أمسك يدها وسار معها لأعلى فوق السطح يُتابعان النجوم التي تُزين السماء بحب، ينظر لها تارة، وللنجوم تارة أُخرى. ويالا قلبه من تحمل كلا المشهدين. كان الصمت يعم المكان عدا صوت أنفاسه العالية وكأنه يركض منذ زمن، ولكنه لا يركض بأقدامه وإنما بقلبه الذي أحبها بكل جوارحه حتى صار متيمًا بها لأبعد حد.
كانت تقف تحت ضوء القمر الخافت والذي يعكس ضوئه عليها، لتكون أمامه صورتها الجميلة، وهو لا يفعل شيئًا سوى أن يتأملها دون أن يكل أو يمل، وكأنها لوحة فنية، وهي للحق لوحته الفنية التي أبدع فيها الخالق. لتقول هي بتوتر تكسر الصمت: "هتفضل باصصلي كدا كتير؟ "أيوجد شيء أجمل منك لأنظر له" تحدث معها بلغة عربية مُنقّاة، لا تعلم مما خُلق هذا الرجل، والذي في كل مرة يسلب عُلقها بحديثه التي تعجز عن إيجاد ردًا له.
وللحقيقة هو لم يكن بحاجة لردها. "أفضل بس كل شوية تكسفني، مش كفاية اللي عملته تحت" قالت حديثها بغيظ منه، بينما هو علت ضحكاته عليها وهو يتذكر حينما كانا أسفل وهم ليُقبّل وجنتيها ولكن رآهم والده، والذي أخذ يضحك على توتر ملامحهما ثم تركهم ورحل. "لأ دا بابا عادي، منا ياما كنت بقفشه هو وماما، قام هو حب يردهالي يعني" ضحكت وهي تتخيل ما يقول، ثم تذكرت شيئًا هامًا لتقول: "صح يا زين...
أنا لما دخلت أوضتك قبل كدا شوفتك معلق صورة على الحيطة ومعاك بنت، مين دي؟ أغمض عينيه وهو يتذكر تفاصيل هذا اليوم والذي حُفر في عقله. مشهدها وهي تدور حول نفسها بتلك الملابس فضفاضة لأول مرة. ليهتف: "أنتِ" نظرت له بتعجب، كيف تكون لها وهي لا تتذكرها لتسأله مرة أخرى: "بس أنا مش فاكرة الصورة دي، كنت أول مرة أشوفها.. وبعدين مش هو تعليق الصور حرام برضه؟ أومأ لها ليؤكد صدق حديثها وهو يقول: "هو فعلًا حرام...
فاكرة لما قولتلك خلاص مينفعش نتكلم ولا تدخلي أوضتي ولا أنا أدخل أوضتك علشان خلاص كبرتِ ومبقاش ينفع؟ ساعتها الموضوع نفسه كان صعب بالنسبالي ومكنتش عارف هقدر أتحمله ولا لأ. كنت شايل الصورة دي معايا فعملتها برواز وعلقتها لحين ما أنتِ تيجي، لكن بعدين عرفت أن تعليق الصور حرام وأنا وقت ما علقتها كنت لسه صغير ومكنتش أعرف.
