الفصل 49 | من 51 فصل

رواية وسولت لي نفسي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم روان الحاكم

المشاهدات
24
كلمة
5,483
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

دخلت المكتب بخطى مترنحة وهي تصوب عيناها عليهم وقد أبتعدت عنه الفتاة وهي تقول دون أن ينتبها لوجودها بعد: "كنت واحشني اوي يا زين، أول ما جيت جتلك على هنا الأول" وقع دفتر محاضراتها أرضاً فأصدر صوتاً جعلهما ينتبهان لها. استدار لها زين بدهشة من وجودها الآن والمفترض أنها بمحاضرتها، ليقول بتعجب: "روان.. بتعملي اي هنا؟ مش المفروض عندك محاضرة دلوقتي"

بينما هي مازالت تنظر له بصدمة بالتأكيد هو لم يتخيل وجودها، وإلا لما فعل هذا وهو متقين بأنها داخل محاضرتها. وقفت أمامه وهي تقول بغضب: "طبعاً مهو أكيد حضرتك فاكرني في المحاضرة ومستحيل أجي دلوقتي، والا الجو هيحلالك ازاي" نظر لها بصدمة وهو ينقل نظراته للفتاة التي كانت معه ومازالت تقف جواره ولا يصدق حديثها، ليهتف كي يهدئ من روعها وهو يقول: "اي اللي انتِ بتقوليه دا انتِ مش عارفة مين دي...

قاطعته حديثه وهي تصرخ به وقد بلغ الغضب منها والغيرة تنهش بقلبها ولم تر شيئاً أمامها سوى مشهده وهو يحتضن هذه الفتاة التي لا تعرفها بداخل مكتبه، ماذا سيبرر إذا؟ "مش عايزة اسمع منك اي مبررات، اي المبرر اني ادخل والاقيك حاضن واحدة في مكتبك في الوقت اللي انت عارف اني عندي محاضرة ومتأكد اني مش هاجي غير أنك خاين"

جلست الفتاة على المقعد المجاور لهما بأريحية تتابع تلك المسرحية بإستمتاع شديد وقد فضلت الصمت ليس وكأنها هي المتسببة بكل هذا. بينما زين لم يأخذ على كلامها وهو يعلم بأنها فقط غاضبة لغيرتها عليه. اقترب منها وقال بهدوء موضحاً كي يهدئها: "انتِ مش فاهمة حاجة يا روان دي.." قاطعته حديثه مجدداً ولم تعطي له فرصة للاستكمال وقد كانت تشعر بنيران داخل قلبها والغيرة تحرقها بشدة، هي من يجب أن تكون بحضأنه وليس تلك الفتاة.

"مش عايزة أفهمك حاجة، كل حاجة واضحة زي الشمس، هتبرر اي غير أنك واحد خاين وبتاع بنات وعاملي فيها شيخ وانت أسوء من كدا، انا بكرهك يا زيين بكرهك" "رواااان" انتفضت بفزع على صراخها عليها وهو ينظر لها بغضب ولا يصدق ما تفوهت به، هي حتى لم تعطي له فرصة ليشرح لها الأمر وكأنها ما صدقت أن تمسك عليه عيباً. اقترب منها وهو يمسكها من مرفقيها بعنف ويقول من بين أسنانه بغضب: "صوتك يعلى تاني ياروان ومتلوميش غير نفسك"

أبعدها عنه بقوة حتى كادت تسقط أرضاً وقد شعرت بالخوف منه وهي ترى عيناه الحمراء بشدة، فهو لم يغضب عليها منذ زمن. أما عنها فقد وقفت أخيراً بعدما شعرت بالملل من تلك الدراما التي أخذت أكثر من حجمها وقد تخلت عن صمتها وهي تقترب منها وتقول بهدوء: "مفيش فايدة فيكِ..، هتفضلي غبية ومتهورة طول عمرك" استدارت نحوها ترمقها بشرز وقد شعرت بأن صوتها ليس غريباً عليها. دقت النظر بها أكثر حتى توسعت مقلتاها بصدمة وهي تهتف: "عايدة!!!

