاحبهم مش أكتر، لكن يوم ما اتجوز هتجوز اللي تحفظ بيتي وتصوني في غيابي. اللي تربي عيالي تربية صالحة وتعلمهم دينهم."
صُدمت والدته من تغييره المفاجئ هكذا. هل أصبح ولدها معقد مثلهم؟ كانت تخشى بقاءه معهم لأجل ألا تتغير أفكاره. وتعجبون من تفكير والدته وتظنوه يحدث في الأفلام فقط، لكن أؤكد لكم وبشدة أن هناك الكثير من الأهل يكرهون التزام أبنائهم. يرون التحضر بالتفاخر والتظاهر والملابس القصيرة. "لأ دا أنت بقيت زيهم بقى ومستحيل اسمحلك تتجوز واحدة زيها." "وأنا مش هتجوز غيرها ياماما حتى لو مش هتجوز خالص." عادت رغد المنزل بعدما استأذنت الجميع.
دلفت للداخل حتى وجدت والد حور ينتظرها. ألقت عليه تحية الإسلام أولًا واطمأنت على صحته. ثم تحدث: "يونس جاي يتقدملك يارغد.. قاعد مستنيكِ بره." صُدمت رغد من وجوده، فهي غير مستعدة الآن لمقابلته. وأمأت له بهدوء ثم ذهبت تجاهه ومعها والد حور. "اقعدوا هنا... وأنا هقعد هنا بعيد عنكم شوية عشان تاخدوا راحتكم." تحدث والد حور ثم ابتعد عنهم سامحًا لهم بالحديث لكي يأخذ كلا منهم راحته، فهي رؤية شرعية ويحق لهم الحديث بارتياحية.
همهم يونس بحرج وهو يقدم لها علبة الحلوى التي تفضلها رغد. "هذه لأجلك صغيرتي." أخذتها منه وهي تشكره ثم وضعت العلبة بجانبها. كان يونس يشعر بتغيرها نحوه ولكنه لا يدري السبب. "جئت لخطبتك اليوم رغد، منذ أول يوم رأيتك حين أتيت هنا وأنا لا أستطيع إخراجك من عقلي. تمنيت حينها لو أن هذه الخطبة جدية وأنتِ هي العروس. حسنًا، يوجد كلام كثير بداخلي ولكن ليث أخبرني بأنه لا يجب أن أتحدث به إلا بعد العقد...
والأهم الآن هل توافقين الزواج بي؟ "إيه السبب اللي يخليني أوافق؟ سألته رغد مباشرة مما جعل الأخير يعقد حاجبيه بتعجب فقد ظن بأنها ستفرح. "لأجل أنكِ تحبينني مثلًا..؟ أجاب يونس على سؤالها، وهذه أفضل إجابة بالنسبة له. وهل يوجد سبب أكبر من كونها تحبه لتوافق عليه؟ "هتعرف تطمني؟ أردفت رغد بعد لحظات من الصمت، بينما لم يفهم يونس حديثها. حتى تابعت حديثها موضحة:
"الحب مش شيء كافٍ يخليني أوافق عليك يا يونس.. فيه حاجات كتير أهم من الحب." "أيوجد شيء أهم من الحب!؟ سألها يونس وهو يستنكر حديثها بشدة، فهو ما زال عند رأيه بأن الحب أهم شيء. "الأمان... الأمان أهم بكتير من الحب. سهل إنك تحب، بس صعب إنك تأمن وجود حد بتحبه. أنت تقدر تحب أي حد بس صعب إنك تلاقي معاه الأمان. وللأسف أنا بحب.. بس فاقدة الأمان."
"أنا فقدت الأمان في كل حاجة يايونس. طول ما أنا معاك أو مع أي حد تاني مش هقدر أحس بالأمان وطول الوقت هكون حاسة إني ممكن أخسرك في أي لحظة ومش هكون مبسوطة. والخوف ده هيقتل أي حب جوايا، وأنت متستاهلش كل ده." صمتت تأخذ أنفاسها بصعوبة وتفرك في يدها والتي تعرقت بشدة أثر توترها. وبثقل شديد وأنفاسٍ لاهثة تابعت حديثها: "أنا آسفة يا يونس بس أنا مش موافقة." لم تعطِ له فرصة للرد، ثم هبت واقفة من أمامه ورحلت.
