هل هذا يعني أنها ستم.. لم تقوى على إستكمال الكلمة وأخذ جسدها ينتفض بشكل لا إرادي. لم يكن حديثها بأعجب من رد فعل زين الذي أثار دهشتها حقا، فقد توقعت أنه سينهار. يضعف ولكن رأته يبتسم وهو ينظر للطبيبة ثم تحدث ببسمة لم تُفارق وجهه: "وانا واثق في شفائها بالأحتمال الضعيف دا زي ما انا واثق أنك قاعدة قدامي دلوقتي"
ابتسمت بألم وهى ترى تمسكه بها حتى إنه يرفض رفضاً باتاً ما تقوله تلك الطبيبة، رُغم أن جميع الأشعة تُؤكد على قُرب هلاكها. لا تعلم كيف سيكون حاله إن أصابها شىء، تخشى الموت بقدر ما تخشى فراقه. لم تقترب من ربها بالطريقة التي تريدها، لم تتم حفظ القرآن ولم ترتدي النقاب، لم تنجب الأطفال التي تمنتهم يوماً وحلمت بهم، وأخيراً زينها التي مازالت بحاجة لقربه جوارها، لم تشبع من حنانه ودفء أحضانه بعد، هل سيسلب منها المرض كل هذا؟
ابتسمت بألم وهي تعود لمكانها وتشعر بثقل شديد في جسدها، وكأنها كبرت عمراً فوق عمر. تشعر بأن قلبها يتمزق، تود لو أن تستطيع البكاء والصراخ ولكنها غير قادرة. وجدته يقترب منها وهو يبتسم لها كي يعطيها الأمان، الأمان نفسه الذي يفتقده هو!!! فقد رأت الدموع المحبوسة في عينيه والتي يبدو أنه جاهد كثيراً لكي يمنعها من الهبوط.
أمسكت يده بقوة هذه المرة وكأنها تؤكد عليه بأنها لن تتركه، يكفي ضعف إلى هذا الحد، حتى وإن كان نهاية هذا المرض هو هلاكها... فلتعش ما تبقى من عمرها بين من تحبهم وتستمتع بالأيام المتبقية لها. "انا كلمت عمر وهو هييجي يستناكِ لحد ما تخلصي الجلسة، انا جالي مشوار ضروري اووي هخلصه على طول وأرجعلك"
أومأت له بهدوء وهي مثبتة نظرها على عينه التي نظرت في كل مكان عداها. ابتسمت له وهي تعلم أين سيذهب. أجل يكفي هذا، فهو قد عانى معها وتحمل ما يكفي فوق طاقته، حتى نفذت ولم يعد قادراً حتى على مواساة ذاته. لم ينطق أحدهما حرفاً واحداً، وكأن الكلمات لم تعد قادرة على شفاء جروحهما. أتى "عمر" وهو يقترب منها ويحضنها ليهتف زين: "خلي بالك منها واستناها هنا لحد ما تخرج وأنا مش هأخر" "استناها ليه؟ أنا هدخل معاها"
رد عليه بملل وهو يقول: "مينفعش تدخل" سأله مجدداً وهو يقول بتعجب: "امال انت دخلت ازاى؟ أجابه وقد شعر بأن صبره نفذ ليقول على عجالة وهو يرحل: "علشان أنا دكتور، خلي بالك منها لحد ما أجي"
تركهم ورحل وهو يشعر بثقل شديد في صدره حتى لم يعد قادراً على أخذ أنفاسه بشكل منتظم. وصل للجهة المنشودة ثم نزل من سيارته وهو يسير بوهن حتى دخل المكان وهو ينزع حذائه. وجده يجلس وهو ممسكاً بمصحفه ويتلو بعض آيات الله، وعلى الرغم من أن صوته ليس بالجمال البالغ كصوت زين، إلا أنه يكفي تلاوته لآيات الله لتبث الأمان داخله.
