الفصل 50 | من 51 فصل

رواية وسولت لي نفسي الفصل الخمسون 50 - بقلم روان الحاكم

المشاهدات
25
كلمة
6,691
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

قطع كل هذا دخول والده وهو يصفعه على وجهه بشدة حتى كاد أن يسقط تحت صدمة الجميع. بينما زين نظر له مصدوماً وكأنه يحاول استيعاب ما فعله. هل تلقى صفعة من والده؟ أبيه الذي طوال حياته يتخذه صديقاً له ولم يرفع صوته عليه حتى يضربه في أكثر وقت يحتاجه فيه؟ لقد خذله العالم ومن بينهم كان أبيه الحبيب. ألا يكفيه ما به؟

لم تكن مجرد صفعة تلقاها، بل كانت بمثابة درس قاسٍ حصل عليه جعله يعود لواقعه مجدداً. واقعه المرير الذي يخلو منها، وكأن كل ما مر به كان حلماً. وللعجب، فهو ممتن لتلك القسوة الذي جعلته يعود لإدراكه من جديد ويسترد ثباته الذي خسره منذ اختفائها وأصبح الضعف هو صديقه الوحيد. أمسكه من ثيابه وهو يتحدث بحدة محاولاً إفاقته:

"لو أعرف إنك مش قد الأمانة ما كنتش جوزتهالك. أقول إيه لخويا اللي مات وسابها أمانة في رقبتي لما أقابله وأنا مقدرتش أحافظ على بنته. كنت فاكرك راجل وهتقدر تحميها مش تقعد تعيطلي هنا زي العيال الصغيرة. يا خسارة تربيتي فيك." بينما الجميع لا يصدق حديثه، فقد ظنوا بأنه سيكون أول الداعمين له. ولكن ما حدث كان العكس. لم يتحدث زين بحرف واحد. احتدمت نظراته وهو يضغط على يديه بشدة حتى برزت عروقه.

نظر لوالده قليلاً قبل أن يرحل، فكانت نظراته مليئة باللوم والعتاب والخذلان. نعم، فهو قد خذله في أكثر وقت يحتاجه فيه. ولكن أيضاً نظرته كانت محملة بالامتنان. رحل من أمامه دون التحدث بشيء. بينما اقتربت منه زوجته وهي تقول بغضب: "إنت إيه اللي عملته ده؟ إنت معندكش قلب؟ دا بدل ما تقف جنبه وتقويه وتسانده تعمل فيه كدا. حرام عليك ياخي." نظر لها قليلاً وقد شعر بالندم. جلس على المقعد وهو يضع وجهه بكلتا يديه بحزن.

اقتربت منه عايدة وهي تضع يدها على كتفه قائلة بهدوء: "متسمعش لكلامها... اللي عملته ده هو الصح." ثم تركته ورحلت هي الأخرى تتابع عملها وتنظر أمامها وتفكر بشيء ما حتى اتخذت قرارها. وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها وقامت بالضغط على آخر رقم هاتفها حتى أتاه رده. لتجيبه وهي تقول بعجالة: "كفاية لحد كدا، نفذ اللي اتفقنا عليه." أغلقت معه الهاتف وهي تنظر لنقطة ما أمامها وقد احتدمت نظراتها وهي تقول بوجه خالٍ من التعبير:

"الظاهر البت دي بقت خطر عليك يا زين. أحياناً مصدر قوتك، بيكون هو نفسه مصدر ضعفك... كفاية ضعف لحد كدا وخلينا نشوف قوتك بقى." أما عن زين، جلس في المسجد وهو يستند برأسه على العمود وهو يغمض عيناه وقد توقف عقله عن التفكير. لم يصلي حتى ركعتين تحية المسجد كما تعود دائماً. ولم يعد ذلك الشخص البشوش الذي يحبه الجميع. هو حتى لا يعلم ماهذا الضعف الذي حل عليه ولأول مرة بحياته يتوقف عقله عن التفكير ولا يستطيع التصرف بشيء. شعر

بمن يجلس بجواره وهو يقول: "هون على نفسك يابني.. أخرتها متر في متر." نعم، صوته بل وجملته الشهيرة أيضاً. فتح عيناه مسرعاً وقد بات يشك بأن هذا الرجل من وحي خياله لا يأتيه إلا حين يشتد به الكرب. رفع نظره له وهو يقول ببسمة حزينة: "دايماً عارف أوقاتك يا شيخ توفيق، مبتجيش إلا وأنا شايل الهم." ابتسم له العجوز وهو يفهم ما قد يرمي إليه قائلاً: "حظي الحلو أسمع مشاكلك اللي مبتحكيهاش لحد يا عم زين. ها أحكيلي أنا سامعك." ظهر الحزن

على وجهه وهو يقول بألم: "الدنيا مش عايزاني أفرح يا شيخ توفيق. كل ما أقول خلاص هفرح بلاقيني برجع لورا أكتر. وكأن أنا والسعادة أعداء ملناش نصيب نتجمع." توقف يأخذ أنفاسه ثم أكمل وهو يبتلع ريقه بحزن قائلاً:

"لكن تعرف المرادي إيه أسوأ حاجة، إنّي لأول مرة في حياتي أحس بعدم رضى. مش راضي عن أي حاجة وكاره كل حاجة حواليا وعشان كدا أنا مخنوق وتعبان و.. وضعيف بالشكل ده. أنا والله هكون راضي بأي حاجة تانية بس مش فيها هي.. إلا هي يا شيخ توفيق. حتى.. حتى ساعة ما كانت تعبانة أنا كنت راضي بس يكفي إنها كانت جنبي ومطمئن عليها حتى لو لقدر الله حصلها حاجة برضو كنت هكون مطمئن عليها. لكن دلوقتي أنا قاعد معرفش عنها أي حاجة وحاسس بالعجز ومش قادر أفكر حتى ولا عارف أعمل إيه. معرفش غير إني مش هكون كويس إلا وهي جنبي."