بعد ما عرفت كل مرة كنت باجي أشيلها صدقيني مكنتش بقدر، وغصب عني سبتها ومقدرتش أشيلها، وانتظرتك أنتِ لما ترجعيلي بس وأنتِ زوجتي ساعتها هقدر لأنك خلاص بقيتي جنبي" ظلت تنظر له دون أن تنطق، يالله هل عانى كل هذا لأجلها؟ وهي من كانت تغضب منه وتنهره وكرهته لأنه ابتعد عنها وكرهت الالتزام لأنه كان السبب!! أمسكت يده وهي تنظر في عينيه ثم هتفت بقوة:
"دا مش مبرر ليك يا زين يخليك تغضب ربنا علشان حد حتى لو كان الحد دا أنا، عصيت الخالق لأجل مخلوق؟ مش يمكن كان ربنا قبض روحي في أي لحظة؟ مهما بلغ حبك ليا يا زين... أوعى تعصي ربنا علشاني أو علشان أي حد مهما كان" نظر لها بصدمة ولم يصدق أن ذلك الكلام يخرج منها هي تحديدًا، رُغم أنه كان يشعر بالذنب طوال الوقت، إلا أنه ظن أنها ستسعد بهذا الكلام، ولكنها خيبت ظنه مما أدخل السرور على قلبه وهو يهتف بحنو:
"دلوقتي بس اتأكدت إني اخترت صح... اخترت اللي تعيني على طاعة ربنا مش متجوزها لمجرد إني بحبها" ابتسمت له وكم تشعر بالسعادة أيضًا ثم قالت: "ودلوقتي يلا بقى علشان نروح نشيل الصورة" أومأ لها بحب وهو يمسك يدها ثم سار معها وقد نزلا إلى أسفل ثم دخل غرفته مجددًا وهي معه، ولكنها لم تدخل وتوقفت على الباب، ليضحك بشدة وهو يهتف:
"تعالي أدخلي مش هعملك حاجة متخافيش، لو عايز أعمل حاجة كنت عملتها فوق السطح واستغليت إنه مفيش حد.. لكن أنا مؤدب لحد ما يتقفل علينا باب واحد وساعتها بقى... ترك باقي جملته مُعلقة وهو يغمز لها مما جعلها تشعر بالدوران أثر تخدر وجهها، وهي تشعر بالخجل الشديد منه. ضحك مجددًا على ملامحها ولم يُرد أن يُحرجها أكثر ثم أمسك الصورة وأنزلها من على الحائط وقام بوضعها داخل خزانته، ثم اقترب منها وهو يقول ببسمة: "حلو كدا؟
أومأت له وهي تبتسم أيضًا ثم تذكرت شيئًا آخر لتقول: "صح.. نفس اليوم دا، ليه لما شوفتني في أوضتك اتعصبت ومشيت وانت بترزع الباب زي الطور الهائج.." قطعت حديثها وهي ترى نظراته الحادة نحوها ولكنها ضحكت وهي تُكمل:
"والله مش قصدي.. بس وقتها فعلاً مشوفتكش غير كدا، مهو مكنش فيه مبرر للي عملته، حتى ياسمين سألتها قالتلي بسبب إني غيرت في مكان بره وسبب تاني، ودا مكنش سبب مقنع أوي يخليك وتعصب بالشكل دا، قالتلي هبقى أقولك وقتها ومقالتش" "أولًا هعاقبك على لسانك اللي بينقط عسل دا بس مش هنا، في بيتنا وبطريقتي،
تاني حاجة بخصوص إني مشيت متعصب فهو من ضمن الأسباب إنك غيرتي لبسك برا ودا غلط، مينفعش تكوني بنت مسلمة وتغيري لبسك خارج بيتك وعند حد وخصوصًا لو عندهم رجال حتى لو مش موجودين مينفعش، لكن كان السبب الأكبر وقتها لما شوفتك بتلفي وكنتِ لابسة محتشم لأول مرة وقتها مقدرتش أشيل عيوني من عليكِ لحد ما فوقت لنفسي وإن دا غلط وأطلقت بصري، وكان لازم أمشي وقتها لأن لو فضلت الله أعلم كان ممكن أعمل إيه" "كان ممكن تعمل إيه؟
أنت بالذات يا زين أكتر إنسان محترم أنا شوفته في حياتي وبتخاف ربنا ومستحيل تعمل حاجة غلط" "لكن أنا برضه بشر مش حجر، لما أشوف الإنسانة اللي محبتش غيرها في أوضتي وشكلها حلو أوي وبتلف وأنا إنسان أعزب مش من حقي أضعف؟ إذا كان سيدنا يوسف واهو نبي ربنا قال (وهم بها لولا أن رأى بُرهان ربه) يعني هو كان كان هيضعف بس ربنا أنقذه، فمجيش أنا أقف قدام الفتنة وأقول هقدر أصل أنا شيخ وملتزم!