جلس أرضاً أمامه ينتظره حتى ينتهي وهو ينظر أسفل ومطرق رأسه كطفل صغير مذنب وعيناه حمراء من شدة حبسه لدموعه التي أبت أن تهبط حتى لا يشعر بالضعف أكثر وينهار. انتهى أخيراً من تلاوته ثم أغلق المصحف وهو يردد ما يقوله بعد الانتهاء من القرآن: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) رفع بصره نحو الجالس أمامه ليجده على حافة الإنهيار ولكنه مازال يحاول المقاومة، ليقول بهدوء:
"شايفك يعني بدأت تستسلم، امال فين اللي هستحمل علشانها ومش هيأس وواثق أنها هتخف، شايفك بدأت تيأس يعني؟ لم يجبه ولكنه مازال يضغط على أعصابه كي يمنع تلك العبرات من السقوط. ليُكمل شيخه مرة أخرى وهو يردف: "العياط عمره ما كان ضعف، عيط علشان ترتاح... طول ما انت كاتم العياط كدا هتيجي في مرة وتنفجر، بلاش تراكم جواك، انت بشر مش حجر، متضغطش على نفسك أكتر من كدا"
وكأن دموعه تعانده، ظل صامتاً ولم يتحدث. ظل يأخذ أنفاسه وكأنه يحاول إدخال أكبر قدر من الهواء داخل رئته. تحدث أخيراً بصوت متحجر: "مبقتش قادر صدقني، أنا بشوفها بتموت بين أيديا، أنا ممكن أتحمل أي وجع في الدنيا إلا وجعها هي لدرجة بتمنى لو أنا اللي كنت مكانها مش هي"
"الابتلاء ده ليك أنت يا زين قبل ما يكون ليها، أنت علقت قلبك بغير الله، حبيتها أكتر من أي حاجة وأنت عارف إن ربنا بيغير على عباده، لما بيلاقي عبد علق قلبه بحاجة غيره بيحرمه منها علشان يرده ليه تاني ويعرفه إن حتى قلبه ده بين إيدين ربنا، ودي الحقيقة اللي أنت كنت عمال تهرب منها" رفع أنظاره له مرة أخرى وهو يبتلع ريقه بألم، ليُكمل الآخر حديثه وهو يهتف: "كنت بتضحك على نفسك يا زين لما مترضاش تتقدملها ولا كنت بتضحك على مين؟
على أساس كدا هتشيل حبها من قلبك؟ وأنت عارف كويس أوي إنه مينفعش تعلق قلبك بغير الله" يعلم بأنه محق، فهو حين رفضها كان لأجل هذا السبب، لأجل ألا يُحرم منها. أردف هو يفكر في حديثه: "صدقني كان غصب عني، قلبي مش بإيدي" "لأ يا زين، ربنا يابني مبيكلفش حد فوق طاقته، وسبحانه وتعالى مش بيأمرنا بحاجة غير وهي خير لينا، تقدر تقولي لو لقدر الله حصلها حاجة هتعمل إيه؟
انقبض قلبه برعب وشحب وجهه وشعر بأن الهواء يُسحب من حوله، لمجرد التفكير في الأمر. لا... بالتأكيد لن يفقدها. وكأنه يُخبره بأنه سيأخذ منه روحه. "عرفت بقى ليه مينفعش نعلق قلبنا بحاجة غير الله؟
لأن مفيش حاجة هتدوم وكله وارد في لحظة يسيبك، إلا ربنا سبحانه وتعالى هو الوحيد اللي باقيلك، الحب مش حرام يا زين، الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه كان بيحب السيدة خديجة جدا وياما وقفت جنبه كتير رغم حبه ليها لما توفت هل ترك الدعوة وساب حياته؟ لأ رغم أنه حزن عليها حزن شديد بس كمل لأن قلبه متعلق أكتر حاجة بالله وكان جزاء صبره رحلة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن. الإمام الشافعي -رحمه الله
-بيقول: كلما تعلقت بشخص تعلقاً؛ أذاقكْ الله مرّ التعلق؛ لتعلم أن الله يغار على قلب تعلق بغيره، فيصدٌك عن ذاك ليرٌدك إليه، أنا مش بطلب منك متحبهاش، لأ حبها وقوي كمان بس متفضلهاش على حب ربنا، ولا تخلي قلبك مشغول بيها ولعلى ده اختبار ليك من عند ربنا سواء عاشت أو ماتت، ده اختبارك في الحياة يا زين"
يعلم بكل كلمة تفوه بها، ولكنه كان يهرب من كل هذا. نعم هو أحبها بشدة لدرجة أصبح يفضل حبها على كل شيء، لذا حتى ولو كان عقابه أنه سيُحرم منها هذا سيكون جزاته، ومدرك أيضاً أن هذا هو الخير لهما. لعلى الله يريد أن يجمعهما في الجنة. "ودلوقتي قوم روح ليها علشان هي محتجاك، استغفر ربنا وأدعيه يشفيها لأن سبحانه وتعالى هو الوحيد القادر على شفائها"
أومأ له ثم قام أولاً ليصلي ركعتين لله. ذهب ليتوضأ ثم شرع في الصلاة، وهذه المرة بمشاعر جديدة وهو يُقبل على الصلاة بحب. لم يتذكرها في صلاته ويشرد كما بات يفعل في الآونة الأخيرة، بل فقط يصلي بقلبه. سجد ومجرد أن وضع جبينه على أرضية المسجد حتى تساقطت دموعه وهو يستغفر ربه، وحال لسانه يقول: "أنا راضِ يارب". هو راضٍ حتى لو استرد الله أمانته، نعم هو راضٍ. أجل سيحزن كثيراً، ولكنه يعلم أن هذا هو الخير.
انتهى من الصلاة وشكر شيخه ثم رحل لها مرة أخرى، ولكن هذه المرة بإنسان جديد غير الذي كان عليه منذ قليل. أصبح وجهه مشرقاً وقلبه متعلق بالله وقد بدأ يشعر بالراحة الشديدة والتي لا يعلم مصدرها، فقط كل ما يعلمه أن القادم هو الخير. لقد سلم كل أموره لله ويعلم أنه لن يضيعه أبداً. وصل للمشفى وجدها قد انتهت من جلستها وهي تستند على "عمر". ركض نحوهما وهو يأخذها منه ويطمئن على حالها. ثم أخذها وعادوا للمنزل.