تنهد شيخه وهو يستمع له وقد استشف من حديثه بأمرها. ليقول وهو ينظر له: "وهو انت فاكر يا زين الاختبار هيجيلك إزاي؟ قدام واحد جاي يقولك على مسلسل حلو تسمعه ولا أغنية؟ ولا قدام واحدة متعرفهاش جاية تعرض نفسها عليك؟

الاختبار مش هيجيلك في حاجة انت مش بتحبها ولا على هواك ومش بتفكر فيها من الأساس. الاختبار هيجيلك في أكتر حاجة انت بتحبها وهنا بقى بيكون وقت الابتلاء الحقيقي. بتقول لما كانت تعبانة لو كان حصلها حاجة كنت هتكون مطمئن عليها لأنها هتكون بين إيدين ربنا. طب ودلوقتي هي مش بين إيدين ربنا برضو؟ كل شيء قدر ومكتوب وده اختبار ليك وربنا مش هيبتليك بحاجة إلا وأنت بتحبها. أمال هيكون اختبار إزاي؟

"بس الاختبار المرادي صعب عليا لدرجة مش قادر أتحمل وحاسس إني مش راضي عن أي حاجة." "مفكرتش لو واحد من اللي انت بتديهم دروس عن الصبر والإيمان سمعك وأنت بتقول كدا هيقول إيه؟ لما انت مش قادر تعمل بكلامك عايز الناس تقتنع بيه وتعمله إزاي؟

الأختبار اللي بيكون عبارة عن بلاء لازم يكون صعب وأوي كمان، وكل ما ربنا بيحبك كل ما الابتلاء بيزيد، وإلا ما كانش أشد الناس ابتلاءاً كانوا الأنبياء. والرسول أشرف الخلق اللي حياته كلها كانت ابتلاءات. كل ما هتلتزم وتقرب من ربنا كل ما ابتلاءاتك هتزيد طالما نويت تدخل الجنة يبقى لازم تتعب علشانها وإلا لم بقاش فيه جنة ونار. مش لازم ربنا يختبرك برضو، مش يمكن أنت بتعمل كدا رياء أو علشان حبيت جو الالتزام؟

رفع نظره له بصدمة وهو يهز رأسه. هل يعقل بأن يكون كل ما فعله كان رياءاً؟ بالتأكيد لا. ويلك يا زين. انتفض قلبه برعب مجرد سماع تلك الكلمة. تابع شيخه مجدداً بعدما رأى تعابير وجهه وقد توصل لما يريد وهو يهتف: "استغربت ليه؟ مش كلنا معرضين للرياء، مش يمكن أنا كمان اللي بعمله ده رياء؟

هتعرف إنك ملتزم يا زين التزام حقيقي ولا لأ مش بصلاتك وصيامك لأ، ده بصبرك على الابتلاءات لإن ده هو الجهاد الحقيقي وخليك عارف إن الابتلاء مش هيكون غير في أكتر حاجة أنت متعلق بيها. لازم تصبر وتكون راضي كمان من قلبك حتى لو جواك حزين. لكن مدرك تماماً إن ده الخير ليك وإنك راضي بيه مهما تكون النتيجة."

انتهى الشيخ من حديثه لتكون تلك ثاني صفعة يتلقاها اليوم. نعم، هي أكبر اختبار بالنسبة له ولكنه فشل به ولم ينجح وقد استسلم لمصيره. ليسأله وهو يبتلع ريقه قائلاً: "بس أنا مكنتش راضي وكنت ناقم من جوايا على اللي حصل. كدا أنا فشلت في الاختبار؟ هز رأسه نافياً وهو ينظر في عينيه قائلاً:

"لأ.. لسه معاك وقت وأنت لسه في الاختبار. استغفر ربنا وجدد توبتك ورضاك بأي حال هتكون عليه وكل حاجة هتحصل معاك أنت راضي عنها. ربنا لو مبيحبكش يا زين مكنش بعتني ليك في الوقت ده تحديداً علشان أقولك الكلام ده."

"قوم يا زين، أقبل على ربنا بقلب جديد بكل رضى وحب وأنت هترتاح. قوم ادعي ربنا وارجع لصلاتك وصلاتك. أكتر وقت هتدعي فيه ربنا من قلبك مش في رمضان ولا القيام ولا حتى وأنت قدام الكعبة، بل أكتر وقت هتدعي فيه ربنا من قلبك هو وقت المصائب والشدائد علشان أنت أكتر وقت محتاج فيه للدعاء وفي أشد الحاجة ليه."