"طب ما انتِ شطورة اهو... لزمتها اي الدراما اللي عملتيها دي كلها؟ لو انا مكانك مكنتش هعمل كدا، ولا انتِ مش واثقة في جوزك؟ صمتت ولم تجب وقد ألجمتها الصدمة وشعرت بالندم الشديد وقد انتبهت للتو لمَ تفوهت به. نقلت بصرها لزين والذي كان يقف ولم يعيرها أي انتباه ومازال الغضب يعتريه وهي لم تلومه، فما تحدثت به ليس هينِ. ولكنها تقسم بأنها لم تقصد فقط هي شعرت بالغيرة تحرقها ولم تفكر. تساقطت دموعها بألم وهي تنظر لها بندم شديد.

اقتربت منها عايدة وهي تضع يدها على كتفها ثم همست ببرود وهدوئها المعتاد: "حد يشك في زين برضو، اللي عمره ما بص لبنت غيرك؟ ضحكت بسخرية عليها ثم أردفت بصوت لم يصل لزين وهي تهمس بتهكم: "دا لولا إنه حبك واتجوزك كنت أفكرته لمؤاخذة"

تركتها وذهبت مبتعدة عنها ثم جلست وهي تضع قدماً فوق أخرى وتطالعهم ببرود وسخرية ليس وكأنها هي المتسببة في كل هذا. بينما روان اقتربت من زين وحاولت لمس يده ولكنه نفضها بعيداً وهو يشيح بنظره عنها. طالعته بعيون مغروقة بالدموع ولكنه حاول ألا يضعف. يؤلمه رؤيتها وهي تبكي، ولكن حديثها أيضاً آلمه ولن يمرره مرور الكرام كي تعلم حجم ما أخطأت به هذه المرة وتحديداً عندما أخبرته أنها تكره، رغم أنه يعلم أنها تفوهت بهذا عن دون قصد، ولكنه أيضاً كره تلك الكلمة منها تحديداً، لذا فهو غاضب منها بشدة ولن يسامحها بسهولة. لا بل هو بالفعل سامحها ولكنه سيأخذ منها موقفاً حتى تفكر بالحديث أولاً، فقلبه لا يقوى على خِصامها.

أما عنها وقفت تبكي وقد هربت الكلمات منها ولا تدري ماذا تقول. أي حديث تقوله بعدما فعلت ما فعلته؟ أتعتذر منه؟ أتخبره كم هي آسفة؟ ولكنها تشعر بسخافة تلك الكلمة بعد حديثها. ابتلعت ريقها وهي تقول بتلعثم وقد اختنقت نبرتها: "انا.. هن..هنزل استناك تحت عند العربية"

اختفت من أمامه وقد حمد الله أنها انصرفت قبل أن يضعف ويصالحها هو، فهو يريد أن يعاقبها أولاً كي لا تشك به مجدداً وتفكر بحديثها أولاً، ولا يوجد عقاباً لها أسوء من أن يتجاهلها فهذا أكثر ما يغضبها. خرجت من مكتبه وهي تسير ناحية بوابة الخروج ولكنها توقفت حينما وجدت ياسمين تقترب منها بتعجب وهي ترى أثر الدموع بعيناها لتهتف بقلق: "مالك يا روان فيه ايه؟ بينما روان تعجبت أكثر من وجودها هنا، فإذا كانت هنا لمَ لم تأتي معهم؟

لتسألها قائلة: "ياسمين! .. لما انتِ هنا مجتيش معانا الصبح ليه؟ "لأ منا كان عندي محاضرات بدري علشان كدا زين وصلني الأول وبعدين رجع ياخدك لإنه محبش يصحيكي بدري قبل ميعاد محاضراتك" وما زادها حديث ياسمين إلا قهراً. ضحكت داخلها بسخرية وألم. اهو حريص على راحتها لدرجة أنه خشى إيقاظها مبكراً قليلاً عن محاضرتها وقرر العودة لها مرة أخرى وبالأخير هي تشك به؟ سألتها ياسمين مجدداً وهي تهتف: "رواان.. مالك، حد زعلك؟ وفين زين"

ابتلعت غصة مريرة في حلقها وهي تقول بألم: "ك.. كنت راجعة من المصلى و.. ورحتله المكتب وبعدين.. وبعدين لقيته حاضن واحدة" توسعت مقلتاها بدهشة غير مستوعبة لحديثها. اردفت بعدم تصديق: "ازاي دا مستحيل.. يمكن بالغلط أو البنت اللي وقعت نفسها عليه" هزت الأخيرة رأسها بنفي وهي تقول: "لأ مكنش بالغلط، كان حاضنها وهو بيضحك معاها" "زين مستحيل يعمل كدا، أكيد فيه حاجة غلط، مين البنت دي؟ تساقطت دموعها وهي تغمض عيناها ثم أردفت: "عايدة"