دلفت حجرتها ترتاح وهو معها ثم جعلها تُصلي أولاً وهو يُساعدها. صلت وهي جالسة لعدم قدرتها على الوقوف حتى انتهت. جلس زين بجوارها وهو يقول: "أنا عارف إنك سمعتي كلام الدكتورة، بس أنا عايز أقولك على حاجة قل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هم كل اللي بيموتوا بيكون عندهم مرض؟ فيه ناس كتير جدا بتموت فجأة بدون سبب مرضي، والعكس ناس كتير بتخف بالمرض، كل اللي عايز أقوله إن كلام الدكاترة ده ميجيش حاجة جنب معجزات ربنا يا روان"
نظرت له بعدم فهم لِمَ يريد الوصول إليه. ليُكمل حديثه وهو يحاول إيصال ما يريد لها: "أنتِ صليتي قبل كدا القيام يا روان؟ هزت رأسها بالنفي وهي تقول بإعياء: "ياسمين كانت كلمتني عنه قبل كدا كذا مرة، بس مكنتش بصليه"
"طب تعرفي إن ربنا بينزل في السماء السابعة ويقول أدعوني أستجب لكم، ربنا بينزل علشان يحققلنا أمنياتنا واللي محتاجينه، قيام الليل ده لتحقيق المعجزات. تعرفي كمان البيت اللي فيه حد بيصلي القيام بيكون منور في السماء ومعروف بين الملائكة. لما ربنا بيبتلي العبد ده بشيء وممكن بسببه ميقدرش يصلي وينقطع عن القيام تيجي الملائكة تقوله يارب فلان مبقاش بيته ينور وبيصلي القيام ليه؟
ربنا سبحانه وتعالى هيقولهم أنه ابتلاه وبسبب كدا مبقاش يقوم للقيام من المشاغل، الملائكة هتفضل تدعي ربنا لحد ما يرفع عنه البلاء علشان يرجع يصلي القيام من تاني وبيته ينور في السماء من جديد. أوعى تفقدي الأمل بربنا، خليكي واثقة فيه خير، وأعرفي إن كل اللي جاي لينا هو الخير أياً كان هو إيه، اصبري واحتسبي كل ده عند ربنا.
ومتخافيش عليا ومتشغليش بالك بيا، ربنا لما بينزل البلاء بينزل معاه الصبر، وأنا بقيت راضي من كل قلبي بإختيارات ربنا ليا. فرعون وهو بيغرق قال لموسى سبعون مرة اغثني ياموسى ولم يغثه، فأوحى الله لموسى ياموسى استغاث بك فرعون سبعون مرة ولم تغثه وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة واحدة لوجدني قريباً مجيبا، تخيلي ده لطف ربنا بفرعون اللي قال أنا ربكم الأعلى، مابالك بقى بطلبه بعباده؟
رغم الألم الكبير الذي يجتاحها، إلا أنها قد شعرت بالراحة الكبيرة. وها هي تراه يعود كالسباق متماسكاً، فطوال المدة الماضية لم يكن يدعها لدقيقة حتى أنه لم يعد يُصلي جماعة في المسجد خشية أن يتركها ويصيبها شيء. وأصبح يكسل عن ورده وقد بَعُدَ كثيراً، ولكنه ها هو يعود من جديد.
أمسكت ذلك الشيء في يدها بعدما أخرجته من الدرج الخاص بها ثم نزعت خمارها وهي تفرد شعرها والذي بدأ أن يسقط بشدة يوماً بعد يوم أثر الكيماوي وأصبح ضعيفاً عن سابقه. ورغم ذلك مازالت جميلة. تحدث "عمر" والذي كان يجلس معهم بنفس الغرفة ولكنه كان صامتاً. ليردف وهو ينظر لها بمشاغبة: "أيوة يعني بتفردي شعرك ليه دلوقتي، بتحاولي تغريه وأنا قاعد، طب استني حتى لما أمشي ولا دي مكافأة نهاية الخدمة يعني" تجاهلت سُخريته ثم أمسكت
(ماكينة حلاقة الشعر) وهي تنظر لزين. ليقوم هو من مكانه وهو يقول: "إنتِ بتعملي إيه؟ هتحلقي شعرك؟ هو ده الصبر اللي لسه كنا بنتكلم عنه" ابتسمت له بحب وهي تقول برضى: "صدقني يا زين أنا علشان راضية هشيله خلاص، هو كدا كدا كل يوم بيقع أكتر من اللي قبله، ف هشيله مرة واحدة علشان مفضلش أعيط عليه كل شوية وأنا بشوفه بيقع، ولو ربنا أراد لي إني أخف هيطول تاني" ابتسم لها بحب يماثلها هو الآخر ثم قال بحنان:
"يبقى أنا كمان هحلقه معاكِ علشان نبقى زي بعض" ولكنه ابتعد عنها حين صرخت بوجهه وهي تقول بغضب: "لأ يازين إياك... كله إلا شعرك علشان بحبه، ده أنا هصبر نفسي إني أحلقه علشان ألعب في شعرك" اقترب منها وهو يمسح على شعرها بحنان ثم قبّل رأسها وهو يردف: "مهو مش هسيبك تحلقي شعرك لوحدك يا روان مش هيهون عليا" "يعني هتحلق لمين تاني؟ نظر كلاهما إلى "عمر" الجالس على الأريكة والذي أمسك هاتفه يعبث به وكأنه لم يراهم. ولكنه رفع