تبقى يونس ينظر لأثرها بحزن شديد. هو يشعر بها لأنه أصبح وحيد مثلها، ولكن هذا لا يعطي لها الحق بالرفض والتحكم بمصير علاقتهما، فهي الوحيدة التي آنس رفقتها. من أحبها لتكون زوجته وأم أطفاله. رحل هو الأخير وهو يشعر بالحزن الشديد. نزل ليث من السيارة مسرعًا وهو لا يعلم كيف وصل بتلك السرعة، فكان لا يرى أمامه شيئًا، ولكن كان قد فات الأوان. المنزل مفحم بشدة وكل شيء داخله محترق ويقف بعض المارة أمامه بأسف.
توقف ليث عن الحراك وجثى على ركبتيه بصدمة. "لأ.. لأ، لن أفقد آخر من تبقى له.. أبيه وأخيه بالداخل. هل تركوه ورحلوا بهذه السهولة؟ ألا يوجد شيء واحد في هذه الحياة يُسعده؟ تساقطت دموعه بألم. تحامل على نفسه وذهب تجاه النيران. سوف يدخل لهم ويخرجهم ولكن معه بعض الرجال. ظل ليث يصرخ بهم بأن يتركوه، معللًا بأن أبيه وأخيه بالداخل، حتى تحدث أحدهم: "هو.. الحاج الكبير اللي كان جوه عايش بس.."
توقف ليث عما يفعله بصدمة. أبيه ما زال عايش. أخذ يردد الحمد. "بس إيه.. أنطق بسرعة." سأله ليث بلهفة وهو يمسكه من ثيابه. "اللي كان معاه مات." وقع قلب ليث وتساقطت دموعه. لم يستطع الفرحة بوجود أخيه حتى توفى دون حتى أن يودعه. يشعر بالضياع الشديد. كان يريد أن يحتضنه ولو لمرة واحدة حتى. لم يشبع منه ولم يعامله بطريقة حسنة. ماذا ستكون حالة أبيه؟
بحث ليث بعينيه عن أبيه حتى وجده بعيدًا مع أحد الرجال. ركض له ليث مسرعًا وهو يمسكه بلهفة يطمئن عليه. "بابا... حبيبي أنت كويس؟ سأله ليث وهو يتفحص جسده لكي يطمئن بأنه لم يحدث له شيء. "أيوه يا ليث أنا كويس.. روحني البيت عشان عايز أرتاح." تحدث أبيه بتعب شديد. لم يُرد ليث الضغط عليه وإخباره بما حدث. أسنده تجاه السيارة ثم أدخله وسار تجاه المنزل.
لم يتحدث أي منهما طوال الطريق فلم يقدر أحد على التحدث حتى وصلا إلى المنزل أخيرًا بعد عناء. أنزله ليث وسانده ودلفا إلى الداخل. جلس محمود على أقرب كرسي له وهو يتذكر ما حدث. خرج حامد والنيران تشتعل في المكان تاركًا إياهم بالداخل. "ياسر.. ياسر ياحبيبي قوم قاوم عشان نخرج من هنا." ظل محمود يحثه على المقاومة بينما لم يكن معه الأخير. يشعر بقرب أجله. ظل يشبع عينيه من ملامح وجه أبيه وهو يبتسم ثم قال:
"كنت حأزعل أوي لو مت قبل ما أشوفك كدا. هموت وأنا فرحان." تحدث ياسر بوهن شديد. فزع أبيه من حديثه وهو يرفض رحيله. "لا ياحبيبي قوم متقولش كده فيه حاجات كتير لسه معشنهاش سوا." "كان نفسي أكون معاكم. أنا عشت مع واحد طول عمره بيزرع جوايا حقد وغل. عايزك تعتذر لحور على اللي عملته معاها أنا ندمت وتبت لربنا بعدها...