أومأ له بهدوء ثم قام من مكانه بعدما ودعه وصلى ركعتين توبة أولاً وجلس يقرأ قرآن وقد شحن نفسه وعادت له طاقته المليئة بالإيمان والصبر. عادت شخصيته الصبورة والراضية. تذكر حديثها عندما كانا فوق السطوح وعلمت بأمر الصورة التي يضعها بغرفته وكلامها يردد بآذنه: "ده مش مبرر ليك يا زين يخليك تغضب ربنا عشان حد حتى لو كان الحد ده أنا. عصيت الخالق لأجل مخلوق؟ مش يمكن كان ربنا قبض روحي في أي لحظة؟ مهما بلغ حبك ليا يا زين...

أوعى تعصي ربنا علشاني أو عشان أي حد مهما كان." لاحت منه ابتسامة خافتة وهو يتذكرها. يتذكر كل تفصيلة بها ومواقفهما معاً. حينما كان يشاكسها وحينما يخجلها. تذكر يوم شفائها وركضهم سوياً في الطريق بين السيارات. تذكر عندما رآهم والده في منزله. وأيضاً يوم رآها بغرفته عندما كانت تدور حول نفسها بثيابها الفضفاضة لأول مرة.

اختفت بسمته وهو يتذكر آخر لقاء بينهما وهو يغمض عيناه بألم حين صرخ بها وأبكاها. لقد اشتاق لها بشدة. لم يكن ليتخيل بأن حياته دونها ستصبح مملة هكذا. يفتقد طيفها في المكان وضحكاتها التي تسعده وخجلها عندما يشاكسها متعمداً إحراجها.

ذهب لمنزله مجدداً ثم أول شيء فعله أخذ حماماً سريعاً وهو يريح أعصابه قليلاً كي يستطيع التفكير بهدوء وقد استودعها عند الله وقد هدأ كثيراً عن ذي قبل وهو يطمئن نفسه بأنها مازالت بخير وسوف تعود له من جديد.

خرج بعدما انتهى وقد عاد له ثباته من جديد وعادت شخصيته القوية مجدداً واستعاد صبره بطريقة أدهشت الجميع من التغيير الذي طرأ عليه فجأة بعدما شاهدوا لحظات انهياره لأول مرة ولكنه لم يهتم. بل عقله أصبح يعمل بشكل جيد كي يستطيع إيجادها. وجد من يقترب منه. رفع نظره ليجد أبيه يقف أمامه ليطرق رأسه أرضاً ثم هم ليرحل ولكن أوقفه صوته وهو يهتف: "زين." توقف عن السير وهو يستدير له ولكنه مازال ينظر أسفل. ليقترب منه وهو يقول بحنين:

"طول عمري بعتبرك صاحبي وحبيبي مش بس ابني. في الغالب الابن اللي بيستمد القوة من أبوه، بس للأسف ده محصلش معايا وأنا طول عمري اللي بستمد القوة منك وبتعلم منك الصبر كمان وعمري ما شوفتك ضعيف أو حزين بالعكس. كل حاجة بتحصل معاك بلاقيك راضي وصبور وقوي ومفيش حاجة بتهزك لحد النهارده. لأول مرة في حياتي أحس بالعجز والإنكسار وأنا شايفك بتضعف قدامي ومستسلم ومش قادر أعملك حاجة. مكنتش مستحمل إني أشوفك كدا وكنت عايزك ترجع قوي زي ما اتعودت أشوفك دايماً."

توقف عن الحديث وهو يشير على يده ثم أكمل بنبرة اختنقت بالدموع: "ياريتها كانت انشلت يا زين قبل ما تتمد عليك." رفع نظره أخيراً وهو يقترب منه ويقول بلهفة: "بعد الشر يا بابا متقولش كدا. أنا مش زعلان منك بالعكس. القلم ده هو اللي فاقني. أنا.. أنا كنت حاسس كأني كنت غايب عن الواقع أو بحلم حلم وهصحى منه وكنت محتاج اللي يفوقني واللي عملته ده هو اللي فاقني." توقف عن الحديث وهو يبتلع ريقه ثم تابع ببسمة ممزوجة بألم قائلاً:

"أنا استودعتها عند ربنا، وواثق إنها بخير وهترجعلي تاني." اقترب منه والده ثم احتضنه وهو يربت على كتفه قائلاً بحزن وألم: "هترجع.. إن شاء الله هترجع بخير." كان يقف في الظلام وهو يرى شخصاً ما يعطيه ظهره ولا يظهر منه شيء. حاول ليث رؤية وجهه ولكنه فشل. فهو يشعر بأن هذا الشخص يعرفه، ولكنه لا يعلم من هو بعد.

اقترب منه هذا الشاب والذي لم تتبين ملامحه بعد ثم قام بلكمه فجأة من دون سابق إنذار، ليشعر ليث بالغضب الشديد منه. هم ليسدد له نفس الضربة ولكنه فشل. شيء ما بداخله لا يعلمه يمنعه من فعل ذلك. قام الشاب بضربه مرة أخرى هنا وقد زاد غضبه وقد فك حصاره وظل يحاول ضربه حتى استطاع وهو يلكمه بشدة. ولكنه شعر بالندم ولم يكن عليه فعل ذلك. وما زال لا يدرى سبب هذا الشعور.