طرف عينيه بشك وهو يقول: "إيه، بتبصولي كدا ليه؟ ابتسم زين بخبث ها هو سوف يشفي غليله منه ليقول: "هنروح بعيد ليه، وعمر أخوكي أهو" ينتفض الأخير بفزع وهو يتحسس شعره ثم وقف وهو يصرخ بهم: "لأ بقولك إيه، مش علشان ترضي السنيورة بتاعتك هتحلق شعري، أنا واحد داخل على جواز ومحتاج أكون أمور" "ما تخلص ياعمر علشا... "ده على جثتي إنه يحصل كله إلا شعري" اقترب منه ثم قال له شيئاً في أذنيه، ليقول عمر مسرعاً وهو يسحب كلامه:
"انت صدقت يابني أنا بهزر طبعاً، أكيد هحلق شعري علشان أختي متبقاش لوحدها ولو محتاج تخلع عضلة أو تكسر رجل مفيش مشاكل" ضحكت روان عليه ثم وجهت بصرها وهي تقول له: "إنت قلت إيه خليته يوافق بسرعة كدا" اقترب منها مرة أخرى ثم غمر لها مشاكسة وهو يقول: "لما نبقى لوحدنا هبقى أقولك" بينما الأخير كان ينظر لهم بغيظ ويكاد يبكي لأجل شعره العزيز عليه. "يلا يا عمر علشان تحلق شعرك أنت الأول"
جلس أمامه متذمراً ولم يقوى على الرفض مما جعلها تضحك على ملامحه. ليبتسم لها هو الآخر بحنو. فإن كان بخسرانه لشعره سيرى بسمتها فلا بأس. ولكنها قالت: "لأ خلاص يازين متحلقش شعره... عمر بيحبه" ولكنه لم يأبه لها ثم قام بحلق شعره كاملاً حتى بقيت رأسه لا تحوي على شعرة واحدة. أخذت روان تضحك عليه حتى شعرت بألم في معدتها من هيئته. "أضحكي ياختي أضحكي، هتبقى زيي كمان شوية وهضحك نفس الضحك عليكِ"
قام من على المقعد لتجلس هي عليه. ثم شرع زين في إزالة شعرها برفق وهو يواسيها ببعض الكلمات ثم يمسح وجهها تارة، ويقبل وجهها تارة أخرى كي ينسيها الأمر حتى انتهى. وقف عمر يضحك عليها هو الآخر ثم هتف بضحك وهو يقف بجوارها: "تصدقي فينا شبه من بعض يا بت يا روان واحنا قُرع كدا وشبه القرود كدا" "اتكلم عن نفسك يابابا أنا حلوة" ثم توقفت عن الحديث وهي تنظر لزين قائلة: "زين مش أنا حلوة؟ "قمر"
أجابها بلطف شديد وكأنها ابنته، لتُخرج لسانها لعمر في محاولة لإغاظته والذي كان يقف وينظر لهم بتشنج والأسى بادٍ على وجهه. ليقول وهو يرحل: "هي دي الرومانسية اللي عندكم" "أيوه يا عم محمد... أنا هرجع فلسطين" نظر لها بصدمة وكأنه يرفض ما تقول. هل سترحل بكل تلك البساطة؟ ليردف بوهن: "هترجعي للخراب تاني يا رغد، هتروحي للموت برجلك؟ هترجعي لنفسك المكان اللي انتِ مش قادرة تتعافي منه"
"وصدقني أنا مش هتعافى غير هناك، وبعدين مقدرش أقول عليها خراب لأن ده وطني وأرضي، وأنا مش رايحة للموت برجلي لأ، أنا راجعة للمكان اللي أنا منه يا عمي محمد، أنا مكاني هناك مش هنا وسطكم، رغم إن يعلم ربنا أنا حبيتكم كأنكم أهلي، لكن حور غلطت لما جابتني هنا لأنه مكنش ينفع، وأنا غلطت أكتر لما وافقت وكنت فاكرة هقدر أكمل حياتي، بس طلعت غلطانة علشان السمك عمره ما يقدر يعيش بره الماية، وأنا بنت فلسطين وهفضل فخورة ببلدي، حتى لو
أول ما أروح هناك هلاقي موتي، يكفيني أني أموت شهيدة وأنا بدافع عن أرضي ووطني. كفاية هروب لحد كدا، لازم أرجع وأحارب كل اللي هربت منه، هناك وسطهم هرجع رغد القوية وضحكتي هترجعلي تاني، إحنا في عز الحرب بنكون بنضحك يا عم محمد، علشان نصرنا الحقيقي هو الابتسام في وش العدو لأن الخسران الحقيقي هو إنك تظهر له ضعفك وانكسارك. الماية هتعود لمجاريها والسمك هيعود للماية، ورغد هترجع وطنها أرض فلسطين تاني"
تساقطت العبرات من عينيه وقد لامست قلبه كل كلمة قالتها. يالله نحن جميعاً في نعم كثيرة، يكفي الأمان الذي نعيش به وحولنا جميع عائلتنا. كانت تريد احتضانه ولكنها لم تفعل، مازالت متمسكة ببعض مما تربت عليه، لتكتفي بوضع يدها على كتفه قائلة: "ادعيلي بس يا عم محمد، وكفاية دموع بقى علشان مرجعش في قراري وأقعد أعيط جنبك" ليمسح دموعه بحزن وهو يقول:
"رغم إني مش هقدر على فراقك وأنا عارف إني ممكن مشوفكش تاني وكنت مستحيل هسمحلك ترجعي، لكن ده القرار الصح اللي خدتيه وعلشان كدا مش هقدر أمنعك.. خدي بالك من نفسك يا رغد" أومأت له وهي تزيل دمعة سقطت من عينيها وهي تومئ له، ثم ذهبت لتستعد إلى العودة لبلادها مرة أخرى، والتي قد اشتاق قلبها لها بشدة.