أنا.. أنا فرحان إن ربنا مد في عمري لحد ما أتوب. عايزك تحضنلي ليث وتعتذر. قول له إني كان نفسي أشوفه بس محصلش نصيبه.. حنتقابل في الجنة." تساقطت دموع محمود وهو يرى احمرار وجهه بشدة وهو يسعل. "ابقى اسأل عليا في الجنة يابابا لو ملقتنيش." نطق ليث جملته ثم ابتسم بتعب وكان آخر ما يقوله. "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله." نطق الشهادة ثم رحل وهو ما زال على وجهه تلك الابتسامة. بكى محمود عليه بشدة وأغمض عينيه بألم.
ما لبث حتى شعر بمن يأتي للداخل وينقذه ويخرج معه جثمان ابنه. استفاق من شروده على صوت ياسر وهو يربت على كتفه وحور تقف جواره بعدما أخبرها ليث بالأمر. لم تتحدث حور عن الأمر شيئًا. جلست جوار محمود وهو تمسك يده برفق ثم تحدثت:
"أنا مشوفتش في حياتي حد بيحب التاني زي ما سيدنا أبو بكر كان كان بيحب النبي. كان بيحبه بطريقة متتخيلوهاش لدرجة كانت مستعدة يعمل أي حاجة عشانه. كان بيمشي معاه يفضل يلتفت يمين وشمال خوفًا من أن أحد يؤذي النبي في الطريق من شدة حبه له. وكان أول واحد يسلم لما سيدنا محمد نزل عليه الوحي. وأول واحد صدقه لما حكى له عن رحلة الإسراء والمعراج. لما في مرة سأله سيدنا علي مين أقوى الرجال وكانوا يفتكروا إنه هيقول أنا لأنه خلع باب خيبر بيد واحدة، رغم كدا قال أبو بكر. الكل تعجب لأنه نحيف وكمان ضعيف. بدأ يحكي لهم إنه مرة كان صغير وشاف الكفار عايزين يؤذوا النبي ويقتلوه وكانوا بيضربوه. سيدنا أبو بكر أول ما شافهم كدا جرى عليه وحضنه وتلقى هو كل الضرب
وهو بيصرخ فيهم وبيقول: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله." يومها ضرب جامد لدرجة افتكروا إنه مات والكل فضل يهتف ويقول مات أبو بكر ومكنش باين حاجة من ملامحه من شدة الضرب. شاله وراحوا بيه عند أمه وأول ما فاق قال: أين رسول الله. أمه حاولت تخليه ياكل وتعالجه بس هو رفض
وفضل مصمم على موقفه ويقول: أين رسول الله. والله لن أضع شيئًا حتى أرى رسول الله. كان خائف النبي يكون جرى له حاجة وفضل يبكي ويتوسل لهم عشان يشوف النبي وبالفعل خدوه وراحوا بيه للنبي. أول ما شافه حضنه وفضل يبكي بشدة ويقول: "فداك أبي وأمي يا رسول الله." وفضل في حضن النبي...
يالله في حضن النبي مستوعبين. والله لهو أحق الناس بهذا الحضن. مواقف كتير أوي لو فضلت أحكيها من هنا لبكرة مش هخلصها عن حب أبو بكر للنبي. تتخيلوا بقى لما النبي مات أبو بكر هيعمل إيه؟ لما السيدة عائشة خرجت وقالت مات رسول الله، سيدنا عمر أخرج سيفه وقال: من قال أن محمد قد مات قتلته. سيدنا عثمان بن عفان شُل ومقدرش يتحرك وقتها ولا تكلم.