ابتعد عنه الشاب ثم وقف مكانه مرة أخرى وقد تبينت ملامحه. نظر له ليث بصدمة ولا يصدق كيف يكون أمامه وهو من المفترض أنه ميت! هل عاد ياسر من الموت أم هو يحلم؟ تحدث بلهفة وقد نسي ما فعله منذ قليل وهو يهتف: "ياسر.. أنت رجعت، ماما وبابا هيفرحوا أوي. تعالي يلا معايا علشان يشوفوك." كان يتحدث بفرحة ولهفة وحديثه غير مرتب. حاول ليث التقدم منه ولكنه لم يستطع. وكأن أحداً ما يكبل حركته ولكنه لم يهتم وهو يكمل حديثه بسعادة قائلاً:

"أنا فرحان أوي يا ياسر علشان شوفتك ورجعت تاني، وأخيراً هنكون مع بعض ونتجمع كلنا من تاني." كان ياسر يقف ثابتاً وهو يسمع حديثه بوجه خالٍ من التعبير. ليتحدث أخيراً وهو يهتف: "مبقاش ينفع يا ليث، أنا مكاني مش وسطكم. سلملي على ماما وقولها إني بحبها أوي، و.. وقول لبابا إني كنت نفسي أقعد معاه وأنت كمان يا ليث.. كان.. كان نفسي أحضنك على الأقل." هز ليث رأسه يرفض ما يقول وهو يهتف:

"تعالى معايا وقولهم أنت بنفسك، هم هيفرحوا بيك أوي وأنا وأنت هنكون صحاب ومع بعض على طول." نظر له بحزن وقد سقطت دمعة من عينيه وهو يهتف: "الوقت اتأخر، وأنا لازم أمشي... قول لحور تسامحيني يا ليث، أنا أذيتها كتير... رغم إني مستحقش تسامحيني، بس أنا طمعان في عفوها." تراجع للوراء قليلاً وليث يحاول الاقتراب منه وهو ينادي باسمه كي لا يرحل ولكنه تبخر فجأة في الهواء ولم يعد له أثر. بينما هو كاد أن يجن وهو يحاول إيجاده ولكنه فشل.

"ليث... يا ليث." نادته حور وهي تهزه في محاولة لإفاقته وهي تراه يتململ في الفراش وملامحه متجهمة ويهذي بحديث غير مفهوم. استيقظ من نومه بفزع وجبينه متعرق بشدة ويحاول أخذ أنفاسه بصعوبة. بينما هي راقبت تعابير وجهه بقلق وهي ترى الشحوب بادٍ عليه. تحسست وجهه وهي تهتف بقلق: "ليث.. أنت كويس؟ ظل ينهج بشدة كما لو كان يجري منذ زمن وهو يقول من بين أنفاسه: "أنا خايف... خايف أوي يا حور."

نظرت له بجهل وهي تحاول فهم حديثه ولا تدري ما به. أمسكت يده برفق وهي تهتف بتروٍ: "خايف من إيه؟ هز رأسه بالنفي ثم ابتلع ريقه وهو يقول: "مش عارف... بس أنا خايف و.. وحاسس إني مش كويس."

ورغم أنها لا تفهم ما به ولكنه اقترب منها أكثر ثم وضعت رأسه على صدرها وهي تضمه إليها بحنان كما تضم الأم صغيرها وأخذت تمسح على شعره برفق تحاول بث الأمان بداخله وكأنها تخبره بأنه ليس وحيداً وهي معه. ظلت تقرأ عليه بعض آيات الله وقد ظنت بأنه رأى كابوساً. هي حتى لم تسأله عن السبب، ولكنها أرادت طمأنته فحسب. هدأ قليلاً وقد شعر بالتحسن وانتظمت أنفاسه. خرج من أحضانها وهي ينظر لها بامتنان لتبادله النظرة ببسمة وهي تقول:

"بقيت أحسن دلوقتي؟ أومأ لها ولا يوجد كلام يوفي امتنانه لها. ليقول بصدق: "شكراً يا حور.. شكراً جداً ليكي." نظرت له بضيق زائف وهي تقول: "إيه شكراً دي، فيه حد يشكر مراته برضو؟ وبعدين أنا أصلاً مبحبش الشكر الناشف ده." نظر لها قليلاً باستفهام وقد ذهب عقله لشيء آخر ليسألها وهو يضيق جفونه: "امال عايزاه بأيه؟ "توديني على عربية كبدة وتسيبني عليها." طالعها بذهول ما لبث حتى ضحك عليها وهو يقول:

"إنتي مش طبيعية يا حور، قال وأنا اللي دماغي راحت بعيد." نظرت له بشك وهي تقول: "دماغك راحت فين؟ "لأ متأخديش في بالك لما تكبري هبقى أقولك." صمت قليلاً ينظر لها تحت تعجبها ليكمل مرة أخرى وهو يدخل أكبر قدر من الهواء داخل رئتيه قائلاً: "حور انتِ سامحتي ياسر؟ لقد بدأت الخيوط تترابط أمامها الآن. هو كان يحلم بأخيه إذاً. لم تجبه وهي تفكر بالسؤال. هل هي سامحته بالفعل؟

لا تدري ولكنها عانت بشدة بسببه. لقد أرعبها هو وحامد وكانا مصدر خوف لها وبالتحديد ياسر. فهو يطاردها منذ زمن ودائماً كان يبث الرعب داخلها كلما رأته. فهي لا حول لها ولا قوة من بطشه، لذا كان من الصعب عليها مسامحته بسهولة.