كانت تستند على الحائط وهي تسير ببطء ولكن شعرت بشيء لزج تحت قدمها، كادت أن تسقط وهي تغمض عيناها ولكن وجدت يده تُحيط بها تمنعها من الانزلاق. رفعت نظرها له فوجدته ينظر نحوها وهو يقول: "مش تخلي بالك بعد كدا؟ وبعدين قومتي ليه، لو فيه حاجة محتاجاها قولي وأنا هنجيبهالك" أومأت له بهدوء ثم سارت معه إلى غرفتها مرة أخرى حتى أجلسها على الفراش. هم ليرحل ولكنها أمسكت يده برفق وهي تناديه بحنين: "محمود"
ارتجفت أوصاله حين سمع اسمه منها، ولأول مرة منذ سنوات تنطق اسمه بين شفتيها، فمنذ أن عادت وهو يتجنبها. يساعدها ويبقى بجانبها، ولكنها تشعر بتجنبه منها وكأنه يؤدي واجباً عليه فقط. لم يكن لديها القدرة على بدء الحديث معه، ولكن ها هي تفعل وهي تناديه لأول مرة منذ أن عادت. التفت لها وهو ينظر نحوها وينتظرها أن تتحدث. لم تنطق هي بشيء بل عيناه هي من فعلت.
ظل ينظر لها بعتاب وبداخله يحكي الكثير. هم ليرحل مرة أخرى بعدما طال صمتها ولكن أوقفه حديثها وهي تقول: "عارفة إنك زعلان مني بس صدقني كان غصب عن... هنا وقد بلغ غضبه ليخرج كل ما يجيش بصدره منذ سنين: "كان غصب عنك إيه يا تهاني، غصب عنك إنك تقرري لوحدك من غير ما ترجعيلي، غصب عنك تسيبيني لوحدي أفضل أسأل نفسي طول السنين دي ليه؟ أنا عملت إيه علشان تسيبيني بالشكل ده؟
إخترتي تتحملي لوحدك وسبتيني حتى من غير ما تعرفيني حاجة وعشت عمري كله على أساس إنك خدعتيني رغم إن قلبي مكنش مصدق إنك تعملي كدا" "بس أنا عملت كدا علشان أنقذ ابننا... "طب وأنقذتيه؟ أنتِ علشان تنقذي واحد دمرتي عيلتنا كلها يا تهاني، حياتنا إحنا الأربعة كانت المقابل ويا ريتك أنقذتيه، وليث ابنك اللي طلع معقد وفي النهاية إيه اتجمعنا؟ أنتِ خسرتي صحتك وعمرك وكلنا خسرنا وبرضو مقدرناش نتجمع" مسحت دموعها وهي تقول بألم وضعف:
"لأ لسه فيه أمل نتجمع يا محمود، ياسر هيرجع تاني أنا متأكدة وهنرجع كلنا زي الأول واحسن" نظر لها بشفقة كونها مازالت تجهل خبر وفاته. لم يقوى أحد على إخبارها منذ أن عادت، ولكن يجب عليها أن تعلم إلى أي حال وصل له، فقط لأنها قررت تحمل ما حدث لوحدها. ليتحدث بألم شديد ترك ندبة داخل صدره وهو يقول: "ياسر مش هيرجع يا تهاني" هزت رأسها وكأنها تحاول نفي ما فكر به عقلها وهي تهتف بأمل:
"لأ هيرجع، هو.. هو بيحبني أوي وقالي إنه مش هيسيبني" رفع رأسه لها وألتقى أعينهما في عتاب طويل، عتاب ظل يحمله طوال حياته. لقد كانت نتيجة خطأها دمارهم جميعاً. أردف بعيون مغروقة بالدموع وصوت متحجر: "محدش بيرجع من الموت يا تهاني.... ياسر مات" كانت راقدة على الفراش وهي تشعر بالإعياء الشديد، ولقد اشتد عليها المرض بشدة. تساقطت دموعها بألم وهي تشعر بأنها غير قادرة على أخذ أنفاسها.
شحب وجهها وهي تشعر بنيران تحترق جسدها من شدة الألم. يالله تريد فقط خمسة دقائق... فقط مجرد خمسة دقائق تشعر فيهم بالراحة. تتساءل ما الذي كان يحزنها قبل هذا المرض؟ إن كتب الله عليها الشفاء لن تشتكي أبداً. هُنا فقط علمت نعمة الصحة. كانت مُعافاة تماماً ورغم ذلك كانت تتذمر على كل شيء وغير راضية. ماذا عن حالها الآن والمرض ينهش جسدها؟ أعلمت نعمة الصحة الآن؟
نفضت عقلها من تلك الوساوس وأخذت تحمد الله وتدعو لأن يكون هذا المرض شفيعاً لها ويطهر جسدها من كل الذنوب التي كانت تقترفها. تذكرت حديث "زين" عن قيام الليل، لتتحامل على نفسها كي تُصلي ولكنها غير قادرة. حاولت عدة مرات لكي تقف ولكن بعد محاولات عديدة باءت بالفشل. ها هي وقفت.