مش صح لأن كلنا بشر ومش حجر يا روان لكن بنحاول نتقي ربنا على قد ما نقدر، وعلشان كدا ربنا أمرنا بغض البصر، لأني لو مكنتش بصيتلك وقتها مكنتيش فضلتِ معلقة في عقلي ومكنتش قادر أشيلك من تفكيري وأنا شاب وملتزم أهو، بالك بقى باللي بعد خالص، رغم أنه كان غصب عني لأني اتفاجئت بيكي قدامي مكنتش أعرف أنك موجودة!! هُنا فقط استشعرت أهمية غض البصر، يالله..، الله لا يُحرم علينا شيئًا إلا وهو خيرًا لنا.
التفت لمن يضع يده على كتفه ليجده رجلاً عجوزًا لا يعلم كيف ظهر أمامه ويبدو عليه الوقار، جلس جواره وهو يبتسم له ثم قال: "يعني تبقى قاعد في بيت ربنا وشايل هم الدنيا والآخرة؟ نظر له ولم يتحدث، لقد أخطأ العجوز، فمنذ متى وهو يحمل هم آخرته؟ فقد دنياه هي ما تشغله، لم يفكر ولو لمرة واحدة في آخرته. ابتسم له بحزن وهو يقول: "وهي الدنيا فيها حاجة تفرح ياعم الشيخ" "معاك حق، هي فعلاً الدنيا مفهاش حاجة تفرح"
رفع بصره نحوه مرة أخرى وهو متعجب، فقد ظن بأنه سوف يقص عليه جمال الحياة ولكنه خيب ظنه، ضحك على ملامحه المتعجبة ليقول مرة أخرى: "مالك اتصدمت له كدا.. هي فعلاً الدنيا مفهاش حاجة تفرح، ربنا كمان هو اللي قالنا (يا أيها الإنسانُ إنك كادحاُ) الدنيا دي يابني دار شقاء، الراحة في الجنة بس، لكن تعرف إيه بقى هو الشقاء اللي بجد؟ انتبه له بكل حواسه وهو يستمع له بإنتباه، ليُكمل هذا العجوز كلامه مرة أخرى وهو يقول:
"إنك تكون بعيد عن ربنا ومبتصليش، هنا بقى يجتمع عليك شقاء الدنيا وشقاء الآخرة، أوعى في يوم يا بني تنسى إنك جاي الدنيا دي علشان تبني لنفسك مكان في الجنة، أوعى تخلي الدنيا تلهيك عن آخرتك، أصل الدنيا دي كدا كدا فانية وكلنا هنموت، يعني دي نتيجة حتمية، متخليش الشيطان يضحك عليك، فوق لنفسك قبل فوات الأوان يابني ووقتها مش هيكون فيه حتى فرصة للندم أو أنك تتغير." أومأ له وهو يستشعر حديثه، ثم تحدث هو أخيرًا وهو يبتلع ريقه ويقول:
"طب لو خانقت مع والدتي علشان مش عايزة تجوزني البنت اللي أنا بتمناها وأنا زعقت معاها وغلطت لكن هي كمان غلطت... "متكملش، وهي كمان إيه؟ غلطت فيك؟ وأنت عايز تعامل أمك زي ما هي عاملتك حتى لو غلطت فيك؟ نسيت إن ربنا قال (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا) نسيت فضل أنها حملت فيك تسع أشهر وربتك وعلمتك وياما سهرت عليك ليالي؟ وكل دا ناكر فضلها؟