"أنا اتأذيت كتير منه يا ليث، صدقني كان صعب عليا أقدر أسامحه بعد اللي عمله معايا وقتها لأنه مكنش سهل كل اللي اتعرضتله بسببه. وبعدها حاولت مفكرش فيه، لكن الزمن كفيل إنه يغير الإنسان ومشاعره تهدى كمان من ناحية اللي آذاه. يعني أنا دلوقتي مش زي وقت ما كان عايش وبيأذيني، عشان كدا أنا هسامحه لأنه بقى بين إيدين ربنا."

وأخيراً تنهد براحة وقد علم سبب زيارة أخيه له. ابتسم بألم وهو يتذكر تفاصيل حلمه الجميل الذي جمعه به. ليته استطاع ضمه ليشبع شوقه منه. ليته ظل يحلم به وقتاً أطول. مشاعر عديدة بداخله ويشعر أنه مضطر. وحين لاحظت حور تعابير وجهه سألته مجدداً قائلة: "مالك يا ليث؟ "كان نفسي أحضنه ولو لمرة واحدة يا حور، ك.. كان قدامي طول المدة دي وأنا معرفش إنه أخويا!!

كان نفسي أقوله إني طول عمري كان نفسي يبقى ليا أخ، ويوم ما يبقى ليا أخ أخسره؟ أنا قلبي وجعني أوي." نظرت له بحزن شديد وهي تعلم ما يشعر به جيداً. فهي يومياً تبكي على أخيها ووالدتها لوحدها. ولكن على الأقل هي شبعت من حنانها ولو قليلاً، على عكسه هو. وضعت يدها على قلبه وهي تقول: "ربنا يبعد عنك أي حزن ووجع يا ليث. هو في مكان أحسن مننا إن شاء الله. محتاج إننا ندعيله بس وإن شاء الله تجتمع معاه في الجنة." وقفت من مكانها ثم

أمسكت يده وأكملت حديثها: "قوم نصلي ركعتين قيام وندعيله بالرحمة، وبكرة نروح نطلع صدقات على روحه." ابتسم برضى داخلي وهو يطالعها. نعم، هي أكبر نعمة حصل عليها ولو ظل يحلم طوال حياته لم يتصور بأنها سيحصل عليها بالنهاية. فالإنسان لا يُحرم من كل شيء ودائماً يأتي عوض الله أفضل مما نتخيل.

توضأ هو الآخر ثم شرعوا في الصلاة وظل يدعو لأخيه بالرحمة وأيضاً يحمد الله على نعمة وجودها وأن يديمها الله له حتى انتهوا. بينما حور كانت تشعر بالسعادة الشديدة وكم تمنت أن تصلي خلف زوجها في جوف الليل. "ودلوقتي يلا علشان تأكلني كبدة." نظر لها بصدمة. كيف سيذهبا في هذا الوقت؟ ليقول بدهشة: "دلوقتي؟ وضعت يدها أمام صدرها وهي تقول بعناد: "أيوه دلوقتي، ومليش دعوة أنت وعدتني." طالعها قليلاً وأمام نظراتها المترجية لم يستطع الرفض،

ليقول بقلة حيلة: "يلا وأمرى لله روحي البسي يلا." تهللت أسارير وجهها بفرحة. بينما هو هم ليرتدي ثيابه وهو يعطيها ظهره تزامناً مع احتضانها له من الخلف وهي تقول بصدق: "أنا بحبك أوي يا ليث." استدار لها بصدمة وهو لا يصدق ما سمعه وقد شعر بالصدق من نبرتها. هي تحبه كما يفعل. لا لن تكون مثله ولكن لا يهم، يكفي فقط أنها تبادله ولو بعض المشاعر. ليكون أسعد شخص وقد تناسى حزنه وكل شيء وهو يقول بصدمة: "قولتي إيه؟

"لأ هي بتتقال مرة واحدة بس." نظر لها بغيظ ومن داخله يشعر بالسعادة وهو يهتف: "طب مفيش خروج بقى." "الكبدة دي طعمها حلو أوي يا ليث، قولتلي كبدة إيه؟ تحدثت حور وهي تجلس جواره بالسيارة بعدما جلب لهم ليث الكثير من "سندوتشات الكبدة" وهي تأكل بنهم كما يفعل هو الآخر ويتلذذ بطعمها متناسياً كم كان يكره طعام الشوارع ومن المستحيل أن يأكل منه. الآن يجلس جوارها وهو يأكل ومستمتعاً بذلك أيضاً. ليقول بهدوء وهو ما زال يأكل:

"على حسب، لو هوهوتي بعدها تبقى كبدة كلابي، أما لو نهقتي تبقى كبدة حميري." تعالت ضحكاتها بشدة وهي تتذكر كلماته عندما سألها أول مرة عن نوع الكبدة الذي يتناولها لتجيبه بنفس الإجابة. بينما هو شرد في ضحكتها قليلاً ثم تحدث بتروٍ: "تعرفي يا حور، ربنا لما بيبتلي حد بحاجة بيرزقه بحاجة تانية أضعاف اللي اتحرم منها. بسأل نفسي لو مكنتش قابلتك وخدتي بأيدي كان زماني عامل إزاي دلوقتي؟