ولكنها وقعت أرضاً بضعف ولم تقوى على السير. تحاملت على نفسها وهي تشجع نفسها بأنها ستقدر. وبعد قليلاً وقفت مرة أخرى وهي تستند على الحائط، ولكن خانها جسدها لتسقط مرة أخرى مُحدثة صوتاً أكبر وقد آلمها جسدها هذه المرة أثر السقوط. وجدت الباب يفتح ويدخل منه "عمر" مُسرعاً نحوها وهو يتفحصها بخضة قائلاً: "مالك يا روان أي اللي قومك من على السرير بس" قالت من بين دموعها: "أنا بس... كنت عايزة أصلي، بس مقدرتش"
حملها برفق ثم قام بوضعها على الفراش وهو يمسح على رأسها ويقول بحنان: "هشش بس اهدي اهدي مناديتيش عليا ليه أقومك؟ "ك.. كنت عايزة أقوم لوحدي" "طب تعالي حتى هساندك" أومأت بالرفض وأخذت نفساً عميقاً وهي تهتف: "لأ يا عمر أنا عايزة أكون قوية، مينفعش أستسلم بسهولة، هحاول وهفضل أحاول لحد ما أقدر وكمان علشان طمعانة في أجر أكبر"
ابتسم لها بألم وقلبه يؤلمه لأجلها. وقفت مرة أخرى وهذه المرة كانت عزيمتها أقوى، لتحاول جاهدة السير حتى وصلت أخيراً إلى المرحاض وتوضأت بصعوبة شديدة. عادت مرة أخرى فوجدته مازال ينتظرها لتردف: "معلش يا عمر ممكن تسيبني شوية، حابة أصلي لوحدي" "بس أحسن تتعب... قاطعته وهي تقول ببسمة: "متقلقش هكون كويسة إن شاء الله" "طب لو احتاجتي حاجة ناديني ماشي؟ "حاضر"
خرج وهو يتنهد بحزن، بينما بصعوبة شديدة وقفت تُصلي القيام وهي تُمسك المصحف لتصلي به بأيدي مرتعشة. فقد سألت "زين" عن حكم صلاتها بالمصحف فأخبرها أن بعض الأئمة قد أجازوا في القيام هذا فضلاً عن أنها قد تُخطئ في القرآن. كانت هذه أول مرة تُصلي فيها قيام الليل، وقفت بين يدي الله تصليه وتدعوه بكل ما تحمله داخل صدرها. تعلم أن احتمال شفائها ضعيف، ولكنها تثق بالله.
أخذت تبكي بشدة وهي ساجدة حتى أوشكت أنفاسها على التوقف وبدأت في السعال وقد احمر وجهها حتى هدأت.
بدأ الشعور بالراحة يتسلل إليها بعدما انتهت من الصلاة وظلت جالسة على مصليتها تسبح وتستغفر. والأهم أنها ظلت تحمد الله وقلبها راضٍ. ابتسمت وهي تتذكر حياتها قديماً وحياتها الآن وشتان بينهما. ورغم الألم الذي تشعر به، إلا أنها لو خُيرت بين حياتها قديماً وحياتها الجديدة، لأختارت حياتها الآن وهي بين يدي الله. يكفي السكون والراحة التي تشعر به، وأنها إن ماتت ستكون في ذمة الله.