الأم مش عايزة غير سعادة ابنها، كنت تقدر تحايلها لحد ما توافق وهي مكنتش هترفض، لكن متقومش تقاوح وتخانق فيها وتبقى ابن عاق، تخيل لو ماتت وهي غضبانة عليك دلوقتي، هتكون ميت مرتاح؟ "فوق لنفسك يا عمر قبل فوات الأوان علشان متفوقش في وقت مينفعش فيه الندم" تعجب كيف علم اسمه، هم ليسأله عن اسمه ولكنه اختفى فجأة في العدم، مثلما ظهر أيضًا من العدم. انتفض بفزع وهو يستيقظ من النوم ووجد نفسه مازال في المسجد، يالله هل كان هذا حلم؟
يقسم أنه يتذكر تفاصيله وكأنه كان حقيقة، وهذا.. وهذا العجوز ذو اللحية البيضاء والذي يشع النور من عينيه لم يكن حقيقة؟ ذهب ليتوضأ وهو يتذكر كلام ذلك الرجل الطيب والذي أتى له لينتشله من الظلام الذي كان يُحيط به، وقف يُصلي بخشوع وهو يبكي كطفل صغير مذنب، ظل يدعو الله أن يغفر له ويسامحه على ما اقترف في حقه من ذنوب وما قاله لوالدته.
وعلى ذكرها، أنهى صلاته وهو يتجه للمنزل مرة أخرى وينوي إصلاح ما أفسده، دخل المنزل والذي وجده يعم بالسكون، دخل غرفتها حتى وجدها تجلس على السرير ومجرد أن رأته حتى أشاحت بنظرها عنه وهي تمسح دموعها، يالله وصلت به لأن يكون هو سببًا في بكائها. اقترب منها بألم وسار نحوها وهو مطأطأ رأسه أسفل دلالة على اعترافه بما اقترف في حقها. "ماما" نطقها بحزن شديد وهو يجلس جوارها ولكنها لم تجب عليه، مما جعل دموعه تتساقط ثم بكى وهو يضع
رأسه على قدمها وهتف ببكاء: "أنا.. أنا آسف والله مش عارف قولتلك الكلام دا إزاي، أنا بس كنت زعلان منك علشان مبقيتيش تهتمي بيا زي زمان وانتِ عارفة أنا متعلق بيكي قد إيه، ومتعود على دلالك واهتمامك بيا لأني ابني الوحيد" كانت ستضعف وتسامحه ولكنها يجب ألا تسامحه بسهولة فهو قد أخطأ في حقها لذا ظلت صامتة. احتضن وجهها بين كفيه وهو يقول بدموع:
"علشان خاطري يا ماما أنا آسف قولت كدا علشان كنت متعصب، وخلاص مدام مش عايزاني أتجوزها مش هتجوزها" رفعت بصرها له لتتأكد مما قال، ليهز رأسه يؤكد لها صدق حديثه، تهللت أسارير وجهها بفرحة لكونه اختارها هي ولم يختار تلك الفتاة، والذي شعرت منها بالغيرة الشديدة لأنها كانت السبب فيما حدث منذ قليل. أخذته في حضنها أخيرًا ثم قالت بدموع:
"أنا محبتش حاجة في الدنيا دي أكتر منك يا عمر، حتى ولو كنت بنشغل عنك كتير، لكن أنت عمري وحياتي كلها، أنا كمان آسفة علشان انشغلت عنك وصدقني هسيب كل حاجة وأفضل جنبك، متتخيلش اللي قولتهولي من شوية قطع قلبي إزاي واتمنيت الموت ولو إني أسمعك تقولي الكلام دا" كانت تتحدث بصدق فهي رغم انشغالها عنه سيظل هو طفلها المدلل، ظل عمر داخل أحضانها حتى هدأ واستكان ثم نام في أحضانها.