وكأنها لم تستوعب الإسم من أول مرة. هل عادت بعد كل تلك المدة؟ رمشت بأهدابها عدة مرات وهي تحاول استيعاب الأمر، لتهتف قائلة: "معقول... عايدة رجعت!! توقفت عن الحديث وهي تنظر لها وكأنها تذكرت شيئاً هاماً لتسألها بشك وهي تضيق جفونها: "انتِ عملتي اي لما شوفتيهم؟ لم تجب عليها وهي تطرق رأسها أرضاً، لتكرر ياسمين سؤالها مرة أخرى وقد علمت بأنها تهورت بحديثها وقد أكدت لها ظنونها عند أردفت بتوتر:

"ق.. قولتله إنه خاين و.. وبتاع بنات واني بكرهه" وما إن انتهت حتى ارتفعت ضحكات ياسمين بعدما فشلت في التحكم بها، لتنظر لها روان بغضب وهي تقول: "انتِ بتضحكي يا ياسمين؟ "لا مش قصدي والله، بس أصله زين دا اخر واحد تشكي فيه، لو مش علشان بيحبك وعمره ما يبص لغيرك هيبقى علشان مستحيل يعمل حاجة ويغضب ربنا، انتِ كان عقلك فين يا روان لما قولتيلي كدا فهميني؟

اذا كان رغم حبه ليكي اللي كلنا كنا شايفته رغم كدا كان بيخاف يبصلك حتى علشان ميغضبش ربنا! هيقول يحضن واحدة كدا عادي؟ انتِ طول عمرك يا روان متهورة وطايشة ومش بتفكري في افعالك ولا بيهمك علشان عارفة انه مهما عملتي زين هو اللي هيصالحك كمان، وصدقيني صعب اي حد يتحمل دا كتير" توقفت عن الحديث وهي تراها تبكي بألم ويبدو عليها الندم الشديد. أقتربت منها وقد شعرت بأنها تمادت بالكلام معها لذا احتضنتها بحنان وهي تحاول تهدئتها قائلة:

"خلاص يا روان متزعليش انا بس والله عاملة عشانك، عايزاكي تفكري بعقل شويه وبلاش غيرتك تعميكي بالشكل دا، الكلام اللي قولتهوله محدش يستحمله، أصلا مينفعش تشكِ في زوجك بالشكل دا والمفروض تحطيله سبعين عذر الأول مش لزوجك بس لأ دا لأي حد تتعاملي معاه. يُقال عن أحد السلف بيقول: لو رأيت أحد إخواني ولحيته تقطر خمرًا لقلت ربما سُكبت عليه، ولو وجدته واقفًا

على جبل وقال: أنا ربكم الأعلى لقلت إنه يقرأ القرآن. المفروض تكوني أعقل من كدا وخصوصاً إنك عارفة زين عمره ما يعمل كدا، غيرتك دي ياروان متنفعش واللي بسببها بنات كتير بتخانق مع أزواجهم بسبب كدا وبيحصل بينهم مشاكل مهما كانوا بيحبوا بعض، الشك بيقتل أي حب ياروان وبيدمر علاقة أي اتنين اللي المفروض تكون قايمة على الثقة، غيري عليه براحتك بس بلاش غيرتك دي تتحول لشك، اتفقنا؟ أومأت لها بشرود وهي تمسح دموعها ثم هتفت:

"شكراً ليكي يا ياسمين، مش عارفة اقولك اي" "متقوليش كدا، انتِ أختي يا روان ودا واجبي تجاهك علشان انتِ كمان لما تشوفيني بغلط تنصحيني لأن اللي بيكون واقع في الغلط مهما بلغ علمه والتزامه في الغالب مبيشوفش نفسه غلطان" أخذت نفساً عميقاً وقد هدأت قليلاً مع محادثتها لياسمين والتي أكملت حديثها قائلة قبل أن ترحل: "الحق أمشي علشان عندي محاضرة، انتِ هتروحي فين؟ صمتت قليلاً وهي تفكر، أتغادر وحدها أم تنتظره كما تعودا دائما؟