"عمر" انتهى من صلاة الفجر بعدما ظل يدعو الله أن يشفيها. هم ليرحل ولكنه وجد والد زين أمامه، ليجدها فرصة سانحة اقترب منه ثم قال بصوت عالٍ: "الشبشب بتاعي راح فين، أنا كل يوم بحطه هنا" نظر له والد زين بتعجب، فهو كان يرتديه بقدمه. تدراك الأمر بحرج ثم حمحم وهو يقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. ازيك يا عمي" رفع الرجل رأسه ليجده شاباً يعرف ملامحه ولكنه لا يتذكره جيداً، ليجيبه:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. الحمد لله بخير يابني" شعر أنه لم يتعرف عليه، ليقول بخجل: "حضرتك مش عارفني يا عمي... أنا عمر" نظر له بتعجب وقد تفاجأ به، ليقول: "إزيك يا عمر.. معلش يابني مخدتش بالي، أصلك حلقت شعرك خالص وأنت كنت طول عمرك بطوله" أجابه باحترام شديد لا يتناسب مع شخصيته العابثة:
"الصراحة يا عمي علشان روان أختي وكده وانت عارف بمرضها يعني، فمحبتش أجرحها وشلت شعري أنا كمان، رغم الشهادة لله مكنتش راضي خالص هي وزين وقالولي إنت مكلش ذنب يا عومر، لكن أنا مقدرتش وقولتلها أنا هشيله قبلك كمان أنا أخوكي وسندك وضهرك" ربت الأخير على كتفه وهو يقول بتأثر: "ربنا يتمم شفائها على خير يارب، وأنت ماشاء الله عليك، كبرت وعقلت وبقيت راجل، وأنت صغير كنت شقي وبتاع مشاكل"
بهت وجهه هل تذكر ما كان يفعله منذ أن كان صغيراً، ولكنه حاول تغيير الأمر ثم هتف: "كنت صغير بقى أنا دلوقتي كبرت خلاص" ابتسم له وخرجا سوياً، ليقطع عمر الصمت وهو يقول: "بس يعني أنا باجي أصلي كل يوم هنا يا عمي مبشوفكش ليه" "بتيجي تصلي كل يوم هنا؟ أنا كمان مش بشوفك" أومأ له ثم أردف وهو يقول: "أيوة بحب آجي أصلي هنا الحقيقة علشان كل ما خطوة بنخطيها للمسجد بناخد عليها حسنة فبروح أبعد مسجد أصلي فيه"
ظل الأخير يشكره ويثني عليه ولكنه لاحظ نظراته المثبتة أرضاً، ليسأله وهو يقول: "خير يابني فيه حاجة واقعة منك؟ عمال تبص في الأرض ليه كدا؟ "علشان أغض بصري، بصراحة سمعت عن غض البصر ومن ساعتها بخاف أرفع عيني لأحسن تيجي على بنت بالغلط" "ماشاء الله، يا ريت الشباب كلها زيك ويرزق بنات المسلمين ببنات زيك" اقترب منه فجأة ثم أخذ يقبله وهو يقول: "أيوة يا عمي كتر من الدعوة دي بالذات، اهو ده السبب اللي جيتلك علشانه"
نظر له باستفهام، ليوضح له مقصده وهو يقول بأسلوب مهذب ومازال ينتظر أسفل: "أنا ليا الشرف أطلب إيد ياسمين بنت حضرتك لأني بدور على واحدة ملتزمة تكمل نص ديني وملقتش أفضل من الآنسة ياسمين"
نزلت من السيارة وهي تمسك بحقيبتها وداخلها يزرف الدموع بألم، نزلت معها "حور" والتي كانت منهارة بشدة لأجل رحيلها وتحديداً إلى المكان التي ستذهب إليه وتعرف احتمالية عدم رجوعها. تتذكر أوقاتهم معاً وما أمضوه سوياً وكم تألمت حينما أخبرها والدها بخبر رحيلها. بينما ليث يقف يواسيها وهو حزين أيضاً لأجلها ويتذكر أول مرة رآها بها حين ذهب منزلهم وكم كانت تغضبه. حمل لها الحقيبة وهو يقول: "إن احتجتي أي حاجة كلميني فوراً"
أومأت له وهي تحتضن حور مرة أخيرة قبل ذهابها بلا عودة. بكت الأخيرة بشدة وهي تقول: "علشان خاطري يا رغد خليكي، إحنا كلنا اتعودنا عليكِ، هن.. هناك ممكن.." لم تستطع أن تُكمل جملتها، بينما هي منعت نفسها من البكاء ثم أردفت بثبات: "للأسف غصب عني يا حور، صدقيني هتوحشيني جداً، وعم محمد اللي رفض ييجي علشان مش هيقدر يودعني هو كمان هيوحشني"
ابتسمت لها بألم ثم استدارت لترحل ولكنها سمعت صوته وهو يركض نحوها ويناديها بلهفة. يالله، لم تكن مستعدة لأن تقابلها، ما كانت تريد لأحد أن يعلم فهي أكثر ما تكره هو مشاهد الوداع. "رغد... صغيرتي... هل سترحلين وتتركينني وحدي؟ كانت على وشك أن تبكي ولكنها تماسكت، فلن تتراجع عن قرارها الآن. لتنطق بنبرة مختنقة وهي تقول: "معدش ينفع أقعد أكتر من كدا، ده الأحسن ليا" نظر لها بألم. فكرة رحيلها تؤلم قلبه، ليقول لها:
"وماذا عني، ألم تفكري بي؟ ألم تسألي نفسك عن حال قلبي الذي أدمن وجودك بعد كيف سيقوى على ألم فراقكِ! لم تتحدث، هي أيضاً تشعر بوجع داخل قلبها، ولكن تقسم بأنها غير قادرة. رغم أنها تبادله نفس المشاعر، ولكن كُتب على قصتهما النهاية قبل أن تبدأ. تحدث مرة أخرى وهو يقول بأمل ولهفة:
"انظري رغد.. ها أنا أصبحت مسلماً، ولم يعد يوجد ما يُفرقنا، خذي كُل وقتكِ وأنا سأنتظرتك حتى بقية حياتك، لكن أرجوكِ لا تعودي فلسطين مرة أخرى وقد لا أراكِ مجدداً" رفعت نظرها نحوه أخيراً ثم هتفت ببسمة ممزوجة بألم: "إن كان لنا نصيباً لنلتقي مرة أخرى، فلن يُفرقنا شيء يا يونس" ثم لوحت بيدها مودعة وألف يد تود البقاء وقلبها يرفض الرحيل ويود العيش معه. استدارت ثم آخر شيء سمعته كان صوته المخنوق بالبكاء وهو يقول:
"كوني بخير لأجلي يا رغد... سأنتظرك ما حييت يا رغد" ثم جلس على ركبتيه وهو يقول بصوت ضعيف وصل لمسامعها: "أنا أحبك يا رغد" أرادت أن تخبره أنها أيضاً تحبه وتريد البقاء معه، ولكن ليس بوسعها شيء، لترحل بجسدها ولكن ظل قلبها هنا. وها هي الحبيبة رغد تعود لوطنها الحبيب مرة أخرى. فتح الباب وهو يركض نحوها بفزع بعدما أخبرته والدته بأن المرض قد اشتد بها. هل سترحل وتتركه؟
أبهذه البساطة تتخلى عنه، لن يسمح لها أبداً بأن تتركه بعدما وجد ضالته بها. اقترب من فراشها فوجدها تضم نفسها وتجلس بوضعية الجنين داخل رحم أمه. وقع قلبه وهو يراها بهذا المنظر. جذبها لأحضانه وهو يمسح على رأسها. ارتفع صوت بكائها فقد كانت على حالتها منذ مدة وترفض التحدث مع أحد، حتى أتى أخيراً لها: "هشش اهدي.. اهدي أنا معاكِ مش هسيبك تاني، أنا آسف لكِ يا عمري مش هسيبك خالص"
ازداد نحيبها أكثر وهي تشد من أحضانه وكأنها تشبع منه قبل رحيلها. سقطت العبرات من عينيه وهو يحضنها أكثر، يريد وكأنه يرفض تركها. "حا.. حاسة إني ه.. هموت يا ز.." وضع يده على فمها يمنعها من استكمال جملتها. "هتعيشي يا روان، وهنكون مع بعض سوا" "الظاهر مش مكتوب لنا كدا يا زين، أنا بحبك أوي، و.. وعمري ما حبيت حد غيرك، حتى... حتى لما كنت بعاملك وحش فأنا كنت زعلانة منك علشان بعدت عني"
"وأنا بقيت معاكِ أهو ومش هسيبك تاني أبداً أنتِ بس قاومي علشاني" ظلت تسعل بقوة حتى احمر وجهها ثم هتفت بضعف شديد: " للأسف الوقت اتأخر أوي يا زين، هستناك في الجنة تسأل عني، و.. ولو اتجوزت غيري ابقى سميها على اسمي علشان متنسنيش" قالت آخر جملتها وأخذ جسدها يرتجف بين يديه وهو يحاول تهدئتها ولكنه فشل، حتى فجأة استكانت حركتها تماماً.
نظر لها بأعين جاحظة وهو يهز رأسه بعنف يرفض تلك الفكرة. أخذ يهزها بشدة وهو ينادي عليها كي تستفيق، ولكنها أغمضت عيونها بلا عودة. هل كان المرض أقوى منها ليأخذها منه بهذه البشاعة؟ ترددت الفكرة في عقله، أنها ذهبت ولم يعد يراها مجدداً، حتى صرخ صرخة مدوية بالمكان. "زين... يااازين، مالك اصحى يا زين"
فتح عينيه فكانت حمراء كالدم، وجدها أمامه بهيئتها وهي تنظر له بقلق وكانت تجلس على مصليتها. نظر حوله ليجده مازال في حجرتها، هل كان هذا حلم؟ تحدث وهو يلهث ويأخذ أنفاسه بصعوبة: "أنا.. أنا نمت هنا إزاي؟ "كنت قاعد معايا ولقيتك نمت فجأة ومرضتش أصحيك، ولما جه وقت القيام حاولت أصحيك كتير بس أنت مقومتش، واديها الفجر أذن أهو وأنت برضو مقدرتش تقوم"
كان هذا الكابوس من الشيطان، لأنه منذ زمن لم يترك فجراً ولا قياماً. اقترب منها ثم جذبها لأحضانه وهو يتنهد براحة تحت تعجبها. علمت بأنه كان يحلم لتقول: "من ساعة ما كلمتني عن القيام وأنا بصليه، وأنت اللي بدأت تكسل أهو" نعم هي مُحقة، لا يعلم كيف نام عن الصلاة. أخذ يستغفر ثم قام توضأ وصلى ودعا الله بأن يختار الخير لهما ويحمد الله.
"النهاردة هنروح للدكتورة علشان نعرف نتيجة التحاليل الجديدة، وأي أن كانت النتيجة يا زين أنا راضية وعايزاك أنت كمان تكون راضي وأعرف إن ده هو الخير لينا، حتى لو مش مكتوب لنا نكون مع بعض في الدنيا، إن شاء الله هنتجمع في الآخرة" أومأ لها وهو يعلم أن معها حق، أي أن كانت النتيجة سوف يرضى حتى ولو كانت مؤلمة.
جلس أمام الطبيبة وهي تجلس بجواره ممسكة بيده، ولكلا منهما يحاول طمأنة الآخر. كانت الطبيبة تُمسك التقارير الخاصة عن حالتها ثم نظرت لهم بصدمة وهي تهتف: "مستحيل، أكيد التقارير دي فيها حاجة" نظرا لها بتعجب لتكمل هي حديثها: "اللي حصل ده معجزة، روان خفت من الكانسر، ولحد الآن مش عارفة أستوعب إزاي"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!