فقد عاتب كلا منهما الآخر وأخرج ما يحبسه في صدره منذ زمن وهو يراها منشغلة عنه، وها هي عادت المياه لمجراها من جديد. تحدث "أحمد" وهو يجلس مقابله ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال: "مفيش حاجة هتحصل عليها بالساهل يا يونس، دا غير فيه حاجة مهمة لازم تعرفها" صمت وهو يرى نظرته التي تحدثه على الاستكمال، ليُكمل وهو يحاول أن ينقي كلماته لكي يستطيع أن يوصل له ما يريد بطريقة بسيطة.
"بما إنك لسه داخل الإسلام جديد، لو لاحظت هتلاقي حياتك الأول كانت ماشية زي الفل، لكن بعد ما أسلمت هتلاقي بيحصل معاك ابتلاءات كتير،" نظر له بتعجب فهذا ما كان يفكر به، وقد ظن أن بدخوله للإسلام سوف يحصل على كل ما يريد، وكأن الآخر قرأ ما يفكر به ليكمل حديثه:
"ودا بقى الفرق بين المسلم وغير المسلم، لأن غير المسلم لما بيعمل خير في الدنيا ربنا بيرده له في الدنيا برضه علشان يوم القيامة لو قال لربنا أنا عملت كذا، ربنا هيقول له وأنا رديته لك في كذا، أما المؤمن بقى فأجره في الآخرة وكل خير بيعمله هيترد له في الآخرة، المؤمن دايما على ابتلاء يا يونس، ودايما ربنا بيحطه في اختبارات علشان يشوف صدق توبته، مش يمكن أنت تكون أسلمت علشانها؟
مش لازم ربنا يختبر صدق توبتك أنت أسلمت علشان عايز تبقى مسلم ولا علشانها؟ "لا أحمد، أقسم لم أدخل في الإسلام لأجلها" "هتعرف مع الابتلاءات بقى يا يونس، هنشوف هتقدر تتحمل فعلاً ولا لأ، هتصبر وتحتسب أجرك عند ربنا ولا لأ، اعرف أنك هتقابلك عواقب كتير، أتمنى أنك تقدر تتخطاها وتكون صبور"
كان يونس يستمع له وكل خلجة من خلجاته منتبهة له، ليزيد كلام "أحمد" من حماسه، نعم سوف يصبر ويحتسب كل هذا عند الله، لقد قرأ كثيرًا عن الجنة وأحبها لذا فهو على أتم الاستعداد لتحمل أي شيء مقابل الجنة. وبخصوص رغد فهو سوف ينتظرها لحين موافقتها، ولكن هل سيتطيع فعلاً أن يتحمل ما سوف يواجهه؟ نظر "لأحمد" بامتنان كبير وقد أحبه بشدة، فهو قد ارتاح له منذ أن كانوا مجتمعين معًا وأصبحا أصدقاء. "شكرًا لك كثيرًا يا أحمد"
سارت الأيام سريعًا دون حدوث شيء جديد. حيث تعمقت علاقة كلا من أحمد ويونس وأصبحا أصدقاء. ورغد تواظب على قراءة سورة البقرة وقد تحسنت كثيرًا، أصبحت حالة روان سيئة والمرض بدأ مفعوله معها مبكرًا وزين لم يتركها أبدًا. عمر تحسنت علاقته كثيرًا بوالدته وتركت كل شيء لأجله. أما عن ليث فلم يسع العالم فرحته بعودة أمه لها ومازال ينعم بدفء أحضانها وقد عادت للنطق من جديد.