واحد من الصحابة قال: يارب خذ بصري ويرجعش غير يوم القيامة وأول حاجة أشوفها النبي. وربنا حقق دعوته بالفعل. لكن أبو بكر عمل إيه؟ ذهب على المنبر وقال: "من كان يعبد محمد فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت." شوفوا صبر إزاي وعمل إيه. عارف إنه هيشوفه في الجنة. هو أه حزن عليه لكنه صبر والجنه تستاهل. وإحنا في الجنة هنعرف أجر صبرنا دا وهنحمد ربنا عليه. هنلاقي ملائكة
بتنادي في طرقات الجنة: "يا أهل الجنة، إن الله يستزيركم! فحيّ على زيارة الرحمن." تخيل ربنا جل جلاله يدعونا لزيارته! يحكيلنا حبيبنا النبي ﷺ إننا ساعتها هنخرج ونلاقي قدام قصورنا حاجة اسمها النجائب، وهي ركوبة ربنا خلقها مخصوص عشان يركبها أهل الجنة وهم رايحين يزوروه ﷻ. فنركب النجائب، ونوصل للوادي اللي هنزور فيه رب العزة. وفجأة.. هنسمع صوت عذب ينادي: "يا أهل الجنة سلام عليكم." فنرد كلنا في نفس اللحظة وقلبنا
طاير من الفرحة ونقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام." فيقول الله ﷻ: "يا أهل الجنة هل رضيتهم؟ " فنقول له يارب وكيف لا نرضي وقد غفرت ذنوبنا وأدخلتنا الجنة. فيقول الرب ﷻ: "يا أهل الجنة اسألوني ما شئتم.. فنقول له يارب ارض عنا.. فيقول ﷻ: يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم لما أدخلتكم جنتي، فسألوني شيئًا آخر.. فنجتمع على كلمة واحدة.. يارب أرنا وجهك ننظر إليك..
فيقول سيدنا النبي ﷺ: "فتُكشف الحُجُب، فما أُعطوا لذة أحب إليهم من النظر إلى وجه الله الكريم." كنا دايما في الدنيا لما بنشوف حاجة جميلة أوي نقول: الله! بس يومها هتبقى أول مرة نقولها بجد.. الله! ومن شدة سعادتنا تفضل وجوهنا ناضرة مستبشرة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ" صمت محمود قليلًا وقال آخر ما توقعه ليث سماعه.
"عشان خاطري يا زين مش هقدر.. صدقني والله مش هقدر، أنا مش حمل الكيماوي، دا غير إن أمل شفائي منه ضعيف.. سيبنا نستمتع بالباقي من حياتي سوا من غير ألم." "لا هتقدرى ياروان وهنتخطى المرحلة دي سوا وهتخفي. انتِ بس خليكي قوية وأنا معاكِ." حاول زين بث الأمان داخلها وتشجيعها، فهو يعلم بأن ما هي مقبلة عليه ليس بالهين. "مش هقدر يا زين والله ما هقدر مش عايز تفهمني ليه.. أنا راضية والله مش معترضة بس مش هقدر على الكيماوي."
قالت جملتها ثم خارت قواها وجلست أرضًا تبكي بانهيار، بينما زين لم يستسلم. لم يعلق على حديثها. غاب عنها بعض اللحظات ثم عاد وهو يحمل صندوقًا بيده. تقدم منها مرة أخرى وهو يعطيها الصندوق. أمسكته بيدٍ مرتجفة وهي تطالعه بتعجب. مسحت دموعها ثم أردفت: "ف.. فيه إيه الصندوق دا؟ سألته بوهن وهي تتفحص الصندوق، لقد أثار فضولها حقًا. تشعر بأنها رأته من قبل ولكن لا تتذكر.
"فاكرة لما كنا بنلعب سوا زمان واحنا صغيرين وعملنا صندوق الأمنيات، كل فترة كان كل واحد بيكتب فيه اللي بيتمناه واتفقنا مش هنفتحه غير لما نكبر!! تحدث زين وهو يحاول تذكيرها بأمر الصندوق. شعرت بأن شيء هكذا مر عليها. توسعت عيناها وهي تتذكر أمر ذلك الصندوق. "أيوه... فعلًا أنا افتكرت، بس مش فاكرة كتبت إيه." "تعالي نفتحه ونشوف كتبنا إيه."