أنا دلوقتي بس اتأكدت إن ربنا بيحبني علشان رزقني بحورية زيك تاخد بأيدي للجنة ومسبنيش غارق في الدنيا لحد ما أموت وأنا مش عارف أنا عايش ليه حتى. أنا مبسوط أوي يا حور لمجرد إني حاسس إن ربنا بيحبني، علشان لو مش بيحبني مكنش بعتك ليا، علشان واحدة زيك نعمة في حياة أي حد." صمت قليلاً ثم استدار بجسده نحوه وهو يقول بتساؤل وحزن: "بس تفتكري أنا استحق حب ربنا يا حور وأنا وحش كدا؟ أمسكت يده برفق ثم قبلتها وهي تنظر له ببسمة قائلة:

"أنت مش وحش يا ليث بالعكس، ده أنت أحن زوج في الدنيا. بقى فيه واحد ينزل مراته في نص الليل علشان بس قالتله عايزة تاكل كبدة للعلم إني كنت بهزر أصلاً. وكمان أحن ابن في الدنيا. كل الحكاية بس إن الدنيا جات عليك شوية وأنت استسلمتلها بس بعدين عرفت غلطك وقررت تتغير وتصلح ده مش كدا؟ هز رأسه يؤكد لها وهو يبتسم. بينما هي أرادت أن تجعله يثق بنفسه مجدداً وهي تهتف:

"تعرف لما اتقدمتلي ساعتها كنت رافضالك نهائي ومش موافقة عليك علشان كنت شايفك بعيد ومتناسبنيش. بابا ساعتها قالي إن ممكن أنت تكون الخير ليا عن الشخص اللي أنا حاطه مواصفاته في دماغي ومش هقبل بأقل من كدا. ربنا اللي هيألي كل الأسباب تحصل علشان نتزوج. ورغم إني مكنتش شايفك مناسب ولو بواحد في المية إلا إني صليت استخارة ودعيت ربنا إنك لو خير تقربني منك ولو شر تبعدني عني و عشان كدا لما اتجوزنا بقيت متيقنة إنك هتكون الخير ليا."

توسعت بسمته وهو يسألها قائلاً: "وطلعت فعلاً الخير ليكي؟ غمزت له بطرف عينيها وهي تجيبه بمشاكسة: "طلعت أحلى خير كمان." "عمرك عملتي عمل صالح يا روان خالص لوجه الله لو وقعتي في مشكلة ينجيكي منها؟ سألها زين وهو جالس جوارها بينما هي تتكأ عليه. رفعت رأسها نحوه باستفهام ولم تفهم حديثه. ليكمل كلامه مرة أخرى موضحاً لها قائلاً: "مسمعتيش عن قصة أصحاب الصخرة؟ هزت رأسها له بالنفي. ابتسم بهدوء وهو يقص عليها أمرهم هاتفاً:

"دول بقى يا ستي كانوا تلاتة مع بعض في نفس المكان واتقفل عليهم صخرة في غار وهم ما يعرفوش بعض. طبعاً حاولوا يشيلوا الصخرة بأي شكل من الأشكال مقدروش لحد ما يأسوا منها وعرفوا إنهم مستحيل يعرفوا يشيلوها لو فضلوا عمرهم كله يزيحوا فيها. لحد ما واحد منهم قال يدعوا ربنا بعمل هم عملوه وكان خالص لله.

فضلوا يفكروا لحد ما واحد منهم قال إنه كان ليه أبوين كبيرين وهو كان كل يوم وهو راجع بعد ما يجيب اللبن لازم يعدي يسقيهم هما الأول وبعدين يروح يسقي زوجته وعياله. في مرة اتأخر وراح لهم لقاهم ناموا خشي إنه يصحيهم بعد ما ناموا. مرضيش يروح وفضل قاعد لحد ما الفجر أذن وعياله حواليه جعانين بس هو كان عمال يصبرهم لما يسقي أهله الأول وفعلاً فضل سهران جنبهم لحد ما الفجر أذن وسقاهم وبعدين أدى لعياله. رفع إيده ودعى ربنا لو كان العمل

ده خالص لوجهه الكريم الصخرة تنزاح وبالفعل الصخرة انزاحت شوية ودخلتلهم نور بس يقدروا يشوفوا بيه. والمطرة كانت بتمطر حاولوا إنهم يمدوا إيدهم يجيبوا ميه يشربوا بيها لكن مقدروش لحد ما قالوا إنها مش هتنزاح غير بنفس الطريقة اللي انزاحت بيها أول مرة.