وتم عقدها مرة أخرى على زوجها السابق، ورغم فرحته برجوعها إلا أنه طوال الوقت يُعاتبها بعينه لأنها تركته لتتحمل هي كل ما حدث وحدها ولن تشاركه ليتحملان سويًا. دخلت حجرته تناديه ولكن وقع قلبها بفزع وهي تجده يبكي بحزن، اقتربت منه تحتضنه وهو يربت على رأسه ثم قالت: "مالك يا عمر.. إيه اللي حصل بتعيط ليه" مسح دموعه وهو يُخفي وجه عنها ثم قال: "م.. مفيش حاجة يا ماما" "لو مقولتش مالك وزعلان ليه أنا مش هكلمك تاني" نظر له لثوانٍ
وهو يهتف بحزن: "وحشتني أوي يا ماما، صدقيني أنا حاولت أنساها بس مش قادر، حاسس إني هموت من غيرها" قال حديثه ثم أجهش في البكاء وهو مازال داخل أحضانها، ترغرغت الدموع في عينيها هي الأخرى، ولدها يعاني بسببها ويبدو أنه حقًا يحب تلك الفتاة. ورغم أنها لا تحبها إلا أنها لن تقف في وجه سعادة ابنها: "خلاص يا عمر طالما بتحبها أوي كدا اتجوزها بس أنا مش هحضر الفرح لأني مبحبهاش ومش هكون راضية عنها"
"لأ يا ماما أنا مقدرش أعمل حاجة وأنتِ مش راضية عنها حتى لو مش هتجوز خالص يكفيني إنك معايا حتى لو هعيش عمري كله حزين وهي مش معايا" تأثرت هي بشدة بينما هو عاد للبكاء مرة أخرى وهو يستغل تأثرها وصوت بكائه يرتفع، لتقول هي بتهكم: "وأنا مقدرش أكون سبب لتعاستك يا عمر، خلاص أنا موافقة عليها مدام أنت بتحبها"
ليبتعد عنها أخيرًا وهو يمسح دموعه بخبث وقد نجحت خطته دون أن يخسر رضاها، أمسك تلك القطرة وهو يدخلها في جيبه فقد وضع منها حينما فشل في البكاء. "أنتِ أحلى أم في الدنيا كلها وأنا بحبك أوي يا ماما" سعدت حينما رأت فرحته والتي كانت نابعة من داخله بصدق، فلن يكون عمر إذا تخلى عن شيء يريده بتلك السهولة، ولكنه تصرف بذكاء كي يكسب رضاها ولا يخسرها. فهو يستغل حبها له منذ أن كان صغيرًا ويتصرف هكذا حينما كانت ترفض شيئًا.
وضع الطعام في فمها رُغمًا عنها، وذلك لأنها مؤخرًا لم تعد تأكل جيدًا وقد تدهورت صحتها كثيرًا وظل هو جوارها وترك كل شيء لأجلها. "يا زين خلاص كفاية والله ما قادرة، شبعت" نظر لها بطرف عينيه وهو يقدم لها الملعقة لتأخذها تحت نظراته المهددة، وبعدما أطعمها قام ليلبسها حذاءها ولكنها رفضت بشدة، بينما هو لم يسمع لها ثم ألبسها إياه. "وكدا يلا علشان منأخرش على الدكتورة"
أومأت له وهي تمسك بيده وتستند عليه حتى وصلا إلى السيارة، فتح لها الباب وساعدها للجلوس ثم ركب هو الآخر وساق للمكان المنشود. طرق باب الدكتورة بعدما انتظرا دورهما حتى أتى ودخل زين وحده بناءً على طلب الطبيبة ولكنه قد تأخر، لتقوم هي وتراه. كانت تشعر بالتوتر الشديد هذه المرة ولا تعلم السبب وقفت أمام الباب والذي كان مفتوحًا قليلًا وهم لتطرقه أولًا ولكنها سمعت ما جعلها تترنح في وقفتها:
"للأسف الشديد حالتها بتتدهور وبقى احتمال ضعيف شفائها من المرض لأنه تمكن منها" ولكن كان الأعجب من حديث الطبيبة هو رد فعل زين. عند رغد كانت تجلس تفكر في كلام الطبيبة بشرود وقد اتخذت قرارًا ما، وجدت "محمد" والد حور يقترب منها وهو يسير ويستند على عكازه فقد تحسنت حالته كثيرًا عن السابق، اقتربت منه تُساعده على الجلوس ثم جلست هي الأخرى. "كويس إنك جيت يا عم محمد علشان كنت عايزآك في موضوع"
ابتسمت بحنان لذلك الرجل الذي لا توجد بينهما صلة قرابة بالدم، ولكنه كان خير داعم لها وكأنها ابنته التي لم ينجبها. "خير مش مرتاحلك" "حقك بصراحة لو أنا منك مش هرتاحلك" ارتفعت ضحكاته على مشاغبتها ثم هتف بحنو: "أنتِ قوية يارغد، وهتقدري تتخطي كل دا أنا متأكد" وكأنه قرأ ما تفكر به، لتُجيبها بتهكم: "كنت...