ولكنه غاضب منها كيف ستصالحه؟ عزمت أمرها وهي تقول: "هستنى زين لأننا كنا متفقين نروح دلوقتي" أومأت لها ياسمين بلطف ثم احتضنتها وغادرت. أما عن زين فقد أنهى أعماله ثم وقف ومعه عايدة ليرحلا بعدما خرج من مكتبه وهي تتبعه وقد سبقها هو ناحية سيارته وهو يبحث عن روان بعينه ولكنه لم يجدها. ظل يبحث عنها وأيضاً لا أثر لها. أتت عايدة في تلك اللحظة وهي تهتف: "ست الحسن والجمال مشيت وسابتك ولا اي"

تجاهل زين سخريتها وقد أخرج هاتفه يتصل بها ولكنه وجده مغلق. أهي التي غاضبة منه؟ أليس من المفترض بأن يكون هو الغاضب؟ تلك المدللة الصغيرة، ولكنه لا لوم عليها فهو من دللها بشدة. لا يعلم ماذا يفعل ولكنه شعر بالقلق فهو قد حظرها مراراً بأن لا تسير بمفردها خشية أن يصيبها مكروه ولكنها هاهي تعانده فقط لأنه غضب منها!!

صعد سيارته ومعه عايدة تركب جواره ثم ساق وعقله منشغلاً بها وهو يشعر بالضيق الشديد وهو يتخيل أنها مازالت حزينة مما حدث. حسناً، سوف يصالحها عندما يعود وكأن شيئاً لم يحدث ولكنه لا يستطيع أن يرى دموعها رغم أنه غاضب منها بشدة، إلا أنه يشعر بقلق داخله لا يعلم مصدره. توقف بالسيارة في منتصف الطريق. نظرت عايدة للمكان حتى تأففت بضجر وهي تراه ينزل من السيارة ويذهب للمحل الذي توقف أمامه وتعلم لمَ ذهب.

عاد بعد قليل وهو يحمل حقيبة بيده ثم صعد سيارته مرة أخرى وهي يعطي لها الحقيبة قائلاً: "أمسكي يا عايدة البسي دول قبل ما نروح البيت علشان مينفعش تمشي كدا" نظرت له بملل ثم وضعت الحقيبة جوارها وهي تقول بلا مبالاة: "انت عارف إني مش محجبة يا زين، ف مش هتفرق الناس اللي هيشوفني هنا من اللي هناك" غضب منها ثم مسح على رأسه وهو يقول بهدوء محاولاً التحكم بغضبه:

"الظاهر إن الشغل في الشرطة نساكِ دينك يا خالتي، لو مش عشانك يبقى على الأقل متمشيش معايا باللبس دا" أمسكت الحقيبة وهي تخرج منها حجاب ثم وضعته على رأسها بلامبالاة كي لا تثير حنقه أكثر. نظر لها قليلاً بحزن وهو يدعو الله داخله أن تعود كما كانت مجدداً ثم أكمل سواقة حتى وصل أمام المنزل.

نزلت من السيارة ثم سارت معه نحو منزلهم وهي تتأمل المكان حولها بشرود وقد عادت بذكرياتها قديماً حتى وصلت أمام الشقة. أخذت نفساً عميقاً وهي تدخل جوار زين. "عايدة!! هتفت بها والدته وهي تنظر لها بصدمة. "لييث... يالييث تعالى بسررعة" هتفت حور بصوت مرتفع مما جعل ليث يهرول نحوها بفزع ولا يعلم سبب صراخها. وما إن وصل حتى صرخت بفرحة عارمة وهي تهتف: "خالتي تهاني فاااقت"

نظر لها بصدمة وما إن استوعب حديثها حتى ركض لحجرة والدته بلهفة وقد سعد بهذا الخبر وأنها عادت إليهم من جديد. دخل غرفتها وهو يراها مستيقظة وأبيه يجلس جوارها. ذهب إليها وهو يحتضنها بفرحة وأخيراً قد استيقظت. ظل متشبساً بأحضانها كطفل صغير، بينما هي قد سقطت دمعة منها وهي تشد من أحضانه وتحاول أن تروي ظمأها منه طوال تلك السنين حتى تحدثت أخيراً بدموع: "انا آسف ليك يا ليث، انا آسفه يا حبيبي، صدقني كان غصب عني...