واحد تاني منهم فضل يفكر لحد ما حكى إنه كان تاجر معروف ومرة كان شغال عنده ناس وواحد منهم مشي قبل ما ياخد أجرته. فهو شاله فلوسه على جنب لحد ما يرجع بس الراجل مرجعش. جه عليه وقت مكنش معاه فلوس وأفلس وجه قدامه تجارته بالمبلغ بتاع الراجل بس خايف ياخد منه. زوجته قالتله ياخده ولما الراجل يرجع هيكون وقتها معاه فلوس ويبقى يدهاله. وبالفعل وافق وكبرت تجارته وبقى عنده ثروة كبيرة من الماشية وبعد سنين رجع الراجل وطلب منه فلوسه،

قاله إن كل اللي قدامه ده من فلوسه وياخد اللي هو عايزه والراجل أخذهم كلهم. هنا دعا ربنا لو كان العمل ده خالص لله الصخرة تنزاح وبالفعل الصخرة انزاحت أكتر. لدرجة مدوا إيديهم وقدروا يشربوا من المطرة اللي كانت نازلة بس لسه مش عارفين يخرجوا.

بصوا للراجل التالت اللي معاهم واللي كان رافض إنه يتكلم بس هما أصروا عليه لحد ما اتكلم وبدأ يحكي. الراجل ده كان ليه بنت عمه وهو كان غني ومعاه فلوس وكان بيحبها حب شديد. أو يقال بيحبها كما يحب الرجل النساء وأكثر من مرة كان بيحاول إنه يختلي بيها بس هي كانت بتمنعه. لحد ما في مرة كانت في أشد الحاجة للمال ولجأت ليه. كانت محتاجة مبلغ كبير وساعتها هو استغلها وقالها هيديها مقابل إنها تمتعه بيها. ولأنها مكنش قدامها حل وافقت.

بعد ما خلاص اختلى بيها ويقال إنها كانت معاه على الفراش وقبل ما يهم بيها قالتله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحق. ساعتها تركها فعلاً وأداها الفلوس وسابها. هنا دعا ربنا لو كان العمل ده خالص لله ينجيهم من اللي هما فيه وبالفعل الصخرة انزاحت خالص وقدروا إنهم يخرجوا واللي خرجهم كان قوة عملهم الصالح. عشان كدا كلنا لازم يكون عندنا عمل صالح بينا وبين نفسنا عملناه لوجه الله يكون قوي لدرجة إننا لو كنا مكانهم كنا قدرنا خرجنا أو

لو اتحطينا في موقف زيهم."

"أستيقظت من غفوتها وهي تمسك رأسها بألم وتنظر حولها بتعجب لتجد نفسها مازالت بمكانها. كيف رأته إذاً؟ لا تدري أكان حلماً أم أن زين قص عليها هذه القصة من قبل. كل ما تعلمه أنها تتذكر كل كلمة تحدث بها. ابتسمت بحنين له، فحتى وهي بعيدة عنه لم يتركها بل أتاها بحلمها وكأنه يخبره بأنه معها حتى ولو لم يكونوا بنفس المكان. شعرت بالقوة والأمان حتى باتت تشم رائحته بالمكان أو هذا ما يخيل إليها.

زينها الحبيب والتي اشتاقت له بشدة. ترى ما حالته الآن وها هو اليوم الثالث لها في هذا المكان الموحش والتي قد بدأت أن تستسلم وتشعر بالخوف وتهتز عزيمتها ولكنه أتاها أولاً ليعيد لها شجاعتها مجدداً. أرجعت ظهرها للخلف وأسندت رأسها على الحائط وما زالت يديها تلتف حولها الحبال وهي تتذكر منذ أن اختطفها في هذا اليوم عندما تركت زين وغادرت وقبل أن تصل لسيارته وجدت من يجذبها ويكتم فمها بسرعة البرق ثم بعدها غابت عن الوعي لتستيقظ وتجد نفسها هنا ولا تعلم من أتى بها إلى هنا.

وجدت الباب يفتح ويدخل هو بخطوات متمهلة نحوها لتتوسع عيناها بصدمة وهي تهتف: "عمرو!! بينما هو اقترب منها وهو يبتسم بخبث قائلاً: "إيه رأيك في المفاجأة، حلوة صح؟ ظلت تنظر له قليلاً وهي تأخذ أنفاسها ولم تتخيله أبداً. بينما هو ظل يتأملها ويراقب ملامحها المندهشة منه، ليقول: "تؤ تؤ، مش عايزك تخافي مني لأ." بينما هي نظرت له ببرود وأردفت بقوة لم تعهدها من قبل وللعجب أدهشتها هي أكثر منه هاتفة: "ومين قالك إني خايفة؟

أنت آخر واحد ممكن أخاف منه يا عمرو. مش هنكر أول مرة لما خطفتني خوفت، لكن المرادي مش خايفة منك." ورغم تعجبه من حديثها إلا أن ملامح الاستهزاء كانت بادية على وجهه بشدة. ليسألها بتهكم: "امم هو لحق يقويكي في اليومين دول يعني." هزت رأسها بالنفي ثم ابتسمت تزامناً مع قولها بقوة:

"مش هو اللي قواني لأ، صلاتي وقرآني هما اللي خلوني قوية ومخافش من واحد زيك. أنا قوية بثقتي بربنا وأنا خارجة النهاردة مصليا الفجر وقارئة أذكاري. أخاف ليه بقى." "بس اخرسي."

قام بصفعها على وجهها حتى أدميت شفتيها من أثر الصفعة. بينما هو شعر بالخوف الشديد من حديثها وكأنه أخيراً تذكر أن هناك جنة ونار. لم يتحمل حديثها ليصفعها بغضب وكأنه يحاول تهدئة ذاته. تركها وغادر وهو يشتعل بشدة. بينما هي أغمضت عيونها بألم وهي تحمد الله وتدعو أن ينجيها من بطشه.