كنت قوية ياعم محمد، من ساعة ما جيت وتحديدًا لما قعدت وسطكم وشوفت حنانكم وأنا بقيت ضعيفة، زي ما يكون ما صدقت لقيت كتف أتكأ عليه وأنا واثقة إني لو وقعت هلاقيكم،" "طب ما دي حاجة كويسة" نظرت له عدة لحظات ثم أردفت: "لأ ياعم محمد مش حاجة كويسة، أنا مبقتش حابة اللي أنا فيه دا، حتى لو خسرت عيلتي كلها أنا لسه عندي نعم كثيرة أوي لا تعد ولا تحصى واللي للأسف أنا مش قادرة أستمتع بها" "ومش قادرة تستمتعي بيها ليه؟ دي فترة وهتعدي"
"عارف لما تفضل متماسك متماسك وأول ما حد يقولك مالك تفضل تعيط؟ اهو دا بقى نفس حالتي من لما جيت هنا شوفت الحنان اللي افتقدته، وكأنكم بتعاملكم معايا اديتولي الرخصة إني أخرج كل أحزاني وبقيت شخصية ضعيفة هشة، أنا عايزة أرجع رغد القوية المرحة اللي مفيش حاجة بتأثر فيها، هناك أنا كنت قوية لأننا عايشين وسط الحروب والدمار لأ وكمان حامدين ربنا وراضيين وطول الوقت واحنا متوقعين نفقد أي حد من عيلتنا.
لكن رغم دا كله صبورين ومعندناش وقت إننا نحزن ونكتئب، عندنا صبر عجيب ياعم محمد لدرجة لما شهيد بيموت احنا في جنازته بنزفه كأنه عريس رغم حزننا عليه، بس كفاية إنه رايح الجنة عند ربنا بعد ما تعب بما فيه الكفاية. لكن أنا بقيت فين من كل دا؟ بقيت ضعيفة وهشة وحاسة كمان بعدم الرضا أو بالضيق مني للضعف اللي بقيت فيه؟ متغافلة جميع نعم ربنا عليا"
"متشيليش نفسك فوق طاقتها، بكرة يعدي كل دا وتتجوزي الواد يونس ويبقوا عندكم عيال وأسرة وتعيشوا مبسوطين" وعلى ذكر اسمه لاحت منها ابتسامة خافتة وهي تتذكره، وللحق فقد اشتاقت له بشدة، لتُجيبه وهي تقول:
"للأسف ياعم محمد مش كل حاجة بنكون عايزينها بنحصل عليها، كل اللي بتقول عليه جميل، لكن مش هقدر عليه وأنا كدا، لازم أرجع لرغد القديمة، البنت اللي شوفتها أول يوم جات فيه البيت دا، مش اللي قاعدة قدامك دي، ودا مش هيتحقق غير بطريقة واحدة" نظر لها وهو يحاول فهم ما ترنو إليه واستبعاد تلك الفكرة التي أتت إلى عقله، ولكنها هزت رأسها تؤكد له ما يُفكر به. ثم وقفت وسقطت دمعة من عينيها وهي تقول ببسمة ممزوجة بألم: "أيوة يا عم محمد...
أنا هرجع فلسطين"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!