ك.. كنت بحاول أرجعكم ليا بس خسرت ودمرت حياتنا كلنا" ارتفعت شهقاتها بشدة ثم تابعت حديثها بصعوبة قائلة: "لكن اوعدك إني هحاول أعوضك عن كل اللي فات، يمكن ربنا مد في عمري علشان يجمعنا من جديد وأشبع منك قبل ما أموت" توقفت قليلاً تأخذ أنفاسها ثم وجهت نظرها لمحمود قائلة:

"انت كمان يا محمود حياتك ادمرت بسببي، انا.. انا كنت عايزة أنقذ ابننا يا محمود.. هو.. هو قالي هيموته لو مكنتش روحت وأنا خ.. خوفت عليه غصب عني لإني أم، ولو كان رجع بيا الزمن مكنتش هتردد لحظة إني أنقذه، هو كمان ملوش ذنب وعاش ضحية، أنا بس عايزكم تسامحوني علشان أقدر أكمل الباقي مع حياتي" أمسك ليث يدها يقبلها وقد تساقطت دموعه هو الآخر قائلاً:

"انتِ اللي تسامحينا يا ماما، محدش زعلان منك، كلنا أتألمنا بس انتِ أكتر واحدة فينا تعبتي علشان كنتِ بتحاولي تجمعينا وتحافظي علينا، ياسر في مكان أحسن مننا دلوقتي وإن شاء الله ربنا هيجمعنا بيه في الجنة" ابتسمت له بحنان وهي تبكي، بينما تحدث حور قائلة:

"إن حضرتك ترجعي بعد العمر دا كله دي نعمة كبيرة أوي، وبرضو إنك تقرري تبدأي من جديد دي نعمة تانية. الرسول عليه الصلاة والسلام توفى 6 من أبنائه وهو عايش، مش عيل ولا اتنين لأ، دا 6.. رغم إنه كان في حياته إبتلاءات شديدة وكتيرة، تخيلي دعواته كانت مستجابة ولو كان دعا ربنا بأي حاجة كانت هتستجاب ليه، رغم كدا كان راضي وبيحمد ربنا علشان عارف إن فيه جنة وإن الدنيا دي كدا كدا فانية وعياله هيقابلهم في الجنة، حقيقي احنا في نعم كتير أوي، الواحد لما بيفكر في عهد الرسول والصحابة بيقعد يقول هم اتحملوا كل دا ازاي؟

لكن في النهاية أي؟ اهم ماتوا والكفار ماتوا لكن هل يستويان مثلا؟ دول هينعموا في الجنة أجر صبرهم ودول هيخلدوا في النار لقاء كفرهم. إحنا كمان هنموت زيهم وهيبقى أثرنا بس، علشان كدا لازم نعمل لآخرتنا ومنخليش مصايب الدنيا تلهينا" تأثر الجميع بحديثهم بينما تهاني ظلت تشكر حور وتمدحها. جلست حور قليلاً ثم نظرت لليث وخرجا سوياً ليتركوا لهم مجالاً للحديث. نظر لها تهاني بإشتياق وهي تقول بألم:

"سامحني يا محمود، عارفة انك اتأذيت كتير، بس اعرف إنك محبتش في حياتي غيرك وطوال السنين دي كلها كنت بتألم في غيابك، انا اتكسرت يا محمود ومعدش فيا حيل اتكسر أكتر من كدا، كفاية عليا اللي عيشته واللي مريت به، كفاية يا محمود تقسى عليا أكتر من كدا وانت عارف إني مليش ذنب" وضع يده على يدها ثم أخرج زفيراً طويلاً وهو ينظر لها بعمق ثم تحدث بما جعلها ترتاح قائلاً:

"مسامحك يا تهاني.. العمر مبقاش فيه متسع أكتر من كدا للزعل، جه الوقت اللي المفروض نفرح فيه ومنسبش باب للحزن أكتر من كدا" كانت عايدة تجلس بجوار والدة زين بعدما رحبت بها وقد تفاجئت بقدومها. سمع الجميع صوت طرقات ليعتدل زين في وقفته وهو يتجه ناحية الباب ثم فتحه حتى وجد عمر يقف أمامه وهو يقول: "فين روان يا زين علشان عايزاها" نظر له بتعجب، فكيف يسأل عنها وهى بالأساس من المفترض بمنزلها؟ أجابه بدهشة: "معرفش هي فين...