استفاقت من ذكرياتها وهي تمسح دموعها. فقد مر يومان ولم تراه بهما. فقد يأتي من يضع لها الطعام ويرحل. بينما لسانها لم يتوقف عن الذكر والاستغفار. سمعت صوت خطوات تقترب منهما والتي خمنت بأنه هو. ولم يخيب ظنها وهي تراه أمامها ولكنها شعرت بالخوف الجدي هذه المرة. فملامحه لا تبشر بالخير إطلاقاً.

كان زين يجلس أمام حاسوبه يسمع الفيديو مراراً وتكراراً عله يلاحظ شيئاً يفيده وهو يصوب عيناه كالصقر وملامح وجهه خالية من التعبير. بينما الشباب يجلسون حوله بعدما عملوا بأمر اختطافها وقد أتوا ليقفوا بجانبه في محاولة لمساعدته في إيجادها. تحدث ليث وهو يقول: "أنا كلمت ظابط كبير ومعروف وفي أقل من أربعة وعشرين ساعة هيعرفنا مكانها وكمان كلمت المديرية يكثفوا البحث ولو ملقنهاش هقلب لهم الدنيا هناك."

أومأ له زين بهدوء وهو يعود بنظراته نحو الفيديو مجدداً بينما يجلس بالقرب منه كلاً أحمد ويونس اللذان يتابعان بصمت. أما عمر ما زال يشعر بالغضب وداخله يشعر بالألم والحزن وهو لا يعلم أين يجدها. لينفزع الجميع عندما هب زين واقفاً بفرحة ولهفة وهو يقول: "هي إزاي راحت عن بالي دي." نظر له الجميع بجهل ودهشة، ليكمل حديثه موضحاً: "السلسلة، أنا.. أنا كنت مديها سلسلة عشان أتبع مكانها لو حصلها حاجة مش عارف نسيت إزاي."

هب الشباب جميعهم وهم يقتربون منه وليث يقول: "طب يلا بسرعة مفيش وقت وهنتبع مكانها في الطريق." خرج من الغرفة تزامناً مع الوقت الذي وقفت به عايدة وهي تنتفض وتصرخ بمن تحادثه على الهاتف دون أن تنتبه له قائلة: "إزاي تسيبه يقرب منها يا حيو*ان امال أنت بتعمل إيه." نظر له زين متعجباً يحاول أن يستوعب على من تتحدث حتى توسعت عيناه بصدمة وهو يقترب منها قائلاً بلهفة: "روان انتِ عرفتي مكانها، مالها حصلها إيه، حد عملها حاجة."

كان يشعر بالخوف والتشتت ولكنه انتبه فجأة وهو يهتف: "لحظة كدا، هو انتِ كنتي عارفة مكانها يا عايدة؟ ظهر التوتر على ملامحها وهي تقول بعجالة محاولة تغيير الموضوع قائلة: "مش وقته كلام يا زين، المهم نلحقها دلوقتي." أومأ لها وقبل أن يرحل نظر لها قليلاً ثم قال بنظرة مميتة وهو يردف: "لو اللي في دماغي صح يا عايدة هيكون مقابله صداقتنا كلها... إلا روان يا عايدة، إلا هي." تركها وسار وهو ينظر أمامه بجمود ولحقه الشباب.

وقبل قليل كانت هي جالسة تفكر فيما سيحدث معها. ليدخل عمرو مجدداً وملامحه لا تبشر بالخير أبداً وما إن رأت هيئته حتى شعرت بالخوف الحقيقي هذه المرة ولا تعلم لمَ. ولكن يبدو أنه لا ينوي لها الخير. اقترب منها ثم جلس أمامها وما زالت يديها مكبلة. ليقول بغضب:

"سبتك كتير تاخدي وقتك وتكوني قدرتي تاخدي على المكان. المرة اللي فاتت هو لحقك. بس المرادي هو مش هيلحقك. هو جاي في الطريق دلوقتي وكمان فيه حراسة على المكان، بس أنا برضو عامل حسابي وسابقهم بخطوة."

وما إن أنهى حديثه حتى جذبها بقوة ثم أخرجها من المكان وهي تحاول أن تقاومه ولكنه كان أقوى منها ليجعلها تسير معه عنوة وقد ابتعد عن المكان وهي تبكي بألم. ولكنه لم ينسى أن ينزع لها تلك السلسلة التي ترتديها. لينقطع هنا آخر أمل في أن يجدها زين وهو يذهب بها إلى مكان لا يعلمه أحد. كان زين يسير بسرعة جنونية وهو يتبع مكان وجودها حتى وجدت تتحرك من مكانها وهو ما أشعره بالخوف حتى توقفت مرة أخرى. ليقول عمر برعب:

"معقول يكون عرف بالسلسلة؟ وما إن أنهى حديثه حتى رن هاتف عايدة لتجيبه ولكن ثوانٍ معدودة لتصرخ لمن تحادثه بغضب: "إزاي قدر يهرب منكم يا شوية ****" أغلقت معه وقد شعرت بالرعب الحقيقي هذه المرة. لقد خرج الأمر عن سيطرتها دون أن تدري.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...