أخذ زين الصندوق منها مرة أخرى ثم فتحه. كان بداخله العديد من الأوراق ولكنها كانت قديمة تمامًا. أمسك بأول ورقة تقابله. " تعالي ياستي نشوف كان نفسك في إيه... (عايزة لما أكبر يكون عندي محل كبير حلويات اشتغل فيه عشان أقعد آكل براحتي من غير فلوس) أخذت روان تضحك. هل كانت طفسة إلى هذا الحد؟ ضحك زين عليها هو الآخر وهو يقول: "خلاص ياستي هعملك محل حلويات مخصوص." ثم تابع فتح باقي الأوراق والتي كانت باسمها هي أولًا.
أمسك الورقة ثم فتحها وقرأ بصوتٍ مرتفع. (ماما أخبرتني اليوم أن أنا كبرت ومش ينفع أحضن حد أولاد لأن كده حرام وعيب، بس أنا بحب أحضن زين وعايزة لما نكبر يبقى ينفع أحضنه ومش يبقى حرام ولا عيب) انتهى زين من قراءة رسالتها ثم انفجر ضاحكًا، بينما روان تورّدت وجنتها خجلًا. نظر لها زين ثم تحدث بمزاح: "طب إيه رأيك أحقق لك الأمنية دي دلوقتي واهو مش حرام ولا عيب." أخذ ضحك على تعابير وجهها.
"بس بقى يازين.. مش عارفة كتبت الكلام دا إزاي." وضعت يدها على وجهها بخجل تتلاشى النظر له. ضحك زين عليها وهو يُكمل كي لا يزيد من إحراجها. "طب تعالي نشوف دي كنتِ كبرتي شوية يارب تكوني عقلي." أمسك الورقة ثم بدأ في قراءتها.
(النهارده المعلمة قالت لينا في الفصل إن اللي عايز حاجة بيدعي ربنا بيها، وأنا هفضل من هنا لحد ما نكبر أدعي ربنا إني اتجوزه، وكمان يكون عندنا عيال ونربيهم سوا. اممم لو جبت بنت هسميها فيروز ولو جبت ولد هسميه عبد الله. امم وهسيب عيلين لزين هو اللي يسميهم) ترك زين الصندوق. فها هو وصل لمراده من تلك الرسالة. اقترب منها وهو يمسك يدها برفق ثم تحدث بحنين:
"طب مش عشاني أنا ياروان.. عشان فيروز وعبد الله قاومي. مش نفسك يكون عندنا بيت وأولاد ونربيهم على حب وطاعة الله ورسوله.. بيت هادئ وساكن يغمره حب أولادنا، هساعد بعض في تربيتهم ونعلمهم دينهم صح ونحفظهم قرآن. هنصحى كلنا بليل نصلي الفجر والقيام. نقرأ الأذكار مع بعض ونحكي قصص الرسول والصحابة. نقولهم قد إيه إحنا تعبنا وقدرنا نتخطى كل اللي حصل معانا ونعرفهم قد إيه صبرنا وربنا عوضنا. ونعلمهم كمان الصبر وازاي قدرنا نصبر.. مش عايزانا نعيش مع بعض كل ده؟
تساقطت دموعها أكثر وهي تبتسم بحنين وتتخيل كل كلمة قالها. ثم أومأت له برأسها وهي تقول: "تفكر يا زين هعيش لحد ما نعمل كل ده؟ "هتعيشي ياروان أنا واثق في ربنا. أنا استودعتك عند الذي لا تضيع ودائعه." بدأت روان تشعر بالراحة الشديدة من حديثه. كيف لصوته العذب أن يريحها هكذا. "يلا ندخل عشان مجهز لك مفاجأة بعد ما نخلص." ذهبت روان معه للداخل. جلست على المقعد وزين جوارها.
أتت الطبيبة وأمسكت بالتحاليل الجديدة. كان زين يشعر بالخوف الشديد والتوتر. سوف تخبرهم الآن عن حالتها. ثم أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بما جعل قلب زين يسقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!