المفروض انها في البيت من بعد ما رجعت من الجامعة" توسعت مقلتي عمر بصدمة وهو يهتف بصوت مرتفع لفت أنظار الجميع قائلاً: "هي مش كانت معاك؟؟ روان مرجعتش من لما كانت في الجامعة وأنا فاكرها كل دا معاك، انت سيبتها فين" شعرت زين بالقلق عليها فأين ستكون ذهبت. تحدث وهو يحاول طمأنة نفسه: "ممكن تكون مع ياسمين اس.." ولم يكمل حديثه وهو يرى ياسمين آتية بمفردها، ليسألها بلهفة قائلاً: "ياسميين... روان مكنتش معاكِ؟

نظرت له ياسمين بتعجب وهي تهز رأسها بالنفي قائلة: "أنا شوفتها قبل المحاضرة وقالت انها هتستناك بس هي كانت بتعيط ف ممكن تكون مشيت لوحدها.." قاطعها عمر وهو يضيق عينيه ويقول بشك: "كانت بتعيط ليه" التف لزين وهو يسأله بنرفزة وقد بدا بشعر بالقلق: "انتوا خانقتوا سوا؟ علشان كدا سيبتها وجيت؟ أمسك زين مفاتيح سيارته وهو يقول بعجالة: "مش وقته كلام، أنا هروح أشوفها في الجامعة ولو رجعت كلموني"

لم ينتظر عمر وذهب هو الآخر كما فعلت ياسمين وهي تلحق بهم وقد شعر الجميع بالقلق عليها، فأين ستكون ذهبت؟ صعد زين سيارته وبجواره ركب عمر وخلفهم ياسمين والجميع يدعو داخلهم أن تكون بخير، ليتحدث عمر بغضب بعيداً كل البعد عن شخصيته العابثة، فهو حين يغضب يتحول لشخص آخر وهو يقول: "انت ازاي تسيبها تمشي لوحدها، مرنتش عليا ليه خلتني أجيبها"

لم يجبه زين وقد كان عقله منشغلاً بها ويشعر بالخوف الشديد عليها. ما كان يجب عليه أن يتركها تذهب وحدها. لن يسامح نفسه إن حدث لها مكروه فهو من تركها ولم يهتم لشأنها فقط لأنه غاضب منها وهو يعلم تماماً أنها لم تفعل هذا إلا لغيرتها عليه وحبها له.

ساق بسرعة جنونية حتى وصل أمام الجامعة، هبطوا جميعاً من السيارة وظل زين يبحث عنها في كل مكان ولم يجدها كما فعل كلاً من ياسمين وعمر المثل ومازال هاتفها غير متاح. هنا تيقن بأنها ليست بخير. "هتكون راحت فين يعني؟ تسآلت ياسمين بقلق في الوقت الذي وصلت فيه عايدة ومن تجهم وجوههم علمت أنهم لم يجدوها. لتنظر لزين قائلة بهدوء: "فين كاميرات الجامعة اللي هنا يازين؟

ومن خوفه قد نسي تماماً كاميرات المراقبة. تركهم وركض ناحية غرفة المراقبة ولحقه البقية. دخل الغرفة وقد طلب من مدير الأمن بتشغيل جميع الكاميرات، ولأنه دكتور بالجامعة لم يناقشه ونفذ ما قاله وهو يفرغ الكاميرات بالوقت الذي كانت واقفة به.

ظلوا جميعاً ينظرون للكاميرا منتظرين قدومها حتى ظهرت بالفيديو مما جعل الجميع ينتفض بتركيز أكثر وتحديداً زين. أتى مشهد وقوفها مع ياسمين وهي تبكي مما جعل زين ينظر لدموعها بندم وهو المتسبب بنزولها. تركت ياسمين وغادرت ثم خرجت للبوابة وقد اختفت من الفيديو. ليتحدث زين مسرعاً وهو يوجه حديثه لمدير الأمن: "فين كاميرات المراقبة بتاع المكان اللي هي راحت عنده؟ "للأسف الكاميرا هنا عطلانة" صرخ به زين مما جعل الأخير ينفزع وهو يقول:

"يعني إيه عطلانة... امال حضرتك مسؤول عنها ازاااي" ابتلع ريقه وهو يقول بتوتر وخوف من نبرته: "اهدي يا دكتور زين أنا بعت للصيانة وهم لسه مجوش" تحدثت عايدة أخيراً والتي لم تكن معهم منذ البداية وقد كانت تصب كامل تركيزها على الفيديو التي تكرر مرة أخرى: "شغلي كاميرا المنطقة دي" نظر الجميع لما تشير بتعجب، لتكرر سؤالها مجدداً حتى فعل الرجل المثل. ظل الجميع مصوب نظره حتى مر بعد الوقت وقد يأس الجميع، لتصرخ ياسمين فجأة وهي تهتف:

"روان اهي" ظهرت وهي تقف في منطقة بعيدة من الخلف وفي طريقها لسيارة زين ولكن ما حدث جعل الجميع يفتح أفواههم بصدمة من السيارة التي وقفت جوارها ثم سحبها شخصاً ما وسار بسرعة كبيرة دون أن ينتبه له أحد. شهقت ياسمين برعب وهي تضع يدها على فمها ولا تصدق ما تراه، بينما ترنح عمر في وقفته وهو يحاول استيعاب الأمر.

أما عنه فقد شعر بأن الهواء يُسحب من حوله وشعر بثقل جسده الآن حتى أن قدماه لم تعد تحتملانه وتعرق جبينه بشدة وقلبه يأن وجعاً. هو السبب في كل هذا. اقترب منه عمر بغضب وهو يمسكه من ياقته قائلاً: "انت السبب يازين مش هسيبك لو حصلها حاجة.. لما انت مش هتقدر تحميها مسبتهاش ليييه"

لكمه عمر بشدة مما جعل ياسمين تصرخ به وتحاول أن تبعده عنه، بينما زين لم يقاوم وكأنه انفصل عن العالم. نعم هو السبب، لو لم يتركها تذهب وحدها ما كان ليحدث معها هذا. اقتربت ياسمين منه ثم احتضنت وجهه بين كفيها وهي تهتف بلهفة: "زين... متسمعش منه انت ملكش ذنب، دا نصيبها وحتى لو كانت معاك كان هيحصلها كدا برضو"

نظر لها بضعف. لو كانت معه ما كان ليصيبها شيء. يقتلونه أولاً كي يستطيع أحد الاقتراب منها فهو على استعداد ليفديها بروحه.

وضع يده على صدره وهو يشعر بنغزة شديدة في قلبه حتى أوشك على فقد أنفاسه. هو السبب في هذا. ظلت هذه الفكرة تدور بعقله حتى شعر بالسواد يحطيه من كل جانب وقد فشل في المقاومة هذه المرة حتى وقع مغشياً عليه وآخر شيء وصل لمسامعه كان صراخ ياسمين ولكنه لم يعد قادراً وقد خارت قوته وكأنه عاد طفل صغير سرقت منه دميته ليقرر الاستسلام حتى تعود له.

كانت جالسة بشرود تفكر به وتتذكر لحظاتهم القليلة معاً وهي تبتسم بحنو كلما تذكرته. لقد اشتاق قلبها بشدة له. ورغم أنها استعادت الكثير من شخصيتها القديمة إلا أن وجوده ينقصها وتشعر بالفقد.

تذكرت حور ووالدها وكم وقفوا جوارها، تتساءل لو لم تلتقي بهم كيف ستكون حالتها الآن. أظن أنها ما كانت لتتأثر وتشعر بالفقد، فهم قد أغرقوها حناناً حتى شعرت بأنها واحدة منهم إلا أنها كانت تشعر بالغربة في بلد ليست بلدها وموطنها، فمهما يمر ستظل ابنة فلسطين بل وتفتخر بذلك. "انتِ صاحية يا رغد" كان هذا صوت عمها وهو يتقدم منها ويجلس جوارها. ابتسمت له بهدوء وهي تومئ له، ليتحدث هو قائلاً: "كنت جاي بتكلم معاكِ في موضوع"

نظرت له بتمعن حتى استشفت ما جاء لأجله وقد شعرت بتسارع دقات قلبها. أجابته بشرود هاتفة: "خير يا عمي، موضوع اي" "فيه عريس متقدم لك وهو شاب كويس وانتِ عارفة إني مستحيل أجيبلك أي حد وخلاص" أخذت تفرك يدها في توتر ثم ابتلعت ريقها وهي تقول: "بس أنا مش بفكر في الموضوع دا دلوقتي" نظر لها بإستفهام ثم أكمل حديثه قائلاً: "ليه مش بتفكري فيه؟

سنك مناسب يارغد وكبرتي وكمان انتِ شايفة بنفسك ظروفنا وأنا عايز أطمن عليكي، والشاب ما يترفض رغد" صمتت قليلاً ولم تجب. ماذا ستقول؟ أن قلبها معلق بشخص آخر من المستحيل أن تلتقي به مجدداً؟ فهي لا تفكر بالعودة والتخلي عن وطنها مرة أخرى، بل ستحارب العدو، أما النصر أو الموت بشرف ولكنها أبداً لن تهرب من حياتها مجدداً.

لا تعلم ماذا تفعل، تشعر بأنها مشتتة. يا ليتها لم تلتقي به. تذكرت آخر مرة رأته فيها قبل سفرها وهو يودعها، تذكرت دموعه وهو يترجاها ألا تفعل به هذا وأن تبقى جواره ولكنها لم تستمع له. ابتسمت وهي تتذكر عندما أخبرها كم يحبها وياليتها استطاعت أن تخبره كم تحبه هي الأخرى، ولكنها الحياة لا تعطيك كل شيء عزيزي، بل قد لا تعطيك شيئاً واحداً من الأساس كما فعلت معها.

حسناً، لقد اتخذت قرارها، هي لن تستسلم وتبقى بقية حياتها هكذا، لتقرر أن تنهي علاقتهما للأبد قبل أن تبدأ وقد حسمت أمرها، فلا أمل للقائهما مرة أخرى، لتتحدث وهي تبتلع ريقها وقد شعرت بغصة مريرة في حلقها وقلبها يرفض ما عزمت عليه: "اللي حضرتك تشوفه ياعمي" مر يومان...

يومان ولم يحدث فيهما جديد ولا أثر لوجودها. وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. بحث عنها في كل مكان ولم يجده. لم يعد يصلي فروضه في المسجد بل يكتفي بالصلاة في البيت. لم يتحدث مع أحد منذ اختفائها ولم يذق الطعام وقد هاجر النوم جفونه وقد بدا الإرهاق عليه بشدة حتى ظهر كأنه كبر عمراً فوق عمره.

طوال اليومين وهو يحمل نفسه الذنب والندم يأكله. الجميع في حالة حزن عليها، والدتها لم تكف عن النحيب، وياسمين تبكي هي الأخرى، وعمر الذي بدا عليه الحزن والتعب لفقدها، وعمها الذي شعر بالخزي فهي أمانة برقبته، وزوجة عمها التي تألمت هي الأخرى وهي ترى ابنها الحبيب بتلك الهيئة. ولأول مرة يظهر زين بهذا الضعف حتى عندما كانت مريضة لم يكن ضعيفاً هكذا، بل على العكس كان هو مصدر قوتها يكفي أنها كانت جواره وبين أحضانه، أما الآن، يجلس عاجزاً ولا يعلم أين هي. أما عن عايدة فقد كانت تعمل جاهدة بحكمها ضابط شرطة وقد اتخذت الوسائل اللازمة في البحث عنها.

عاد زين من الخارج وهو يسير بوهن وعيناه حمراء وملابسه غير مهندلة. دخل غرفته وجلس بعدما أطفأ النور وهو ممسكاً بصورتها وقد تساقطت دموعه بألم وهو يشعر بالعجز في إيجادها. يؤلمه قلبه بشدة وهي بعيدة عنه. لقد غادرت روحه معها ولن تعود إلا برجوعها. اقتربت والدته منه وهي تربت على رأسه بحنان، لتتساقط دموعه أكثر وهو يقول بألم: "لييه كدا يا ماما لييه...

ليه يحصل فيها كل دا، هي.. هي متستحقش أن كل دا يحصلها، أنا مبقتش قادر أستحمل، هموت ياماما لو حصلها حاجة همووت"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...